بنيان الكعبة وقضية التحكيم من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

بنيان الكعبة وقضية التحكيم من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

بناء البيت

«2»

ولما بلغت سنه عليه الصلاة والسلام خمسا وثلاثين سنة. جاء سيل جارف فصدّع جدران الكعبة بعد توهينها من حريق كان أصابها قبل، فأرادت قريش هدمها ليرفعوها ويسقفوها. فإنها كانت رضيمة «3» فوق القامة، فاجتمعت قبائلهم لذلك. ولكنهم هابوا هدمها لمكانها في قلوبهم. فقال لهم الوليد بن المغيرة:

أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل الإصلاح، قال: إن الله لا يهلك المصلحين. وشرع يهدم فتبعوه وهدموا حتى وصلوا إلى أساس إسماعيل «4» .

وهناك وجدوا صحافا نقش فيها كثير من الحكم «5» على عادة من يضعون أساس بناء شهير ليكون تذكرة للمتأخرين بعمل المتقدّمين. ثم ابتدؤوا في البناء وأعدّوا لذلك نفقة ليس فيها مهر بغيّ ولا بيع ربا «6» ، وجعل الأشراف من قريش يحملون الحجارة على أعناقهم، وكان العباس ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيمن يحمل، وكان الذي يلي البناء نجار رومي اسمه باقوم «7» ، وقد خصّص لكل ركن جماعة من العظماء ينقلون إليه الحجارة، وقد ضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامه على قواعد اسماعيل، فأخرجوا منها الحجر «8» ، وبنوا عليه جدارا قصيرا علامة على أنه من

__________

(1) ابن امرأة الرجل من غيره.

(2) كان بناؤها في الدهر خمس مرّات الأولى: حين بناها شيث بن ادم والثانية: حين بناها ابراهيم على القواعد الأولى. والثالثة: حين بنتها قريش قبل الاسلام. والرابعة: حين احترقت في عهد ابن الزبير. والخامسة: في عهد أبي جعفر المنصور.

(3) الرضم: أن تنضد الحجارة بعضها على بعض من غير طين.

(4) في ابن هشام أساس ابراهيم.

(5) مما وجدوا حجرا مكتوبا فيه «من يزرع خيرا، يحصد غبطة ومن يزرع شرّا يحصد ندامة. تعملون السيئات وتجزون الحسنات. أجل كما لا يجتنى من الشّوك العنب.

(6) كان محرما عليهم في الجاهلية يعلمون ذلك ببقية من بقايا شرع ابراهيم عليه السّلام كما بقي عليهم وشيء من أحكام الطلاق والعتق وغير ذلك وفي قوله سبحانه (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) دليل على تقدم التحريم.

(7) يا قوم وقيل يا قوم أو يا قول.

(8) قال عليه السّلام لعائشة لولا حدثان عهد قومك بالجاهلية لهدمتها، وجعلت لها خلفا وألصقت بابها بالأرض، وأدخلت فيها الحجر أو كما قال وردت في معناه أحاديث رواها الشيخان وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي.

الكعبة. ولمّا تمّ البناء ثماني عشرة ذراعا بحيث زيد فيه عن أصله تسعة أذرع ورفع الباب عن الأرض بحيث لا يصعد إليها إلّا بدرج أرادوا وضع الحجر الأسود موضعه، فاختلف أشرافهم فيمن يضعه، وتنافسوا في ذلك حتى كادت تشبّ بينهم نار الحرب، ودام بينهم هذا الخصام أربع ليال، وكان أسنّ رجل في قريش إذ ذاك أبو أمية بن المغيرة المخزومي عم خالد بن الوليد فقال لهم: يا قوم لا تختلفوا وحكّموا بينكم من ترضون بحكمه. فقالوا: نكل الأمر لأوّل داخل، فكان هذا الداخل هو الأمين المأمون عليه الصلاة والسلام، فاطمأن الجميع له لما يعهدونه فيه من الأمانة وصدق الحديث وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد لأنهم كانوا يتحاكمون إليه إذ كان لا يداري ولا يماري. فلما أخبروه الخبر بسط رداءه، وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم وضع فيه الحجر «1» وأمرهم برفعه حتى انتهوا إلى موضعه فأخذه ووضعه فيه. وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيرا ما يكون أمثالها سببا في انتشار حروب هائلة بين العرب لولا أن يمنّ الله عليهم بعاقل مثل أبي أمية يرشدهم إلى الخير، وحكيم مثل الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقضي بينهم بما يرضي جميعهم، ولا يستغرب من قريش تنافسهم هذا لأن البيت قبلة العرب وكعبتهم التي يحجون إليها فكل عمل فيه عظيم به الفخر والسيادة وهو أول بيت وضع للعبادة بشهادة القران الكريم قال تعالى في سورة ال عمران: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً «2» وكان يلي أمره بعد ولد اسماعيل قبيلة جرهم فلما بغوا وظلموا من دخل مكة اجتمعت عليهم خزاعة وأجلوهم عن البيت، ووليته خزاعة حينا من الدهر.

ثم أخذته منهم قريش في عهد قصي بن كلاب وبسببه أمنوا في بلادهم فكانت قبائل العرب تهابهم. وإذا احتموا به كان حصنا أمينا من اعتداء العادين، وامتنّ الله عليهم بذلك في تنزيله فقال في سورة العنكبوت: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ «3» .

__________

(1) عن ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من اللبن فسوّدته خطايا بني ادم. رواه الترمذيّ.

(2) اية 96- 97.

(3) اية 67.


ملف pdf

كلمات دليلية: