تمهيد من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

تمهيد من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

اسم الكتاب:
مرويات الإمام الزهري في المغازي
المؤلف:
محمدمحمد العواجي

تمهيد

: في مقدمات عامة بين يدي البحث

وفيه فصلان:

الفصل الأول: في فضل الجهاد ومدلول كلمتي السير والمغازي.

الفصل الثاني: في الدراسات السابقة ونبذة عن موارد الرسالة.

الفصل الأول: فضل الجهاد ومدلول كلمتي السير والمغازي.

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: في الإذن بالجهاد.

لما استقر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره، بعباده المؤمنين الأنصار، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح، فأذن الله لهم حينئذٍ في القتال، ولم يفرضه عليهم1، فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير} 2، وقد رجح ابن القيم أن الآية نزلت بالمدينة بأدلة ذكرها في الزاد. وهذه الآية أول آية نزلت في القتال3، وتعتبر هذه المرحلة هي الأولى في تشريع الجهاد.

__________

1 زاد المعاد لابن القيم 3/69-70.

2 سورة الحج آية (39) .

3 قال ذلك ابن عباس رضي الله عنه، انظر: سنن النسائي 6/2، وقال الزهري: أول آية نزلت في القتال كما أخبرني مسروق عن عائشة: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} أخرجه النسائي وإسناده صحيح كما قال ابن حجر في الفتح 7/280.

ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم1 فقال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} 2، وهذه تعتبر المرحلة الثانية.

ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة3، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كلُّه لِلَّهِ} 4، وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون} 5، وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} 6، وهذه الآية تشير إلى أنه لا بد من جهاد الكفار أينما كانوا حتى ينتشر الإسلام

__________

1 زاد المعاد لابن القيم 3/71.

2 البقرة آية (190) .

3 زاد المعاد 3/71.

4 الأنفال آية (39)

5 البقرة آية (216)

6 سورة التوبة آية رقم (29) .

في الأرض دون أي عقبات تقف في وجهه، ويزيد ذلك وضوحاً قوله صلى الله عليه وسلم: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"1.

وحقها هو اعتناق الإسلام والمحافظة على عقيدته وشرائعه الكلية والجزئية وكان أول ما شرع الجهاد بعد هجرة النبي إلى المدينة.. اتفاقاً2.

__________

1 أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1399) و (1400) باب وجوب الزكاة، ومسلم رقم (20) في الإيمان باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأحمد في المسند 1/228-229، رقم (67) ، أرناؤوط. وأبو داود رقم (1556) ، والترمذي رقم (2610) ، والنسائي في الزكاة 5/14 باب مانع الزكاة.

2 ابن حجر، الفتح 6/37.

المبحث الثاني: فضل الجهاد وما أعده الله للمجاهدين

وردت آيات كثيرة وأحاديث نبوية شريفة تبين منزلة المجاهد في سبيل الله عند ربه سبحانه وما أعد له من النعيم المقيم؛ من ذلك قوله جل شأنه: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} 1، وقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 2، وقوله عز وجل: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} 3، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 4.

__________

1 سورة النساء آية رقم (74) .

2 سورة البقرة آية (218) .

3 سورة البقرة أية (154) .

4 سورة التوبة آية (111) .

وأخرج البخاري رحمه الله من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني"1.

وأخرج من حديث أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره"2.

وأخرج من حديث أنس رضي الله عنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها"3.

وأخرج من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أنى أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أُقتل ثم أحيا ثم أُقتل ثم أحيا ثم أقتل"4.

__________

1 صحيح البخاري رقم (2782) باب فضل الجهاد والسير.

2 صحيح البخاري رقم (2786) ، ومسلم برقم (1888) .

3 صحيح البخاري رقم (2794) ، ومسلم رقم (1880) .

4 صحيح البخاري رقم 2797) ، ومسلم نحوه رقم (1876) .

وأخرج من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلَمُ أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك"1.

__________

1 صحيح البخاري رقم (2803) ، ومسلم برقم (1876) .

المبحث الثالث: مدلول كلمتي (السير والمغازي)

من خلال مطالعة القارئ للنصوص القديمة يلحظ أن العلماء كانوا يعبرون بكلمة السيرة ويقصدون بها كل ما يتصل بحياة النبي صلى الله عليه وسلم منذ ولادته حتى وفاته، يظهر من خلال النص الذي ذكره أبو الفرج الأصفهاني عن المدائني قال وأخبرني ابن شهاب قال: قال لي خالد بن عبد الله القسري: "أكتب لي النسب فبدأت بنسب مضر وما أتممته، فقال: اقطعه قطعه الله مع أصولهم، واكتب لي السيرة"1.

فيفهم من النص السابق أن المراد بـ (السيرة) سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كاملة بما فيها العهد المكي، والناظر للكتب التي ألفت في السيرة، واتخذت من هذا الاسم عنواناً لها أنها تتحدث جميعها عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها، ومن تلك المؤلفات (سيرة ابن إسحاق.

أما كلمة (المغازي) فإذا أطلقت فلا يراد بها _ في الغالب _ إلا غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وسراياه، يعرف ذلك من خلال مطالعة النصوص التي تتحدث عن ذلك، فقد روي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: كان أبي يعملنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا وسراياه، ويقول: "هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها"2.

__________

1 الأغاني (19/59) .

2 تقدم تخريجه ص 7.

وروي عن علي بن الحسين أنه كان يقول: "كنا نُعَلَّم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نُعَلَّم السورة من القرآن"1.

فهذه النصوص تدل بوضوح على أن المقصود بكلمة (المغازي) غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وسراياه.

فإذا أطلق اسم السيرة النبوية انصرف الذهن إلى أن هذه الكلمة تعني حياة النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي والمدني.

ولا يعني هذا أن الكتب التي حملت عنوان (المغازي) لا تتحدث عن الفترة المكية، لكن الغالب أنها لا تذكر إلا حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في الفترة المدنية.

فإذا أطلق لفظ (السيرة) وحده شمل حياة النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية والمدنية، وإذا أطلق لفظ (المغازي) وحده شمل الفترة المدنية في الغالب، أما إذا قيل (السير والمغازي) فالمراد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كلها في مكة والمدينة والغزوات والسرايا والبعوث، والله أعلم.

__________

1 تقدم تخريجه ص 13.

المبحث الرابع: تعريف الغزوة، والسرية، والبعث، ومدلولها

وتحته مطلبان:

المطلب الأول: تعريفها لغة واصطلاحاً.

أولاً: تعريفها لغة:

أ - الغَزْوَةُ: المرّةُ من الغزوِ والاسم: الغَزَاة، وجمع الغازي: غُزاة وغُزَّى وغِزِيٌ وغُزَّاء.

والمغزاة: موضع الغزو1.

وقال صاحب اللسان: "غزاه غزواً، أراده وطلبه وقصده"2.

وقال صاحب القاموس: "الغزوة ما غزي وطلب"3.

وقال الحافظ ابن حجر: "المغازي جمع مغزى، يقال غزا يغزو غزواً ... وأصل الغزو القصد"4.

ب – السرية في اللغة: بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية هي التي تخرج بالليل5، وهي فعيلة بمعنى فاعلة، سميت سرية لأنها تسري

__________

1 النهاية لابن الأثير 3/366.

2 لسان العرب: غزا.

3 القاموس المحيط: غزا.

4 فتح الباري 6/279.

5 الفتح 8/56.

ليلاً في خفية لئلا ينذر بهم العدو فيحذروا ويمتنعوا1.

جـ - البعث في اللغة: يقال بَعَثَه يَبْعَثة بَعْثاً: أرسله وحده، وبعث به أرسله مع غيره، والبعث: الرسول، والجمع: بُعثان، والبعث: بَعْثُ الجند إلى الغزو، وقولهم: كنت في بعث فلان أي في جيشه الذي بعث معه، والبعوث الجيوش2.

ثانياً – تعريف هذه الألفاظ اصطلاحاً:

جمع الزرقاني تلك الألفاظ في تعريف واحد فقال: "كل عسكر حضره النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه يسمى غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضاَ من أصحابه إلى العدو يسمى سرية أو بعثاً"3.

فالزرقاني هنا لم يفرق بين السرية والبعث، بينما الحافظ ابن حجر ذكر تعريفاً محدداً بالنسبة للبعث فقال: "ما افترق من السرية يسمى بعثاً"4.

ولكن يبدو أن تعريف الزرقاني أدقُّ؛ لأن الأوائل لم يفرقوا بين

__________

1 اللسان مادة (سرا) .

2 اللسان (بعث) .

3 شرح المواهب اللدنية للزرقاني 1/387.

4 فتح الباري 8/58. ولكن تعريف الحافظ هذا فيه نظر، لان معنى البعث الإرسال، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث البعوث من المدينة. فالبعث كلمة عامة تطلق على السرية التي خرجت من المدينة وعلى التي افترقت منها.

السرية والبعث كما سيأتي في المطلب الثاني.

ويدل على ذلك تعريف ابن الجوزي للسرية حيث يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يخرج بعث السرايا"1.

وقال ابن الأثير: "السرية الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو، وجمعها السرايا، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس"2.

وكلام ابن الأثير في سبب تسمية السرية نفيس أيضاَ لا كما ذكر الحافظ ابن حجر، وصاحب اللسان، لأن السرية قد تخرج ليلاً وقد تخرج نهاراً. والله أعلم.

وقد تباينت أقوال العلماء في العدد الذي يمكن إطلاق مسمى السرية عليه، فذكر ابن الأثير– كما تقدم3 – أن السرية يبلغ أقصاها أربعمائة، وذكر ابن منظور4 والفيروز آبادي5 أن السرية مابين خمس أنفس إلى مائة، وذكر الحافظ ابن حجر6 أنها من مائة إلى خمسمائة.

وقد بحثت في كثير من المصادر فما وجدت سرية أكثر مما ذكره

__________

1 الوفاء بأحوال المصطفى ص 711.

2 النهاية 2/363، وجامع الأصول 9/478.

3 المصدر السابق.

4 اللسان مادة (سرا) .

5 القاموس مادة (سرا) .

6 الفتح (8/56) .

العلماء إلا سرية مؤتة؛ فإن عدد أفرادها كان ثلاثة آلاف رجل1، وأما ما ذكره بعضهم من تحديد السرية وأنها مابين خمسة إلى مائة أو من مائة إلى ثلاثمائة فربما كان قصدهم الغالب، وإلا فقد أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس سرية وحده إلى نبيح الهذلي بِعُرَنَة.2 وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أميه الضمري وسلمة بن أسلم ابن حريس سرية وحدهما إلى أبي سفيان بن حرب بمكه3.

وأخرج البيهقي عن مجاهد قال: قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود وخباباً سرية، وبعث دحية سرية وحده4.

وعلى هذا يمكن القول: أن السرية لا يتجاوز عددها أكثر من ثلاثة آلاف رجل، كما في سرية مؤتة، وليس في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم سرية بلغ عددها أكثر من ذلك، كما أنه ليس في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حد أدنى للسرية، فقد تتكون السرية من رجل واحد فقط كما مر.

__________

1 انظر: سرية مبحث مؤتة في هذه الرسالة.

2 انظر الطبقات الكبرى (2/50) .

3 الطبقات الكبرى (2/93) .

4 السنن الكبرى (9/100) .

والطلب، أي قصد العدو وطلبه، يدل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصيته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً ... " الحديث1.

وما أخرجه البخاري من حديث يزيد بن أبي عبيد قال: سمعت سلمة ابن الأكوع يقول: "غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة"2.

وقال ابن إسحاق وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعاً وعشرين غزوة، منها غزوة ودّان.."3. ثم قال: "وكانت بعوثه صلى الله عليه وسلم وسراياه ثمانياً وثلاثين من بين بعث وسريّة: غزوة عبيدة بن الحارث أسفل من ثنية المَرْوَة، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر، من ناحية العيص، وغزوة سعد ابن أبي وقاص إلى الخَرار، وغزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة زيد بن حارثة إلى القَرَدَة.."4.

__________

1 صحيح مسلم رقم (1731) .

2 صحيح البخاري مع الفتح 7/517 رقم (4270) ورقم (4271) .

3 ابن إسحاق (ابن هشام 2/608) .

4 المصدر السابق 2/609.

ويلحظ هنا أنه ذكر الغزوة والبعث والسرية؛ وعبّر عنها جميعاً بالغزوة، مما يدل على أنهم كانوا يقصدون بذلك المعنى اللغوي للغزو، وهو: القصد والطلب، وقد استمر حتى عصر الطبري، فقد أطلق الواقدي في مغازيه على كثير من السرايا اسم الغزوة، فأطلق على سرية الرجيع غزوة1، وعلى سرية علي بن أبي طالب إلى فدك غزوة2، وعلى سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفة غزوة3، وعلى سرية عبد الله بن رواحه إلى أسير بن رازم غزوة4، وغيرها كثير كما أطلق على البعض الآخر من السرايا سرية مثل: سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء5، وسرية عكاشة بن محصن إلى الغِمْر6، وسرية زيد بن حارثة إلى بني سُليم بالجَمُوم7.

وكذلك فعل البخاري في صحيحه حيث أطلق على سرية الرجيع بأنها غزوة8، وكذلك أطلق لفظ الغزوة على سرية زيد بن حارثة إلى

__________

1 مغازي الواقدي1 / 4.

2 مغازي الواقدي1 / 5.

3 مغازي الواقدي1 / 5.

4 مغازي الواقدي1 / 5.

5 مغازي الواقدي1 / 4.

6 مغازي الواقدي1 / 4.

7 مغازي الواقدي1 / 5.

8 صحيح البخاري مع الفتح 7/378.

الشام1، وعلى سرية مؤتة2.

ونقل الطبري عن الواقدي قوله: "وفي جمادى الآخرة من هذه السنة كانت غزوة القَرَدَة، وكان أميرهم – فيما ذكر – زيد بن حارثة، قال: وهي أول سرية خرج فيها زيد بن حارثة أميراً"3.

وقد أطلق على كثير من السرايا اسم الغزوة4.

أما الزهري فقد عبر عن السرايا بقوله: "وبعث" فقد أخرج البيهقي في دلائل النبوة من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قالوا: - واللفظ متقارب -: هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها: يوم بدر في رمضان ... وكانت أول غزوة غزاها صلى الله عليه وسلم الأبواء، وغزوة العشيرة ... وغزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعوثاً فكان أول بعثٍ بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب إلى قريش5 ... ثم ذكر جميع سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخدماً صيغة (وبعث) التي هي بمعنى (أرسل) ولا تدل على معنى غير الإرسال.

__________

1 صحيح البخاري مع الفتح 7/498.

2 صحيح البخاري مع الفتح 7/510.

3 تاريخ الطبري2/492.

4 مغازي الواقدي3/23، 26، 27، 32، 33، 35، 36، 41، 66، 131.

5 دلائل النبوة 5/462-465.

وعليه فإن المراد بلفظ: الغزوة والسريّة عند المتقدمين من القرون الأولى المعنى اللغوي، وهو: القصد والطلب، ولم يفرقوا بين اللفظتين من حيث اللغة والاصطلاح.

أما المتأخرون فقد ذكروا تعريفاً اصطلاحياً فقط فرقوا فيه بين الغزوة والسرية فقالوا: إن الغزوة هي التي يحضرها النبي صلى الله عليه وسلم والسرية التي لم يحضرها النبي صلى الله عليه وسلم، كما سبق.

الفصل الثاني: في الدراسات السابقة ونبذة عن موارد الرسالة

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: في الدراسات السابقة

المبحث الثاني: في موارد الرسالة ودراسة تحليلية لأهمها.

المبحث الأول: في الدارسات السابقة

القسم الأول: دراسات تناولت شخصية الزهري كمحدث.

القسم الثاني: دراسات تناولت شخصية الزهري كأحد علماء المغازي.

فأما القسم الأول فقد كُتبت فيه العديد من البحوث من أهمها ثلاثة هي:

الأول: وهي رسالة دكتوراه لسليمان بن حارث الضاري، بعنوان: (الإمام الزهري وأثرة في السنة) نال بها شهادة الدكتوراه عام 1398 هـ من كلية أصول الدين بالأزهر.

والرسالة في جملتها تتحدث عن الزهري محدثاً كما هو عنوانها، إلا أنه ذكر تحت عنوان: (الزهري والتاريخ) أن الزهري كان من أجل علماء السيرة، ثم ذكر بعض روايات الزهري في السيرة والمغازي التي تدل على أن الزهري كان عالماً بالسيرة والمغازي، وهي جيدة في بابها، وموضوعها مغاير لموضوع هذه الرسالة.

الثاني: هي رسالة ماجستير بعنوان: (الإمام الزهري المحدث رضي الله عنه) ، لعبيد الحازمي وقد نوقشت عام 1399هـ في جامعة أم القرى.

لم تتحدث الرسالة عن الزهري مؤرخاً، إنما كان الحديث عن

الزهري محدثاً فقط، لكنه ذكر ترجمة للزهري تحدث فيها عن حياته وطلبه للعلم إلى غير ذلك مما تتطلبه الترجمة.

الثالث: رسالة ماجستير أخرى بعنوان (طبقات الرواة عن الإمام الزهري ممن له رواية في الكتب الستة) . قدمها: فاروق بن يوسف البحريني عام 1411 هـ من كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية.

وقد جعل رسالته في بابين: الأول، علم الطبقات والزهري، والثاني: في طبقات الرواة عن الإمام الزهري.

تحدث في الباب الأول تحت الفصل الثاني: عن حياة الزهري فذكر اسمه ونسبة وولادته ووفاته ثم شيوخه وتلاميذه وحفظه ... الخ.

أما الباب الثاني: فقد جعله في مناهج العلماء في تصنيفهم لطبقات الرواة عن الزهري ولم يتطرق لمغازي الزهري؛ لأن موضوعاتها تختلف عن موضوعات هذه الرسالة.

أما القسم الثاني: من الدراسات التي تناولت شخصية الزهري ورواياته في المغازي فأهمها ما يلي:

أولاً: (المغازي النبوية) تصنيف الإمام محمد بن مسلم بن عبد الله ابن شهاب الزهري، حققه وقدم له د. سهيل زكار.

هذا العنوان أطلقه الدكتور سهيل زكار على تلك الروايات التي استلها من مصنف عبد الرزاق من طريق معمر، والناظر لأول وهلة إلى

هذا العنوان يظن أن هذا الكتاب يجمع بين دفتيه جميع مرويات الإمام الزهري المبثوثة في بطون الكتب المدونة في الحديث والمغازي وغيرها، والحقيقة غير ذلك؛ فالكتاب لا يحتوي إلا على الروايات التي أخرجها عبد الرزاق في مصنفه من طريق معمر فقط، ويمكن تقسيم الروايات في هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: تناول فيه حياة النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية وقد أورد في هذه الفترة ثمان روايات منها أربع روايات مرسلة وأربع روايات موصولة وهي:

1- الرواية الأولى: وهي مرسلة عن الزهري ذكرها تحت عنوان: ما جاء في حفر زمزم، ونذر عبد المطلب، ثم وقوع القرعة على ابنه عبد الله، ثم ذكر زواجه من آمنة بنت وهب، وحملها بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم وفاة عبد المطلب ثم تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في وضع الحجر الأسود، ثم زواجه صلى الله عليه وسلم من خديجة1.

2- الرواية الثانية: وهي موصولة عن عائشةذكر فيها بدء الوحي بالرؤيا الصالحة وإتيانه غار حراء بعد ما حبب إليه الخلاء، ونزول الوحي عليه2.

__________

1 انظر المغازي النبوية، للزهري، ص37 وما بعدها، تحقيق: سهيل زكار.

2 المصدر السابق ص 43.

3- الرواية الثالثة وهي مرسلة: ذكر فيها باختصار إسلام زيد بن حارثة وأنه أول من أسلم1.

4- الرواية الرابعة: ذكر فيها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يتبعه غير رجلين من أشراف قومه، أبي بكر وعمر ثم ذكر فيها قصة إسلام عُمر2.

5- الرواية الخامسة: قصة الإسراء إلى بيت المقدس، وذكر فيها بعض من ارتد ممن كان قد أسلم، وهي مرسلة3.

6- الرواية السادسة: ذكر فيها فرض الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وهي موصولة عن أنس4.

7- الرواية السابعة: ذكر فيها تكذيب قريش للنبي صلى الله عليه وسلم عندما أسري به، وسؤالهم إياه وصف بيت المقدس ورفع الله بيت المقدس للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي رواية موصولة من حديث جابر5.

8- الرواية الثامنة: ذكر فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لموسى وعيسى وإبراهيم ووصفه لهم عليهم السلام، وهي موصولة عن أبي هريرة6.

أما القسم الثاني: فقد تناول فيه الفترة المدنية ابتداء من الهجرة،

__________

1 المصدر السابق ص 46.

2 المصدر السابق ص 48.

3 المصدر السابق ص 46.

4 المصدر السابق ص 48.

5 المصدر السابق ص 49.

6 المصدر السابق ص 49.

لكن يهمنا ذكر الروايات التي تناولت غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وسراياه والتي بلغت (31) إحدى وثلاثين رواية فقط منها ثمان روايات موصولة والباقي إما عن الزهري أو عن عروة أو عن سعيد بن المسيب وهي حسب ترتيبها في الكتاب كما يلي:

1- غزوة الحديبية: ذكر فيها روايتين الأولى عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وهي راوية طويلة تحدثت عن غزوة الحديبية كاملة تقريباً1.

والرواية الثانية عن الزهري مرسلة، ذكر فيها حديث أبي سفيان مع هرقل زمن الهدنة2.

2- غزوة بدر: ذكر فيها روايتين: الأولى عن الزهري مرسلة، ذكر فيها استفتاح أبي جهل3.

والثانية عن الزهري عن عروة، ذكر فيها أن بدراً أول مشهد يشهده الرسول صلى الله عليه وسلم وذكر رئيس المشركين وتاريخ الوقعة وعدد جيش المسلمين والمشركين، ثم هزيمة المشركين4.

3- وقعة بني النضير: ذكر فيها روايتين: الأولى عن الزهري عن عروة، ذكر فيها تاريخ الغزوة، وحصار النبي صلى الله عليه وسلم لهم ونزولهم على

__________

1 المصدر السابق انظر ص 50.

2 المصدر السابق ص 58.

3 المصدر السابق ص 62.

4 المصدر السابق ص 62.

الجلاء1.

الرواية الثانية: عن الزهري قال: وأخبرني عبد الله بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيها كتابة قريش إلى عبد الله بن أُبي وإلى اليهود يحثونهم على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من المدينة، وذكر قصة نقضهم للعهد2.

4- وقعة أحد: ذكر فيها ثلاث روايات: الأولى مرسلة عن الزهري عن عروة ذكر فيها تاريخ الوقعة3.

والثانية: كسابقتها عن عروة، ذكر فيها رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى أحد4.

والرواية الثالثة: عن الزهري ذكر فيها خروج النبي صلى الله عليه وسلم لطلب الكفار بعد أحد5.

5- وقعة الأحزاب وبني قريظه: ذكر فيها رواية واحدة عن الزهري عن ابن المسيب: ذكر فيها دور نعيم بن مسعود المجاشعي وتخذيله الفريقين6.

__________

1 المصدر السابق ص 71.

2 المصدر السابق ص 71-74.

3 المصدر السابق ص 76.

4 المصدر السابق ص 76.

5 المصدر السابق ص 78.

6 المصدر السابق ص 80.

6- وقعة خيبر: ذكر فيها روايتين: الأولى عن الزهري مرسلة، ذكر فيها أن غنائم خيبر كانت لأهل الحديبية1.

والثانية: عن الزهري عن ابن المسيب، ذكر فيها دفع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر لليهود على أن يعملوها ولهم النصف2.

7- عمرة القضاء ذكر فيها رواية واحدة مختصرة، ذكر فيها تاريخ العمرة ومدة مكثه صلى الله عليه وسلم بمكة3.

8- فتح مكة: ذكر فيها أربع روايات مختصرة:

الأولى: عن الزهري قال: "أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ذكر فيها تاريخ خروجه إلى مكة، وعدد جيش المسلمين"4.

الرواية الثانية: عن الزهري مرسلة: ذكر فيها تاريخ فتح مكة5.

الراوية الثالثة: عن الزهري مرسلة: ذكر فيها بعث خالد بن الوليد ليقاتل من يعترضه من أهل مكة6.

الرواية الرابعة: عبد الرزاق عن مالك عن الزهري ذكر فيها دخول

__________

1 المصدر السابق ص 84.

2 المصدر السابق ص 84.

3 المصدر السابق ص 85.

4 المصدر السابق ص 86.

5 المصدر السابق ص 86.

6 المصدر السابق ص 90.

النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر1.

9- وقعة حنين: ذكر فيها سبع روايات بعضها مختصرة:

الأولى: عن الزهري مرسلة، ذكر فيها خروج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مسلمة الفتح إلى حنين وذكر رئيس المشركين ونصر الله للمسلمين ونزول الآية {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} 2.

الثانية: عن الزهري قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس، فذكر شهوده حنين وانكشاف الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم غير العباس وأبي سفيان بن الحارث، واندفاع النبي صلى الله عليه وسلم نحو المشركين على بغلته ثم نداء العباس للأنصار ورجوع الناس وانتصارهم3.

الثالثة: عن الزهري قال: كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث أن خالد بن الوليد.. فذكر إصابته بجرح وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم له والسؤال عنه4.

الرابعة: قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب، وذكر عدد سبي هوازن5.

الخامسة: قال الزهري: فأخبرني عروة بن الزبير، وذكر مجيء وفد

__________

1 المصدر السابق ص 91. ويلاحظ أن هذه الرواية ليست من طريق معمر

2 المصدر السابق ص 91.

3 المصدر السابق ص 92-93.

4 المصدر السابق ص 93.

5 المصدر السابق ص 93.

هوازن وتخيير الرسول صلى الله عليه وسلم لهم برد المال أو السبي، واختيارهم للسبي1.

السادسة: عن الزهري مرسلة ذكر فيها أن امرأة من السبي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأخرى تحت صفوان بن أمية فاختارت كل واحدة الرجوع إلى أهلها2.

السابعة: عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب ذكر فيها عمرة النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة3

10- قصة بئر معونة: ذكر فيها روايتين، الأولى: عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب بن مالك، وذكر مجيء ملاعب الأسنة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية، ورد النبي صلى الله عليه وسلم لها لأنها من مشرك، ثم طلبه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث رجالاً يعلمون أهل نجد الإسلام، ثم ذكر مقتل القراء4.

الثانية: عن الزهري عن عروة: ذكر فيها التماس المشركين لجسد عامر بن فهيرة فلم يقدروا عليه5.

11- غزوة تبوك: ذكر فيها ثلاث روايات، الأولى: عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وذكر

__________

1 المصدر السابق ص 93-94.

2 المصدر السابق ص 94.

3 المصدر السابق ص 94.

4 المصدر السابق ص 94-95. ويلاحظ هنا ذكره لبئر معونة بعد حنين مع أن حقها في السنة الرابعة.

5 المصدر السابق ص 95.

قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا1.

الثانية: عن الزهري مرسلة، ذكر فيها قصة تخلف أبي لبابة وربط نفسه بسارية المسجد حتى يتوب الله عليه2.

الثالثة: عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب بن مالك، ذكر فيها إشارة أبي لبابة إلى حلقه عندما نزل بنو قريظة على حكم سعد، ويعني بذلك الذبح3.

12- مقتل ابن أبي الحُقَيق، رواية واحدة عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ذكر فيها تنافس الأنصار - الأوس والخزرج - على التضحية من أجل الإسلام، وإصابة الأوس كعب بن الأشرف، ثم استئذان الخزرج النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن أبي الحقيق، وذكر قصة قتله4.

13- حديث الإفك رواية واحدة مطولة عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من حديث عائشة، وذكر قصة الإفك بطولها5.

__________

1 المصدر السابق ص 106 وما بعدها.

2 المصدر السابق ص 111-112.

3 المصدر السابق ص112

4 المصدر السابق ص113.

5 المصدر السابق ص116.

14- غزوة ذات السلاسل رواية واحدة عن الزهري مرسلة: ذكر فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بعثين بعدما جاء الذين كانوا بأرض الحبشة إلى الشام إلى كلب وبلقين وغسان، وتأمير الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة على أحد البعثين وعلى الآخر عمرو بن العاص1.

أما القسم الثالث من الكتاب: فقد ذكر فيه روايات تتعلق بفترة الخلافة الراشدة، وليس لها علاقة بالموضوع وبعد: فهذه هي محتويات كتاب مغازي الزهري المقتبسة من مصنف عبد الرزاق

الفرق بين الدراستين:

1- يُلحظ أنه أورد عن الزهري في المغازي إحدى وثلاثين رواية كلها من طريق معمر عن الزهري إلا رواية واحدة من طريق مالك عن الزهري وليس من طريق معمر، وهي دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر2.

أما دراستي فكانت جمع مرويات الزهري في المغازي من طريق معمر وغيره.

2- أن تلك الروايات كلها مقتبسة من مصنف عبد الرزاق، أما الروايات التي جمعتها فكانت من المصادر الحديثية المسندة والتاريخية

__________

1 المصدر السابق ص150، ويُلحظ هنا عدم ترتيب الغزوات حسب التسلسل الزمني في مصنف عبد الرزاق.

2 المصدر السابق 91.

وكتب الطبقات والتراجم وغيرها.

3- أن تلك الروايات كلها مرسلة ماعدا ثماني روايات فقط موصولة، مع عدم ذكر المصادر الأخرى التي وصلت هذه الروايات المرسلة، أما الروايات المرسلة التي جمعتها فقد قمت بذكر من وصلها في المصادر الأخرى إلا إذا لم أجد ذلك البتة.

4- أنه لم يذكر المصادر الحديثية التي خرجت هذه الروايات، وقد اعتمد اعتماداً كبيراً على الواقدي وابن سعد والبلاذري، بالإضافة إلى ذكر البخاري وأحمد أحياناً بينما دراستي كانت موثقة من الكتب المعتمدة.

5- أنه لم يتبع التسلسل الزمني للأحداث ولم ينظمها وفق ذلك فنجده يذكر الحديبية ثم غزوة بدر، ثم وقعة الرجيع ثم أحد، وهو وإن كان اتبع منهج مصنف عبد الرزاق لكن كان المفترض أن ينظمها وفق التسلسل الزمني، بينما اتبعت في دراستي المنهج الذي سلكه الأوائل كابن إسحاق والواقدي وابن سعد في التسلسل الزمني للأحداث.

6- عندما ترجم للزهري في المقدمة لم يذكر الأجزاء وأرقام الصفحات التي استقى منها تلك الترجمة واكتفى بذكر المصادر جملة بينما دراستي كانت موثقة بالجزء والصفحة.

7- لا يصح إطلاق اسم (مغازي الزهري) على هذا الكتاب دون تقييد لئلا يغتر به، ويظن أنه يحوي جميع مرويات الزهري في المغازي، بينما يمكن إطلاق هذا الاسم على هذه الدراسة.

8- أنه لا يعني أن الدكتور سهيل زكار لم يقدم شيئاً عن الزهري، بل قد اجتهد في استخراج روايات الزهري، ولكن في نظري لم يوفها حقها، والله أعلم.

ثانياً: كتاب (بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب) تأليف د. عبد العزيز الدوري.

أفرد ترجمةً للزهري من ص 86-102.

وقد قسم ترجمته إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: تناول فيه حياة الزهري، فذكر ولادته ووفاته، وأبرز شيوخه في المدينة، وقوة حافظته، وطلبه للعلم، وحرصه على ذلك حتى فاق أقرانه.

القسم الثاني: خصصه لمرويات الزهري، وقد قسمها إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: فترة ما قبل الإسلام من ص 82-85.

المجموعة الثانية: الفترة المكية حتى بعد بيعة العقبة ص 83-85.

المجموعة الثالثة: الفترة المدنية، ابتدأها من الهجرة حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويهمنا دراسة الروايات التي ذكرها في الفترة المدنية خاصةً ما يتعلق بالغزوات والسرايا، فقد ذكر عشرين عنواناً بين غزوة وسرية وهي:

__________

1- غزوة بدر ص (85) .

2- غزوة السَّوِيق ص 86.

3- مقتل كعب بن الأشرف ص 86.

4- مقتل ابن أبي الحُقيق ص 86.

5- غزوة بني قَيْنُقاع ص 86.

6- غزوة قرقرة الكُدْر ص 87.

7- سرية ضد بني سليم بِبُحران ص 87.

8- غزوة أُحد ص 87.

9- غزوة بني النضير ص 87.

10- غزوة الخندق ص 88.

11- غزوة بني قريظة ص 88.

12- سرية ضد بني لِحيان ص 88.

13- حديث الإفك ص 88.

14- سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفَة ص 89.

15- صلح الحديبية ص 89.

16- غزوة خيبر ص 89.

17- فتح مكة ص 90.

18- غزوة هوازن ص 90-91.

19- غزوة تبوك ص 91.

20- غزوة دومة الجندل ص 91.

هذه هي الغزوات والسرايا التي ذكرها الدوري عن الزهري

أما القسم الثالث: فقد تحدث فيه عن منهج الزهري في الكتابة

التاريخية، وعن القيمة العلمية لهذه الروايات.

والفرق بينها وبين هذه الدراسة:

1- أنه ذكر عناوين فقط للغزوات والسرايا دون أن يدخل في تفاصيل تلك الغزوات والسرايا.

أما هذه الدراسة فقد ذكرت فيها تفاصيل تلك الغزوات والسرايا.

2- أنه لم يستوعب روايات الزهري للغزوات والسرايا.

بينما هذه الدراسة قد استوعبت على وجه التقريب جميع روايات الزهري.

3- أنه اعتمد في ذكر هذه المعلومات على سبعة مصادر فقط هي:

ابن إسحاق، الواقدي في المغازي، البلاذري في أنساب الأشراف، والخراج ليحيى بن آدم في رواية واحدة، وصحيح البخاري في روايتين: قصة الإفك، ودخول الرسول صلى الله عليه وسلم مكة منتصراً.

أما دراستي فقد قارنتها بالعديد من المصادر الحديثية والتاريخية وغيرها.

ثالثاً: الكتاب الثالث: رواية الشاميين للمغازي والسير في القرنين الأول والثاني الهجريين للدكتور: حسين عطوان.

خصص الفصل الرابع من كتابه الذي يحتوي على خمسة فصول لدراسة حياة الزهري، وقد استغرقت هذه الدراسة من ص 71-150، شملت التعقبات التي كان يذكرها بعد نهاية كل مبحث.

وقد قسم هذه الترجمة إلى ست نقاط هي:

1- تعليمه وثقافته.

2- مصادر رواياته للمغازي والسيرة النبوية.

3- خصائص رواياته للمغازي والسيرة النبوية.

4- مصادر رواياته لتاريخ صدر الإسلام، ويقصد فترة الخلافة الراشدة.

5- تصنيف رواياته لتاريخ صدر الإسلام.

6- خصائص رواياته لتاريخ صدر الإسلام.

ويهمنا الحديث عن النقطة الثانية وهي (مصادر رواياته للمغازي والسيرة النبوية) هذا المبحث الذي خصصه لذكر روايات الزهري في السيرة النبوية كاملة، أي كل ما يتعلق بحياة النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية والهجرة والفترة المدنية والوفود، ثم رسله إلى الملوك، ومرضه، فوفاته عليه الصلاة والسلام.

وذلك من الكتب التالية: كتاب المغازي للواقدي، مصنف عبد الرزاق، ابن هشام، الطبقات الكبرى لابن سعد، أنساب الأشراف للبلاذري، تاريخ الطبري، عيون الأثر لابن سيد الناس، السيرة النبوية لابن كثير، وذلك حسب ترتيبه.

وقد ذكر في هذه الكتب قوائم كبيرة ذكر فيها جميع روايات الزهري بالجزء والصفحة دون سرد للروايات وعمله هذا لا يتم إلا بعد الاستقراء التام للمصادر المذكورة حتى يتم تحديد روايات الزهري فيها،

وهو جهد واضح يشكر عليه.

وتمتاز دراستي عن تلك بما يلي:

1- اعتمد على سبعة مصادر تاريخية ومصدر واحد في الحديث وهو مصنف عبد الرزاق، بينما كان اعتمادي على معظم الكتب الحديثية والتاريخية وغيرها.

2- أن عمله هذا وإن كان فيه جهد كبير إلا أن كثيراً من تلك الأرقام التي ذكرها في بعض المصادر مكرر في بعضها الآخر، فمثلاً ذكر أرقاماً في مغازي الواقدي وذكر أرقاماً أخرى في الطبقات الكبرى وعند المقارنة بين الكتابين تجد تلك الأرقام التي ذكرها في المغازي هي بعينها في الطبقات، أو بمعنى آخر أن ابن سعد نقل كثيراً من الواقدي فعمله يعتبر تكراراً لعمل شيخه الواقدي.

بينما دراستي ليس فيها تكرار للروايات وإنما أذكر المصادر الأخرى لنفس الرواية تحت رقم واحد.

1- أنه ذكر أرقاماً فقط لروايات الزهري، بينما دراستي فيها تفصيل وسرد للوقائع التاريخية.

رابعاً: (ترجمة الإمام الزهري التي استخرجها: شكر الله بن نعمة الله قوجاني من تاريخ دمشق لابن عساكر.

هذه الترجمة اشتملت على ما يلي:

__________

1- ذكر اسمه ونسبه وكنيته، وتاريخ مولده، ونشأته وطلبه للعلم،

ثم ذكر شيوخه من الصحابة والتابعين.

ثم حفظه القرآن وذاكرته، ومذاكرته مع نفسه، وسعة علمه، وتوثيقه ومدحه، ثم صفته وأخلاقه، ثم دعوته بالالتزام بالإسناد، ثم ذكر تلاميذه الشاميين والمصريين.

ثم صلته ببني أمية ووفوده على مروان بن الحكم، وبقية خلفاء بني أمية، وتوليه القضاء لهم ومواقفه منهم، ثم المآخذ التي أخذت عليه ومنها صحبته للملوك.

ثم ذكر مراسيله وإجازاته، ثم تاريخ وفاته ومكان دفنه، وهي ترجمة مطولة ووافية.

هذا كل ما ذكره ابن عساكر رحمه الله عن الزهري واستخرجها قوجاني من تاريخه وجعلها في كتاب مستقل. والكتاب لم يتطرق إلى روايات الزهري في المغازي والسير، ذلك لأن ابن عساكر قد أفرد لها جزءاً كبيراً من تاريخه ذكر فيها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم جمع فيه روايات الزهري وغيره.

وبالمقارنة بين هذا الكتاب وبين دراستي نجد أن هذه الترجمة خالية تماماً من ذكر روايات الزهري بينما دراستي شملت ترجمة الزهري ثم حصر رواياته في المغازي على وجه التقريب.

خامساً: كتاب المغازي الأولى ومؤلفوها، للمستشرق الألماني جوزيف هورفتش، ترجمة: حسين نصار

أفرد هذا المستشرق ترجمة للزهري من ص 49-68.

تحدث عن الزهري كأحد أبرز مدوني السيرة والمغازي، ودوره في فصل المغازي عن السنة في تأليف مستقل، ثم ذكر قربه من الخلفاء الأمويين، وناقش قضية وضعه الأحاديث لبني أمية التي تخدم مصالحهم السياسية معتمداً في ذلك على ما ذكره اليعقوبي في تاريخه1، من أن الزهري قد وضع حديث: "لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"2، لعبد الملك وأن الصلاة في مسجد بيت المقدس تقوم مقام المسجد الحرام وأن الصخرة التي بناها عبد الملك تقوم مقام الكعبة، وتوصل بعد مناقشة هذه القضية إلى أن الزهري لا يمكن أن يضع مثل هذه الأحاديث وهو في سن مبكرة، وهو بذلك يحاول الرد على الفرية.

ثم ذكر بعض الغزوات التي ذكرت بعض الروايات التي ساقها الزهري معتمداً في ذلك على الطبقات الكبرى لابن سعد والطبري، وفهرست ابن النديم فقط.

وبعد: فمقارنة دراستي بالدراسات السابقة لا يعني التقليل من شأن تلك الدراسات، وإنما القصد إبراز أوجه الاختلاف بينها وبين دراستي، وإلا فقد بذل أصحابها جهوداً طيبة، ولم يكن قصدهم من تلك الكتابات إلا إبراز القيمة العلمية لروايات الإمام الجهبذ، بل وينادون إلى إبراز تراثه العظيم من بطون الكتب.

__________

1 اليعقوبي 2/261.

2 سيأتي تخريج هذا الحديث في مبحث: الشبه الواردة على الزهري إن شاء الله.

وهناك بحوث عديدة كتبت عن الزهري، لكن ليس لها أهمية كبيرة كالكتب التي ذكرتها، وذلك مثل: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي، وتاريخ التراث العربي لسزكين، وغيرهما.

المبحث الثاني: دراسة تحليلية عن بعض مصادر الرسالة

لابد لكل باحث أن يعتمد في تكوين بحثه بعد الله على مصادر عدّة يكون منها بحثه، ولكنها تختلف من حيث الأهمية، فبعض المصادر يكون البحث فيها أكثر التصاقاً بها، ولها تأثير عليه، والبعض الآخر يأتي عرضاً أو تكون مراجع مساعده، وقد جرت عادة الباحثين إعطاء نبذة يسيرة عن تلك المصادر التي أثرت تأثيراً مباشراً على تلك البحوث، ,

الفصل الثالث: فتح مكة شرفها الله والأحداث التي أعقبتها

,

المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.

...

المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.

143- قال البيهقي1: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ2، وأبو بكر أحمد بن الحسن الحيري3، قالا: حدثنا أبو العباس4 محمد بن يعقوب. قال: حدثنا أحمد5 بن عبد الجبار، حدثنا يونس6 بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعاً قالا: كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من

__________

1 دلائل النبوة (5/ 5- 7) ، والسنن الكبرى له (9/ 233- 234) ، وأسد الغابة (4/ 224) ، ترجمة عمرو بن سالم الخزاعي، نقلاً عن ابن إسحاق وقد ذكر السبب مختصراً، والبداية والنهاية 4/ 278- 279، ونقلها ابن حجر في الإصابة 2/ 536، ترجمة عمرو بن سالم، وفي الفتح (7/ 519)

2 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .

3 ثقة، تقدم في الرواية رقم [84] .

4 أبو العباس محمد بن يعقوب تقدم في الرواية رقم [20] .

5 تقدم في الرواية رقم [84] .

6 تقدم في الرواية رقم [20] .

شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت1 خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً2، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، وثبوا على خزاعة الذين

__________

1 الوثوب: النهوض والقيام. اللسان، مادة (وثب) .

2 وعند الواقدي في المغازي (2/ 783) : " ... فلما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صلح الحديبية تكلمت بنو نفاثة من بني بكر ... "، وتبعه في ذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 134) .

وتحديد الواقدي باثنين وعشرين شهراً غير مسلم به، لأن الصلح الذي تم في الحديبية كان في ذي الحجة، وقد ذكر الواقدي أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية كان في يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، المغازي (2/ 573) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 95) ، وذكر الواقدي أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم أقام بالحديبية بضعة عشر يوماً، المغازي (2/ 616) ، وقال أيضاً: ... قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية في ذي الحجة سنة ست. المغازي (2/ 634) .

فلو حسبنا المدة من وقت الصلح إلى نقض بني بكر العهد لوجدناها تسعة عشر شهراً ابتداءً من شهر محرم أول سنة سبع إلى نهاية شهر رجب من السنة الثامنة، ولو أدخلنا شهر ذي الحجة من السنة السادسة وشهر شعبان من السنة الثامنة - تجاوزاً - لحصلنا على واحد وعشرين شهراً، فتبقى رواية الزهري التي بين أيدينا هي الراجحة، وذلك لعدم ورود روايات ثابتة تحدد وقت نقض العهد من بني بكر، والله أعلم.

دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له: الوتير1، قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوا معهم للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عمرو بن سالم2 ركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده إياها:

اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا3

كنا والداً وكنت ولدا4 ... ثم أسلمنا ولم ننزع يدا

__________

1 الوتير: - بفتح الواو وكسر المثناة تحت، وآخره راء - وهو موضع معروف جنوب غرب مكة على حدود الحرم يبعد عن مكة (16) كيلاً، وقد أطلق اليوم على حيز منه اسم (الكعكية) نسبة إلى الكعكي الذي تملك هذا الحيز منه، معجم المعالم الجغرافية (331) .

2 هو: عمرو بن سالم بن حصين بن سالم بن كلثوم الخزاعي، قال ابن الكلبي وأبو عبيد والطبري: أن عمرو بن سالم هذا كان أحد من يحمل ألوية خزاعة يوم فتح مكة، الإصابة (2/ 536- 537) .

3 الأتلد: أي القديم، شرح السيرة للخشني (367) ، والنهاية (1/ 194) ، والقاموس: (تلد) .

4 هكذا في دلائل البيهقي، وفي سيرة ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 394) : قد كُنْتُمُ وُلْداً....

يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية، الروض الأنف (4/ 97) .

فانصر رسول الله نصرا أعتدا1 ... وادع عباد الله يأتوا مددا2

فيهم رسول الله قد تجردا3 ... إن سيم خسفاً وجهه تربدا4

في فيلق5 كالبحر يجري مزبدا6 ... إنّ قريشاً أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدّا ... وزعموا أن لستُ أرجو أحدا

فهم أذلّ وأقلّ عددا ... قد جعلوا لي بكداءٍ7 مرصدا8

هم بيتونا بالوتير هجدا9 ... فقتلونا ركعاً وسجدا

__________

1 أعتدا: أي حاضراً، شرح السيرة للخشني (367) .

2 الأمداد: جمع مدد، مدهم بالأعوان والأنصار. النهاية (4/ 308) .

3 تجردا: أي شمر وتهيأ لحربهم، شرح السيرة، للخشني (367) .

4 تربدا: أي تغير إلى الغبرة. النهاية (2/ 183) .

5 الفيلق: الكتيبة العظيمة. النهاية (3/ 472) .

6 يقال: بحر مزبد، أي مائج يقذف بالزبد، والزبد: الرغوة التي تعلو الماء، اللسان: زبد.

7 كداء: - بالتحريك والمد - هو ما يعرف اليوم بريع الحجون، يدخل طريقه بين مقبرتي المعلاة، ويفضي من الجهة الأخرى إلى حي العتيبية وجرول. معجم المعالم الجغرافية (261- 262) .

8 رصده: أي رَقَبَهُ، القاموس (رصد) ، ويقال: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه. النهاية (2/ 226) .

9 هُجَّدا: الهجد: المصلون بالليل، أو النيام، وهو من الأضداد. النهاية (5/ 244) ، وشرح السيرة للخشني (367) .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصِرتَ يا عمرو بن سالم "1.

فما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب"2، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمّي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم3.

__________

1 ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: ( ... لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب ... ) المسند (7/ 343 رقم [4380] ) وسنده حسن كما قال المحقق حسين أسد، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه وقد وثقهما ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح، المجمع (6/ 162) ، وأخرج الطبراني في الكبير (23/ 433) ، وفي الصغير (2/ 73- 75) من حديث ميمونة بنت الحارث نحوه، إلا أن فيه: يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في المجمع (6/ 163- 164) .

وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 395) بدون إسناد، وابن سعد في الطبقات (2/ 134) ، بدون إسناد والطبري في تاريخه (3/ 45) .

2 ورد نحوه من رواية أبي الأسود عن عروة (انظر: المغازي للذهبي (528) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (14/ 485- 486) ، من طريق زكريا بن أبي زائدة قال: كنت مع أبي إسحاق فيما بين مكة والمدينة فسَايَرَنَا رجل من خزاعة، فقال له أبو إسحاق: كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رعدت هذه السحابة بنصر بني كعب ... الحديث، وفيه جهالة الرجل الخزاعي.

3 قال ابن حجر: "وقد روى البزار من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن

__________

أبي سلمة عن أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة وهو إسناد حسن موصول" الفتح (7/ 520) .

وقد نقل الهيثمي حديث أبي هريرة من رواية البزار وحكم عليه بالصحة، انظر: المجمع (6/ 165) ، وكشف الأستار (2/ 342 رقم 1817) ، وأخرجه البيهقي عن حماد بن سلمة بسنده إلى أبي هريرة. دلائل النبوة (5/ 13) ، وانظر البداية والنهاية (4/ 280) نقلاً عن البيهقي.

ا,

لمبحث الثاني: في تاريخ خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وعدد جيشه.

144- قال البخاري: حدثني محمود، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -رضي الله عنهما -: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان1

__________

1 باتفاق جميع المؤرخين.

ولكن اختلفوا في تعيين وقت الخروج، فقد أخرج ابن إسحاق من طريق الزهري أنهم خرجوا لعشر مضين من رمضان (ابن هشام 2/ 399) ، وأخرج مسلم عن الزهري مرسلاًً قوله: فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، صحيح مسلم بشرح النووي (7/ 231) .

وأخرج البيهقي رواية ابن إسحاق المتقدمة ثم قال: هكذا ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قوله: فخرج لعشر مضين من رمضان مدرجاً في الحديث. الدلائل (5/ 20) .

وأخرج أحمد في المسند (4/ 301 رقم [2500] أرناؤوط) من حديث محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان الفتح في ثلاث عشرة خلت من رمضان.

وأخرج أيضاً من طريق قزعة بن يحيى عن أبي سعيد قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان، المسند (18/ 342 رقم [11825] ) .

قال الحافظ ابن حجر: "وهذ يدفع التردد الماضي ويعين يوم الخروج، وقول الزهري يعين يوم الدخول، ويعطي أنه أقام في الطريق اثني عشر يوماً". القتح (8/ 4) .

وقد ورد عند أحمد أيضاً أنه خرج لثمان عشرة (المسند 18/375، رقم [11870] أرناؤوط) وفي رواية أخرى لتسع عشرة، أو سبع عشرة (18/218، رقم [11684] أرناؤوط) .

قال الحافظ: "ويجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي، والذي في المغازي على الاختلاف في أول الشهر". الفتح (8/ 4) .

وقد ذكر النووي رواية لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأخرى لست عشرة مضت، وثالثة لثمان عشرة، ورابعة لثنتي عشرة، وخامسة لسبع عشرة - أو تسع عشرة - بالشك، ثم قال: "والمشهور في كتب المغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان ودخلها لتسع عشرة خلت منه". النووي على مسلم (7/ 234) .

ومعه عشرة آلاف1 وذلك على رأس ثمان2 سنين ونصف من مقدمه

__________

1 وورد عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة وهو قول موسى بن عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في اثني عشر ألفاً من المهاجرين والأنصار، دلائل البيهقي (5/ 26، و5/ 36) .

قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لمرسل عروة: "وكذا وقع في (الإكليل) و (شرف المصطفى) ثم قال: (ويجمع بينهما بأن العشرة آلاف خرج بها من المدينة ثم تلاحق بها الألفان" الفتح (8/4) .

2 قال الحافظ ابن حجر: "هكذا وقع في رواية معمر، وهو وهم، والصواب: على رأس سبع سنين ونصف، وإنما وقع الوهم من كون الغزوة كانت في سنة ثمان، ومن أثناء ربيع الأول إلى أثناء رمضان نصف سنة سواء، فالتحرير أنها سبع سنين ونصف، ويمكن توجيه رواية معمر، بأنه بناء على التاريخ بأول السنة من المحرم، فإذا دخل من السنة الثانية شهران أو ثلاثة أطلق عليها سنة مجازاً من تسمية البعض باسم الكل، ويقع ذلك في آخر ربيع الأول، ومن ثم إلى رمضان نصف سنة، أو يقال: كان آخر شعبان تلك السنة آخر سبع سنين ونصف من أول ربيع الأول، فلما دخل رمضان دخلت سنة أخرى، وأول السنة يصدق عليه أنه رأسها، فيصح أنه رأس ثمان سنين ونصف أو أن رأس الثمان كان أول ربيع الأول وما بعده نصف سنة" اهـ. الفتح (8/ 4) .

المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكَدِيد1 -وهو ماء بين عسفان وقُدَيْد -أفطر وأفطروا".

قال الزهري2: "وإنما يؤخذ من أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآخر فالآخر"3.

__________

1 الكَدِيد: - بفتح الكاف وكسر الدال المهملة - وهو: ماء بين عسفان وقديد - بضم القاف على التصغير - كما بينته الرواية، الفتح (4/ 180) .

وفي حديث ابن عباس عند البخاري رقم (1948) من وجه آخر (حتى بلغ عسفان) بدل الكديد.

ووقع عند مسلم بشرح النووي (7/ 232) من حديث جابر (فصام حتى بلغ كراع الغميم) .

قال الحافظ ابن حجر: قال عياض: واختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر فيه صلى الله عليه وسلم والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان. الفتح (4/ 181) .

وبين الكديد وعسفان: عشرين كيلاً فقط، ويبعد عسفان عن مكة إلى الشمال (90) كيلاً، معجم المعالم الجغرافية (263) .

2 قوله: قال الزهري: إلى آخره، مدرج من قول الزهري كما قال الحافظ، انظر: الفتح (4/ 181) .

وقد وقعت هذه الزيادة مدرجة عند مسلم بشرح النووي (7/ 231) من طريق معمر ويونس كلاهما عن الزهري، وبينّا أنه من قول الزهري،

وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يوافَق على ذلك، الفتح (4/ 181) .

3 صحيح البخاري مع الفتح (8/ 3) ، رقم (4276) .

وأخرج البخاري أيضاً نحوه من طريق عُقيل عن ابن شهاب، صحيح البخاري مع الفتح (8/ 3) رقم (4275) ، ومن طريق مالك عن الزهري، صحيح البخاري مع الفتح (4/180) رقم (1944) ، وأخرجه مسلم من طريق الليث وسفيان ومعمر ويونس كلهم عن الزهري نحوه، انظر صحيح مسلم بشرح النووي (7/ 229- 231) . وقد ذكر هذه الرواية عبد الرزاق فقال: (قال الزهري) فساقها، وفيها: "وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة"، وقد تقدم جمع الحافظ في ذلك.

,

المبحث الثالث: في كتابة حاطب رضي الله عليه وسلم لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم.

...

المبحث الثالث: في كتابة حاطب رضي الله عنه لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم

145- عبد الرزاق1 عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير في قوله تعالى: {يأيها الذينَءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلياءَ} 2 أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة3، قال:

__________

1 تفسير عبد الرزاق (2/ 286- 287) .

2 الآية الأولى من سورة الممتحنة.

3 هو: حاطب بن أبي بلتعة - بفتح الموحدة، وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات -، ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن سهل اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى، شهد بدراً، توفي سنة 30هـ- في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة. الإصابة (1/ 300) .

كتب إلى كفار قريش كتاباً ينصح لهم فيه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فأرسل علي اً والزبير1 فقال: "اذهبا فإنكما ستدركان امرأة2 بمكان كذا وكذا3، فأتياني بكتاب معها"، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا: الكتاب الذي معك، قالت ما معي كتاب، قالا: والله لا ندع عليك شيئاً إلا فتشناه أو تخرجينه، قالت: أولستما مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن معك كتاباً، فقد أيقنت أنفسنا

__________

1 في صحيح البخاري مع الفتح (8/ 633) رقم (4890) أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث علياً والزبير والمقداد.

ومسلم بشرح النووي (16/ 55) وورد في الصحيحين أيضاً أبو مرثد الغنوي بدلاً من المقداد، صحيح البخاري مع الفتح (7/ 304) رقم (3983) ، ومسلم بشرح النووي (16/ 57) ، قال النووي: ولا منافاة بل بعث الأربعة علياً والزبير والمقداد وأبا مرثد، شرح النووي على مسلم (16/ 57) .

وقال الحافظ ابن حجر: "فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه - يعني علياً - فذكر أحد الراويين ما لم يذكره الآخر، فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعاً له" الفتح (7/ 520) .

2 ورد في بعض الروايات أن اسمها: سارة مولاة لبني هاشم، انظر: المصنف لابن أبي شيبة (14/ 485) ، ومغازي الواقدي (2/ 799) ، وتاريخ الطبري (3/ 60) .

3 ورد في صحيح البخاري من حديث علي وفيه: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ... ) ، الصحيح مع الفتح (8/ 633) رقم (4890) ، وروضة خاخ: موضع بقرب حمراء الأسد من حدود العقيق في نواحي المدينة، المعالم الأثيرة (107) .

أنه معك، فلما رأت جدّهما، أخرجت كتاباً من قرونها1 فرمت به، فذهبا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: "من حاطب بن أبي بلتعه إلى كفار قريش"، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: وما حملك على ذلك؟ قال: أما والله ما ارتبت2 في الله منذ أسلمت، ولكني كنت امرءاً غريباً3 فيكم أيها الحي من قريش، وكان لي بمكة مال وبنون فأردت أن أدفع عنهم بذلك. فقال عمر: ائذن لي يا نبي الله فأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مهلاً يا ابن الخطاب إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل

__________

1 من قرونها: القرون: الشعور، وكل ضفيرة من ضفائر الشعر قرن، النهاية (4/ 51) .

وعند البخاري: من عقاصها، حديث رقم (4890) ، وعند أيضاًبرقم (3081) : (من حُجْزتها) ، والحُجْزة: - بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي -: معقد الإزار والسراويل، فتح الباري (6/ 191) .

ويجمع بين كونها أخرجته من حجزتها وبين كونها أخرجته من عقاصها، بأنها أخرجته من حجزتها فأخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى إخراجه أو بالعكس أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح. انظر: فتح الباري (6/ 191) .

2 أي: ما شككت، والريب بمعنى الشك، وقيل: هو الشك مع التهمة، النهاية (2/ 286) .

3 لأنه لم يكن من صلب قريش، وإنما كان حليفاً لبني أسد، الفتح (8/ 634) ، والإصابة (1/ 300) ، وقد ذكر ابن حجر في ترجمته أنه من لخم، الإصابة (1/ 300) ، ولخم: قبيلة يمنية قحطانية شهيرة؟ انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (422) .

بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم"1.

146- وقال الطبراني2: حدثنا موسى بن هارون3، ثنا هاشم بن الحارث4، ثنا عبيد الله بن عمرو5 عن إسحاق بن راشد6، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة7

__________

1 والحديث أخرجه أيضاً ابن جرير الطبري في تفسيره (28/ 39- 40) من طريق محمد بن ثور عن معمر عن الزهري به.

وانظر: أسباب النزول للواحدي (441) رقم (811) ، فقد قال: قال جماعة المفسرين: إنّ هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، يريد الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... } .

2 المعجم الكبير (3/ 184) رقم (3066) .

3 هو: موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان أبو عمران البزار المعروف والده بالحمال، قال الخطيب: وكان ثقة عالماً، تاريخ بغداد (13/ 50- 51) .

4 هو: هاشم بن الحارث، أبو محمد المروزي، سكن بغداد وحدث بها، وكان ثقة، تاريخ بغداد (14/ 16) .

5 هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم، من الثامنة، توفي سنة ثمانين عن ثمانين إلا سنة، ع، التقريب (373) .

6 هو: إسحاق بن راشد الجزري، أبو سليمان، ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهم، من السابعة، توفي في خلافة أبي جعفر، خ، التقريب (100) .

7 هو: عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، - بفتح الموحدة والمثناة وسكون اللام بينهما ثم مهملة -، له رؤية، وعدوه في كبار ثقات التابعين، توفي سنة ثمان وستين، خت، التقريب (338) .

أنه حدث أن أباه كتب إلى كفار قريش كتاباً وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير فقال: " انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب فائتياني به". فانطلقا حتى لقياها، فقالا: أعطينا الكتاب الذي معك، وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها، فقالت: ألستما رجلين مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن معك كتاباً، فلما أيقنت أنها غير منفلتة منهما حلت الكتاب من رأسها فدفعته إليهما، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً حتى قرأ عليه الكتاب، فقال: أتعرف هذا الكتاب؟

قال: نعم، قال: "فما حملك على ذلك؟ ". قال: هناك ولدي وذو قرابتي، وكنت امرأ غريباً فيكم معشر قريش، فقال عمر: ائذن لي في قتل حاطب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، لأنه1 قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني غافر لكم"2.

__________

1 وفي المعجم الأوسط (8/ 146) (لا، إنه) .

2 وأخرجه الطبراني في الأوسط (8/ 146 رقم 8227) بنفس السند.

وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات"، المجمع (9/ 304) ، وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك (3/ 301) ، وسكت عليه الحاكم والذهبي، ولكن الذهبي ذكره في سير أعلام النبلاء (2/ 45) ، ترجمة حاطب، وقال: "إسناده صحيح وأصله في الصحيحين".

وعزاه الحافظ في الإصابة (1/ 300) ، ترجمة حاطب، لابن شاهين والبارودي والطبراني وسمويه كلهم من طريق الزهري به.

وقصة حاطب أخرجها البخاري في صحيحه من حديث علي رضي الله عليه وسلم في عدة مواضع. انظر: رقم (3007) ، ورقم (3081) ، ورقم (3983) ، ورقم (4274) ورقم (4890) ، ورقم (6259) ، ورقم (6939) ، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (16/ 45- 57) .

,

المبحث الرابع: في مسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة

147- قال الطبراني1:حدثنا أبو شعيب الحراني2، ثنا أبو جعفر النفيلي3، ثنا محمد بن سلمة4 عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة أبا رُهم كلثوم ابن حصين الغفاري5، وخرج لعشر6 مضين من رمضان فصام رسول

__________

1 المعجم الكبير (8/ 9) رقم (7264) .

2 لم أهتد إلى معرفته.

3 هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، - بنون وفاء مصغر -، أبو جعفر النفيلي الحراني، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، توفي سنة أربع وثلاثين، خ، التقريب (321) ، رقم (3594) .

4 هو: محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي مولاهم، الحراني، ثقة، من التاسعة، توفي سنة 91هـ- على الصحيح، ر م، التقريب (481) ، رقم (5922) .

5 أبو رُهم: هو: كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس بن زيد بن العميس بن أحمس بن غفار، وقيل: ابن حصين بن عبيد بن خلف بن حماس بن غفار الغفاري، مشهور باسمه وكنيته، كان ممن بايع تحت الشجرة، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة الفتح، الإصابة (4/ 70- 71) .

6 قوله: " ... وخرج لعشر مضين من رمضان" أخرجها ابن سعد في الطبقات (2/ 137) ، من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عباس.

الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمَجَ1 أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران2 في عشرة آلاف من المسلمين من مزينة3 وسُليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب4 مع رسول الله

__________

1 أمَج: - بالتتحريك وآخره جيم -، ويعرف أمج اليوم: بخليص، واد زراعي على مائة كيل من مكة شمالاً على الجادة العظمى، معجم المعالم الجغرافية (32) .

2 مرور النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قد ذكره البخاري (رقم 5453) من طريق الزهري، وذكره من غير طريق الزهري رقم (4280) .

وقد ذكر الواقدي في المغازي (2/ 650- 651) هذه الرواية مطولاً بدون إسناد وفي سياقه بعض الاختلاف.

أما ابن إسحاق فقد أشار إلى مظاهرة غطفان ليهود خيبر ولكن بسياق آخر فقد قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى ساروا مَنقلة - أي مرحلة - سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر. (ابن هشام 2/ 330) .

3 مزينة: من قبائل طابخة بن إلياس، وهم بنو عثمان وأوس ابني عمرو بن أد طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (480) .

4 أوعب: أي لم يتخلف منهم أحد عنه، والإيعاب: الاستقصاء في كل شيء، النهاية (5/ 205) .

صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ولا يدرون ما هو فاعل، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام1 وبديل بن ورقاء2 يتحسسون3 وينتظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب4 وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة5 قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: (لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك6 عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي

__________

1 تقدمت ترجمته.

2 تقدمت ترجمته في ص (436) . وذكر بديل بن ورقاء مع أبي سفيان ذكره البخاري (رقم 4280) .

3 يتحسسون: التحسس: الاستماع لحديث القوم، وطلب خبرهم في الخبر، القاموس (حسَّ) .

4 تقدمت ترجمته.

5 هو: عبد الله بن أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته عاتكة وأخو أم سلمة رضي الله عنها. الإصابة (2/ 277) .

6 الهتك: خرق الستر عما وراءه، وقد هتكه فانهتك، والهتيكة: الفضيحة. النهاية (5/ 243) .

بمكة ما قال) ، فلما أخرج إليهما بذلك1، ومع أبي سفيان بُنَي له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما2، ثم أذن لهما فدخلا وأسلما، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قال العباس: واصباح3 قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت عليها حتى جئت الأَراك4، فقلت: لعلِّي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا

__________

1 أي: بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم.

2 الرِّقة: بالكسر: الرحمة، القاموس (رَقَقَ) ، والمراد بالرقة ضد القسوة. النهاية (2/ 252) .

(يا صباحاه) هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه، يقول: قد غشينا العدو. النهاية (3/ 6- 7) .

4 الأراك: - بفتح أوله - على لفظ جمع أراكة، وهو من مواقف عرفة من ناحية الشام، معجم ما استعجم للبكري (1/ 134) ، هكذا ذكر البكري، ولكن الموضع المذكور هنا ليس بعرفة قطعاً فلعل العباس رضي الله عليه وسلم يقصد الموضع الذي يكثر به شجر الأراك، وهو موضع يقع شمال مكة، ولم أجد من عرفَّه.

عسكراً، قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها1 الحرب، قال: يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة2؟

فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟

فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟

قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فحركتُ به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟

فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟

وقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال: أبو سفيان، عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء،

__________

1 حمشتها الحرب: يقال: حمش الشر: اشتد، وأحمشته أنا، وأحمشت النار إذا ألهبتها، النهاية (1/ 441) .

2 هي: كنية لأبي سفيان، انظر: الإصابة (2/ 178) ، وقد بحثت في كتب النسب فلم أجد في عقب أبي سفيان من يدعى (حنظلة) .

فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت يا رسول الله إني أَجَرْتُه، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً يا عمر أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف، قال: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبح فائتني به، فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ". قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً. قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ ".

قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك.

قال: فشهد بشهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيانض

رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".

فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عباس احبسه بمضيق1 الوادي عند خطم2 الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها"، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه، قال: ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: سُليم، فيقول: مالي ولسُليم، قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى تعدت القبائل لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يُرى منهم إلا الحدق3، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن

__________

1 المضيق: ما ضاق من الأماكن والأمور، وهو ضد الاتساع، القاموس (ضفق) .

2 خطم: أصل الخطم في السباع: مقاديم أنوفها وأفواهها، فاستعارها للناس. النهاية (2/ 50) .

فيكون المعنى: مقدمة الجبل أو طرفه.

والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر العباس أن يقعد أبا سفيان في طرف ذلك المضيق حتى يرى جيش الفتح وهو يمر من ذلك المضيق حيث لا طريق إلا منه فيكثر في عينه فيعلم أنه لا طاقة لأهل مكة بهذا الجيش.

3 تقدم معناها.

أخيك الغداة عظيماً، قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، قلت: النجاة إلى قومك، قال: فخرج حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس1 فبئس من طليعة قوم.

قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويلك وما تغني عنا دارك؟

قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد2.

__________

1 الدَّسم الأحمس: أي الأسود الدنيء. النهاية (2/ 118) .

2 قال الهيثمي بعد ذكره لهذا الحديث: "رجاله رجال الصحيح". المجمع (6/ 167) .

وقد أخرجه الطبراني في الكبير (8/ 13) رقم (2765) من طريق يونس بن بكير عن جعفر بن برقان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، فذكر مثل حديث محمد بن إسحاق

وأخرجه أبو داود برقم (3021) مقتصراً على ذكر إسلام أبي سفيان وقول الرسول له: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن طريق يونس بن بكير أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 43- 44) ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي.

قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (408) بعد تصحيح الحاكم له قال: "وإنما هو حسن فقط"، ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (5/ 27) .

وقد أخرجه إسحاق في مسنده والذهلي في الزهريات من طريق جرير بن حازم كما في المطالب العالية المسندة (4/ 418) وما بعدها، وقد حكم عليه بالصحة.

وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 321) ، وصححه، وأخرجه البيهقي في الدلائل (5/ 31) مختصراً، وفي معرفة السنن والآثار له (13/ 297) .

وأخرج البخاري في صحيحه مع الفتح (8/ 5- 6 رقم 4280) نحوه من غير طريق الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجه من غير طريق الزهري ابن جرير في تاريخه (3/ 52) من حديث ابن عباس، والبيهقي في الدلائل (5/ 32) .

وذكره ابن إسحاق بدون إسناد (ابن هشام 2/ 400) فما بعدها.

148- قال البيهقي: أخبرنا الحسين1 بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو جعفر2 الرزاز، قال: حدثنا أحمد3 بن الوليد الغمام، قال: حدثنا أبو بلال4 الأشعري، قال: حدثنا زياد5 بن عبد الله البكائي عن محمد بن

__________

1 ثقة، تقدم في الرواية رقم [65] .

2 أبو جعفر الرزاز هو: محمد بن عمرو بن البختري أبو جعفر، وكان ثقة ثبتاً، تاريخ بغداد (3/ 132) .

3 أحمد بن الوليد، بن أبي الوليد أبو بكر الغمام، وقال الخطيب: وكان ثقة، تاريخ بغداد (5/ 188) .

4 أبو بلال الأشعري: اسمه مرداس بن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وقيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، ضعفه الدارقطني، يقال: توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ميزان الاعتدال (4/ 507) .

5 زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البكائي، - بفتح الموحدة وتشديد الكاف -، أبو محمد الكوفي، صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعاً كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة، من الثامنة مات سنة ثلاث وثمانين، خ م ت ق، التقريب (220) .

إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان يشهد أن لا إله إلا الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا الفضل انصرف بضيفك الليلة إلى أهلك واغد به".

فلما أصبح غدا به عليه، فقال العباس: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن أبا سفيان رجل يحب الشرف والذكر، فاعطه شيئاً يتشرف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" 1، فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: "من دخل الكعبة فهو آمن"، فقال: وما تسع الكعبة؟ فقال: "من دخل المسجد فهو آمن".

فقال: وما يسع المسجد؟ فقال: "من أغلق بابه فهو آمن"، فقال: هذه واسعة2.

__________

1 قوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" أخرجها مسلم في صحيحه من غير طريق الزهري عن أبي هريرة في حديث طويل (3/ 1405 رقم 1780) وله شاهد آخر عند أبي داود من غير طريق الزهري عن ابن عباس، رقم (3022) وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/ 586 رقم 2611) .

2 دلائل النبوة (5/ 32) ، وهي رواية ضعيفة لعنعنة ابن إسحاق، لكن قد وردت شواهد تدل على ثبوتها، فقد أخرج نحوها مختصراً ابن أبي شيبة في المصنف (14/ 496) ، وأبو داود في السنن (3/ 162 رقم 3021) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/ 364 رقم 486) والطبراني في الكبير (8/ 10 رقم 7264) ، والبيهقي في السنن أيضاً (9/ 118) ، ومعرفة السنن والآثار (13/ 297) ، كلهم من طريق ابن إسحاق عن الزهري، وفيها جميعاً عنعنة ابن إسحاق، علماً بأن الألباني قد حكم عليها بأنها (حسنة) كما في صحيح سنن أبي داود (2/ 586 رقم 2610) .

149- وقال البيهقي1: أخبرنا أبو عبد الله الحاكم2، قال: أنبأنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، (ح) . وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن عتاب العبدي قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما يقال -في اثني عشر ألفاً3 من المهاجرين والأنصار ومن طوائف العرب: من أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، ومن بني سُليم، وقادوا الخيول، فأخفى الله عزوجل مسيره على أهل مكة حتى نزلوا بمر

__________

1 دلائل البيهقي (5/ 39- 49) بسند حسن إلى الزهري إلا أنها مرسلة، لكن يشهد لكثير من فقراتها ما جاء في الصحيحين وغيرهما كما سيأتي.

2 تقدمت تراجم سند هذه الرواية.

3 تقدم توفيق الحافظ ابن حجر بين من ذكر عددهم عشرة آلاف وبين من ذكرهم اثني عشر ألفاً في المبحث الثاني.

الظهران، وبعثت قريش أبا سفيان وحكيم بن حزام ومعهما بديل بن ورقاء، فلما طلعوا على مر الظهران حين بلغوا الأراك، وذلك عشاءً رأوا النيران والفساطيط1 والعسكر، وسمعوا صهيل2 الخيل، فراعهم ذلك فقالوا: هذه بنو كعب3 حشَّتها4 الحرب، ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: هؤلاء أكثر من بني كعب، قالوا: فلعلهم هوازن انتجعوا5 الغيث بأرضنا ولا والله ما نعرف هذا أيضاً، فبينما هم كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم عيوناً لهم بخطيم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟

قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ فلما دخل بهم العسكر لقيهم عباس بن عبد المطلب6 فأجارهم وقال: يا أبا حنظلة

__________

1 الفساطيط: جمع فسطاط، وهو: - بالضم والكسر - المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط، قال الزمخشري: (هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق) النهاية (3/ 445) .

2 صهيل الخيل: أي: صوته. النهاية (3/ 63) .

3 بنو كعب: يعني خزاعة، وكعب أكبر بطون خزاعة. فتح الباري (8/ 7) .

4 حشّتها الحرب، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: حاشتها الحرب، أي: جاشت بهم الحرب. الفتح (8/ 7) .

5 انتجعوا: التنجع والانتجاع والنجعة: طلب الكلأ ومساقط الغيث. النهاية (5/22)

6 في البخاري (8/ 5- 6) رقم (4280 مع الفتح) من مرسل عروة: (أن حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين أخذوا هؤلاء الثلاثة وأتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان ... ) .

ثكلتك1 أمك وعشيرتك، هذا محمد صلى الله عليه وسلم في جمع المؤمنين فادخلوا [عليه فأسلموا فدخلوا] 2 على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثوا عنده عامة الليل يحادثهم ويسألهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فقال لهم: اشهدوا أنه لا إله إلا الله، فشهدوا، ثم قال: اشهدوا أني رسول الله، فشهد حكيم وبديل، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك، وخرج أبو سفيان مع العباس فلما نودي للصلاة، ثار الناس ففزع أبو سفيان، وقال للعباس: ماذا يريدون؟

قال: الصلاة، ورأى أبو سفيان المسلمين يتلقون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما رأيت ملكاً قط كالليلة ولا ملك كسرى، ولا ملك قيصر، ولا ملك بني الأصفر، فسأل أبو سفيان العباس أن يدخله على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخله، فقال أبو سفيان: يا محمد قد استنصرتُ آلهتي، واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد غلبتك، فشهد أن محمداً رسول الله، وقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله أجئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إلى أصلك وعشيرتك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم أظلم وأفجر، قد غدرتم بعقد الحديبية،

__________

1 ثكلتك: أي: فقدتك، والثكل: فقد الولد، وهي من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله. النهاية (1/ 217) .

2 ما بين الحاصرتين ليس في [ح] كما قال محقق الدلائل، عبد المعطي قلعجي.

وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم الله وأمنه".

فقال بديل: قد صدقت يا رسول الله، قد غدروا بنا والله لو أن قريشاً خلّوا بيننا وبين عدونا ما نالوا منا الذي نالوا.

فقال أبو سفيان وحكيم: قد كنت يا رسول الله حقيقاً أن تجعل عُدّتك وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحماً وأشد عداوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن يجمعهما لي ربي: فتح مكة، وإعزاز المسلمين بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم وذراريهم".

فقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله ادع لنا بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها آمنون هم؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، من كفّ يده وأغلق داره فهو آمن، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم: قال: انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان ودارك يا حكيم1، وكف يده فهو آمن -ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفل مكة -فلما توجها ذاهبين، قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه فيكفر، فاردده حتى نقفه فيرى جنود الله معك، فأدركه عباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدراً يا بني هاشم؟

فقال العباس: ستعلم أنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك حاجة، فأصبح

__________

1 قوله ودارك يا حكيم، ورد ما يشهد له عند الطبري في تاريخه (3/ 54- 56) من رواية هشام بن عروة عن أبيه.

حتى ترى جنود الله وإلى ما أعد للمشركين، فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة، حتى أصبحوا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: لتصبح كل قبيلة قد ارتحلت ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من الأداة والعدة، فأصبح الناس على ظهر، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه الكتائب، فمرت كتيبة على أبي سفيان، فقال: يا عباس أفي هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قال: فمن هؤلاء؟ قال: قضاعة، ثم مرت القبائل على راياتها، فرأى أمراً عظيماً رعبه الله به، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كَدَاء1 من أعلى مكة وأعطاه رايته وأمره أن يغرزها بالحجون2 ولا يبرح حيث أمره أن يغرزها حتى يأتيه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سُليم وناساً أسلموا قبل ذلك وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت وبأسفل مكة بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف

__________

1 كَدَاء: - بالتحريك والمد - الثَّنيَّة العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو: المعلاة. النهاية (4/ 156) .

2 الحجون: - بضم الحاء المهملة والجيم، وآخره نون - هي الثنية التي تفضي على مقبرة المعلاة والمقبرة عن يمينها وشمالها مما يلي الأبطح، تسمى الثنية اليوم (ريع الحجون) ، معجم المعالم الجغرافية (94) .

وهذيل ومن كان معهم من الأحابيش قد استنصرت بهم قريش، وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع سعد رايته إلى قيس بن سعد ابن عبادة1 وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلون أحداً إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر، منهم: عبد الله بن سعد ابن أبي سرح2، والحويرث بن نقيذ3، وابن خطل4، ومقيس بن

__________

1 هو: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي، مختلف في كنيته فقيل: أبو الفضل، وأبو عبد الله وأبو عبد الملك ... أخرج البغوي من طريق ابن شهاب قال: كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ذوي الرأي من الناس ... شهد مع علي صفين ثم كان مع الحسن حتى صالح معاوية، فرجع قيس إلى المدينة ومات بها في آخر خلافة معاوية، الإصابة (3/ 249) .

2 هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب - بالمهملة مصغراً - ابن حذافة بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي القرشي العامري، يكنى أبا يحيى، وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكانت أمه أشعرية، كان عبد الله بن سعد يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فأزلّه الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم، أمّره عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد ومات بها سنة ست وثلاثين. الإصابة (2/ 316-317) .

3 هو: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، السيرة النبوية لابن هشام (2/ 410) وقتله علي بن أبي طالب.

4 اسمه: عبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب، السيرة النبوية لابن هشام (2/ 409) ، وقد ذكر ابن إسحاق أنه اشترك في قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. المصدر السابق.

وذكر الواقدي في المغازي (2/ 859) أقوالاً أخرى في من قتله، وسيأتي الخلاف في اسمه.

صُبابة1 أحد بني ليث وهو من كلب بن عوف، وأمر بقتل قينتين2 لابن خطل كانت تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت الكتائب يتلو بعضها بعضاً على أبي سفيان وحكيم وبديل ولا تمر عليهم كتيبة إلا سألوا عنها حتى مرت عليهم كتيبة الأنصار فيها سعد بن عبادة فنادى سعد أبا سفيان فقال:

اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة4

__________

1 مقيس بن صبابة: - بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة - الفتح (8/ 11)

وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 410) مقيس بن حبابة، وأن الذي قتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه.

2 القينة: الأمة غنَّت أو لم تغن، والماشطة، وكثيراً ما تطلق على المغنية من الإماء. النهاية (4/ 135) .

واسم الأولى: فرتنى (ابن هشام 2/ 410) والثانية: قرينة فتح الباري (8/ 11) ، وقد استؤمن للأولى فأسلمت، وقتلت الثانية. المصدر السابق.

وقد أحصى الحافظ ابن حجر عدد من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم فبلغ عددهم ثمانية رجال وست نسوة. الفتح (8/ 12) .

3 يوم الملحمة: - بالحاء المهملة - أي يوم حرب لا يوجد منه مخلص، ومراد سعد بقوله: يوم الملحمة: يوم المقتلة الكبرى. الفتح (8/ 8) .

4 وكذلك وردت عند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 406) ، والواقدي في مغازيه (2/ 821) ، والطبراني في الكبير 8/ 6 رقم 7263) ، ومغازي الأموي، انظر: عيون الأثر (2/ 223) .

وفي البخاري مع الفتح (8/ 5- 6) رقم (4280) من مرسل عروة (اليوم تستحل الكعبة) .

فلما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان في المهاجرين، قال: يا رسول الله أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال:

اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة

وإني أناشدك الله في قومك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة فعزله وجعل الزبير بن العوام مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون، وغرز بها راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فهزموا، وقتل من بني بكر قريباً من عشرين رجلاً، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقُتلوا بالحزورة1 حتى بلغ قتلهم باب المسجد وفرّ بعضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، واتبعهم المسلمون بالسيوف ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين الأولين وأخريات الناس، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده فهو

__________

1 الحَزْوَرَة: - بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي - هي ما يعرف اليوم باسم القشاشية، مرتفع يقابل المسعى من مطلع الشمس كان ولا يزال سوقاً من أسواق مكة، معجم المعالم الجغرافية (98) .

آمن، فقالت له هند بنت عتبة وهي امرأته: قبحك الله من طليعة قوم وقبح عشيرتك معك، وأخذت بلحية أبي سفيان ونادت يا آل غالب: اقتلوا الشيخ الأحمق، هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال لها أبو سفيان: ويحك اسكتي وادخلي بيتك، فإنه جاءنا بالحق.

ولماّ علا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنية كداء نظر إلى البارقة1 على الجبل مع فضض2 المشركين فقال: "ما هذا؟ وقد نهيت عن القتال؟ ".

فقال مهاجرون نظن أن خالداً قاتل، وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا يخالف أمرك3، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية فأجاز على الحجون، فاندفع الزبير ابن العوام حتى وقف بباب المسجد وجُرح رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُرز بن جابر4 أخو بني محارب بن فهر، وحُبيش بن خالد5،

__________

1 البارقة: السيوف: أي رأى لمعانها. النهاية (1/ 120) .

2 فضض المشركين: الفضض كل متفرق ومنتشر، القاموس، (فضض) . والمعنى: مع بعض المشركين الذين تفرقوا عن بعض.

3 وقد ذكر عبد الرزاق في المصنف (5/ 378) عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بعث خالداً بمن معه يقاتل المشركين بأسفل مكة.

4 هو كُرز بن جابر بن حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري، كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، وأغار على سرح المدينة مرة، ثم أسلم. الإصابة (3/ 290- 291) .

5 هو: حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن خبيس - بمعجمة ثم موحدة ثم مهملة مصغراً - بن حرام بن حبيشة بن كعب بن عمرو الخزاعي، يكنى أبا صخر وهو أخو أم معبد، قتل مع خالد بن الوليد يوم فتح مكة. الإصابة (1/ 310) .

وخالد - يدعى الأشعر وهو أحد بني كعب، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في قتل النفير أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد بعد الهجرة كافراً، فاختبأ حتى اطمأن الناس، ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ليقوم إليه رجل من أصحابه ليقتله، فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي كان في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم1: لو أشرت إليّ يا رسول الله لضربت عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل ذلك".

ويقال: أجاره عثمان بن عفان رضي الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة، وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً على راحلته يستلم الأركان زعموا بمحجن، وكثُر الناس حتى امتلأ المسجد، واستكف المشركون ينظرون إلى رسول الله وأصحابه فلما قضى طوافه نزل، وأخرجت الراحلة، وسجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: "لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت بيدي

__________

1 نقل الحافظ ابن حجر عن سبط ابن الجوزي: أن الذي قال ذلك هو عباد بن بشر، وقيل: بل عمر بن الخطاب. الإصابة (2/ 317) .

دلواً"1 ثم انصرف في ناحية المسجد قريباً من المقام مقام إبراهيم عليه السلام، فكان المقام - زعموا - لاصقاً بالكعبة، فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه هذا2، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسجل3 من ماء زمزم فشرب

__________

1 أخرجه أحمد عن علي رضي الله عليه وسلم بلفظ: (يا بني عبد المطلب سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت بها) المسند (2/ 5 رقم [562] أرناؤوط) والترمذي رقم (885) ، وأبو يعلى رقم (312و 544) ، وابن خزيمة رقم (2837 و2889) ، والطحاوي في مشكل الآثار (2/ 72- 73) ، والبيهقي في السنن (5/ 122) من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، وبعضهم يزيد فيه على بعض، وسنده حسن، وأخرج نحوه الفاكهي في أخبار مكة، وقال محققه عبد الملك بن دهيش: سنده حسن (2/ 51 رقم 1130) ، والأزرقي في أخبار مكة (2/ 55) .

2 المشهور أن الذي أخر المقام عمر رضي الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر: وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخّره عمر رضي الله عليه وسلم إلى المكان الذي هو فيه الآن. فتح الباري (8/ 169) تحت حديث رقم (4483) .

ثم قال: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضاً، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: (إن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقاً بالبيت ثم أخّره عمر) المصدر السابق.

وانظر: مصنف عبد الرزاق (5/ 48 رقم 8955) ، وحديث مجاهد في (5/ 47-48 رقم 8953) وقد ذكر ابن كثير في تفسيره (1/ 170) نحواً من كلام الحافظ ابن حجر.

وذكر الحافظ ابن حجر أيضاً أن ابن مردويه أخرج بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حوّله. قال: والأول أصح. الفتح 08/ 169) .

ونقل ابن كثير في تفسيره رواية ابن مردويه ثم قال: هذا مرسل عن مجاهد وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضادها بما تقدم. التفسير (1/ 171) .

3 السجل: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال. النهاية، 2/344.

وتوضأ، والمسلمون يبتدرون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم يتعجبون، ويقولون: ما رأينا ملكاً قط بلغ هذا ولا سمعنا به، ومرّ صفوان بن أمية عامداً للبحر، وأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يؤمن صفوان بن أمية، وقال: إنه قد هرب فاراً نحو البحر، وقد خشيت أن يهلك نفسه فأرسلني إليه بأمان يا رسول الله فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدرك ابن عمك فهو آمن".

فطلبه عمير فأدركه فقال: قد أمنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صفوان: لا والله لا أقر لك حتى أرى علامة بأمان أعرفها، فقال عمير: امكث مكانك حتى آتيك بها، فرجع عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن صفوان أبى أن يوقن لي حتى يرى منك آية يعرفها، فانتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة حَبِرة كان معتجراً بها حين دخل مكة، فدفعه إلى عمير بن وهب فلما رأى صفوان البرد أيقن واطمأنت نفسه وأقبل مع عمير حتى دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟

قال: (نعم) ، قال: اجعل لي شهراً1 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل لك شهران لعل الله أن يهديك".

وقال ابن شهاب: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان وهو على فرسه فقال: يا محمد أمنتني كما قال هذا، إن رضيت وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل أبا وهب) قال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، قال: فلك تسير أربعة أشهر2، وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام3 وهي مسلمة يومئذ، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته في طلب زوجها، فأذن لها وأمّنه فخرجت بعبد لها رومي فأرادها على نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عكٍّ4 فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه لها، وأدركت زوجها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب عليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه

__________

1 قوله: (اجعل لي شهراً) ورد مثله عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة. الدلائل (5/ 46) .

2 تخييره بأربعة أشهر ورد ما يشهد له عند مالك في الموطأ عن الزهري (الموطأ 2/ 543) رقم (44) وستأتي.

3 هي: أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية زوج عكرمة بن أبي جهل قال أبو عمر: حضرت يوم أحد وهي كافرة، ثم أسلمت في الفتح، واستأمنت أم حكيم بنت الحارث لعكرمة فأمّنه النبي صلى الله عليه وسلم، الإصابة (4/ 443- 444) .

4 عك: قبيلة تنسب إلى اليمن، وعك هو: عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد. جمهرة أنساب العرب لابن حزم (375) .

وأدركته امرأته بتهامة، فأقبل معها وأسلم، ودخل رجل من هذيل حين هزمت بنو بكر على امرأته فاراً فلامته وعجزته وعيّرته بالفرار، فقال:

وأنتِ لو رأيتنا بالخندمة

إذ فر صفوان وفر عكرمة

وألحقتنا بالسيوف المسلمة

يقطعن كل ساعد وجمجمة

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة

قال ابن شهاب: قالها حِماس1 أخو بني سعد بن ليث، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدأونا بالقتال، ووضعوا فينا السلاح، وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قضاء الله عزوجل خير".

قال: وكان دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة والفتح في رمضان سنة ثمان، ويقال: قال أبو بكر رضي الله عليه وسلم يومئذ: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرُّ2، فلما دنونا منها استقلت على

__________

1 هو: حماس - بكسر أوله وتخفيف ثانيه وآخره مهملة - ابن قيس ويقال: ابن خالد بن قيس بن مالك الدئلي، ذكر ابن إسحاق والواقدي أنه كان بمكة يوم الفتح، فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة أعد سلاحه وقال لامرأته: إني لأرجو أن يخدمك الله منهم، ثم فرّ وذكر الأبيات. الإصابة (1/ 352) .

2 هَرَّ الكلب يهرُّ هَريراً، فهو هارٌّ وهرَّارٌ إذا نبح وكشّر عن أنيابه، وقيل: هو صوته دون نباحه. النهاية (5/ 259) .

ظهرها فإذا هي تشخب1 لبناً فقال: ذهب كلبهم، وأقبل درّهم، وهم سائلوكم بأرحامكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، فلقوا أبا سفيان وحكيم اً بمرّ، وقال حسان بن ثابت في مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة:

عدمت بنيتي2 إن لم تروها ... تثير النقع3 من كتفي كَداءُ

ينازعن الأعنة4 مصفيات5 ... يلطمهن بالخُمر النساء

فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء

وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعين الله فيه من يشاء

وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء

هجوتَ6 محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء

__________

1 شخب: الشخب السيلان، وأصل الشخب من يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة بضرع الشاة. النهاية (2/ 450) .

2 في ديوانه (19) : عدمنا خيلنا، والبنية اسم من أسماء الخيل، انظر اللسان (بني) .

3 النقع: الغبار. النهاية (5/ 109) .

4 في الديوان (19) يبارين الأعنة، والمعنى: يجارينها في السرعة، والعُنة: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، القاموس (عنن) .

5 في الديوان (19) مصعدات، وفي البداية والنهاية (4/ 310) مصغيات، بالغين المعجمة.

6 الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، وقد أسلم عام الفتح. الإصابة (4/ 90) .

فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء

لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تَكَيده1 الدلاء

قال: فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم إلى أبي بكر رضي الله عليه وسلم حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر2.

150- قال الحاكم3حدثنا أبو العباس محمد4 بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت5سليم، وأَلَّفَت6مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار، فلم

__________

1 في الديوان (21) : لا تكدره الدلاء، والمعنى: أن لسانه كالسيف القاطع وأن شعره كالبحر لا تؤثر فيه الدلاء التي يستقي بها، شرح الديوان (ص: 21) .

2 ذكر ابن كثير في البداية مقتطفات متفرقة من هذه الرواية، انظر: (4/ 291، 294، 295، 296) .

3 مستدرك الحاكم (3/43-44) ، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي وإنما هو حسن فقط، كما قال الألباني، في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (ص408)

4 تقدمت تراجم سند هذه الرواية.

5 أي كملت سبعمائة رجل. النهاية (2/336)

6 أي صارت ألفاً.

يتخلف عنه منهم أحد، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك1 وابن عمتك وصهرك2، فقال: لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن3 له، فقال: والله ليأذننّ لي رسول الله صل,

المبحث الخامس: في منزل الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة.

...

المبحث الخامس: في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة زمن الفتح

151- روى البخاري من حديث الزهري عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح، يا رسول الله، أين تنزل غداً؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل ترك لنا عقيل من منزلٍ؟ "1.

152- وروى البخاري أيضاً من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عليه وسلم قال حين أراد حنيناً: (منزلنا غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر) 2.

__________

1 رواه البخاري (مع الفتح 8/ 13 رقم 4282) .

2 رواه البخاري (مع الفتح 8/14 رقم 4285) .

المبحث السادس: في قتل خزاعة رجلاً من هذيل بعد تحريم مكة.

...

المبحث السادس: قتل خزاعة رجلاً من هذيل بعد تحريم مكة

153- قال الإمام أحمد: ثنا وهب بن جرير1 قال: حدثني أبي2 قال: سمعت يونس3 يحدث عن الزهري عن مسلم بن يزيد4 أحد بنى سعد بن بكر أنه سمع شريح الخزاعي5 ثم الكعبي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع السيف فلقي رهط منا الغد رجلاً من هذيل في الحرم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم

__________

1 هو: وهب بن جرير بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزدي، البصري، ثقة، من التاسعة، توفي سنة ست ومائتين، ع، التقريب (585) .

2 هو: جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث من حفظه، وهو من السادسة، توفي سنة سبعين بعدما اختلط لكن لم يحدث في اختلاطه، ع، التقريب (138) .

3 يونس بن يزيد الأيلي، ثقة، تقدم، رقم الرواية [77] .

4 هو: مسلم بن يزيد السعدي، حجازي، مقبول، من الرابعة، التقريب (531) رقم (6651) .

5 هو: شريح بن عمرو الخزاعي، الإصابة (2/ 147) ، ثم قال الحافظ ابن حجر: ذكره ابن شاهين في الصحابة، ثم ذكر طرفاً من حديث شريح هذا.

وكان قد وترهم1 في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه، وبادروا أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر2، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً والله ما رأيته غضب غضباً أشد منه فسعينا إلى أبي بكر وعمر وعلى رضي الله عنه نستشفعهم وخشينا أن نكون قد هلكنا، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال: (أما بعد فإن الله عز وجل هو حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلّها لي ساعة من النهار أمس وهى اليوم حرام كما حرمها الله عز وجل أول مرة وإن أعتى3 الناس على الله عز وجل ثلاثة: رجل قَتَل فيها، ورجل قَتَل غير قاتله، ورجل طُلِبَ بِذَحْلٍ4 في الجاهلية، وإني والله لأَدِيَنَّ5 هذا الرجل الذي قتلتم فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم6.

__________

1 الوِتْر: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي، النهاية (5/ 148) .

2 أي فيأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم قتله، والله أعلم.

3 العتو: التجبر والتكبر، وقد عتا يعتو عتواً فهو عاتٍ. النهاية (3/ 181) .

4 الذَّحل: الوتر وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلك، والذحل: العداوة أيضاً. النهاية (2/ 155) .

5 لأدين هذا الرجل: أي أعطي ديته، يقال: وديت القتيل إذا أعطيت ديته. النهاية (5/ 169) .

6 مسند أحمد (26/ 298- 299، رقم [16376] أرناؤوط) وهو حديث صحيح كما قال المحقق دون قوله: (وإنَّ أعتى الناس ... إلى قوله: (في الجاهلية) ، فحسن لغيره، ثم ذكر شواهد لهذه الرواية، فانظرها هناك، والمعرفة التاريخ للفسوي (1/ 397) ، والطبراني في الكبير (22/ 191) رقم (500) ، وقال في المجمع (7/ 174) ورجاله رجال الصحيح، وسنن البيهقي (8/ 71) ، وابن شاهين في الصحابة، كما في الإصابة لابن حجر (2/ 147) ، وأخرجه أبو جعفر الطبري من غير طريق الزهري، انظر: (تهذيب الآثار، السفر الأول من مسند ابن عباس ص: 41 حديث رقم [1] ) .

وقصة قتل خزاعة لرجل من بني ليث عام الفتح، ذكرها مسلم في الصحيح رقم: (1355) من حديث أبي هريرة.

المبحث السابع: في كيفية دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح

154- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر1، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل2 متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه"3.

__________

1 المغفر: ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد ونحوه. النهاية (3/ 374) .

2 ابن خطل: اسمه: هلال بن خطل، وقيل: عبد العزى بن خطل، وقيل: عبد الله بن خطل، هذا قول ابن إسحاق وجماعة، وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة هو: هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد ابن جابر بن كبير بن تميم بن غالب بن فهر. التمهيد (6/ 157) .

3 صحيح البخاري مع الفتح (4/ 59) رقم (1846) ، ورقم (3044، ورقم 4286، ورقم 5808) ، وهو في موطأ مالك في كتاب الحج باب (جامع الحج) رقم (247) ، وأخرجه مسلم في كتاب الحج حديث رقم (450) ، والحميدي في المسند رقم (1212) وأحمد في المسند (20/ 113 رقم [12681] أرناؤوط) ، وأبو داود رقم (2685) ، والترمذي رقم (1693) ، وفي الشمائل رقم (105) ، والنسائي في الحج (5/ 200- 201) ، وابن ماجه في الجهاد رقم (2805) ، وابن خزيمة في صحيحه رقم (3063) ، والدارمي في سننه رقم (1938، ورقم2456) ، وابن حبان في صحيحه رقم (3719) ، وأبو يعلى في مسنده رقم (3539) ، وابن أبي شيبة (14/ 492) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 139) ، وأبو عبيد في الأموال (109 رقم 297) ، وابن زنجويه في الأموال (1/ 294 رقم 453) ، وأبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه (ص: 143) ، والفاكهي في أخبار مكة (2/ 350) رقم (6149) ، والخليلي في الإرشاد (1/ 168) ، والبيهقي في السنن (6/ 323) ، والبغوي في شرح السنة (7/ 304) رقم (2006) ونقله ابن عبد البر في التمهيد عن مالك (6/ 157) .

,

المبحث الثامن: في تكسير النبي صلى الله عليه وسلم للأصنام التي حول الكعبة.

155- أخرج أبو الوليد الأزرقي من طريق عبد العزيز بن عمران عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، منها ما قد شد بالرصاص، فطاف على راحلته، وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" ويشير إليها فما منها صنم

أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه حتى وقعت كلها1.

__________

1 أخبار مكة للأزرقي (1/ 121) ، وفي سنده عبد العزيز بن عمران؛ متروك، انظر: التقريب (4114) .

وقال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب فذكره، السيرة النبوية (1/ 416) .

وهي رواية ضعيفة أيضاً لجهالة من حدث ابن هشام.

وقد أخرجها أبو الوليد الأزرقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن علي بن عبد الله بن عباس قال: فذكره. انظر: أخبار مكة (1/ 120) وهي رواية ضعيفة أيضاً لعنعنة ابن إسحاق.

ولكن يشهد لذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من غير طريق الزهري وذلك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عليه وسلم قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل وما يبدئ الباطل وما يعيد". صحيح البخاري مع الفتح (8/ 15- 16) رقم (4287) وانظر: صحيح مسلم رقم (1781) .

المبحث التاسع: في قصة إسلام صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل

156- أخرج مالك عن ابن شهاب أنه بلغه أن نساءً كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلمن بأرضهن وهن غير مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت1 الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أماناً لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضى أمراً قبله وإلا سيره شهرين، فلما قدم صفوان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه، ناداه على رؤوس الناس، فقال: يا محمد إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فإن رضيت أمراً قبلته، وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل أبا وهب) ، فقال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل لك تسير أربعة أشهر) ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل هوازن بحنين فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره2 أداة وسلاحاً عنده فقال صفوان: أطوعاً أم كرهاً؟ فقال:

__________

1 اسمها: فاختة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية أخت خالد بن الوليد، كانت تحت صفوان بن أمية، أسلمت يوم الفتح وبايعت. الإصابة (4/ 374) .

2 استعارة النبي صلى الله عليه وسلم السلاح من صفوان أخرجها الحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق (3/ 48- 49) ضمن حديث طويل وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والصواب أنه حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، وروي أيضاً من طرق أخرى انظرها في إرواء الغليل (5/ 344- 346) .

(بل طوعاً) .

فأعاره الأداة والسلاح التي عنده، ثم خرج صفوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر فشهد حنيناً والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح1.

157- قال ابن سعد: أخبرنا أحمد بن الحجاج الخراساني2، أخبرنا عبد الله بن المبارك3، قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن بعض

__________

1 موطأ مالك كتاب النكاح: باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله رقم [44] .

قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير وابن شهاب إمام أهلها، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده إن شاء الله، التمهيد (12/ 19) .

وقد أخرج البيهقي هذه الرواية من طريق مالك في السنن الكبرى (7/ 186- 187) وفي الدلائل (5/ 97) .

وأخرج ابن إسحاق من غير طريق الزهري عن عروة بمعنى هذه الرواية (ابن هشام 2/ 417- 418) ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها الطبري في تاريخه (3/ 63)

2 هو" أحمد بن الحجاج البكري المروزي، ثقة من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، خ، التقريب (78) .

3 عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، توفي سنة إحدى وثمانين وله ثلاث وستون، ع، التقريب (320) .

آل عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية بن خلف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام، قال عمر: قلت: قد أمكن الله منهم أُعَرِّفُهُم بما صنعوا، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} 1) قال عمر: فانفضحت حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية لما كان مني، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال2.

158- وقال الحاكم3: حدثنا أحمد بن سهل4 الفقيه ببخارى، ثنا سهل بن المتوكل5، ثنا إسماعيل بن أبي أويس6، عن أبيه7، عن

__________

1 سورة يوسف، آية رقم (92) .

2 الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 141-142) ، وهو ضعيف لجهالة بعض آل عمر، وقد أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم رقم (82) ، وابن زنجويه في كتابه الأموال رقم (455) كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري عن بعض آل عمر به.

3 المستدرك (3/ 242) .

4 هو: أبو النصر، أحمد بن سهل البخاري الفقيه، ثقة متفق عليه، الإرشاد للخليلي (3/ 974) .

5 سهل بن المتوكل بن حجر، أبو عصمة البخاري، يروي عن أبي الوليد الطيالسي وأهل العراق، روى عنه أهل بلده، ذكره ابن حبان في الثقات (8/ 294) ، وقال عنه: (إذا حدث عن إسماعيل بن أبي أويس أغرب عنه) .

6 تقدم في الرواية رقم [7] .

7 عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي، صدوق يهم، تقدم.

الزهري، عن عروة بن الزبير قال: قال عكرمة بن أبي جهل: لما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا محمد إن هذه1 أخبرتني أنك آمنتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت آمن"، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس.

قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت2 فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك"، قلت: يا رسول الله مرني بخير ما تعلم فأعلمه، قال: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتجاهد في سبيله"، ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قاتلت قتالاً في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضِعْفَه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيداً في خلافة أبي بكر رضي الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله عام حجته على هوازن يصدقها، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعكرمة يومئذ بتبالة3.

__________

1 يقصد زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام كما في الرواية الآتية رقم [113] .

2 أوضعت فيه: أي أسرعت فيه القتال. النهاية (5/ 197) .

3 تبالة: وادٍ ذو قرى ومياه ونخل، يقع جنوب شرق الطائف على قرابة (200) كيل، يسيل من سراة غامد وبلقرن، من نواحي الباحة وبلجرشي وما والاهما، ثم يتجه شرقاً فيصب في بيشة، معجم المعالم الجغرافية (59) .

والحديث فيه انقطاع، لأن عروة بن الزبير لم يدرك عكرمة، لأن ولادته كانت في آخر خلافة عمر رضي الله عليه وسلم على الراجح، تاريخ خليفة (156) ، وتاريخ دمشق لابن عساكر (11/ 564) .

159- مالك عن ابن شهاب: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام، حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحاً، وما عليه رداء حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك1.

__________

1 موطأ مالك، كتاب النكاح، باب: نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله، رقم الحديث (44) .

ومن طريق مالك أخرجه البيهقي في السنن (7/ 178) ، ودلائل النبوة (5/ 98) .

وأخرج نحوه ابن إسحاق عن الزهري (ابن هشام 2/ 418) ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في التاريخ (3/ 63) .

المبحث العاشر: في سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة

160- قال البخاري: حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، (ح) وحدثني نعيم، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث1 النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة2، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا3، فجعلوا يقولون: صبأنا،

__________

1 هذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفل مكة من ناحية يلملم، فتح الباري (8/ 57) .

وكان عددهم ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين وبني سليم. ابن سعد (2/ 147) .

2 إلى بني جذيمة: - بفتح الجيم وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة -، أي ابن عامر ابن عبد مناة بن كنانة، فتح الباري (8/ 57) .

قال الحافظ: "ووهم الكرماني فظن أنه من بني جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف، قبيلة من عبد قيس". الفتح (8/ 57) .

3 قوله: "فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ... " قال الحافظ: "هذا من ابن عمر راوي الحديث، يدلّ على أنه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة، ويؤيد فهمه أن قريشاً كانوا يقولون لكل من أسلم صبأ، حتى اشتهرت هذه اللفظة، وصاروا يطلقونها في مقام الذم، ومن ثم لما أسلم ثمامة بن أثال وقدم مكة معتمراً، قالوا له: صبأت؟ قال: بل أسلمت، فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء، وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها، لأن قولهم: صبأنا، أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام. أ.هـ. الفتح (8/ 57) .

وقال الحافظ: "قال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة، ولما ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولاً قولهم". المصدر السابق.

وأما ما ذكره ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 431) والواقدي في المغازي (3/ 876- 882) ، من أن خالداً إنما فعل ذلك إدراكاً لثأر قديم مع بني جذيمة، فلا يصح، لأن ابن إسحاق ذكر ذلك بدون إسناد، والواقدي متروك، ولا يؤخذ بقوله في مجال الأحكام الشرعية.

صبأنا1، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يومٌ، أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجلٌ من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد2، مرتين"3.

__________

1 صبأنا صبأنا: يقال: صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره، من قولهم: صبأ ناب البعير إذا طلع، وكانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم الصابئ، لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام. النهاية (3/ 3) .

2 قال الحافظ: "قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم: صبأنا"، فتح الباري (8/ 57- 58) .

3 صحيح البخاري مع الفتح (8/ 56) رقم (4339) و (13/ 181 ورقم 7189) .

وقد أخرج خبر هذه السرية أيضاً: عبد الرزاق في المصنف (5/ 221- 222 رقم 9434) ، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند (10/ 444- 445 رقم [6382] أرناؤوط) ، والنسائي في سنن رقم (5404) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 11/ 53، رقم: 4749) ، والبيهقي في الدلائل (5/ 113- 118) ، وفي السنن (9/ 115) وذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام، قسم المغازي (567) ، وابن كثير في البداية (4/ 313- 314) ، ومن غير طريق الزهري أخرجها ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 428) ، والواقدي في المغازي (3/ 875) ، وابن سعد (2/ 147- 149) بدون إسناد.

161- وقال ابن إسحاق1: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة ابن الأخنس2، عن الزهري، عن ابن أبي حدرد الأسلمي3 قال: كنت يومئذٍ في خيل خالد بن الوليد، فقال لي فتى4 من بني جذيمة وهو في

__________

1 سيرة ابن هشام (2/ 433) .

2 هو: يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي، ثقة، من السادسة، توفي سنة ثمان وعشرين، د، س، ق، التقريب (608) .

3 هو: عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، اسمه: سلامة، وقيل: عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد بن شيبان ... الأسلمي أبو محمد، له ولأبيه صحبة ... قال الحافظ: روى ابن إسحاق في المغازي عن يعقوب بن عتبة عن ابن شهاب عن أبي حدرد أن ابنه عبد الله قال: كنت في خيل خالد بن الوليد فذكر الحديث في قصة المرأة التي عشقها الرجل وضربت عنقه فماتت عليه ... ، الإصابة (2/ 294- 295) .

4 هو: عبد الله بن علقمة الكناني. انظر: الكامل (2/ 175) .

سني، وقد جعلت يداه إلى عنقه برُمّة1، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: "يا فتى، فقلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم؟

قال: قلت: والله ليسيرٌ ما طلبت، فأخذت برمته فقدته بها حتى وقفت عليهن: فقال اسلمي حبيش2 على نفد من العيش:

أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية3 أو ألفيتكم بالخوانق4

ألم يك أهلاً أن ينوّل عاشق ... تكلف إدلاج5السرى والودائق6

فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معاً ... أثيبي7 بود قبل إحدى الصفائق8

__________

1 الرُّمة: - بالضم -: قطعة حبل يشد بها الأسير أو القاتل إذا قيد إلى القصاص، النهاية (2/ 267) .

2 مرخم حبيشة.

3 حلية: اسم موضع أو هو: وادٍ بتهامة؛ أعلاه لهذيل، وأسفله لكنانة، معجم البلدان (2/ 297) .

4 الخوانق: اسم موضع، لكن لم أجد له تعريفاً من كتب الأماكن والبلدان.

5 الإدلاج: هو السير من أول الليل. النهاية (2/ 129) .

6 الودائق: جمع وديقة، أي حر شديد، أشد ما يكون من الحر بالظهائر. النهاية (5/ 169) .

7 أثيبي: من ثاب يثوب إذا رجع. النهاية (1/ 227) .

8 الصفائق: الحوادث، القاموس (صفق) .

أثيبي بود قبل أن تشحط1 النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق

فإنّي لا ضيعت سر أمانة ... ولا راق عيني عنك بعدك رائق2

سوى أن ما نال العشيرة شاغل ... عن الودِّ إلا أن يكون توامق3

قالت: وأنت فحييت سبعاً وعشراً وتراً وثمانياً تترى.

قال: ثم انصرفتُ به فضربتُ عنقه"4.

__________

1 شحط: الشحط: البعد، يقال: شحط فلان في السوم إذا أبعد. النهاية (2/ 449) .

2 رائق: من راق الشيء إذا صفا وخلص. النهاية (2/ 279) .

3 ومقه: أي أحبه، القاموس (ومق) .

4 وهذه الرواية إسنادها حسن، وقد أخرجها من طريق ابن إسحاق البيهقي في الدلائل (5/ 115) ، إلا أنه قال: حدثنا ابن أبي حدرد عن أبيه، وكذلك عند الذهبي قسم المغازي (568) ، وابن كثير البداية والنهاية (4/ 313) .

وقد أخرج النسائي برقم (5404) والبيهقي في الدلائل (5/ 118) ، قصة مشابهة لهذه القصة من حديث ابن عباس وقال فيها: ".. فقال إني لست منهم، إني عشقت امرأة منهم، فدعوني أنظر إليها نظرة - قال فيه - فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أما كان فيكم رجل رحيم" وقد صححها ابن حجر كما في الفتح (8/ 58) ، وأخرجها ابن حبان في صحيحه موارد الظمآن رقم (6696) ، والطبراني في الكبير والأوسط كما قال الهيثمي في المجمع (6/ 110) ، وقال: "إسناده حسن".


تحميل : تمهيد من كتاب مرويات الإمام الزهري في المغازي

كلمات دليلية: