تجهيز جيش أسامة بن زيد لقتال الروم ( 11هـ) ..آخر سرايا العصر النبوي

تجهيز جيش أسامة بن زيد لقتال الروم 11هـ

 

زمان وموقع سرية أسامة للروم

وقعت في صفر لعام أحد عشرة (11) هـ، وذلك بقرية "أبنى" وهي قرية بمؤتة، وهو موضع بالشام جهة البلقاء. [معجم البلدان 3/92].

القيادة في سرية أسامة بن زيد للروم

قادها الصحابي أسامة بن زيد، رضي الله عنه، وقد عقد النبي لواء السرية بيده، وجاء أن عدد الصحابة المشاركين كان 700. [فتح الباري، ابن حجر،8/152 ].

(أسامة بن زيد، ابن مولى النبي زيد بن حارثة ومن السابقين للإسلام، وشارك بمشاهد الجهاد، وأردفه النبي خلفه على راحلته في فتح مكة، ولاه النبي قيادة الجيش وهو لا يزال دون العشرين من عمره، وقال إنه وأبيه من خيار الصحابة موصيا عليهما قبل رحيله، وقاد العديد من السرايا الكبرى منها الحرقات).

أسباب سرية أسامة لقتال الروم

رغبة النبي صلى الله عليه وسلم بتثبيت دعائم دولة الإسلام ونشره ليتجاوز حدود الشام، وطمأنة المؤمنين خارج جزيرة العرب بعد فتح مكة.

وقد أصر النبي قبل رحيله على تجهيز جيش اسامة أيضا لتأديب الروم ونصارى العرب لعداوتهم لدين الإسلام ومحاربتهم إياه، وقتلهم المؤمنين ومنهم فروة الجذامي والي معان الذي صلبوه ليرهبوا من تحدثه نفسه بالإسلام.

وكان من أسباب تجهيز الجيش الثأر لشهداء مؤتة من خيار الصحابة، وبينهم والد قائد السرية وهو زيد بن حارثة.

أحداث سرية أسامة لقتال الروم

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حجته بالمدينة بقية ذي الحجة، والمحرم.

ولما كان يوم الاثنين السادس والعشرين من صفر ، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتأهب لغزو الروم ، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد ، وقال : "سر إلى موضع مقتل أبيك ، فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش ، فأسرع السير واسبق الأخبار ، وخذ معك الأدلاء ، وقدم العيون ، واغز صباحا على أهل أبنى : فأوطئهم الخيل فإن ظفرك الله بهم فأقلل اللبث ".

وعقد الرسول لأسامة لواء بيده، ثم قال: "اغزُ باسم الله في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله". [فتح الباري، ابن حجر،8/152].

النبي يثني على أسامة ويأمر بطاعته

كان في تلك السرية وقت تجهيزها كبار المهاجرين الأولين والأنصار، ومنهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، فتكلم الناس في إمرة أسامة: وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين!

غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس: فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة، لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله! و«أيم الله إن كان للإمارة لخليقًا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإنَّ هذا (أي أسامة) لمن أحَبِّ الناسِ إليَّ بعدَه »[ رواه البخاري: 4469]

الجيش يتأهب.. والرسول يودع للرفيق الأعلى

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانشغل الناس في جهازهم للغزو، واشتدّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فخرج أسامة، وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف (ثلاثة أميال من المدينة تجاه الشام) فعسكر بها، وانضم إليه الناس، واشتد المرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسول الله صلى الله عليه وسلم [السيرة النبوية، لابن هشام، 4/328].

وعاد الرسول إلى منزله وجاء من انتدب معه من المسلمين يودعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويمضون إلى المعسكر بالجرف ، فثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ودعا لإنفاذ بعث أسامة.

ولما علم أسامة بمرض الرسول، دخل عليه وقبل رأسه، وخرج إلى معسكره، وعاد في يوم الاثنين، فقال له النبي: "اغد على بركة الله" فودعه أسامة، وأمر الناس بالرحيل.

وهنا جاء رسول من أم أيمن والدته رضي الله عنها، يخبره بموت رسول الله، فأقبل أسامة ومعه عمر بن الخطاب وأبا عبيدة، ووجدوا النبي يجود بنفسه، فتوفي حين زاغت الشمس من يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول . [ابن هشام، سابق]

أبوبكر يأمر بإنفاذ جيش أسامة

دخل جيش أسامة بن زيد إلى المدينة، فلما بويع أبو بكر بالخلافة أمر جيش أسامة بالخروج ، وأمر أسامة بالمسير إلى الوجه الذي أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه المسلمون في حبسهم : لقتال أهل الردة ، فامتنع ، وقال : لا أستوقف جيشا أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمسير ، وسأل أبو بكر أسامة أن يأذن لعمر في التخلف عنه ففعل (وكان وزيرا لأبي بكر ووجوده إلى جانبه مهم في وقت عصيب).

وسار بهم أسامة في هلال شهر ربيع الآخر إلى أهل أبنى في عشرين يوما ، فشن عليهم الغارة وقتل من أشرف منهم، وقتل قاتل أبيه ، وسبى من قدر عليه ، وحرق عليهم منازلهم ، وأقام بقية يومه وعاد موفورا ، وما أصيب من المسلمين أحد وخرج أبو بكر - رضي الله عنه - مع المهاجرين والأنصار مستقبلين لهم سرورا بسلامتهم . [الحاوي الكبير، الشافعي، 14/92]

أسامة يسجد لله حمدا

وجاء بأن شعار المسلمين في تلك السرية كان "يا منصور أمت"، فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليه وحرق في طوائفها بالنار وحرق منازلهم وحروثهم ونخلهم. ودخل أسامة بن زيد رضي الله عنه على فرس أبيه "سبحة" واللواء أمامه يحمله بريدة بن الحصيب حتى انتهى إلى المسجد، فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته .

وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة، فبعث رابطة يكونون بالبلقاء فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر.[ابن سعد، سابق]

نتائج سرية أسامة بن زيد للروم

انتصار مؤزر للمسلمين وقتل عدد من النصارى وحرق ديارهم ونخلهم .

الدروس المستفادة من آخر سرايا العصر النبوي


-إن جلّ غزوات وسرايا العصر النبوي، وتلك السرية التي تمثل خاتمتها؛ والتي حرص النبي على تجهيزها قبل رحيله، تؤكد قيمة الجهاد سبيلا لنصرة المسلمين، جهاد النفس والبدن.


-كان حرص الحبيب محمد قبل وفاته على تجهيز السرية فيه قيمة أمانته على هذه الأمة، وحرصه عليها من غدر المتربصين، ومبادأته دوما بالهجوم عليهم في أرضهم قبل وصولهم لأرض المسلمين.


-كان أسامة بن زيد، أفطس اللون (أسود) وهو ابن مولى الرسول وليس من القرشيين ، وقد تبنى النبي أباه وكان عبدا، قبل تحريم التبني، ومع حداثة عمره (18 عاما) آنذاك، أولاه النبي شرف قيادة سرية كبرى ضد الروم، وكان قائدا على أشرف الصحابة وسادتهم، فكان خضوعهم يعني أنه لا خيرة إلا لله ورسوله، وكان من حكمة اختياره أن أباه قُتل في سرية مؤتة أمام الروم، وكان قائد المسلمين الأول، فكان ثأر الابن محركا للفوز.


-بالرغم من أن أعداد المسلمين كانت دوما أقل من النصارى، لكن يلاحظ تغلبهم على أعدائهم بفضل إيمانهم الشديد وحسن استعدادهم وطلبهم الشهادة في سبيل الله.


-من أخلاقيات الحرب في الإسلام عدم الغدر، ولا طلب الآمنين في ديارهم، بل محاربة المحاربين للدين فحسب.