تجهيز جيش أسامة بن زيد لقتال الروم_13087

تجهيز جيش أسامة بن زيد لقتال الروم


آخر البعوث النبوية

:

"ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة" الكلبي "رضي الله عنه" وعن أبيه وجده، وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ أسامة والحسن، فيقول: "اللهم أحبهما فإني أحبهما"، وفي حديث المخزومية فلم يجسر أحد أن يكلمه صلى الله عليه وسلم فكلمة أسامة.

سكن المزة من أعمال دمشق ومات بالمدينة أو بوادي القرى سنة خمس أو أربع وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة "إلى أهل أبني" بضم الهمزة وسكون الموحدة، وفتح النون فألف مقصورة ويقال بميم بدل الموحدة "بالشراة" بفتح المعجمة والراء "ناحية" أي

بالبلقاء، وكانت يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر، سنة إحدى عشرة.

وهي آخر سرية جهزها النبي صلى الله عليه وسلم وأول شيء جهزه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لغزو الروم مكان مقتل أبيه زيد.

فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة الأسلمي، وعسكر بالجرف. فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب.

__________

جبل "بالبلقاء" بفتح الموحدة وسكون اللام بالقاف والمد ويقصر، "وكانت يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة" من الهجرة، أي ابتداء الأمر بها. ففي العيون قالوا: لما كان يوم الاثنين لأربع بقين من صفر سنة إحدى عشرة، أمر صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة، فقال: "سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبني، وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الأخبار، فإن ظفرك الله، فأقل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون والطلائع معك" ونحوه في الفتح، وزاد "وهي آخر سرية جهزها النبي صلى الله عليه وسلم، وأول شيء جهزه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بمعنى أنفذ تجهيزه لأنه لما بويع بعد الوفاة النبوية كلم في جيش أسامة، فأبى إلا إنفاذه "لغزو الروم مكان مقتل أبيه زيد" أول الأمراء بسرية مؤتة، وهي بالهمز، وتركه من عمل البلقاء بالشام، كما مر فلا تخالف، "فلما كان يوم الأربعاء" كما عند أهل السير، وبه جزم الحاكم أبو أحمد. وقال الخطابي: يوم الاثنين وقيل: يوم السبت "بدئ بالبناء للمفعول مهموز الآخر، أي ابتدأ "برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه" نائب الفعل.

قال الحافظ: ابتداؤه في بيت ميمونة على المعتمد، وعند أبي معشر في بيت زينب بنت جحش، وعند اليمي في بيت ريحانة، "فحم" بشد الميم، والبناء للمفعول، "وصدع" بضم الصاد، وكسر الدال المشددة وبالعين المهملات، أي حصل له صداع أي وجع في رأسه وأما المخفف من صدع فليس مرادا هنا كأصدع بما تؤمر "فلما أصبح يوم الخميس" يجوز نصبه ظرفا رفعه فاعل أصبح كما في الشامي "عقد لأسامة لواء بيده" الشريفة ثم قال: أغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله" "فخرج" أسامة "بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة" بن الحصيب، بمهملتين مصغر "الأسلمي" الصحابي المسلم قبل بدر المتوفى سنة ثلاث وستين، "وعسكر بالجرف" بضمتين وبضم فسكون، "فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا

فيهم أبو بكر وعمر.

فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين؟ فخرج صلى الله عليه وسلم وقد عصب رأسه وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: $"أما بعد، أيها الناس، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إماراتي أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله،

__________

انتدب" أي قام بسرعة والمراد سرعة الخروج "فيهم أبو بكر، وعمر" وأبو عبيدة، وسعد، وسعيد، وسلمة بن أسلم وقتادة بن النعمان، كما ذكره الواقدي وأخرجه ابن عساكر من طريقه وابن سعد، وأنكر ابن تيمية كون الصديق في السرية واستبعده بأنه استخلف أبا بكر على الصلاة، فكيف يأمره الخروج مع السرية ولا بعد فيه، فإنه أمره قبل مرضه، فلما اشتد مرضه استثناه واستخلفه على الصلاة، ثم الإنكار مكابرة فقد أتته أئمة المغازي وهم المرجوع إليهم في هذا. ومن ثم جزم به الحفاظ كاليعمري ومغلطاي والحافظ في المناقب، وقال هنا وقد ذكر إنكار ابن تيمية مستند من ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي وذكره ابن سعد في أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد، وذكره ابن إسحاق في آخر السيرة المشهورة ولفظه: فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة، فمنهم أبو بكر وعمر ذكر ذلك كله ابن الجوزي في المنتظم جازما به انتهى. "فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين" الأولين، وعند ابن إسحاق، من مرسل عروة وغيره أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار.

قال الحافظ: والذي باشر القول ممن نسب إليهم الطعن في إمارته عياش بن أبي ربيعة المخزومي فكثرت فغضب غضبا شديدا، "فخرج صلى الله عليه وسلم وقد عصب" بالتشديد، كما اقتصر عليه البرهان وتبعه الشامي، فإن كان رواية وإلا فيخفف أيضا "رأسه وعليه قطيفة" كساء له خمل. "فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه" بما هو أهله، "ثم قال: "أما بعد أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة".

وفي رواية في الصحيح "قد بلغني أنكم قلتم في أسامة وأنه أحب الناس إليَّ"، أي الذين طعنوا فيه أو "من أحب" للرواية الأخرى "ولئن طعنتم في إمارتي أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله".

قال الطيبي: هذا الجزاء إنما يترتب على الشرط بتأويل السببية والتوبيخ، أي طعنكم الآن فيه سبب،؛ لأن أخبركم أن ذلك من عادة الجاهلية وهجراهم، ومن ذلك طعنكم في أبيه من قبل نحو قوله: أن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. وقال التوربشتي: إنما طعن من طعن في إمارتهما

وايم الله إن كان للإمارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم"، ثم نزل عن المنبر فدخل بيته. وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة.

وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون

__________

لأنهما من الموالي والعرب لا ترى تأميرهم وتستنكف عن اتباعهم كل الاستنكاف. فلما جاء الله بالإسلام ورفع قدر من لم يكن عندهم له قدر بالسابقة، والهجرة والعلم والتقى عرف حقهم أهل الدين، فأما المرتهنون بالعادة، والممتحنون بحب الرياسة من الأعراب ورؤساء القبائل، فلم يختلج في صدورهم شيء من ذلك لا سيما أهل النفاق، فكانوا يسارعون إلى الطعن وشدة النكير، وكان صلى الله عليه وسلم قد بعث زيدا على عدة سرايا ومؤتة أعظمها وتحت رايته نجباء الصحابة، "وايم الله" بهمزة وصل "إن كان" زيد "للإمارة لخليقا" بخاء معجمة مفتوحة وقاف، أي أهلا وحقيقا، فاللام في للإمارة على بابها، لكن الرواية عن أهل المغازي لخليقا للإمارة بتأخيرها كما في العيون، وهو الذي في الصحيح لسوابقه وقربه منه صلى الله عليه وسلم وقد روى النسائي عن عائشة: ما بعث صلى الله عليه وسم زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم، "وإن ابنه ن بعده لخليق" جدير وحقيق، وضمنه معنى أهل، فعداه باللام في "للإمارة" فلا يرد أن خليق يتعدى بالباء، ولذا أمره في مرضه على مشيخة الصحابة وفضلائهم، وكأنه رأى في ذلك سوى ما توسم أنه من النجابة، أي يمهد الأرض، ويوطئه لمن يلي الأمر بعده لئلا ينزع أحد يدا من طاعته، وليعلم كل أن العادات الجاهلية قد عميت مسالكها وخفيت معالمها. قال التوربشتي "وإن" مخففة من الثقيلة "كان" زيد "لمن أحب الناس إليَّ".

زاد في رواية الصحيح "وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده" فكان حذفها هنا من تصرف الرواة وفي العيون وأنهما لمخيلان لكل خير، بفتح الميم، وكسر المعجمة وسكون التحتية أي لمظنة وهذه القطعة مما أورده أهل المغازي صحيحة.

روى الإمام مالك ومن طريقه البخاري عن ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته فقام صلى الله عليه وسلم فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وايم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده" "فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم" فيه منقبة ظاهرة لأسامة وأبيه حيث أذاع فضائلهما على المنبر مع تلبسه بالمرض وكونه عاصبا رأسا وأمره بالوصية لأسامة ونصه لي أنه من الخيار "ثم نزل عن المنبر، فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون

رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرجون إلى العسكر بالجرف.

فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبي صلى الله عليه وسلم مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، فطأطأ أسامة فقبله، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة. قال أسامة. فعرفت أنه يدعو لي. ورجع أسامة إلى معسكره.

ثم دخل يوم.

__________

رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخرجون إلى العسكر، وهو ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة من قريش، كما عند الواقدي، وعنده أيضا عن أبي هريرة كانت عدة الجيش سبعمائة ولا تنافي، فلعله اقتصر على القرشيين "بالجرف" موضع على فرسخ من المدينة، كما عند ابن إسحاق، "فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه".

قال أهل المغازي فجعل يقول: "أنفذوا بعث أسامة"، "فدخل أسامة من معسكره والنبي صلى الله عليه وسلم مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه" بدال مهملة قال الحافظ: أي جعلوا في جانب فمه دواء بغير اختياره، وعند الطبراني عن العباس: أنهم أذابوا القسط، أي العود الهندي بزيت فلدوه به؛ لأنهم ظنوا أنه به ذات الجنب، فلما أفاق قال: كنتم ترون أن الله يسلط على ذات الجنب ما كان الله ليجعل لها عليَّ سلطانًا والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد، فما بقي أحد إلا لد حتى ميمونة وهي صائمة.

أخرجه ابن سعد عن عائشة وعبد الرزاق بسند صحيح عن أسماء بنت عميس نحوه وفيه ضعف ما رواه أبو يعلي بسند فيه ابن لهيعة عن عائشة رضي الله عنها: أنه صلى الله عليه وسلم مات من ذات الجنب لكن يمكن الجمع بأنها تطلق على ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن وهو المنفي هنا وفي المستدرك ذات الجنب من الشيطان وعلى ريح بين الأضلاع وهو المثبت ولا محذور فيه وإنما لدهم تأديبا لئلا يعودوا لا قصاصا ولا انتقاما، وأنكر التداوي مع أنه كان يتداوى لأنه غير ملائم له إذ هو ملائم لذات الجنب وليست به انتهى ملخصا، وفي الصحيح عن عائشة لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني" قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا" انظر إلا العباس لم يشهدكم "فطأطأ" بهمزة ساكنة بعد الطاء الأولى، وهمزة مفتوحة بعد الثانية "أسامة فقبله والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي ورجع أسامة إلى معسكره، ثم دخل" أسامة "يوم

الاثنين وأصبح صلى الله عليه وسلم مفيقا، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت. فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة فتوفي عليه الصلاة والسلام حين زاغت الشمس. لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.

واستشكله السهيلي ومن تبعه، وذلك: أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس فمهما فرضت الشهور الثلاثة: توام أو نواقص، أو بعضها، لم يصح.

قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر لمن تأمله.

__________

الاثنين وأصبح صلى الله عليه وسلم مفيقا، فقال لأسامة: "اغد على بركة الله" فودعه أسامة وخرج إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر، "فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن".

قال البرهان: لا أعرف اسمه "قد جاءه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت، فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة" فانتهوا إليه وهو يموت "فتوفي عليه الصلاة والسلام حين زاغت" مالت "الشمس" وذلك عند الزوال. وفي الصحيح: وتوفي في آخر ذلك اليوم.

قال الحافظ: وهو يخدش في جزام ابن إسحاق، بأنه مات حين اشتد الضحى، ويجمع بأن إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار، وذلك عند الزوال، واشتداد الضحى يقع قبل الزوال ويستمر حتى يتحقق زوال الشمس. وقد جزم ابن عقبة، عن الزهري وأبو الأسود، عن عروة بأنه مات حين زاغت الشمس، فهذا يؤيد الجمع، ثم الذي عند ابن إسحاق والجمهور وأبو الأسود، عن عروة بأنه مات حين زاغت الشمس، فهذا يؤيد الجمع، ثم الذي عند ابن إسحاق والجمهور أنه مات "لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول" وعند ابن عقبة والليث والخوارزمي وابن زير مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه، ورجحه في الروض "واستشكله" أي قوله: لاثنتي عشرة ليلة "السهيلي ومن تبعه. و" قال في بيان "ذلك" ما حاصله: "أنهم انفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس" للإجما أن وقفة عرفة كانت الجمعة، "فمهما فرضت الشهور الثلاثة" الحجة ومحرم وصفر "توام أو نواقص" كلها "أو" فرضت بعضها تاما وبعضها ناقصا "لم يصح" أن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين.

"قال الحافظ ابن حجر: وهو" إشكال "ظاهر لمن تأمله" ولفظ السهيلي فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت فإن كان الجمعة فكان صفر إما السبت، وإما الأحد، فإن كان السبت

وأجاب البازري ثم ابن كثير، باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة، فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها، وكان أول ذي الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد وآخره الاثنين وأول صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس، فيكون ثاني عشرة يوم الاثنين.

قال: وهذا الجواب بعيد، من حيث إنه يلزم منه توالي أربعة أشهر كوامل، وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات، بأن ابتداء مرضه صلى الله عليه وسلم كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. فعلى هذا يكون صفر ناقصا ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والمحرم ناقصين. فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية.

__________

فأول ربيع الأحد أو الاثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن ثاني عشر ربيع يوم الاثنين بوجه ولم أر أحدا تفطن له. "وأجاب البارزي ثم ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل فكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة فحصلت" وفي نسخة فجعلت "الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها" المدينة، "فكان أول ذي الحجة، الجمعة" على رؤية المدينة، وآخره السبت وأول المحرم الأحد، وآخره الاثنين وأول صفر الثلاثاء، وآخره الأربعاء وأول ربيع الأول الخميس فيكون ثاني عشرة يوم الاثنين.

"قال" الحافظ: "وهذا الجواب بعيد من حيث" وفي نسخة من جهة "أنه يلزم منه توالي أربعة أشهر"، بعد ذي القعدة أولها كوامل وهو ممتنع عند جماعة من علماء الميقات، وصوب آخرون أن الممتنع توالي خمسة "وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات بأن ابتداء مرضه صلى الله عليه وسلم كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، فعلى هذا يكون صفر ناقصا، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا أن يكون ذو الحجة والمحرم ناقصين، فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية" وهي غاية ما يتوالى.

قال الحافظ عقب هذا: وأما من قال مات أول يوم من ربيع الأول، فيكون اثنان ناقصان، وواحد كاملا، ولذا رجحه السهيلي، وفي مغازي أبي معشر عن محمد بن قيس: اشتكى صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر، وهو موافق لقول سليمان التيمي المتقدم بأن أول

قال: والمعتمد ما قاله أبو مخنف: أنه توفي في ثاني ربيع الأول. وكان سبب غلط غيره أنهم قالوا: مات في ثاني شهر ربيع الأول، فغيرت فصار: ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضا من غير تأمل. انتهى.

ثم إن وفاته عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين من ربيع الأول بلا خلاف، بل كاد يكون إجماعا لكن في حديث ابن مسعود: في حادي عشر رمضان رواه البزار. والمعتمد ما تقدم، والله أعلم. انتهى.

وسيأتي حديث الوفاة الشريفة إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير.

__________

صفر كان السبت. وما عند ابن سعد من طريق عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه قال: اشتكى صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، ومات يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول، فيرد عليه الإشكال المتقدم، وكيف يصح أن أول صفر الأربعاء، ليكون تاسع عشريه الأربعاء والفرض أن ذا الحجة أوله الخميس، فلو فرض هو والمحرم كاملين لكان أول صفر الاثنين، فكيف يتأخر إلى يوم الأربعاء.

"قال" الحافظ تلو هذا "والمعتمد ما قاله أبو مخنف" بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة وفتح النون، ثم فاء لوط بن يحيى الإخباري الشيعي، قال في الميزان وغيره. كذاب تالف متروك وفي القاموس وكمنبر أبو مخنف، وسقطت أداة الكنية من الشيخ، فتوقف في أنه المراد، وظنهما رجلين ولا كذلك، وقد وافقه ابن الكلبي على "أنه توفي في ثاني ربيع الأول، وكان سبب غلط غيره أنهم قالوا مات في ثاني شهر ربيع الأول، فغيرت فصار ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك" للناقل عمن غيرها "يتبع بعضهم بعضا من غير تأمل" وأجاب البدر بن جماعة بحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت، أي بأيامها، فيكون موته في الثالث عشر، وتفرض الشهور كوامل، فيصح ويعكر عليه ما عكر على الذي قبله مع زيادة مخالفة، أهل اللسان في الاثنتي شرة فإنهم لا يفهمون منها إلا مضي الليالي، ويكون ما أرخ بذلك واقعا في اليوم الثاني عشر "انتهى" كلام الفتح. وقال قبله "ثم إن وفاته عليه الصلاة والسلام في يوم الاثنين" كما ثبت في الصحيح عن أنس ورواه ابن سعد بأسانيده عن عائشة، وعلي وسعد وعروة وابن المسيب وابن شهاب وغيرهم، "من ربيع الأول بلا خلاف" كما قال ابن عبد البر: "بل كاد يكون إجماعا، لكن في حديث ابن مسعود في حادي عشر رمضان رواه البزار والمعتمد ما تقدم" أنه في ربيع الأول "والله أعلم انتهى" ودفن ليلة الأربعاء على المشهور عند الجمهور، وقيل يوم الثلاثاء، وهو غريب، قاله ابن كثير، "وسيأتي حديث الوفاة الشريفة إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير"

ولما توفي صلى الله عليه وسلم دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرزه عند بابه. فلما بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه، فمضى به إلى معسكرهم الأول، وخرج أسامة هلال بن ربيع الآخر سنة إحدى عشرة إلى أهل أبنى، فشن عليهم الغارة، فقتل من أشرف له، وسبي من قدر عليه، وحرق منازلهم ونخلهم، وقتل قاتل أبيه في الغارة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يصب أحد من المسلمين.

__________

وإنما ذكر هنا تاريخه، "ولما توفي صلى الله عليه وسلم دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة. ودخل بريدة بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرزه عند بابه فلما بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه، فمضى به إلى معسكرهم الأول" وأمر أبو بكر مناديا لا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لن أوتي بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشيا، فلم يتخلف عنه أحد. ومشى أبو بكر إلى بيت أسامة، فكلمه. أن يأذن لعمر في التخلف ففعل. "وخرج أسامة هلال ربيع الأخر سنة إحدى عشرة" في جيشه ثلاثة آلاف، كما مر وفيهم ألف فارس. وخرج أبو بكر يشيعه، فركب من الجرف، وسار أبو بكر إلى جنبه ساعة، وقال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيك فانفذ لأمره، فأسرع "إلى أهل ابنى" فقدم عينا له من عذرة يدعى حريثا فانتهى إلى أبنى ثم عاد، فلقي أسامة على ليلتين منها، فأخبره أنهم غارون، ولا جموع لهم، وحثه لى سرعة السير قبل اجتماعهم، فسار إلى أبنى وعبى اصحابه، "فشن عليهم الغارة فقتل من أشرف له، وسبي من قدر عليه وحرق منازهم ونخلهم".

زاد اليعمري وحرثهم وأجال الخيل في عرصاتهم، وأقاموا يومهم ذلك في تعبية ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سبحة، أي بفتح المهملة وسكون الموحدة، "وقتل قاتل أبيه" ظاهر السياق بناؤه للفاعل، لكن قرأه البرهان بالمفعول، فقال: لا أعرف اسم قاتله، وكأنه لقوله "في الغارة" وأيضا لو قرئ بالفاعل لا يعين أن قاتله أسامة لما علم أن الإسناد إلى الأمير مجاز.

زاد اليعمري وأسهم للفرس سهمين وللفارس سهما وأخذ لنفسه مثل ذلك، فلما أمسى أمر الناس بالرحيل، "ثم" أسرع السير فورد وادي القرى في تسع ليال فبعث بشيرا إلى المدينة بسلامتهم، ثم قصد في السير ستا حتى "رجع إلى المدينة. ولم يصب أحد من المسلمين".

وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونه سرورا. والله أعلم.

فجمع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه نحو سبع وعشرين.

المقصد الثاني:

في ذكر أسمائه الشريفه المنبئة عن كمال صفاته المنيفة.

وذكر أولاده الكرام الطاهرين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأعمامه وعماته وإخوته من الرضاعة وجداته، وخدمه ومواليه وحرسه،

وكتابه وكتب إلى أهل الإسلام بالشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام، ومؤذنيه.

وخطبائه وحداته وشعرائه وآلات حروبه ودوابه. والوافدين إليه صلى الله عليه وسلم. وفيه عشرة فصول.

__________

"خرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونه سرورا" بسلامتهم.

زاد اليعمري: ودخل على فرس أبيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة حتى انتهى إلى باب المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطة يكونون بالبلقاء، فلم يزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر، "والله أعلم، فجمع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه سبع وعشرون" وفي الفتح أن السرايا، أي وأراد بها ما يشمل البعوث تقرب من سبعين، وقرأت بخط مغلطاي أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال، انتهى. والله أعلم.

"المقصد الثاني في ذكر أسمائه الشريفة" وشرح بعضها "المنبئة" المخبرة "عن كمال صفاته المنيفة" الزائدة في الكمال على غيرها من أنافت الدراهم على مائة زادت، "وذكر أولاده الكرام الطاهرين" صفتان كاشفتان وأولاد شامل للإناث، فالطاهرين تغليب وهذان فصلان، "و" الثالث في "أزواجه الطاهرات" صفة لازمة "أمهات المؤمنين" ويأتي فيه: هل يقال لهن أمهات المؤمنات في نفس المتن وفيه ذكر سراريه "و" الرابع في أعمامه وعماته وإخوته" فيه تغليب كقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} ؛ إذ المراد ما يشمل الإناث "من الرضاعة" قيد به؛ لأنه لا إخوة له من النسب، وقد صرح العلماء بأن أبوابه لم يلدا غيره "وجداته" من قبل أبويه. "و" الخامس في "خدمه" جمع خادم غلاما كان أو جارية، وبالهاء فيها لغة قليلة "وموالية وحرسه. و" السادس في "كتابه" جمع كاتب، "وكتبه" جمع كتاب "إلى أهل الإسلام" في الشرائع والأحكام "ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام" وفيه ذكر أمرائه ورسله. "و" السابع في "مؤذنيه"

وخطبائه وحداته" جمع حاد "وشعرائه. و" الثامن في "آلات حروبه. و" التاسع في "دوابه. و" العاشر في ذكر "الوافدين عليه صلى الله عليه وسلم وفيه عشرة فصول".



كلمات دليلية: