بناء المسجد النبوي_12994

بناء المسجد النبوي


ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر

:

"وكان" عليه الصلاة والسلام "يصلي حيث أدركته الصلاة" فأراد بناء مسجد جامع للمصلين معه، "ولما أراد عليه السلام بناء المسجد الشريف، قال" الأظهر: فلما، بالفاء كما عبر بها أنس. أخرج الشيخان وغيرهما عنه: كان صلى الله عليه وسلم يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، فأرسل إلى ملأ من بني النجار، فقال: "يا بني النجار ثامنوني" بالمثلثة، أي: اذكروا لي ثمنه لأشتريه منكم، قاله الحافظ في كتاب الصلاة. وقال هنا، أي: قرروا معي ثمنه أو ساوموني بثمنه، ثامنت الرجل إذا ساومته، واقتصر المصنف على الثاني، ونحوه قول الشامي، أي: بايعوني وقاولوني، انتهى.

وهو بالنظر إلى الصيغة فقط إذ ليس ثم مفاعلة، فالأول أولى وخاطب البعض بخطاب الكل؛ لأن المخاطبين أشرافهم "بحائطكم" أي: بستانكم، وتقدم أنه كان مربدا، فلعله كان أولا حائطا ثم خرب فصار مربدا، ويؤيده قوله أي أنس: أنه كان فيه نخل وحرث، وقيل: كان بعضه بستانا وبعضه مربدا، قاله الحافظ. ويؤيده أيضا حديث عائشة فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، ولا ينافيه حديث أنس؛ لأنه لا مانع من وجود النخل والحرث في المربد وسماه حائطا باعتبار ما كان. وفي رواية ابن عيينة: فكلم عمهما، أي: الذي كانا في حجره أن يبتاعه منهما.

"قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله" قال الحافظ: تقديره من أحد لكن الأمر فيه إلى الله، أو إلى بمعنى من، كما في رواية الإسماعيلي وزاد ابن ماجه: أبدا "فأبى" أي: كره "ذلك صلى الله عليه وسلم"

وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان قد خرج من مكة بماله كله.

قال أنس: وكان في موضع المسجد نخل وخرب...................................

__________

وامتنع من قبوله إلا بالثمن، "وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه" كما رواه الواقدي عن الزهري، أي: ابتاعها من اليتيم أو من وليهما، إن كنا بالغين، ولا ينافيه وصفهما باليتم؛ لأنه باعتبار ما كان أو كانا يتيمين وقت المساومة، وبلغا قبل التبايع.

وفي حديث عائشة عند البخاري، ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا. قال الحافظ: ولا منافاة بينه وبين حديث أنس: فيجمع بأنهم لما قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، سأل عمن يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين فابتاعه منهما، وحينئذ يحتمل أن القائلين: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، تحملوا عنه للغلامين بالثمن. وعند الزبير أن أبا يوب أرضاهما عن ثمنه، انتهى. وكذا عند أبي معشر. وفي رواية: أن أسعد بن زرارة عوضهما نخلا في بني بياضة، وفي أخرى: أن معاذ بن عفراء، قال: أنا أرضيهما. قال الشامي: ويجمع بأن كلا منهم أرضى اليتمين بشيء فنسب ذلك لكل منهم، ورغب أبو بكر في الخير فدفع العشرة زيادة على ما دفعه أولئك، أو أنه صلى الله عليه وسلم أخذ أولا بعض المربد في بنائه الأول سنة قدومه، ثم أخذ بعضا آخر؛ لأنه بناه مرتين. وزاد فيه: فكان الثمن من مال أبي بكر في إحداهما، ومن الآخرين في الأخرى، انتهى. وذكر البلاذري أن العشرة التي دفعها من مال أبي بكر كانت ثمن أرض متصلة بالمسجد لسهل وسهيل وعرض عليه أسعد أن يأخذها ويغرم عنه لهما ثمنهما، فأبى. وجمع البرهان بأنهما قضيتان وأرضان كلتاهما لليتيمين، فاشترى كل واحدة بعشرة إحداهما المسجد والأخرى زيادة فيه، وأدى ثمنهما معا أبو بكر والواحدة عاقده عليها أسعد، والأخرى معاذ، قال: وما ذكر من شراء أبي أيوب منهما فيحمل على المجاز أنه كان متكلما بينهما أو عقد معهما بطريق الوكالة أو الوصية، أو أنها أرض ثالثة وفيه بعد، انتهى.

"وكان قد خرج من مكة بماله كله" وهو أربعة آلاف أو خمسة، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يعطيهما ثمنه عشرة دنانير، كره ابن سعد عن الواقدي عن معمر عن معمر وغيره عن الزهري وقبله لعموم نفع المسجد له ولغيره على عادته من قبول ماله في المصالح بخلاف الهجرة، فأحب كونها من ماله عليه السلام، كما مر. "قال أنس" بن مالك فيما رواه الشيخان وغيرهما: "وكان في موضع المسجد نخل وخرب" بفتح المعجمة وكسر الراء فموحدة جمع خربة ككلم وكلمة هكذا ضبط في سنن أبي داود، قال الخطابي: وهي رواية الأكثر. قال ابن الجوزي: وهو المعروف، وحكى

ومقابر مشركين، فأمر بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطعت، ثم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده خشب النخل،

__________

الخطابي: كسر أوله وفتح ثانيه جمع خربة كعنب وعنبة. وللكشميهني بفتح المهملة وسكون الراء ومثلثة وهو وهم؛ لأن البخاري أخرجه من طريق عبد الوارث. وبين أبو داود أن رواية عبد الوارث بمعجمة وموحدة، ورواية حماد بن سلمة بمهملة ومثلثة، ذكره الحافظ، فالوهم إنما هو في روايته في البخاري وإن ثبتت في رواية غيره فهي ثلاث روايات. وجوز الخطابي أنه حرب بضم المهملة وسكون الراء وموحدة وهي الخروق المستديرة في الأرض، أو حدب بمهملتين، أي: مرتفع من الأرض، أو جرب بكسر الجيم وفتح الراء: ما تجر فيه السيول وتأكله الأرض. قال: وهذا لائق بقوله: فسويت؛ لأنه إنما يسوى المكان المحدوب أو الذي جرفته الأرض. أما الخراب فيبنى ويعمر دون ن يصلح ويسوّى. ورده الحافظ، فقال: ما المانع من تسوية الخراب بأن يزال ما بقي منه وتسوى أرضه، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحيحة، انتهى.

"ومقابر مشركين" زاد في رواية: من الجاهلية، "فأمر بالقبور فنبشت" زاد في رواية وبالعظام فغيبت، "وبالخرب فسويت" بإزالة ما كان فيها، "وبالنخل فقطعت،" وجعلت عمدا للمسجد فيه جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع ونبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدا نصا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تنبش لطلب المال، فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعي. وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن امشرك لا حرمة حيا ولا ميتا فيه جواز الصلاة في مقابر المشركين، بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها. قيل: وفيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة وفيه نظر، لاحتمال أن تكون مما لا يثمر.

واحتج من أجاز بيع غير المالك بهذه القصة؛ لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين، وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجار فساوهما واشترك معهما في المساومة عمهما الذي كانا في حجره، كما تقدم ذكره في فتح الباري في موضعين.

"ثم أمر باتخاذ اللبن" بفتح اللام وكسر الموحدة: الطوب النيء، "فاتخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده" بفتح أوله وثانيه، ويجوز ضمهما "خشب" بفتحتين وبضم فسكون، "النخل" الذي كان في الحائط. وفي حديث أنس: قصفوا النخل قبلة المسجد. وظاهر هذا الحديث الصحيح أن بناءه باللبن وتسقيفه بالجريد من يومئذ. وروى ابن الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن أنس، قال: بنى صلى الله عليه وسلم مسجده أول ما بناه بالجريد، وإنما بناه باللبن بعد

وعمل فيه المسلمون وكان عمار بن ياسر ينقل لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام: "للناس أجر ولك أجران،..................................

__________

الهجرة بأربع سنين، فإن صح أمكن أن معنى أول ما بناه، سقفه وإنما بناه، أي: طينه ويؤيده ما أخرجه رزين عن جعفر بن محمد أنه بنى ولم يلطخ وجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوا بالجريد، فشكوا الحر فطينوه بالطين، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح، ولا سيما وقد اتفق عليه أنس وابن عمر وعائشة وأبو سعيد وأحاديثهم في الصحيح.

وروى محمد بن الحسن المخزومي وغيره عن شهر بن حوشب: لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يبنى المسجد، قال: "ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك". قيل: ما ظلة موسى؟ قال: "كان إذا قام أصاب رأسه السقف"، فلم يزال المسجد كذلك حتى قبض صلى الله عليه وسلم، وثمامات بضم المثلث جمع ثمام واحده ثمامة نبت ضعيف، وذكر في الأوج أن قامة موسى وعصاه ووثبته سبعة أذرع، فهو تشبيه تام؛ لأنه جعل ارتفاع سقف المسجد سبعة. وعلى ما ذكر ابن كثير: إن قامة موسى وعصاه ووثبته عشرة، فالتشبيه في أن السقف يصيب رأسه لا يقيد الطول ثم مرسل ابن حوشب هذا، لا معارضة فيه الخبر الصحيح أصلا؛ لأن ذلك لا يمنع أن جدرانه باللبن، كما هو ظاهر. ووقع عند ابن عائذ عن عطاف بن خالد أنه عليه السلام صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوما، ثم بناه وسقفه.

"وعمل فيه المسلمون" روى أبو يعلى رجال الصحيح عن عائشة والبيهقي عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا: لما بنى صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة وضع حجرا، ثم قال: "ليضع أبو بكر حجره إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر، ثم ليضع علي" فسئل عن ذلك، فقال: "هؤلاء الخلفاء من بعدي". وأخرج أحمد عن طلق بن علي، قال: بنيت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقول: "قربوا اليمامي من الطين، فإنه أحسنكم له مسيسا". وروى أحمد عنه أيضا: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد، وكأنه لم يعجبه عملهم فأخذت المسحاة فخلطت الطين، فكأنه أعجبه فقال: "دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين" وعند ابن حبان، فقلت: يا رسول الله أأنقل كما ينقولون؟ قال: "لا، ولكن أخلط لهم الطين، فأنت أعلم به".

"وكان" المسلمون يحملون لبنة لبنة، وكان "عمار بن ياسر ينقل لبنتين" كما في البخاري عن أبي سعيد وزاد معمر في جامعه عنه: "لبنة عنه ولبنة عن النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية الإسماعيلي وأبي نعيم، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عمار، ألا تحمل كما يحمل أصحابك"؟، قال: إني أريد من الله الأجر. "فقال له عليه السلام" بعد مسح ونفض التراب عنه: "للناس أجر، ولك أجران"

وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية".

وروينا أنه صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول وهو ينقل اللبن:

"هذا الحمال لا حمال......

__________

فيه جواز ارتكاب المشقة في عمل البر، وتوقير الرئيس والقيام عنه بما يتعاطاه من المصالح. "وآخر زادك من الدنيا شربة لبن" فكان كذلك، أخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي سنان الدؤلي الصحابي، قال: رأيت عمار بن ياسر دعا غلاما له بشراب فأتاه بقدح من لبن فشرب منه، ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمد، أو حزبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن آخر شيء تزوده من الدنيا صبحة لبن"، ثم قال: "والله لو هزمونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، يعني لقوله صلى الله عليه وسلم: "وتقتلك الفئة الباغية" فقتل مع علي بصفين ودفن بها سنة سبع وثلاثين عن ثلاث أو أربع وتسعين سنة، تراجع

وروى البخاري في بعض نسخه ومسلم والترمذي وغيرهم مرفوعا: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار"، أي: إلى سبب فيهما. واستشكل بأن معاوية كان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار. وأجاب الحافظ، بما حاصله: إنهم ظنوا أنهم يدعونه إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فإن الإمم الواجب الطاعة إذ ذاك هو علي الذي كان عمار يدعوهم إليه كما أرشد له بقوله: "يدعوهم إلى الجنة" وبجعله قتلة عمار بغاة وقول ابن بطال تبعا للمهلب: إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم علي يدعوهم إلى الجماعة وهم إذ الخوارج إنما خرجوا على علي بعد عمار اتفاقا.

وأما الذين بعثه إليهم فإنما هم أهل الكوفة يستفزهم على قتال عائشة ومن معها قبل وقعة الجمل، وكان فيهم من الصحابة جماعة كمن كان مع معاوية وأفضل فما فر منه المهلب، وقع في مثل مع زيادة إطلاقه عليهم الخوارج وحاشهم من ذلك. وفي الحديث فضيلة ظاهرة لعلي وعمار ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه، انتهى ملخصا.

"وروينا" في صحيح البخاري في حديث عائشة الطويل "أنه صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم اللبن" بفتح اللام وكسر الموحدة الطوب النيء "في بنائه" ولا يعارضه أن عمارا كان يحمل عنه؛ لأنه عليه السلام ابتدأ في النقل ترغيبا لهم في العمل، "ويقول: وهو ينقل اللبن" هذا هو الصواب المروي عنه البخاري، فما في بعض النسخ السقيمة الأحمال تصحيف، "هذا الحمال لإحمال"

..........خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر

اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة

قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا. انتهى.

وقد قيل: إن الممتنع عليه صلى الله عليه وسلم إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلا.

__________

بالرفع ولا وجه لنصبه، قاله في النور. "خيبر هذا أبر" بموحدة وشد الراء يا "ربنا وأطهر" بمهملة، أي: أشد طهارة وهذا البيت لعبد الله بن رواحة، يقول: "اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة" بكسر الجيم وهذا البيت لابن رواحة أيضا، كما قال ابن بطال، وتبعه في الفتح وغيره. وبعضهم نسبة لامرأة من الأنصار. وفي حديث أنس عند الشيخين:

اللهم لا خير إلا خيرة الآخرة ... فانصر الأنصار والمهاجرة

وزعم الكرماني في كتاب الصلاة: أنه كان يقف على الآخرة والمهاجرة بالتاء ليخرجه عن الوزن، قال الحافظ: ولم يذكر مستنده والكلام الذي بعد هذا، يعني كلام الزهري، يرده، انتهى. بل فيه الوقف على متحرك وليس عربيا، فكيف ينسب إلى سيد الفصحاء، وزعم الداودي أن ابن رواحة: إنما قال لا هم ... إلخ، فأتى به بعض الرواة على المعنى، وإنما يتزن هكذا، ورده الدماميني بأن توهيم للرواة بلا داعية فلا يمتنع أنه قاله بألف ولا على جهة الخزم بمعجمتين، وهو الزيادة على أول البيت حرفا فصاعدا إلى أربعة، وكذا على أول النصف الثاني حرفا أو اثنين على الصحيح، هذا لا نزاع فيه بين العروضيين، ولم يقل أحد بامتناعه، وإن لم يستحسنوه، وما قال أحد أن الخزم يقتضي إلغاء ما هو فيه على أن يعد شعرا، نعم الزيادة، لا يعتد بها في الوزن، ويكون ابتداء النظم ما بعدها فكذا ما نحن فيه، انتهى.

"قال ابن شهاب" محمد بن مسلم الزهري "ولم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم تمثل بشعر تام غير هذا" البيت، كما هو بقية قوله في البخاري ولأبي ذر غير هذه الأبيات، أي: البيتين المذكورين، وزاد ابن عائذ عن الزهري التي كان يرتجز بهن، وهو ينقل اللبن لبنيان المسجد، "انتهى" قول الزهري. قال الحافظ: ولا اعتراض عليه ولو ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أنشد غير ما نقله، لأنه نفى أن يكون بلغه ولم يطلق النفي، واستشكل هذا بقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69] ، ولذا قال ابن التين: أنكر هذا على الزهري؛ لأن العلماء اختلفوا هل أنشد صلى الله عليه وسلم شعرا أم لا، وعلى الجواز هل ينشد بيتًا واحدًا أو يزيد، وقيل: البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظر.

"و" أجاب الحافظ وتبعه المصنف، بأنه "قد قيل: إن الممتنع عليه صلى الله عليه وسلم إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلا" فالمفهوم من الآية الكريمة منع إنشائه لا إنشاده،

وقوله: هذا الحمال: -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم- أي المحمول من اللبن أبر عند الله من حمال خيبر، أي: التي تحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك. وفي رواية المستملي بالجيم.

وفي كتاب "تحقيق النصرة" قيل: وضع عليه السلام رداءه فوضع الناس أوديتهم وهم يقولون:

لئن قعدنا والنبي يعمل ... ذاك إذا للعمل المضلل

__________

قال ابن التين أيضا: وأنكر على الزهري من جهة أنه رجز لا شعر ولذا يقال لقائله: راجز وأنشد رجز الأشاعر وأنشد شعرا، وأجاب الحافظ بأن الجمهور على أن الرجز الموزون من الشعر، وقد قيل: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يطلق القافية بل يقولها متحركة ولا يثبت ذلك، وسيأتي في الخندق من حديث سهل بلفظ: "فاغفر للمهاجرين والأنصار"، وهذا ليس بموزون، انتهى. وقال في المصابيح: لا نسلم أن هذا الحمال لإحمال البيت من الرجز، وإنما هو من مشطور السريع دخله الكشف والخبن، انتهى.

"وقوله: هذا الحمال، بكسر الحاء المهملة" وكذا في الإحمال. ولأبي ذر بفتحها فيهما ذكره المصنف، "وتخفيف الميم" وهو جمع، أي: هذا الحمل أو مصدر بمعنى المفعول، "أي:" هذا "المحمول من اللبن أبر عند الله" قال الحافظ: أي أبقر ذخرا وأكثر ثوابا وأدوم منفعة وأشد طهارة، "من حمال خيبر، أي: التي يحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك" وتفسيره بهذا مراد المتمثل به صلى الله عليه وسلم. وقول القاموس، يعني تمر الجنة، وأنه لا ينفد مراد منشئ الشعر ان رواحة، "وفي رواية المستملي" أبي إسحاق إبراهيم البلخي المتوفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة أحد رواة البخاري عن الفريري "بالجيم" المفتوحة على ما في بعض النسخ عنه كما في الفتح، ولذا قال في العيون: قيل: رواه المستملي بالجيم فيهما وله وجه، والأول أظهر. ونحوه في المطالع، أي: لأن وجه تخصيصها بالذكر كونها تأتي بما يحتاج إليه من تمر وزبيب ونحوهما.

"وفي كتاب تحقيق النصرة" للزين المراغي "قيل: وضع عليه السلام رداءه فوضع الناس أرديتهم" أي: ما كان على عواتقهم. ففي رواية: وضعوا أرديتهم وأكسيتهم "وهم" يعملون و"يقولون لئن قعدنا والنبي يعمل ذاك إذا" التنوين عوض عن المضاف إليه، أي: ذاك إذا فعلناه "للعمل المضلل" صاحبه ففيه حذف وإيثال، والذي رواه الزبير بن بكار عن مجمع بن يزيد ومن طريق آخر عن أم سلمة، قال قائل من المسلمين في ذلك، قال في النور، ولا أعرفه:

لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل

وآخرون يقولون:

لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا

ومن يرى عن التراب حائدا

وجعلت قبلته للقدس،............................................................................

__________

وهو كذلك في بعض نسخ المصنف. "وآخرون يقولون" ورواه ابن بكار عن أم سلمة بلفظ، وقال علي بن أبي طالب: "لا يستوي من يعمر المساجدا" بألف الإطلاق "يدأب" يجد في عمله، "فيها قائما وقاعدا، ومن يرى عن التراب حائدا" أي: مائلا، قال ابن هشام: سألت غير واحد من علماء الشعر عن هذا الرجز، فقالوا: بلغنا أن عليا ارتجز به فلا يدري أهو قائله أم غيره، قال: وإنما قال علي ذلك مباسطة ومطايبة كما هو عادة الجماعة إذا اجتمعوا على عمل وليس ذلك طعنا، انتهى.

وعند البيهقي عن الحسن: لما بنى صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، وكان عثمان بن مظعون رجلا متنطعا بميم مضمومة ففوقية فنون مفتوحتين فطاء مكسورة فعين مهملتين: من تنطع إذا تغالى وتأتق، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه ونظر إلى ثوبه فإن أصابه شيء من التراب نفضة، فنظر إليه علي بن أبي طالب فأنشد يقول: لا يستوي ... إلخ، فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها ولا يدري من يعني بها، فمر بعثمان، فقال: يابن سمية، لأعرفن بمن تعرض ومعه حديدة، فقال: لتكفن أن لأعترضن بها وجهك، فسمعه صلى الله عليه وسلم فغضب، ثم قالوا لعمار: أنه قد غضب فيك، وناف أن ينزل فينا قرآن، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله! ما لي ولأصحابك؟ قال: "ما لك ولهم" قال: يريدون قتلى يحملون لبنة ولبنة، ويحملون علي لبنتين، فأخذ صلى الله عليه وسلم بيده وطاف به المسجد وجعل يمسح وفرته، ويقول: "يابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية" وقوله: يحملون ... إلخ، استعطاف ومباسطة ليزول الغضب، وإنما كان يحمل عن المصطفى إرادة للأجر، كما مر. وفي هذه الأحاديث جواز قول الشعر وأنواعه خصوصا الرجز في الحرب، وفي التعاون على سائر الأعمال الشاقة لما فيه من تحريك الهمم وتشجيع النفوس وتحريكها على معالجة الأمور الصعبة.

"وجعلت قبلته القدس" كما رواه النجار وغيره ووقع في الشفاء، رواه الزبير بن بكار عن نافع بن جبير وداود بن قيس وابن شهاب مرسلا رفعت له الكعبة حين بنى مسجده. وفي الروض روي عن الشفاء بنت عبد الرحمن الأنصارية، قال: كان صلى الله عليه وسلم حين بنى المسجد يؤمه جبريل إلى الكعبة ويقيم له القبلة، انتهى.

وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخرة، وباب يقال له باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه.

وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع،............................

__________

وأخرج الطبراني برجال ثقات عن الشموس بنت النعمان الأنصارية رضي الله عنها وإسماعيل الأزدي عن رجل من الأنصار والغرافي بغين معجمة وفاء من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم أقام رهطا على زاوية المسجد ليعدل القبلة فأتاه جبريل، فقال: ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، لا يحول دون بصره شيء، فلما فرغ قال جبريل بيده هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها وصارت القبلة على الميزاب، واستشكل بأنه صلى الله عليه وسلم لما هاجر كان يستقبل القدس واستمر بعد الهجرة مدة كما يأتي، ولذا قال التجاني في شرح الشفاء أن ما فيها غريب والمعروف أن جبريل أعلمه بحقيقة القبلة وأراه سمتها لا أنه رفع له الكعبة حتى رآها، ولذا جاءت الآثار من غير تقييد. وقال أبو الوليد ابن رشدي في شرح قول مالك في العتيبة: سمعن أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة مسجد المدينة، يعني أراه سمتها وبين لها جهتها، والصواب أن ذلك كان حين حولت القبلة لا حين بناء مسجده، وكون جبريل أراه سمتها لا يقتضي رفعها، انتهى.

وأجيب: بأنه لا مانع من أن يسأل جبريل أن يريه سمتها حتى إذا وقع استقبالها لم يتردد فيه، ولا يتحير. وفي الإصابة: خطر لي في جوابه أنه أطلق الكعبة وأراد القبلة أو الكعبة على الحقيقة، فإذا بين له جهتها كان إذا استدبرها استقبل بيت المقدس وتكون النكتة فيه أنه سيحول إلى الكعبة فلا يحتاج إلى تقويم آخر، قال: ويرجح الاحتمال الأول، رواية محمد بن الحسن المخزومي بلفظ تراءى له جبريل حتى أم له القبلة، انتهى. وأكثر الناس اأجوبة عن ذلك بما فيه نزاع، وهذا أحسنها.

"وجعل له ثلاث أبواب في مؤخره" وهو المعروف بباب أبي بكر "وباب يقال له باب الرحمة،" وكان يقال له باب عاتكة، "والباب الذي يدخل منه" وهو المعروف بباب آل عثمان، ولما حولت القبلة سد صلى الله عليه وسلم الباب الذي كان في مؤخره وفتح بابا حذاءه، ولم يبق من الأبواب إلا باب عثمان المعروف بباب جبريل، ذكره ابن النجار.

"وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع" كما رواه يحيى بن الحسن عن زيد بن حارثة، ورواه رزين عن محمد الباقر، روى ابن النجار وغيره عن خارجة بن ثابت، قال: بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده مربعا وجعل قبلته إلى بيت المقدس وطوله سبعون ذراعا في ستين

وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه.

وجعلوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع،..............................................

__________

ذراعا، فيحتمل أنه كان كذلك ثم زاد فيه فبلغ المائة، ويؤيده قول أهل السير: بنى صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة أقل من مائة في مائة ثم بناه، وزدا فيه: "وفي الجانبين" أي: العرض "مثل ذلك" كما في خبر محمد الباقر وزيد بن حارثة فكان مربعا "أو دونه" إشارة للقول بأن عرضه كان أقل من مائة حكاه غير واحد، "وجعلوا أساسه" أي: طرفه الثابت عن الأرض، "قريبا من ثلاثة أذرع" بالحجارة ولم يسطح فشكوا الحر فجعل خشبه وسواريه جذوعا وظللوه بالجريد ثم بالجص، فلما وكف عليهم طينوه بالطين وجعلوا وسطه رحبة وكان جداره قبل أن يسقف قامة وشيئا، رواه رزين عن جعفر بن محمد. وذكر البلاذري ورواه يحيى بن الحسن عن النوار أم زيد بن ثابت: أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل، قالت: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم صلى بهم في ذلك المسجد وبناه هو فهو مسجده، فإن صح فكأنه هدم بناء أسعد وزاد فيه أو زاد بدون هدم لضيقه عن المسلمين أو نحو ذلك، وإلا فما في الصحيح أصح من أنه اشترى المربد وبناه، كما قالت عائشة، وقال: "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم"، رواه أنس هذا وفي البخاري, وأبي داود عن ابن عمر: أن المسجد كان على عهده صلى الله عليه وسلم مبنيا اللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهده صلى الله عليه وسلم وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده جارة منقوشة وسقفه بالساج، قال ابن بطال وغيره: هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة بيت المال عنده لم يغيره عما كان عليه وإنما احتاج إلى تجديد؛ لأن جريد النخل قد نخر في أيامه فكلم العباس في بيع داره ليزيدها فيه فوهبها العباس لله وللمسلمين فزادها عمر في المسجد، ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر عليه بعض الصحابة.

وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت العلماء عن إنكار ذلك خوف الفتنة، ورخص فيه بعضهم وهو قول أبي حنيفة إذا وقع تعظيما للمساجد ولم يصرف عليه من بيت المال، وقال ابن المنير لما شيد الناس بيوتهم، وزخرفوها، ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة، وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية، فهو كما قال: وإن كان لخشية شغل بال المصلي للزخرفة، فلا لبقاء العلة.

وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى لعائشة في البيت الذي يليه شارعا إلى المسجد، وجعل سودة بن زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان.

__________

"وبنى بيوتا" أي: بيتين فقط، كما صرح به غير واحد، "إلى جنبه" أي: المسجد، "باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد،" ويفيد أنهما بيتان، قوله: "فلما فرغ من البناء" للمسجد "بنى لعائشة" لأنها كانت زوجه وإن تأخر دخوله بها "في البيت الذي يليه شارعا إلى المسجد" وكان باب عائشة مواجه الشام بمصراع واد من عرعر أو ساج، ذكره ابن زيالة عن محمد بن هلال "وجعل سودة بنت زمعة" بفتح الزاي وسكون الميم عند المحدثين وصدر به المجد، فقول المصباح: لم أظفر بالسكون في كتب اللغة قصور "في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي" باب "آل عثمان" ثم بنى عليه السلام بقية الحجرات عند الحاجة إليها، قال الواقدي: كان لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله، فكلما أحدث صلى الله عليه وسلم أهلا نزل له حارثة عن منزل، أي: محل حجرة حتى صارت منازله كلها له عليه السلام، قال أهل السير: ضرب الحجرات ما بين عائشة وبين القبلة والشرق إلى المسجد، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة من المسجد.

قال ابن الجوزي: كانت لها في الشق الأيسر إلى وجه الأمام المنبر إلى جهة الشام، وعن عطاء الخراساني ومحمد بن هلال: أدركنا حجر الزوجات من جريد على أبوابها مسوح من شعر أسود. وروى البخاري في الأدب عن داود بن قيس: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر، وأظن أن عرض البيت من باب الحجرة إلى البيت نحوا من ستة أو سبعة أذرع، ومن داخل عشرة أذرع، وأظن السمك ما بين الثمان والسبع. وعند ابن سعد: وعلى أبوابها المسوح السود من الشعر. وكتب الويد بن عبد الملك بإدخالها في المسجد، فهدمت، فقال ابن المسيب: ليتها تركت ليراها من يأتي بعد فيزهد الناس في التكاثر والتفاخر. وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت ليرى الناس ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده. قال ابن سعد: أوصت سودة ببيتها لعائشة وباع أولياء صفية بيتها من معاوية بمائة ألف، وقيل: بثمانين ألفا، وتركت حفصة بيتها فورثه ابن عمر، فلم يأخذ له ثمنا، وأدخل المسجد.

قال ابن النجار: وبيت فاطمة اليوم جوف المقصورة وفيه محراب وهو خلف حجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال السمهودي: المقصورة اليوم دائرة على بيت فاطمة وعلى حجرة عائشة من جهة

ثم تحول عليه السلام من دار أبي أيوب إلى مساكنه التي بناها.

وكان قد أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه إلى مكة، فقدما بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن، وخرد عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه.

وكان في المسجد موضع مظلل، تأوي إليه المساكين، يسمى الصفة، وكان أهله يسمون: أهل الصفة،.......................

__________

الزوراء، وبينهما موضع يحترمه الناس ولا يدوسونه بأرجلهم، ويذكر أنه قبر فاطمة على أحد الأقوال.

"ثم تحول عليه السلام من دار أبي أيوب إلى مساكنه التي بناها، وكان قد أرسل زيد بن حارثة" كما رواه الطبراني عن عائشة، قالت: لما هاجر صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفنا بمكة، فلما استقر بالمدينة بعث زيد بن حارثة، "وأبا رافع مولاه إلى مكة" قال: وبعث أبو بكر عبد الله بن أريقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان وأم أبي بكر وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا وخرج زيد وأبو رافع، "فقدما بفاطمة وأم كلثوم" وأما رقية فسبقت مع زوجها عثمان وزينب أخرت عند زوجها أبي العاصي بن الربيع حتى أسر ببدر، فلما من عليه أرسلها إلى المدينة، "وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن" وولدها أيمن، كما في رواية الطبراني. "وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه" ومنهم عائشة، كما علم؛ لأنه إنما بنى بها بعد. قالت عائشة: واصطحبنا حتى قدمنا المدينة فنزلنا في عيال أبي بكر ونزل آل النبي صلى الله عليه وسلم عنده وهو يومئذ يبني مسجده وبيوته، فأدخل سودة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، رواه الطبراني.

"وكان في المسجد موضع مظلل يأوي إليه المساكين، يسمى الصفة" بضم الصاد وشد الفاء، قال عياض: وإليها نسبوا على أشهر الأقاويل، وقال الذهبي: كانت القبلة قبل أن تحول في شمال المسجد، فلما حولت بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة. وقال الحافظ: الصفة مكان في مؤخر المسجد مظلل أعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم، أو يموت، أو يسافر. وفي الحلية من مرسل الحسن: بنيت صفة في المسجد لضعفاء المسلمين. "وكان أهله يسمون أهل الصفة" قال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة الفقراء. وقال أبو هريرة: أهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد إذا أتته صلى الله عليه وسلم صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، رواهما البخاري.

وكان عليه السلام يدعوهم بالليل، فيفرقهم على أصحابه، وتتعشى طائفة منهم معه عليه السلام.

وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساق، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.

وهذا يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة.

__________

"وكان عليه السلام يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه" لاحتياجهم وعدم ما يكفيهم عنده، "وتتعشى طائفة منهم معه عليه السلام" مواساة وتكرما منه وتواضعا لربه، وفي حديث: أن فاطمة طلبت منه، فقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم" , "وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد" وفي رواية بحذف لقد، "رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء" بكسر الراء: ما يستر أعالي البدن فقط، لشدة فقرهم لا يزيد الواحد منهم على ساتر عورته، كما أفاده بقوله: "إما إزار" فقط "وإما كساء" على الهيئة المشروحة، بقول: "قد ربطوا" الأكسية فحذف المفعول للعلم به، "في أعناقهم" لعدم تيسر عورتهم، وجمع؛ لأن المراد بالرجل الجنس، "فمنها" أي: الأكسية، قال المصنف: والجمع باعتبار أن الكساء جنس "ما يبلغ نصف الساق" وفي نسخة: آخر الساق، والذي في البخاري: نصف الساقين بالتثنية، وهو أنسب بقوله: "ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه" الواحد منهم "بيده كراهية أن ترى عورته" لأنه لا يستمسك بنفسه وربطه على تلك الهيئة إنما يمنع سقوطه لا ظهور العورة.

قال الحافظ: وزاد الإسماعيلي أن ذلك في حال كونهم في الصلاة، ومحصله أنه لم يكن لأحد منهم ثوبان، انتهى. وفي شرح المصنف: الأصيلي بدل الإسماعيلي، وهو سبق قلم.

"وهذا" أي: قوله من أصحاب الصفة، "يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين" لأن من للتبعيض على المتبادر. وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن سيرين، قال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة فأما سعد بن عبادة فكان ينطلق بثمانين. "وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم" النبي صلى الله عليه وسلم "في غزوة بئر معونة" سنة ثلاث من الهجرة بعد أحد، "وكانوا من أهل الصفة أيضا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة" لأنه كان عام خيبر سنة سبع، وذكر المصنف قصتهم في المغازي، فذكر

وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي والسلمي، والحاكم وأبو نعيم، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشته، قال في فتح الباري.

وكان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد قائما، فقال: $"إن القيام قد شق علي، فصنع له المنبر".

__________

ههنا تكثير للسواد، "وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي،" الإمام الحافظ الزاهد أبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد البصري الورع الثقة الثبت العابد الرباني كبير القدر صاحب التصانيف، سمع أبا داود وخلقا عمل لهم معجما، وعنه ابن منده وغيره، ولد سنة ست وأربعين ومائتين، ومات سنة أربع وثلاثمائة.

"والسلمي" في كتاب تاريخ أهل الصفة بضم السين نسبة لجد له اسمه سليم، هو الإمام الزاهد محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري، أبو عبد الرحمن الرحال سمع الأصم وغيره، وعنه الحاكم والقشيري والبيهقي، وحدث أكثر من أربعين سنة، وكان وافر الجلالة، وصنف نحو مائة، وقيل: نحو ألف، وفي اللسان كأصله ليس بعمدة ونسبه البيهقي للوهم، وقال القطان: كان يضع الصوفية الأحاديث، وخالفه الخطيب، وقال: إنه ثقة صاحب علم، وحال قال السبكي: وهو الصحيح، ولا عبرة بالطعن فيه، مات سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.

"والحاكم" في الإكليل، "وأبو نعيم" في الحلية فزادوا عنده على مائة، "وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشة" لا يسعها هذا المختصر.

"قال في فتح الباري:" وقال ابن تيمية: جملة من أوى إلى الصفة مع تفرقهم، قيل: أربعمائة، وقيل أكثر. "وكان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع" بمعجمة واحدة: الجذوع وهو ساق النخلة، قيل: ولا يسمى جذعا إلا بعد يبسه، وقيل: يسمى أخضر أو يابسا بعد قطعه. "في المسجد قائما، فقال: "إن القيام قد شق علي"، فصنع له المنبر" من إثل الغابة، كما في الصحيحين عن سهل بن سعد بفتح الهمزة وسكون المثلثة: شجر كالطرفاء لا شوك له وخشبه جيد يعمل منه القصاع والأواني، والغابة بمعجمة وموحدة موضع بالعوالي، واختلف في اسم صانعه، فروى قاسم بن أصبغ، وأبو سعد في الشرف عن سهل: أنه ميمون. قال الحافظ وغيره: وهو الأصح الأشهر والأقرب، وهو مولى امرأة من الأنصار، كما في الصحيح. وقيل: إنه مولى سعد بن عبادة، فكأنه في الأصل مولى امرأته، ونسب إلى سعد مجازا واسم امرأته فكيهه بنت عمه عبيد بن دليم أسلمت وبايعت، لكن عند ابن راهويه أنه مولى لبني بياضة.

وكان عمه وحنين الجذع في السنة الثامنة -بالميم- من الهجرة، وبه جزم ابن النجار.........................................................

__________

وقول جعفر المستغفري، اسمها علاثة بمهملة ومثلثة تصحيف، كما قاله أبو موسى المديني. وعند الطبراني في الأوسط: اسمها عائشة، وإسناده ضعيف. وروى أبو نعيم: أن صانعه باقوم بموحدة فألف فقاف فواو فميم، الرومي مولى سعيد بن العاصي، أو باقوم بلام آخره، وهي رواية عبد الرزاق أو صباح بضم المهملة وخفة الموحدة، أو قبيصة المخزومي، أو مينا بكسر الميم، أو صالح مولى العباس، أو إبراهين، أو كلاب وهو أيضا مولى العباس، أو تميم الداري. روى أبو داود وغيره عن ابن عمر أن تميما الداري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كثر لحمه: "ألا تتخذ لك منبرا يحمل عظامك؟ " قال: "بلى"، فاتخذ له منبرا ... الحديث، قال في الفتح: وليس في جميع الروايات التي سمي فيه النجار شيء قوي السند، إلا حديث ابن عمر فإن إسناده جيد، لكن لا تصريح فيه بأن صانعه تميم، بل بين ابن سعد في روايته من حديث أبي هريرة أن تميما لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب القول بأنه ميمون، لكونه من طريق سهل بن سعد. وأما الأقوال الأخرة فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جدا أن يجمع بينها بأن النجار كانت له أسماء متعددة.

وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيمنع منه قوله في كثير من الروايات السابقة لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، يقال له ميمون، إلا أن حمل على المراد بالواحد في صناعته والبقية أعوانه، فيمكن. وكان ثلاث درجات إلى أن زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات، وسبب ذلك أن معاوية كتب إليه أن يحمل إليه المنبر، فأمر بقلعه فقلع، فأظلمت المدينة وانكسفت الشمس، حتى رأوا النجوم، فخرج مروان فخطب، فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجارا فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس، أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق، واستمر على ذلك إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق، فجدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرا، فأزيل منبر المظفر فلم يزل منبر بيبرس إلى سنة عشرين وثمانمائة، فأرسل المؤيد شيخ منبرا فبقي إلى سنة سبع وستين وثمانمائة، فأرسل الظاهر خشقدم منبرا.

"وكان عمله" أي: المنبر النبوي "وحنين الجذع في السنة الثامنة، بالميم" والنون احترازا من الثانية بنون وياء، "من الهجرة" حكاه ابن سعد، "وبه جزم ابن النجار" الحافظ الإمام البارع المؤرخ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي الثقة الدين

وعورض: بما في حديث الإفك في الصحيحين، قالت عائشة: فثار الحيان -الأوس والخزرج- حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا.

وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة: وعورض: بذكر العباس وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع.

وعن بعض أهل السير: أنه عليه السلام كان............................................................

__________

الورع الفهم، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وسمع ابن الجوزي وطبقته وله ثلاثة آلاف شيخ وتصانيف، ومات سنة ثلاث وأربعين وستمائة، "وعورض بما في حديث الإفك في الصحيحين" لما رقى صلى الله عليه وسلم المبر، وقال: "يا معشر المسلمين!! من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي -يعني عبد الله بن أبي- والله ما علمت على أهلي إلا خيرا" فقام سعد بن معاذ، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير فقال لابن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه.

"قالت عائشة: فثار الحيان الأوس والخزرج" بمثلثة، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب، "حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل فخفضهم" بالتشديد، أي: تلفط بهم "حتى سكتوا" وتركوا المخاصمة وسكت عليه السلام. وقصة الإفك كانت في سنة خمس، كما في مغازي ابن عقبة، ونقل البخاري عنه سنة أربع وهم كما قاله الحافظ وغيره، وقال ابن إسحاق: سنة ست فعلى كل لا يصح كون عمله في الثامنة، قال الحافظ: فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر، ألا فهو أصح مما مضى، انتهى.

يعن



كلمات دليلية: