بدء هجرة الصحابة إلى المدينة_15723

بدء هجرة الصحابة إلى المدينة


النقطة الرابعة: وقفات مع الهجرة

تمت هجرة المسلمين إلى المدينة، وترك المسلمون ديارهم من أجل الله ورسوله، وتحملوا مشقة السفر، ووعثاء الطريق، وابتعدوا بذلك عن أهل مكة، ولم يكن ذلك أمرًا سهلا على نفوسهم، ولا ميسرًا أمامهم، فلقد وقف القرشيون ضد ذوي الشأن منهم فمنعوا البعض من الهجرة، واعتدوا على آخرين، وبذلك فإني أركز على بعض الوقفات لأبين مدى التضحيات التي بذلها جيل العظمة الإسلامية.

1- دقة الطاعة:

التزم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأوامره لهم، وكان ذلك واضحًا في كل من انتظر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، ولقد رأينا كيف قام عليّ رضي الله عنه بالمبيت على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض نفسه للموت، وكيف كان أبو بكر رضي الله عنه في كل مراحل الهجرة.

ورأينا أبناء أبي بكر ومولاه وهم يعملون خارج الغار لتأمين السلامة للرسول وصاحبه، ولم يأبهوا لعدوان قرشي يلحق بهم، ولم يتأثروا بأي أذى يقع عليهم.

يروي ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه إلى الغار أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟

قلت: لا أدري والله أين أبي؟

فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي1.

وقد استمر أبناء أبي بكر في بيته حتى علموا بوجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر من شاعر سمعاه يقول:

جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم بعد

__________

1 سيرة ابن هشام ج1 ص487.

هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهته إلى المدينة، فرحلنا إليها حين جاءنا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم1.

2- حسن التصرف:

كان أبو بكر يملك خمسة آلاف درهم، حملها إليه ابنه عبد الله في الغار، وجاء أبوه قحافة إلى بناته مغضبًا وهو يقول: والله إني لآراه قد فجعكم بماله مع نفسه، فقالت أسماء بنت أبي بكر: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، وأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت، كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذه المال، قالت: فوضع يده عليه ثم قال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم.

تقول أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئًا ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك2.

3- تحمل الأذى:

كان من أول المهاجرين أبو سلمة، خرج وزوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا، لا نترك ابننا معها، إذا نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به.

وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة، وكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها، وضياع ابنها، تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها، وقال: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها، وولدها.

__________

1 سيرة ابن هشام ج1 ص487، 489.

2 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص488 وكان قحافة والد أبي بكر أعمى لا يبصر، ولم يكن أسلم يومذاك.

فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة، وليس معها أحد من خلق الله، حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر إلى قباء قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة1.

4- التضحية بالمال:

لما أراد صهيب الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ لا والله لا يكون ذلك.

فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟

قالوا: نعم.

قال: فإني قد جعلت لكم مالي.

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ربح صهيب, ربح صهيب" 2.

5- كيد قريش بالمهاجرين:

تواعد عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي بن وائل موضعًا يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش وحبس عنهما هشام.

ولما قدما المدينة، ونزلا بقباء، قدم أبو جهل، وأخوه الحارث إلى عياش -وأم الثلاثة واحدة- فقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك فرق لها.

فقال له عمر: يا عياش إن القوم يريدون فتنتك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو أذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبى عياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه.

فقال له عمر: أما قد فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم

__________

1 سيرة ابن هشام ج1 ص468-470.

2 المصدر السابق ج1 ص477.

ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها, فخرج عليها معهما.

حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يابن أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟

قال: بلى.

فأناخ وأناخا ليتحول عليها أبو جهل، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا.

وقالا: يا أهل مكة، هكذا افعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا1.

6- الاستيلاء على الدور:

كان آخر من بقي ممن هاجر عبد الله بن جحش، وكان قد كف بصره، فلما أجمع على الهجرة كرهت امرأته ذلك، وجعلت تشير عليه أن يهاجر إلى غير المدينة، فهاجر بأهله وماله مكتتمًا من قريش حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثب أبو سفيان بن حرب على داره فباعها وملكها لغيره.

مر بها بعد ذلك أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وحويطب بن عبد العزى، وفيها أهب معطونة فذرفت عينا عتبة وتمثل ببيت من شعر:

وكل دار وإن طالت سلامتها ... يومًا سيدركها النكباء والحوب

فأقبل أبو جهل على العباس وقال: هذا ما أدخلتم علينا2.

هذه الوقفات السريعة مع المهاجرين تبين مدى الجهود التي بذلوها في سبيل الله تعالى.

__________

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص474-476, مجمع الزوائد ج6 ص77.

2 بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج6 ص81.

المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة



كلمات دليلية: