خلوه وتعبده بغار حراء وبداية أمر الوحي_9533

خلوه وتعبده بغار حراء وبداية أمر الوحي


بدء الوحي

حتى إذا مَا بَلَغَ الرسولُ ... الأربعينَ.. جَاءهُ جبريلُ «1»

وهْوَ بغارٍ بحِرَاءٍ مُختَلي ... فجاءهُ بالوحيِ منْ عندِ العَلي

في يومِ الاثنينِ، وكانَ قدْ خَلَتْ ... منْ شَهرِ مولدٍ ثمانٌ انْ ثَبَتْ «2»

وقيلَ: في سابعِ عشري «3» رَجبِ ... وقيلَ: بلْ في رمضانَ الطيّبِ «4»

قالَ لهُ: اقرأ وهْوَ في المِرارِ ... يُجيبُ نُطقًا: ما أنا بِقاري

فَغَطَّهُ ثلاثةً حتى بَلَغْ ... الجَهْدَ، فاشتدَّ لذاكَ وانصبَغْ «5»

أقرأَهُ جبريلُ أولَ العلق ... قرأه كما له به نطق

__________

(1) في هامش (ب) : (في سنه ص لما بعث أقوال: أربعون سنة، وهو الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر، وقيل: أربعون ويوم، وذكر بعضهم قيل: وعشرة أيام، وقال السهيلي: وقد روي أنه نبّىء لأربعين وشهرين من مولده، وفي المسألة قول خامس حكاه القاضي عياض عن ابن عباس وسعيد بن المسيب رواية شاذة: أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، وصوب النووي: أنه على رأس الأربعين، والله أعلم) .

(2) قال المناوي في «العجالة السنية» (ص 53) : (قال ابن عبد البر: وكان قد خلت من شهر ربيع الأول- وهو شهر مولده- ثمانية أيام سنة إحدى وأربعين منذ الفيل، واعترضه الناظم بأنه إنما يتم إن ثبت بتوقيف صحيح، وأنى به؟) وانظر هذه الأقوال وغيرها في «فتح الباري» أول (كتاب التعبير) (12/ 356) .

(3) أي: عشرين، حذفت النون لإضافتها إلى رجب؛ تشبيها بنون الجمع.

(4) قوله: (في رمضان الطيب) قال الحافظ في «فتح الباري» (12/ 356) : (وهو الراجح؛ لما تقدم من أنه الشهر الذي جاء فيه في حراء، فجاءه الملك، وعلى هذا: يكون سنّه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر) .

(5) فاشتدّ: قوي جسمه على الحركة. وانصبغ: قوي على مخالطة الروحانيات.

وكونُ ذا الأولَ فهْوَ الأشهَرُ ... وقيلَ: بل يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

وقيلَ: بلْ فاتحةَ الكتابِ ... والأولُ الأقربُ للصَوابِ «1»

جَاءَ إلى خديجةَ الأمينَهْ ... يشكو لها ما قد رآه حينه

فثبّتته إنّها موفّقه ... أوّل ما قد آمنت مُصَدِّقَهْ

ثمَّ أَتَتْ بهِ تَؤمُّ وَرَقَهْ ... قَصَّ عليه ما رأى فصدّقه

فهو الّذي آمن بعدُ ثانيا ... وكانَ بَرًّا صَادقًا مُواتِيا «2»

والصادِقُ المصدوقُ قالَ: إنهْ ... رأى له تَخَضْخُضًا «3» في الجنّه

__________

(1) انظر «فتح الباري» (1/ 28) فقد رجح هذا القول وأتى بالأدلة، والنووي في «شرح مسلم» (2/ 207) وصرح ببطلان القول الثاني.

(2) مواتيا: مترفّقا متلطّفا.

(3) تخضخضا: حركة واضطرابا، وقد اختلف في إسلام ورقة، والذي جزم به ابن كثير وابن الشحنة- ونسبه إلى جهابذة أئمة الأثر- والحافظ العراقي ومال إليه الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (3/ 597) إنما هو إسلامه، والله أعلم. وقد أخرج أبو يعلى في «مسنده» (2047) من طريق إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: سئل النبي ص عن ورقة بن نوفل، قال: «أبصرته في بطنان الجنة عليه سندس» ، وقال ابن عدي في «الكامل» (1/ 319) : (تفرد به إسماعيل عن أبيه) ، لكن تعقبه الحافظ في «الإصابة» (3/ 598) وقال: (قد أخرجه ابن السكن من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد، لكن لفظه: «رأيت ورقة على نهر من أنهر الجنة؛ لأنه كان يقول: ديني دين زيد، وإلهي إله زيد» ) ، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (9/ 419) : (رواه أبو يعلى وفيه مجالد، وهذا مما مدح من حديث مجالد، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال: عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين» رواه البزار متصلا ومرسلا، وزاد في المرسل: «كان بين أخي ورقة وبين رجل كلام، فوقع الرجل في ورقة ليغضبه ... » والباقي بنحوه، ورجال المسند والمرسل رجال الصحيح، وعن أسماء بنت أبي بكر: أن النبي ص سئل عن ورقة بن نوفل فقال: «يبعث يوم القيامة أمة وحده» رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) .

قدر إقامته بمكّة بعد البعثة

أقَامَ في مَكَّةَ بعدَ البِعثَةِ ... ثلاثَ عَشْرةَ بغيرِ مِرْيةِ

وقيلَ: عَشْرًا، أو فخمسَ عشْرَهْ ... قولانِ وهَّنُوهُما بمَرَّهْ «1»

فكانَ في صَلاتهِ يَستقبِلُ ... بمكةَ القُدسَ، ولكنْ يَجعَلُ

البيتَ منْ بينِ يديهِ أيضا ... فيما أتى تَطوّعًا أو فَرْضا «2»

__________

قال الحافظ: (أخرج الزبير بن بكار عن عروة بن الزبير قال: كان بلال لجارية من بني جمح، وكانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك، فيقول: أحد أحد، فيمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول: أحد أحد يا بلال، والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا، وهذا مرسل جيد، يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي ص إلى الإسلام حتى أسلم بلال، والجمع بين هذا وبين حديث عائشة- أي: عند البخاري- أن يحمل قوله: «ولم ينشب ورقة أن توفي» أي: قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد) .

(1) قوله: (وهنوهما بمرة) ليس بمسلّم، فقد أخرج البخاري عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم (4464) ، والحاكم (2/ 626) عن عروة، والطبري في «تاريخه» (2/ 383) عن أنس وابن عباس وسعيد بن المسيب وعمرو بن دينار رضي الله عنهم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بمكة عشرا) ، وأخرج مسلم (2353) ، والحاكم (2/ 627) والطبري في «التاريخ» (2/ 386) عن ابن عباس: (أن النبي ص مكث بمكة خمس عشرة سنة) ، أما القول الذي أورده المصنف.. فأخرجه البخاري (3902) ، ومسلم (235) ورجحه الحافظ في «الفتح» (8/ 151) ، ويجمع بين الأقوال: أن من قال بالعشرة لم يعد السنوات الثلاث في أول البعثة وقبل الأمر بإظهار الدعوة، ومن قال بخمس عشرة أخذ بقول من قال: إن النبي ص توفي وعمره خمس وستون سنة، وقال المناوي في «العجالة السنية» (ص 59) : (والثالث: حسب معها السنتين اللتين كان يرى فيهما الضوء والنور ويسمع الصوت ويرى الرؤيا فتجيء كفلق الصبح) والله أعلم.

(2) في هامش (ب) : (وقال آخرون: إنه عليه السلام صلى أول ما صلى إلى الكعبة، ثم إنه

وبعدَ هجرةٍ كذا للقُدْسِ ... عامًا وثُلثًا، أو ونصْفُ سُدْسِ «1»

وحُوِّلتْ منْ بعدِ ذاكَ القِبلةُ ... لكعبة الله ونعم الجهة «2»

__________

صرف إلى بيت المقدس، ومن الناس من قال: كانت صلاته عليه السلام إلى بيت المقدس من حين فرضت الصلاة بمكة إلى أن قدم المدينة، ثم بالمدينة إلى وقت التحويل، قال أبو عمر: وأحسن من ذلك قول من قال: إنه عليه السلام كان يصلي بمكة يستقبل القبلتين، فذكر القول الذي قاله شيخنا، وله مستند من حديث ابن عباس) .

(1) قوله: (أو ونصف سدس) أي: عاما وثلثا ونصف سدس أيضا فتكون ستة عشر أو سبعة عشر شهرا- كما روى البخاري (40) - ورجح الحافظ في «فتح الباري» (1/ 96) القول الثاني، فانظره تستفد.

(2) في هامش (ب) : (كم أقام عليه السلام يصلي إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة؟ عشرة أقوال، وهي روايات: ستة عشر شهرا- وهو المعتمد؛ إذ في «صحيح مسلم» الجزم بها عن البراء فتعينت- الثاني: سنتان، 3- تسعة عشر شهرا، 4- ثمانية عشر شهرا، 5- سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام، 6- سبعة عشر شهرا، وهو قريب من الذي قبله، 7- ثلاثة عشر شهرا، 8- ثمانية أشهر، 9- تسعة أشهر، 10- شهران) .

ذكر السّابقين للإسلام

مِنَ الرجالِ ابنُ أبي قُحَافهْ ... قالَ بهِ حسّان في القصيدة «1»

وعِدةٌ من الصحَابةِ الأُلى ... وفَّوْا، وتابِعُوهُمُ ممن تلا

خديجَةَ اذكرْ أولَ النّسوانِ ... عليًّا اعدُدْ أولَ الصّبيان

وعمره ثمان او معشّر «2» ... أو ستّ او خمس، وقيل: أكبر

من الموالي: زيد ابن حارثهْ ... كان مُجَالِسًا لهُ محادِثَهْ

عثمَانُ والزبيرُ وابنُ عوْفِ ... طلحةُ سعدٌ أمِنوا مِنْ خَوفِ

إذ آمنوا بدعوةِ الصديقِ ... كذا ابنُ مظعونٍ بذا الطريقِ

ثم أبو عبيدةٍ والأرقمُ ... كذا أبو سلمةَ المكرَّمُ «3»

وابنُ سعيدٍ خالدٌ قدْ أسلمَا ... وقيلَ: بلْ قبلَهُمُ تَقدَّما

كذا ابنُ زيدٍ؛ أي: سعيدٌ لا مِرَا ... وزوجُهُ فاطمةُ أختُ عُمَرا

كذاكَ عبدُ الله معْ قُدامَهْ ... هما لمظعونٍ سعيدا الهامه «4»

__________

(1) وهو قوله في ديوانه (1/ 125) من البسيط:

ألثّاني التّالي المحمود مَشْهدُه ... وأول الناس منهم صدق الرسلا

(2) معشّر: عشر سنوات.

(3) أبو سلمة: هو المخزومي أخو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرضاعة.

(4) هما عبد الله وقدامة ابنا مظعون أخوا عثمان بن مظعون. وقوله: (سعيدا الهامة) أشار به إلى شجاعتهما. والهامة: الرأس.

وحاطبٌ حطابٌ «1» ابنا الحارثِ ... أسماءُ عائشْ وهْيَ غير طامث

كذا ابن إسحاق بذاكَ انفرَدا ... ولم تكنْ عائِشُ ممنْ وُلِدا «2»

فاطمةٌ «3» فُكَيْهَةُ الزوجانِ ... تلكَ لذاكَ هذهِ للثاني

عبيدةُ بْنُ حارثٍ، خَبّابُ ... ابنُ الأرتِّ كلهُمْ أجَابُوا

كذا سَلِيْطٌ وهُوَ ابنُ عمرِو ... وابنُ حذافةَ خُنَيْسٌ بَدري «4»

وابنُ ربيعةَ اسمُهُ مسعودُ ... ومَعْمَرُ بنُ حارثٍ معدودُ

وولدا جَحْشٍ هما عبدُ الله ... كذا أبو أحمدَ عبدٌ أوَّاهْ

كذا شَبيهُ المُصطفى؛ أي: جَعفرُ ... أسماءُ زوجُهُ «5» ، الحَليفُ عامرُ

عياشٌ اعني ابنَ أبي ربيعهْ ... وزوجه أسما إلى سلامة «6»

__________

(1) حطاب: بالحاء المهملة- وقيل: بالخاء المعجمة- ابن الحارث الجمحي، وقد ضبطها العراقي بخطه بالمعجمة والمهملة.

(2) قول ابن إسحاق: (إن عائشة رضي الله عنها كانت من السابقين) نقله عنه ابن هشام في «سيرته» (1/ 253) وابن عبد البر في «الدرر» (39) ، ورده المصنف، قال مغلطاي في «سيرته» (109) بعد نقله: (كذا قاله ابن إسحاق، وهو وهم، لم تكن عائشة ولدت بعد، فكيف تسلم؟! وكان مولدها سنة أربع من النبوة) والله أعلم.

(3) في هامش (ب) : (فاطمة هذه هي: ابنة المجلّل بن عبد الله، وهي زوج حاطب بن الحارث المتقدم، وفكيهة بنت يسار هي زوج حطاب بن الحارث، فاعلمه) .

(4) سليط: هو ابن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري. خنيس: هو ابن حذافة القرشي السهمي، وهو بدري قديم، تزوج حفصة بنت عمر قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

(5) أسماء: هي بنت عميس بن معد، زوجة جعفر بن أبي طالب، ووقع في مطبوع «العجالة السنية» تصحيف في (ص 69) ففيها: (زوجة عامر) ، والصواب ما في مخطوطها: (زوجته) أي: زوجة جعفر، فليتنبه. عامر: هو ابن ربيعة العنزي، حليف آل الخطاب.

(6) قوله: (أسما إلى سلامة) أي: أسماء بنت سلامة بن مخربة التميمية، زوجة عياش.

نُعَيمٌ النَّحامُ، أيضًا حاطبُ ... وهو ابنُ عمروٍ، وكذاك السائبُ

أي ابنُ عثمانَ بنِ مظعونٍ، ذكر ... أبوه، مع مطّلب ابن أزهَرْ

وزوجُهُ رَملةُ، معْ أُمَيْنَهْ «1» ... بنت خلَفْ لخالد قرينه

مضى اسمه، عمّار ابن ياسرِ ... وابنُ فُهَيْرةَ اسمِهِ بعامِرِ

أبو حذيفةَ، صهيبٌ، جُنْدُبُ ... وهْوَ أبو ذرٍّ صَدوقٌ طيّبُ

وقالَ: إني رابعٌ لأربعَهْ ... من تابِعِي النبيّ أسلموا معَهْ

كذا أُنيسٌ أخُهُ قدْ أسلمَا ... ثُمَّتَ بعدُ أسلَمَتْ أمُهُمَا «2»

كذا ابنُ عبدِ الله وهو واقد ... كذا إياسٌ، عاقِلٌ، وخَالدُ

وعامرٌ أربعةٌ بنُو البُكَيرْ ... وابنُ أبي وقاصٍ اسمُه عُمَيرْ

كذاك بنتُ أسدٍ فاطمةُ ... كذاك بنتُ عامرٍ ضُباعَةُ

عمرٌو، أبو نَجِيحِ فيهمْ مَعدودْ ... عُتبةُ، عبدُ الله نجلا مسعود «3»

__________

(1) رملة: هي بنت أبي عوف. أمينة- بالتصغير-: هي بنت خلف بن أسعد الخزاعية، زوجة خالد بن سعيد بن العاصي، مر ذكره.

(2) قوله: (أمهما) أي: أم أبي ذر وأنيس، واسمها رملة بنت الوقيعة الغفارية.

(3) أبو نجيح: هو عمرو بن عبسة السلمي. عتبة وعبد الله: هما ولدا مسعود بن غافل الزهري.



كلمات دليلية: