بيعة العقبة الثانية_3207

بيعة العقبة الثانية


الباب السادس في بيعة العقبة الثانية

قال ابن إسحاق: فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، وهم: أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد قيس الزرقي، وعبادة بن الصامت، والعباس بن عبادة بن نضلة- بالنون والضاد المعجمة- وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وعوف بن الحارث- بالفاء- ابن رفاعة، وعويم بن ساعدة، ومالك بن التيهان- بمثناة تحتية مخفّفة عند أهل الحجاز وعند غيرهم بتشديدها- ومعوّذ- بميم مضمومة فعين مهملة مفتوحة فواو مكسورة مشدّدة فذال معجمة- ابن الحارث، أخو عوف السابق، ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن البلوي حليف لهم. فبايع هؤلاء على بيعة النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى الشيخان والبيهقي، واللفظ له عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض علينا الحرب، على ألّا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.

قال: «فمن وفى ذلك منكم فأجره على الله» . وفي لفظ: «فله الجنة» ، «ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفّارة وطهور، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذّب وإن شاء غفر» .

فبايعناه على ذلك.

قال ابن إسحاق: «فلما انصرف القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ» . وذكر ابن إسحاق في رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مصعبا حين كتبوا إليه ببعثه إليهم، وهو الذي ذكره [موسى] بن عقبة إلا أنه جعل المرّة الثانية هي الأولى. قال البيهقي: «وسياق ابن إسحاق أتمّ» . قال ابن إسحاق: «وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم في الدين، فكان يسمى في المدينة المقرئ والقارئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة [بن عدس أبي أمامة] ، وذلك أن الأوس كره بعضهم أن يؤمّه بعض. وقوله «على بيعة النساء» يعني على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة، وليس هذا بعجيب فإن القرآن نزل بموافقات عمر بن الخطاب. «تنبيه» : ذكروا هنا أن أسعد بن زرارة أول من جمع بالصحابة قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي الكلام على ذلك في الخصائص أن شاء الله تعالى.

الباب السابع في إسلام سعد بن معاذ وأُسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما

روى ابن أبي الدنيا والخرائطي والبيهقي عن عبد المجيد بن أبي عيسى عن أبيه عن جده، وابن عساكر عن البخاري في تاريخه الأوسط عن شيخه أبي محمد الكوفي قالا:

سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس:

فإن يسلم السّعدان يصبح محمّد ... بمكّة لا يخشى خلاف المخالف

فلما أصبحوا قال أبو سفيان- وفي لفظ قريش- من السّعدان؟» «أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم؟» فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول:

فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجيّين الغطارف

أجيبا إلى داعي الهدى وتمنّيا ... على الله في الفردوس زلفة عارف

فإنّ ثواب الله للطّالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات زخارف

فقالت قريش: هذا سعد بن معاذ وسعد بن عبادة:

قال ابن إسحاق: وحدّثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأسهل ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر فجلسا فيه، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم، وسعد بن معاذ، وأُسيد بن حضير يومئذ سيّدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منّي حيث قد علمت كفيتك ذلك، فهو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيّد قومه فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلّمه.

قال: فوقف عليهما متشتّما، قال: ما جاء بكما إلينا تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كفّ عنك ما تكره؟ فقال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطّهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلّي. فقام فاغتسل

وطهّر ثوبيه وتشهّد بشهادة الحق، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن: سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال:

أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.

فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدّثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك. قال: فقام سعد مغضبا مبادرا تخوّفا للذي ذكر له من أمر بني حارثة. فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً. ثم خرج إليهما، فلما رآهما مطمئنّين عرف سعد أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما. فوقف عليهما متشتّما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منّي، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب: جاءك والله سيّد من وراءه من قومه إن يتبعك لا يتخلّف عنك منهم اثنان.

قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن.

قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطّهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي ركعتين. ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.

فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فو الله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة، حاشا الأصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة. قال ابن إسحاق: ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ومسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو

قيس بن الأسلت واسمه صيفيّ. وكان شاعرا لهم قائدا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق.

قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي [ (1) ] : كان أبو قيس هذا قد ترهّب في الجاهلية ولبس المسوح وفارق الأوثان واغتسل من الجنابة، وتطهّر من الحائض من النساء، وهمّ بالنّصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب، وقال: أعبد إله إبراهيم حين فارق الأوثان وكرهها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه وهو شيخ كبير، وكان قوّالا بالحق معظّما لله في الجاهلية وله في ذلك أشعار حسان.

بيان غريب ما سبق «الحائط» : البستان.

«لا أبالك» : هذا أكثر ما يستعمل في المدح أي، لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر في معرض الذّمّ كما يقال: لا أمّ لك، وقد يذكر في معرض التّعجّب ودفعا للعين كقولهم: لله درّك، وقد تكون بمعنى «جدّ في أمرك وشمّر» ، لأن من له أب اتّكل عليه في بعض شأنه، وقد تحذف اللام فيقال: «لا أباك» .

«دارينا» : هو تثنية دار، والدار هي القبيلة والعشيرة المجتمعة في المحلّة فتسمى المحلّة دارا.

«النّادي» : متحدّث القوم.

«ليخفروك» [ (2) ] : بضم أوله وكسر الفاء رباعيا أي لينقضوا عهدك، يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه. «الغطارف» [ (3) ] : جمع غطريف بكسر الغين المعجمة: السّيّد.

«متشتّما» : من الشّتم وهو السّبّ.

__________

[ (1) ] سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، أبو عثمان الأموي. سمع أباه، وعمه عبد الله بن سعيد، وعبد الله بن المبارك، وعيسى بن يونس، وأبا القاسم بن أبي الزناد، وأبا بكر بن عياش، وعبد الرحيم بن سليمان، ومروان بن معاوية، وشجاع بن الوليد مات في سنة تسع وأربعين ومائتين. انظر تاريخ بغداد 9/ 90.

[ (2) ] انظر لسان العرب 2/ 1209.

[ (3) ] انظر لسان العرب 5/ 3270.



كلمات دليلية: