بعث الرجيع _16889

بعث الرجيع


غدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة، وهم بنو الهون ابن خزيمة بن مدركة، فقالوا له: يا رسول الله، إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا فى الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام.

فبعث معهم ستة من أصحابه: مرثد بن أبى مرثد الغنوى «1» وأمره عليهم، وخالد بن البكير «2» ، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، وخبيب بن عدى «3» ، وزيد بن الدثنة «4» ، وعبد الله بن طارق «5» .

فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدر الهدأة «6» ، غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم فى رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم.

فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. وقال عاصم:

ما علتى وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل «7»

__________

(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7895) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4831) ، البداية والنهاية (6/ 353) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 68) ، تهذيب الكمال (3/ 1314) ، تهذيب التهذيب (10/ 82) .

(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2153) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1348) ، طبقات ابن سعد (3/ 1/ 283) .

(3) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2227) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1417) ، حلية الأولياء (1/ 112، 114) .

(4) انظر ترجمته فى: أسد الغابة ترجمة رقم (1835) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 199) ، الإصابة ترجمة رقم (2605) .

(5) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (4787) ، أسد الغابة ترجمة رقم (3026) .

(6) الهدأة: موضع بين عسفان ومكة.

(7) النابل: صاحب النبل. وعنابل: أى غليظ شديد.

تزل عن صفحتها المعابل ... الموت حق والحياة باطل

وكل ما حم الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آثل

إن لم أقاتلكم فأمى هابل

ثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه رحمهم الله.

فلما قتل عاصم ارادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد بمكة، وكانت حين أصاب ابنيها يوم أحد نذرت لئن قدرت على راس عاصم لتشربن فى قحفة الخمر، فمنعه الدبر فقالوا: دعوه حتى يمسى فتذهب عنه فنأخذه. فبعث الله الوادى فاحتمل عاصما فذهب به.

وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا وألا يمسه مشرك أبدا، تنجسا!

فكان عمر بن الخطاب يقول: يحفظ الله العبد المؤمن! كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فى حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه فى حياته.

وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا فى الحياة، فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران «1» انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران.

وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمى لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه.

وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، فبعث به مع مولى له يقال له: نسطاس إلى التنعيم، فأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان لما قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك فى أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس فى أهلى!

يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا.

ثم قتله- رحمه الله- نسطاس مولى صفوان.

__________

(1) الظهران: واد قرب مكة عنده قرية يقال لها: مرّ، تضاف إلى هذا الوادى، فيقال: واد الظهران. انظر: معجم البلدان (4/ 63) .

قال ابن عقبة: وزعموا أنهم رموه بالنبل وأرادوا فتنته فلم يزده إلا إيمانا ويقينا.

وأما خبيب بن عدى فجلس بمكة فى بيت ماوية مولاة حجير بن أبى إهاب، فكانت تخبر بعد ما أسلمت، قالت: لقد اطلعت عليه يوما وإن فى يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وو الله ما أعلم فى أرض الله عنبا يؤكل!

قالت: وقال لى حين حضره القتل: ابعثى إلى بحديدة أتطهر بها للقتل، فأعطيت الموسى غلاما من الحى فقلت: ادخل بها على هذا الرجل، قالت: فو الله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب والله الرجل ثأره يقتل هذا الغلام، فيكون رجلا برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدرى حين بعثتك بهذه الحديدة إلىّ؟ ثم خلى سبيله.

ثم خرجوا بخبيب حتى إذا جاؤا به التنعيم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا له؛ دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لا ستكثرت من الصلاة.

فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.

ثم رفعوه على خشبة، فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه.

فكان معاوية بن أبى سفيان يقول: حضرت- يومئذ- فيمن حضره مع أبى أبى سفيان، فلقد رأيته يلقينى فى الأرض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: الرجل إذا دعى عليه فاضطجع لجنبه زلت عنه.

وكان ممن حضره- يومئذ- سعيد بن عامر بن جذيم الجمحى «1» ، ثم أسلم بعد ذلك واستعمله عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية بين ظهرى القوم، فذكر ذلك لعمر وقيل: إن الرجل مصاب. فسأله عمر- رحمه الله- فى قدمة قدمها عليه فقال: يا سعيد، ما هذا الذى يصيبك؟ قال: والله يا أمير

__________

(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3280) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2084) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 223) ، شذرات الذهب (2) ، الجرح والتعديل (4/ ترجمة 205) ، حلية الأولياء (1/ 368) ، الطبقات الكبرى (7/ 242، 402) ، صفة الصفوة (1/ 660) ، الوافى بالوفيات (15/ 320) ، البداية والنهاية (6/ 103) .

المؤمنين ما بى من بأس، ولكنى كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل وسمعت دعوته، فو الله ما خطرت على قلبى وأنا فى مجلس قط إلا وغشى على فزادته عند عمر خيرا.

وذكر ابن عقبة أن خبيبا وزيدا قتلا فى يوم واحد، قال: وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو جالس فى ذلك اليوم الذى قتلا فيه: «وعليكما أو وعليك السلام، خبيب قتلته قريش» ، لا ندرى أذكر ابن الدثنة معه أم لا.

وقال خبيب- رحمه الله- لما اجتمع القوم لصلبه:

لقد جمع الأحزاب حولى وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع «1»

وكلهم مبدى العداوة جاهد ... علىّ لأنى فى وثاق بمضيع

وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع

إلى الله أشكو غربتى ثم كربتى ... وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى

فذا العرش صبرنى على ما يراد بى ... فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعى

وذلك فى ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد خيرونى الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناى من غير مجزع «2»

وما بى حذار الموت إنى لميت ... ولكن حذارى جحيم نار ملفع «3»

ولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى جنب كان فى الله مصرعى

فلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إنى إلى الله مرجعى

وقال حسان بن ثابت يبكى خبيبا:

يا عين جودى بدمع منك منسكب ... وابكى خبيبا مع الفتيان لم يؤب

صقرا توسط فى الأنصار منصبه ... سمح السجية محضا غير مؤتشب

قد هاج عينى على علات عبرتها ... إذ قيل نص إلى جذع من الخشب

يا أيها الراكب الغادى لطيته ... أبلغ اليك وعيدا ليس بالكذب «4»

بنى كهينة أن الحرب قد لقحت ... محلوبها الصاب إذ تمرى لمحتلب

فيها أسود بنى النجار تقدمهم ... شهب الأسنة فى معصوصب لجب

__________

(1) ألبوا: أى جمعوا. ومجمع: مكان الاجتماع.

(2) هملت عيناى: أى سال دمعها.

(3) الجحيم: أى الملتهب المتقد. والملفع: أى المشتمل.

(4) الطية: ما انطوت عليه نيتك من الجهة التى تريد أن تتوجه إليها.

وقال حسان- أيضا- يهجو هذيلا:

لعمرى لقد شانت هذيل بن مدرك ... أحاديث كانت فى خبيب وعاصم

أحاديث لحيان صلوا بقبيحها ... ولحيان جرامون شر الجرائم «1»

أناس هم من قومهم فى صميمهم ... بمنزلة الزمعان دبر القوائم

هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت ... أمانتهم ذا عفة ومكارم

رسول رسول الله غدرا ولم تكن ... هذيل توقى منكرات المحارم

فسوف يرون النصر يوما عليهم ... بقتل الذى يحميه دون المحارم

أبابيل دبر شمس دون لحمه ... حمت لحم شهاد عظام الملاحم

لعل هذيلا أن يروا بمصابه ... مصارع قتلى أو مقاما لمأتم

ويوقع فيهم وقعة ذات صولة ... يوافى بها الركبان أهل المواسم

بأمر رسول الله إن رسوله ... رأى رأى ذى حزم بلحيان عالم

قبيلته ليس الوفاء يهمهم ... وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم

إذا الناس حلوا بالقضاء رأيتهم ... بمجرى مسيل الماء بين المخارم «2»

محلهم دار البوار ورأيهم ... إذا نابهم أمر كرأى البهائم



كلمات دليلية: