بيعة الرضوان _569

بيعة الرضوان


الفصل الثالث: بيعة الرضوان

,

المبحث الأول: سبب هذه البيعة

...

المبحث الأول: سبب هذه البيعة:

اشتهرت هذه البيعة بيعة الرضوان لأن الله سبحانه وتعالى أخبر أنه قد رضي عن أصحابها.

(74) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة قال: قال سلمة: بينما نحن قائلون زمن الحديبية نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس صلوات الله عليه قال: فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة سمرة، قال: فبايعناه، وذلك قوله الله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} "1.

وأخرجه ابن أبي حاتم2 عن أحمد3 بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن موسى به نحوه.

سند هذا الحديث ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، لكن يشهد له حديث جابر الآتي4.

__________

1 تفسير ابن جرير 26/86.

2 تفسيير ابن كثير 4/191.

3 أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان أبو سعيد البصري، صدوق، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين: ق. تقريب: 16.

4 انظر حديث رقم (84) .

(75) أما سبب هذه البيعة فما رواه ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله1 بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة"2.

وأخرجه ابن جرير والبيهقي كلاهما من طريق ابن إسحاق: قال ابن جرير3: حدثنا ابن حميد4 قال: حدثنا سلمة5 عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر فذكره.

وقال البيهقي6: أخبرنا أبو عبد الله7 الحافظ حدثنا أبو العباس8 محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد9 بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس10 عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: فذكر نحوه.

هذا الأثر مرسل وسنده إلى عبد الله بن أبي بكر حسن.

وأخرج البيهقي بسنده إلى عروة بن الزبير أثراً ذكر فيه سبب احتباس قريش لعثمان بن عفان:

فبعد أن ذكر قدوم وفد قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم للمفاوضة قال: "فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا إلى الصلح والموادعة، فلما لان بعضهم لبعض وهم على ذلك لم

__________

1 عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة: ع. تقريب: 169.

2 سيرة ابن هشام 3/315.

3 تفسير ابن جرير 26/86.

4 هو: محمد بن حميد الرازي.

5 هو: سلمة بن الفضل الأبرشي.

6 دلائل النبوة 2، لوحة: 228.

7 هو محمد بن عبد الله الحاكم.

8 أبو العباس محمد بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، قال عنه الذهبي: "الإمام المفيد الثقة محدث المشرق"، نقل عن الحاكم أنه قال: "حدث في الإسلام ستاً وسبعين سنة، ولم يختلف في صدقه وصحة سماعة"، ونقل عنه أيضاً أنه قال: سمعت محمد بن الفضل بن خزيمة قال: "سمعت جدي إمام الأئمة"، وسئل عن كتاب المبسوط للشافعي فقال: "اسمعوه من أبي العباس الأصم، فإنه ثقة"، مات سنة ست وأربعين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ 3/860.

9 أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي أبو عمر الكوفي، ضعيف وسماعه للسيرة صحيح، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، مات سنة اثنتين وسبعين ومائتين وله خمس وتسعون سنة. تقريب: 14.

10 يونس بن بكير الشيباني.

يستقم لهم ما يدعون إليه من الصلح وقد أمن بعضهم بعضاً وتزاوروا فبينما هم كذلك وطوائف من المسلمين في المشركين لا يخاف بعضهم بعضاً ينتظرون الصلح والهدنة إذ رمى رجل من الفريقين رجلاً من الفريق الآخر، فكانت معركة وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفان ومن كان أتاهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا"1 الحديث.

__________

1 دلائل النبوة 2، لوحة: 228، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (65) وهناك الكلام عليه.

,

المبحث الثاني: مكان البيعة

:

أخبر الله سبحانه وتعالى أن تلك البيعة وقعت تحت الشجرة، قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} 1.

وقد أشار إليه حديث نافع عند البخاري:

(76) قال: حدثنا شجاع بن الوليد سمع النضر بن محمد حدثنا صخر عن نافع قال: "إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم2 للقتال فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت الشجرة قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر"3.

وأخرجه البخاري تعليقاً من حديث ابن عمر ولم يذكر الشجرة.

__________

1 سورة الفتح الآية: 18.

2 يستلئم: يلبس لأمة الحرب، وهي أداته. النهاية 4/221.

3 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: 4186.

(77) قال: قال1 هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عمر بن محمد العمري أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال2: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع3.

والشجرة المشار إليها هي سمرة، كما صرح بذلك حديث جابر4 وغيره.

وقد ورد ذكر الشجرة في حديث سعيد بن المسيب عن أبيه، وبين فيه أنهم قد نسوا مكانها من السنة التي تلي عام الحديبية:

(78) قال البخاري: حدثنا محمود حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون قلت ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل، نسيناها فلم نقدر عليها.

فقال سعيد: "إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم! "5.

وأخرجه من طريق أبي عوانة عن طارق عن سعيد بن المسيب عن أبيه: "أنه كان ممن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها من العام المقبل فعميت علينا"6.

وأخرجه مسلم من طريق أبي عوانة عن طارق بن سعيد بن المسيب قال: "كان أبي ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين

__________

1 هكذا أخرجه البخاري معلقاً، وذكر ابن حجر أن الإسماعيلي قد وصله، انظر فتح الباري 7/456.

2 يظهر أن سبب إرسال عمر لابنه في هذا الحديث غير السبب المذكور في حديث نافع السابق، وقد جمع بينهما ابن حجر فقال: ويمكن الجمع بينهما بأنه بعثه يحضر له الفرس، ورأى الناس مجتمعين فقال له: انظر ما شأنهم فبدأ بكشف حالهم فوجدهم يببايعون فبايع وتوجه إلى الفرس فأحضرها وأعاد حينئذ الجواب لأبيه. فتح الباري 7/456.

3 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: 4187.

4 انظر الحديث رقم (23 - 24) .

5 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: 4163.

6 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي 4164.

فخفي علينا مكانها، فإن كان تبين لكم فأنتم أعلم"1.

وأخرجه البخاري من طريق2 سفيان عن طارق به مختصراً.

وأخرجه مسلم من طريق3 سفيان به مختصراً أيضاً.

وقد ورد في حديث سعيد بن المسيب هذا عن أبيه أن الصحابة رضوان الله عليهم قد خفي عليهم مكان الشجرة من العام التالي لعام الحديبية، لكن يرد عليه ما في حديث جابر رضي الله عنه: "ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة" 4.

والظاهر أن عدم معرفة والد سعيد بن المسيب ومن كان معه لمكان الشجرة لا ينافي معرفة غيرهم من الصحابة لمكانها، مثل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وغيره5، وأيضاً يشهد لذلك ما في أثر نافع:

(79) قال ابن سعد: أخبرنا عبد الوهاب6 بن عطاء أخبرنا عبد الله7 بن عون عن نافع8 قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان، فيصلون عندها قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت9.

وسند هذا الأثر صحيح كما ذكر ابن حجر10.

__________

1 صحيح مسلم، كتاب الإمارة: 77.

2 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: 4165.

3 صحيح مسلم، كتاب الإمارة: 78.

4 انظر الحديث رقم (20) .

5 قد أشار إلى هذا الجمع ابن حجر، انظر: فتح الباري 7/448.

6 عبد الوهاب بن عطاء الخفاف أبو نصر العجلي مولاهم البصري، نزيل بغداد، صدوق ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثاً في فضل العباس يقال: دلسه عن ثور، مات سنة أربع، ويقال: سنة ست ومائتين: عخ، م، والأربعة. تقريب: 222.

7 عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون البصري، ثقة، ثبت، فاضل من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، مات سنة خمسين ومائة على الصحيح: ع. تقريب: 184.

8 نافع بن عبد الله مولى ابن عمر.

9 الطبقات الكبرى 2/100.

10 فتح الباري 7/448.

,

المبحث الثالث: على أي شيء كانت البيعة

:

لما أشيع مقتل عثمان رضي الله عنه دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم للبيعة فهبوا إليه جميعاً ليبايعوه، لم يتخلف منهم سوى رجل واحد - يقال كان منافقاً - وهو الجد بن قيس كما في حديث جابر: "فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري، اختبأ تحت بطن بعيره1.

نعم تسابق الصحابة رضوان الله عليهم لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى أي شيء كانت تلك البيعة يا ترى؟ حتى استحقت تلك المبادرة؟

سئل الصحابة رضوان الله عليهم هذا السؤال فأجابوا عنه بما يلي:

(أ) أجاب سلمة بن الأكوع رضي الله عنه بأنهم بايعوا على الموت:

(80) قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن يزيد ين أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت"2.

وأخرجه محمد بن مسلمة3 القعنبي عن حاتم به مثله.

وأخرجه المكي4 بن إبراهيم بن أبي عبيد عن سلمة من حديث ذكر فيه عدد المرات التي بايعها.

وأخرجه مسلم5 عن قتيبة بن سعيد عن حاتم وعن إسحاق بن إبراهيم عن حماد بن مسعدة كلاهما عن يزيد عن سلمة مثله.

وأخرجه الترمذي6 والنسائي7 كلاهما عن قتيبة عن حاتم به مثله.

وأخرجه أحمد8 عن صفوان عن يزيد عن سلمة فذكر مثله.

__________

1 صحيح مسلم، كتاب الإمارة: 69، ومسند الحميدي 2/537، وتقدم الحديث برقم (24) .

2 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: 4169.

3 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأحكام: 7206.

4 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: 2960.

5 صحيح مسلم، كتاب الإمارة: 80.

6 سنن الترمذي، كتاب السير: 1592.

7 سنن النسائي 7/141.

8 مسند أحمد 4/51.

وأخرجه1 عن المكي بن إبراهيم بسنده عند البخاري ولفظه.

وأخرجه2 عن حماد بن مسعده عن يزيد عنه بنحو لفظ المكي بن إبراهيم.

وجاء عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه ما يؤيد جواب سلمة رضي الله عنه:

(81) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له: إن ابن الحنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع على ذلك أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم"3.

وأخرجه4 من طريق سليمان بن بلال عن عمرو بن يحيى به، ذكر نحوه وزاد "وكان شهد معه الحديبية".

وأخرجه مسلم5 من طريق وهيب به مثله.

(ب) وأجاب معقل بن يسار وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم بأنهم بايعوا على عدم الفرار:

(82) قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتم يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: "لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر"6.

وقال مسلم أيضاً: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد ح. وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت"7.

__________

1 مسند أحمد 4/54.

2 مسند أحمد 4/47.

3 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: 2959.

4 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: 4167.

5 صحيح مسلم، كتاب الإمارة: 81.

6 صحيح مسلم كتاب الإمارة: 76، وتقدم تخريجه برقم (25) .

7 صحيح مسلم كتاب الإمارة: 67، وتقدم تخريجه برقم (23) .

وأخرجه من طريق سفيان عن أبي الزبير:

(83) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن عيينة ح.

وحدثنا ابن نمير حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: لم نبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، إنما بايعناه على ألا نفر"1.

أخرجه الترمذي2 عن أحمد بن منيع عن سفيان بن عيينة به مثله.

وأخرجه النسائي3 عن قتيبة عن سفيان به مثله.

وأخرجه أحمد4 والحميدي5 كلاهما عن سفيان به مثله، وصرح أبو الزبير بالسماع من جابر عندهما وعند النسائي.

وأخرج الترمذي الحديث عن جابر من طريق آخر بسياق آخر:

(84) قال: حدثنا سعيد6 بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا عيسى7 بن يونس عن الأوزاعي8 عن يحيى9 بن أبي كثير عن أبي سلمة10 عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ، قال جابر: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نفر ولم نبايعه على الموت11.

__________

1 صحيح مسلم، كتاب الإمارة: 68.

2 سنن الترمذي، كتاب السير: 1594.

3 سنن النسائي بشرح السيوطي والسندي 7/140.

4 مسند أحمد 3/381.

5 مسند الحميدي 2/536.

6 سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو عثمان البغدادي، ثقة، ربما أخطأ مات سنة تسع وأربعين ومائتين: خ، م، د، ت، س. تقريب: 127.

7 عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي - بفتح السين وكسر الموحدة - أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطاً، ثقة مأمون، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل إحدى وستين ومائة: ع. تقريب: 273.

8 عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، مات سنة سبع وخمسين ومائة: ع. تقريب: 207.

9 يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل قبل ذلك: ع. تقريب: 378.

10 أبو سلمة عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل اسمه: عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة أربع وتسعين وكان مولده بضع وعشرين: ع. تقريب: 409، تهذيب التهذيب 12/115.

11 سنن الترمذي، كتاب السير: 1591.

قال أبو عيسى: "وقد روى هذا الحديث عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: "قال جابر بن عبد الله، ولم يذكر فيه أبو سلمة"1.

قلت: يعني أن الحديث جاء من وجه آخر منقطعاً لأن يحيى بن أبي كثير لم يدرك جابر بن عبد الله.

قال أبو حاتم: "وأبو زرعة والبخاري وغيرهم لم يدرك أحداً من الصحابة إلا أنس بن مالك فإن رآه رؤية ولم يسمع منه"2 ا. هـ

وهنا قد تعارض الإرسال والوصل لكن الأرجح وصله، فالذي رواه عنه الترمذي موصولاً هو سعيد بن يحيى الأموي ثقة، وثقه ابن المديني بل قال: "إنه أثبت من أبيه ووثقه النسائي وغيره"3.

أما الطريق الذي فيه الإرسال ففيه انقطاع بين الترمذي وعيسى بن يونس، ورواه الترمذي أيضاً بصيغة التمريض، وإذا ترجح وصله فهناك علة في السند، وهي أن يحيى بن أبي كثير رواه بالعنعنة وهو مدلس4، لكن لا يضر تدليسه هنا؛ لأن أصل الحديث ثابت عند مسلم عن جابر وغيره، وقد تقدمت قريباً5.

وفيه من حديث عبد الله بن مغفل:

(85) قال أحمد: حدثنا وكيع عن أبي جعفر6 الرازي عن الربيع7 ابن أنس عن أبي العالية8 الرياحي أو عن غيره عن عبد الله بن مغفل وكان أحد الرهط الذين نزلت فيهم هذه الآية: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ... } الخ، قال:

__________

1 م، السابق 4/4/149.

2 جامع التحصيل في أحكام المراسيل: 369.

3 تهذيب التهذيب 4/97 - 98.

4 جامع التحصيل: 128.

5 انظر الحديث رقم (81، 82) .

6 أبو جعفر الرازي التميمي مولاهم، مشهور بكنيته، واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، أصله من مرو وكان يتجر إلى الري، صدوق سيء الحفظ خصوصاً عن مغيرة، مات سنة ستين ومائة: بخ، الأربعة. تقريب: 399.

7 الربيع بن أنس البكري أو الحنفي، بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام، رمي بالتشيع، مات سنة أربعين ومائة أو قبلها: الأربعة. تقريب: 100.

8 رفيع - بالتصغير - ابن مهران أبو العالية الرياحي - بكسر الراء والتحتانية - ثقة كثير الإرسال، مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل بعد ذلك: ع. تقريب: 104.

إنني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة أظل به النبي صلى الله عليه وسلم وهم يبايعونه فقالوا، "نبايعك على الموت؟ قال: لا، ولكن لا تفروا"1.

ذكره الهيثمي وقال: "رواه الطبراني وإسناده جيد إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو عن غيره"2.

قلت: شك الربيع بن أنس في شيخه الذي روى عنه يوجب ضعف الحديث، لجهالة الشيخ الذي يحتمل أنه روى عنه غير أبي العالية.

لكن عجز الحديث الذي هو موضع الشاهد ثابت من أحاديث أخرى صحيحة تقدمت قريباً.

(جـ) وقد سئل نافع على أي شيء كانت البيعة؟ فأجاب بأنها كانت على الصبر:

(86) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعناه تحتها كانت رحمة من الله فسألنا نافعاً على أي بايعهم؟ على الموت؟ فقال: لا، بايعهم على الصبر3.

بينت هذه الروايات الشيء الذي بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة يوم الحديبية، لكن رأينا في بعضها أنه بايعهم على الموت، وفي بعضها بايعهم على عدم الفرار وفي بعضها على الصبر، فكيف التوفيق بينها؟

الواقع أنه لا خلاف بين هذه النصوص كما بين ذلك بعض العلماء:

قال الترمذي: قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: "لا نزال بين يديك حتى نقتل، وبايعه آخرون فقالوا: لا نفر"4 ا. هـ

وقال ابن حجر: "لا تنافي بين قولهم، بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهو الذي أنكر نافع وعدل إلى قوله: "بل بايعهم على الصبر" أي على الثبات سواء أفضى ذلك

__________

1 مسند أحمد 5/54.

2 مجمع الزوائد 6/146.

3 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: 2958.

4 سنن الترمذي 4/150.

إلى الموت أو لا، والله أعلم"1 ا. هـ

قلت: ويؤيد توجيه ابن حجر ما ورد في مرسل الشعبي الآتي في قصة أبي سنان وفيه: "قال يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، قال: فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء الناس فجعلوا يقولون نبايعك على بيعة أبي سنان"2.

__________

1 فتح الباري 6/118.

2 سيأتي في المبحث التالي.

,

المبحث الرابع: من هو أول من بايع بيعة الرضوان

:

ورد في بعض الروايات أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان هو أبو سنان الأسدي، إلا أنه قد عرف بهذه الكنية اثنان من بني أسد أحدهما: أبو سنان محصن أخو عكاشة بن محصن، والآخر أبو سنان بن وهب، ولذلك وقع خلاف أيهما المراد هنا، وقد ذكر بعضهم في ذلك غير أبي سنان الأسدي، وسوف يأتي بيان ذلك كله إن شاء الله.

(87) قال ابن سعد: أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله1 بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر2 قال: إن أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي3.

وقد أخرجه ابن هشام4 عن وكيع به بمثله.

وأخرجه البيهقي من طريق سفيان5 بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: "لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "علام تبايعني"؟ فقال أبو سنان رضي الله عنه: على ما في نفسك " هذا أبو سنان الأسدي.

وأورده ابن سيد الناس من طريق عاصم الأحول:

قال ابن سيد الناس: وروينا عن أبي عروبة6 ثنا علي7 بن المنذر ثنا محمد8 ابن فضيل عن عاصم9 عن عامر10 قال: كان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان

__________

1 عبد الله بن نمير - بنون مصغراً - الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة: ع. تقريب: 192.

2 عامر بن شراحبيل الشعبي - بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه، فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة وله نحو من ثمانين سنة: ع. تقريب: 161.

3 الطبقات الكبرى 2/100.

4 سيرة ابن هشام 3/316.

5 سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعين سنة: ع. تقريب: 128.

6 الحسين بن محمد بن أبي معشر، مودود السلمي الحراني صاحب التاريخ، كان أول طلبه لهذا الشأن سنة ست وثلاثين ومائتين، قال ابن عدي: كان عارفاً بالرجال وبالحديث وكان مع ذلك مفتي أهل حران، شفاني حين سألته عن قوم من المحدثين، وقال الذهبي: كان من نبلاء الثقات، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ 2/774.

7 علي بن المنذر الطريقي - بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف - الكوفي، صدوق يتشيع، مات سنة ست وخمسين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: 249.

8 محمد بن فضيل بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، عارف، رمي بالتشيع، مات سنة خمس وتسعين ومائتين: ع. تقريب: 315، تذكرة الحفاظ 1/315.

9 عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكان بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: 159.

10 هو: الشعبي.

الأسدي، قال: "يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء الناس فجعلوا يقولون: نبايعك على بيعة أبي سنان" 1.

هذا الأثر صحيح بمجموع طرقه إلى الشعبي وهو مرسل.

وجاء في حديث ابن عمر عند الطبراني "أبو سنان بن محصن":

(88) قال الطبراني: حدثنا أحمد2 ثنا محمد3 بن عبد الله بن عبيد ابن

__________

1 عيون الأثر في المغازي والسير 2/125.

2 أحمد بن يحيى بن زهير أبو جعفر التستري، قال عنه الذهبي الحافظ الحجة، وقال الحافظ بن منده: "ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر التستري، وقال الحاكم: سمعت جعفر بن أحمد المراغي يقول: أنكر عبدان الأهوازي حديثاً مما عرض عليه لابن زهير، فدخل عليه وقال: هذا أصلي ولكن من أين لك ابن عون (لعله ابن عوف كما في هذه الرواية) عن الزهري عن سالم؟ فما زال عبدان يعتذر إليه ويقول: يا أبا جعفر إنما استغربت حديثك، مات سنة عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ 2/757 - 758.

3 محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل - بفتح العين - الهلالي أبو مسعود البصري، صدوق، من الحادية عشرة: د، س، ق. تقريب: 305.

عقيل ثنا يعقوب1 بن محمد الزهري ثنا عبد العزيز2 بن عمران عن محمد3 بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن سالم4 عن أبيه5 قال: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية الناس للبيعة، فقام أبو سنان بن محصن فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: أضرب بالسيف بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان6.

قال الطبراني: "لم يروه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ولا عنه إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب"7.

وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد العزيز ابن عمران، وهو متروك"8.

قلت: وفيه أيضاً محمد بن عبد العزيز شيخ عبد العزيز بن عمران، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك9.

وقد عد ابن رجب10 بيتهم في البيوت التي اشتهرت بالضعف.3

__________

1 يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: خت، ق. تقريب: 387.

2 عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الأعرج يعرف بابن أبي ثابت، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفاً بالأنساب، مات سنة سبع وتسعين ومائة: ت. تقريب: 215.

3 محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، روى عن أبيه والزهري وغيرهما، ولي القضاء بالمدينة، قال البخاري: محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف القاضي، منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال في التمييز: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم ثلاثة أخوة محمد وعبد الله وعمران ليس لهم حديث مستقيم. لسان الميزان 5/259 - 260.

4 سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً، كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، مات في آخر سنة ست ومائة على الصحيح: ع. تقريب: 115.

5 عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، استصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان أشد الناس اتباعاً للأثر، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها أو أول التي تليها: ع. تقريب: 182.

6 مجمع البحرين بزوائد المعجمين 1/2، لوحة: 240.

7 مجمع البحرين بزوائد المعجمين 1/2/لوحة: 141.

8 مجمع الزوائد 6/146.

9 لسان الميزان 5/260.

10 شرح علل الترمذي: 527.

وهذا الحديث مع ضعف سنده في متنه نكارة أيضاً، ففيه أن أول من بايع أبو سنان بن محصن، وأبو سنان بن محصن مات قبل ذلك في حصار بني قريظة1.

وقد ظن الواقدي أن المشار إليه في الروايات السابقة هو هذا فوهّم قائله، وقال2: إن أول من بايع بيعة الرضوان هو سنان بن أبي سنان وتبعه على ذلك أبو هلال العسكري3 وابن سيد الناس4، وكأنه لم تبلغهم الراويات التي وردت عن الشعبي وغيره تصرح بأن المذكور في البيعة هنا هو أبو سنان بن وهب، والروايات هي:

(89) قال ابن عبد البر: ذكر الحلواني5 عن أبي أسامة6 عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب الأسدي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: علام تبايع؟ قال: على ما في نفسك فبايعه وتتابع الناس فبايعوه7.

(90) وقال أيضاً: ذكر أبو العباس8 محمد بن إسحاق السراج قال: حدثنا هناد بن السري9 قال حدثنا أبو بكر10 بن عياش عن عاصم عن زر11 قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب12.

__________

1 الإصابة 11/181.

2 مغازي الواقدي 2/603، الطبقات الكبرى لابن سعد 2/100.

3 كتاب الأوائل: 170.

4 عيون الأثر 2/125.

5 الحسن بن علي بن محمد الهذلي أبو علي الخلال الحلواني.

6 هو: حماد بن سلمة.

7 الاستيعاب 11/313 مع الإصابة.

8 أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي مولاهم النيسابوري السراج، صاحب المسند والتاريخ، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام الثقة شيخ خراسان، مات في ربيع الآخرة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ 2/731.

9 هناد بن السري - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين وله إحدى وتسعون سنة: عخ، م، الأربعة. تقريب: 365.

10 أبو بكر بن عياش الأسدي.

11 زر: بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة مصغراً - ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة - الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة: ع. تقريب: 106.

12 الاستيعاب 11/314.

قال ابن حجر: وأخرجه ابن منده من طريق عاصم عن زر بن حبيش فذكر مثله1.

وذكر ابن حجر أن طريق زر بن حبيش وطريق الشعبي كلاهما صحيح2.

فهذا الحديث حسن لغيره وإن كان مرسلاً إلا أنه قد اختلف مخرجه فدل على أن له أصلاً وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح بقوله: "ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر3.

وهنا قد صح مخرجه من وجهين فارتفع إلى درجة الحسن لغيره، والله أعلم.

وبهذا نكون قد وصلنا إلى نتيجة وهي: رجحان القول بأن أول من بايع هو أبو سنان بن وهب الأسدي، وليس أبو سنان بن محصن لهذا الحديث ولأن حديث ابن عمر الذي ذكر فيه أبو سنان بن محصن ضعيف جداً لا يقوى على المعارضة والروايات التي قالت: أبو سنان الأسدي تفسرها هذه الرواية، والله أعلم.

ذكر ابن حجر: أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: "أول من بايع تحت الشجرة أبو سفيان بن الحارث" 4.

وقد تعقبه ابن حجر بقوله: "ولم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه فقال: أبو سنان بن وهب وهو الصواب وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان: عبد الله" 5 ا. هـ

وقد أورد السفاريني على قصة أبي سنان بن وهب - من كونه أول من بايع - ما روى مسلم في حديث سلمة أنه أول من بايع: ثم أجاب عن ذكل بقوله: "والجمع بينهما: بأن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان"6.

__________

1 الإصابة 11/181.

2 الإصابة 4/264.

3 علوم الحديث لابن الصلاح: 49.

4 الإصابة 11/171.

5 الإصابة: 11/171.

6 شرح ثلاثيات مسند أحمد 2/733.

المبحث الخامس: ما ورد في فضل أصحاب البيعة:

قال البخاري: حدثنا علي حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض"، وكنا ألفاً وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة1.

وفيه من حديث أم مبشر عند مسلم:

(91) قال: حدثني هارون بن عبد الله حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله: فانتهرها فقال: حفصة: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} 2، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال الله عز وجل: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} 3.4

وأخرجه أحمد5 عن حجاج به مثله.

وأخرجه البيهقي6 من طريق حجاج به مثله.

وأخرجه ابن ماجه من حديث حفصة رضي الله عنها:

(92) حدثنا أبو بكر7 بن أبي شيبة ثنا معاوية8 عن الأعمش9 عن

__________

1 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: 4154، وتقدم تخريجه برقم (20) .

2 سورة مريم الآية: 71.

3 سورة مريم الآية: 72.

4 صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة: 163.

5 مسند أحمد 6/240.

6 دلائل النبوة 2، لوحة 231.

7 هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل، أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي، ثقة، حافظ، صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين: خ، م، د، س، ق. تقريب: 187.

8 هو: شيبان بن عبد الرحمن النحوي.

9 هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة، حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، مات سنة سبع وأربعين ومائة، وكان مولده أول إحدى وستين سنة: ع. تقريب: 136.

أبي سفيان1 عن جابر2 عن أم مبشر3 عن حفصة4 قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو ألا يدخل النار أحد إن شاء الله تعالى ممن شهد بدراً والحديبية".

قالت قلت: يا رسول الله أليس قد قال الله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} 5؟ قال: "ألم تسمعيه يقول: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} 6.7

وأخرجه أحمد8 وأبو يعلى9 وإسحاق10 بن راهويه كلهم من طريق الأعمش به فذكروا نحوه.

وأخرجه ابن أبي عاصم11 عن أبي بكر بن أبي شيبة به نحوه.

وأخرجه12 أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير، كلاهما عن عبد الله بن إدريس عن الأعمش به نحوه.

قال البوصيري13: حديث حفصة صحيح رجاله ثقات، إن كان أبو سفيان سمع من جابر بن عبد الله.

قلت: كأنه يشير إلى الخلاف في سماع أبي سفيان من جابر:

__________

1 هو: طلحة بن نافع الواسطي أبو سفيان الإسكاف، نزل مكة، صدوق من الرابعة: ع. تقريب: 157.

2 جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن حرام - بمهملة وراء - الأنصاري ثم السلمي - بفتحتين - صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين: ع. تقريب: 52.

3 أم مبشر الأنصاري، امرأة زيد بن حارثة، يقال: اسمها جهينة بنت صيفي بن صخر، صحابية مشهورة: م، س، ق. تقريب: 476.

4 حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث، وماتت سنة خمس وأربعين: ع. تقريب: 467.

5 سورة مريم آية: 71.

6 سورة مريم آية: 72.

7 سنن ابن ماجه، كتاب الزهد: 4281.

8 مسند أحمد 3/285.

9 مسند أبي يعلى 6، لوحة 642.

10 مسند إسحاق، لوحة: 232.

11 كتاب السنة 2/414.

12 المصدر السابق 2/415.

13 مصباح الزجاجة، لوحة: 272.

فقد قال شعبة وابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هو صحيفة1 ا. هـ

وقال أبو خالد يزيد الدالاني: "لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث"2 ا. هـ

لكن قد أثبت البخاري سماعه من جابر:

قال البخاري: نا مسدد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان: جاورت جابراً بمكة ستة أشهر3.

وقال البخاري أيضاً: قال علي: سمعت عبد الرحمن قال: قال لي هشيم: عن أبي العلاء أيوب قال: قال أبو سفيان: كنت أحفظ وكان سليمان اليشكري يكتب، يعني عن جابر4 ا. هـ

فهذا البخاري قد أثبت سماع أبي سفيان من جابر بن عبد الله وبهذا يكون الحديث صحيحاً على رأي البوصيري.

وقال الألباني5: "اسناده جيد على شرط مسلم".

قلت: نعم هذا الحديث صحيح، ولا يضره تدليس الأعمش6 وأبي سفيان7.

فقد قال ابن عدي8 عن الأعمش: "أحاديثه عن أبي سفيان مستقيمة، وأيضاً فاصل الحديث ثابت في صحيح مسلم من حديث أم مبشر السابق".

وأخرجه أبو داود من حديث جابر بن عبد الله مختصراً:

__________

1 شرح علل الترمذي: 497.

2 شرح علل الترمذي 497.

3 التاريخ الكبير 2/2/346.

4 المصدر السابق.

5 ظلال الجنة في تخريج السنة 2/414 مع كتاب السنة لابن أبي عاصم.

6 جامع التحصيل: 228.

7 جامع التحصيل: 245.

8 هدي الساري: 411.

(93) قال: حدثنا قتيبة1 بن سعيد ويزيد2 بن خالد الرملي، أن الليث3 حدثهم عن أبي الزبير4 عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة"5.

وأخرجه الترمذي6 عن قتيبة به فذكره بمثله.

وأخرجه أحمد7 عن حجين8 ويونس9، كلاهما عن الليث به مثله.

قال الترمذي:10 هذا حديث حسن صحيح.

قلت: نعم هو حديث صحيح ولا تضره عنعنة أبي الزبير وإن كان مدلساً لأنه من رواية الليث بن سعد وقد أعلم له على ما سمعه من جابر.

قال العلائي: قال سعيد بن أبي مريم ثنا الليث بن سعد قال: "جئت أبا الزبير فدفع إليّ كتابين، فانقلبت بهما ثم قلت في نفسي لو أني عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر قال: سألته فقال: منه ما سمعت ومنه ما حدثت عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي"11.

وقال العلائي تعقيباً على ذلك، ولهذا توقف جماعة من الأئمة عن الاحتجاج بما لم يروه الليث عن أبي الزبير12.

__________

1 قتيبة بن سعيد بن جميل - بفتح الجيم - ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني - بفتح الموحدة وسكون المعجمة - يقال اسمه يحيى، وقيل علي، ثقة ثبت، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة: ع. تقريب: 281.

2 يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب - بفتح الهاء - الرملي أبو خالد، ثقة عابد، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين أو بعدها: د، س، ق. تقريب: 381.

3 الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه، إمام مشهور، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة: ع. تقريب: 287.

4 هو محمد بن مسلم بن تدرس - بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء - الأسدي مولاهم أبو الزبير المكي، صدوق إلا أنه يدلس مات سنة ست وعشرين ومائة: ع. تقريب: 318.

5 سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب السنة: 4653.

6 سنن الترمذي، كتاب المناقب: 3860.

7 مسند أحمد 3/350.

8 حجين بن المثنى اليمامي، أبو عمير سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة، مات سنة خمسين ومائتين أو بعدها: خ، م، د، ت، س. تقريب: 65، تهذيب التهذيب 2/216.

9 يونس بن محمد بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، مات سنة سبع ومائتين: ع. تقريب: 390.

10 سنن الترمذي 5/695.

11 جامع التحصيل: 126.

12 المصدر السابق.

ومن جملة ما ورد في فضلهم أيضاً ما ورد في قصة حاطب من حديث جابر عند مسلم:

(94) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح. وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر أن عبداً لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً، فقال: "يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية"1.

وأخرجه الترمذي2 عن قتيبة به فذكره بمثله.

وأخرجه أحمد من طريق الليث3 وابن جريج4 كلاهما عن أبي الزبير عنه بمثله.

ومن طريق ابن جريج صرح أبو الزبير بالسماع من جابر.

ومما ورد في فضلهم أيضاً ما رواه الترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:

(95) قال حدثنا محمود5 بن غيلان حدثنا أزهر6 السمان عن سليمان7 التيمي عن خداش8 عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر "9.

وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق خداش مطولاً:

__________

1 صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة: 162.

2 سنن الترمذي، كتاب المناقب: 3864.

3 مسند أحمد 3/349.

4 مسند أحمد 3/325.

5 محمود بن غيلان العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وقيل بعد ذلك: خ، م، ت، س، ق. تقريب: 330.

6 أزهر بن سعد السمان، أبو بكر الباهلي، بصري ثقة، مات سنة ثلاث ومائتين وهو ابن أربع وتسعين: خ، م، د، ت، س. تقريب: 26.

7 هو: سليمان بن طرخان التيمي.

8 خداش بن عياش العبدي البصري، لين الحديث من السابعة: ت. تقريب: 92.

9 سنن الترمذي، كتاب المناقب: 3863.

(96) قال: حدثنا محمد1 بن هارون الفلاس المخرمي حدثنا سعيد2 بن عمرو الأشعثي حدثنا محمد3 بن ثابت العبدي عن خداش بن عياش عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة، إلا صاحب الجمل الأحمر"، قال فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا تعال فبايع، قال: أصيب بعيري أحب إلي من أن أبايع4.

هذا الحديث بهذا اللفظ منكر، والمعروف ما روي من طريق قرة بن خالد عن أبي الزبير عند مسلم: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر"5.

لأنه من طريق قرة بن خالد، وقد قال عنه ابن حجر: ثقة ضابط.

أما الحديث الآخر فهو من طريق خداش بن عياش، وقد ذكر الترمذي أنه لا يعرفه6.

وقال ابن حجر: "لين الحديث، وإذا خالف الضعيف الثقة فحديثه الضعيف منكر"، قال ابن حجر: "فإن خولف الراوي بأرجح يقال له المحفوظ ومقابله يقال به الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف، ومقابله يقال له: المنكر"7.

وفيه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد:

__________

1 محمد بن هارون أبو جعفر الفلاس المخرمي يلقب شيطا، قال ابن أبي حاتم: سمعت منه ببغداد وهو من الحفاظ الثقات، وقال الدارقطني: ثقة حافظ، مات سنة خمس وستين ومائتين. الجرح والتعديل 4/1/118، تاريخ بغداد 3/353.

2 سعيد بن عمرو بن سهل الكندي الأشعثي أبو عثمان الكوفي، ثقة، مات سنة ثلاثين ومائتين: عس. تقريب: 124.

3 محمد بن ثابت العبدي أبو عبد الله البصري، صدوق، لين الحديث، من الثانية: د، ق. تقريب: 292.

4 تفسير ابن كثير 4/188.

5 انظر الحديث: رقم (52) .

6 تهذيب التهذيب 3/137.

7 نخبة الفكر: 35 مع نزهة النظر.

(97) قال: حدثنا يحيى1 عن محمد2 بن أبي يحيى قال: حدثني أبي3 أن أبا سعيد حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يوم الحديبية قال: "لا توقدوا ناراً بليل" فلما كان بعد ذلك قال: " أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم"4.

وأخرجه ابن أبي شيبة5 ومسدد6 كلاهما عن يحيى به مثله.

وأخرجه النسائي7 وأبو يعلى8 كلاهما من طريق يحيى به نحوه إلا عند أبي يعلى "فلن يدرك قوم بعدكم بمدكم ولا بصاعكم".

وأخرجه الحاكم من طريق يحيى به وقال: "صحيح الإسناد"9 ووافقه الذهبي10، والألباني11.

وذكر الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد ثم قال: "ورجال ثقات"12.

وحسنه ابن حجر13

قلت: هذا الإسناد حسن كما قال ابن حجر فأبو يحيى هو سمعان الأسلمي لم يوثقه غير ابن حبان، وقال النسائي لا بأس به14.

وفيه من حديث مالك بن ربيعة السلولي عند الطبراني:

__________

1 يحيى بن سعيد بن فروخ - بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة - التميم أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن، حافظ إمام قدوة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله ثمان وسبعون سنة: ع. تقريب: 375.

2 محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني واسم أبي يحيى سمعان، صدوق مات سنة سبع وأربعين ومائة: د، تم، س، ق. تقريب: 324.

3 هو: سمعان أبو يحيى الأسلمي مولاهم المدني، لا بأس به من الثالثة: الأربعة. تقريب: 137.

4 مسند أحمد 3/26.

5 تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: 61.

6 إتحاف الخيرة المهرة، القسم الثالث من الجزء الثالث، لوحة: 105.

7 السنن الكبرى للنسائي، لوحة: 119.

8 مسند أبي يعلى: 1، لوحة: 116.

9 المستدرك 2/26.

10 م، السابق حاشية.

11 سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/62.

12 مجمع الزوائد 6/145.

13 فتح الباري 7/443.

14 تهذيب التهذيب 4/238.

(98) قال: حدثنا محمد1 بن الحسين بن مكرم ثنا يحيى2 ابن محمد بن السكن ثنا إسحاق3 بن إدريس ثنا يحيى4 بن بريد ابن مالك بن ربيعة السلولي ثنا بريد5 بن مالك بن ربيعة عن أبيه6 أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الشجرة ويوم الهدي معكوفاً قبل أن يبلغ محله، وأن رجلاً من المشركين قال: يا محمد ما يحملك على أن تدخل علينا هؤلاء ونحن لهم كارهون، قال: "هؤلاء خير منك ومن أجدادك يؤمنون بالله واليوم الآخر والذي نفسي بيده لقد رضي الله عنهم"7.

وذكره في مجمع الزوائد8 وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه إسحاق بن إدريس وهو متروك.

قلت: بل وصف ابن معين إسحاق هذا بالكذب والوضع، فهذا الإسناد ضعيف جداً.

وقد شمل فضل هذه البيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه مع أنه كان غائباً عنها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايع له بإحدى يديه:

.

__________

1 محمد بن الحسين بن مكرم أبو بكر البغدادي ثم البصري، قال إبراهيم بن فهد ما قدم علينا بغداد أعلم بالحديث من ابن مكرم، وسئل الدارقطني عنه فقال: ثقة، مات بالبصرة في ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة. تاريخ بغداد 2/233، تذكرة الحفاظ 2/735.

2 يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب القرشي البزاز، البصري نزيل بغداد، صدوق، مات بعد الخمسين ومائتين: ح، د، س. تقريب: 379.

3 إسحاق بن إدريس الأسواري البصري، أبو يعقوب، قال البخاري: تركه الناس، قال أبو حاتم: ضعيف، وقال تركه علي بن المديني وسئل عنه أبو زرعة فقال: واهي الحديث ضعيف الحديث، روى عن سويد بن إبراهيم وأبي معاوية أحاديث منكرة، وقال ابن معين: كذاب يضع الحديث. التاريخ الكبير 1/1/382، الجرح والتعديل 1/1/213، ميزان الاعتدال 1/184.

4 يحيى بن بريد بن مالك بن ربيعة السلولي، سمع منه إسحاق بن إدريس، روى عن بريد بن مالك بن ربيعة عن أبيه: أنه شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الشجرة في التفسير. التاريخ الكبير 2/4/264.

5 بريد بن أبي مريم بن مالك بن ربيعة السلولي - بفتح المهلمة - البصري، ثقة من الرابعة: بخ، الأربعة: تقريب: 43.

6 مالك بن ربيعة أبو مريم السلولي صحابي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم: س. تقريب: 326.

7 مجمع البحرين بزوائد المعجمين 2، لوحة: 241.

8 مجمع الزوائد 6/145.

(99) قال الترمذي: حدثنا أبو زرعة1: حدثنا الحسن2 بن بشر حدثنا الحكم3 بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله صلى الله عليه وسلم فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خير من أيديهم لأنفسهم"4.

قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

قلت: هذا الإسناد في الحكم بن عبد الملك ضعفه ابن معين وغيره.

وقال ابن عدي: الأحاديث التي أمليتها للحكم عن قتادة منه ما يتابعه عليه الثقات، ومنه لا يتابعه5 ا. هـ

وهذا الحديث مما تابعه عليه الثقات، فأصل الحديث ثابت من حديث ابن عمر عند البخاري، ومن حديث أبي سلمة عند أحمد:

(100) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان - هو ابن وهب - قال: "جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوم جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر إن سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن

__________

1 هو: عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي إمام حافظ ثقة مشهور، مات سنة أربع وستين بعد المائتين، وله أربع وستون سنة: م، ت، س، ق. تقريب: 226.

2 الحسن بن بشر بن سلم - بفتح المهلمة وسكون اللام الهمداني أو البجلي أبو علي الكوفي، صدوق يخطئ، مات سنة إحدى وعشرين بعد المائتين: خ، ت، س. تقريب: 68.

3 الحكم بن عبد الملك القرشي، البصري نزيل الكوفة، ضعيف من السابعة: بخ، ت/ ص/ ق. تقريب: 80.

4 سنن الترمذي، كتاب المناقب: 3702.

5 تهذيب التهذيب 2/431.

الله قد عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت1 رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز من عثمان ببطن مكة، لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان. وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: "هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان"، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك2.

(101) وقال أحمد: حدثنا أبو قطن3 ثنا يونس4 - يعني ابن أبي إسحاق عن أبيه5 عن أبي6 سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان رضي الله عنه من القصر وهو محصور، فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء7 إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وأنا معه فانتشد له رجال، قال: أنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة قال: "هذي يدي وهذه يد عثمان رضي الله عنه فبايع لي فانتشد له رجال"8 الحديث.

سند هذا الحديث صحيح رجاله على شرط مسلم.

__________

1 هي: رقية رضي الله عنها. الإصابة 6/392.

2 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة: 3698.

3 هو: عمرو بن الهيثم بن قطن - بفتح القاف والمهملة - القطعي - بضم القاف وفتح المهملة - أبو قطن البصري، ثقة مات على رأس المائتين: بخ، م، الأربعة. تقريب: 263.

4 يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو إسرائيل الكوفي صدوق يهم قليلاً، مات سنة اثنتين وخمسين بعد المائة على الصحيح: ز، م، الأربعة. تقريب: 390.

5 هو: عمرو بن عبد الله السبيعي.

6 أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين /ع/. تقريب: 409.

7 حراء: بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال وهو معروف ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه. معجم البلدان 2/233.

8 مسند أحمد 1/59.



كلمات دليلية: