بدء هجرة الصحابة إلى المدينة سنة 13من البعثة

بدء هجرة الصحابة إلى المدينة سنة 13من البعثة

مع ظهور الإسلام وانتشاره في المدينة، بدأ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى المدينة، ولم يكن اختيار يثرب دارًا للهجرة مما اقتضته ظروف الدعوة فقط، وإنما كان ذلك بوحي من الله سبحانه وتعالى وقد وردت أحاديث صحيحة تؤكد ذلك، منها قوله صلّى الله عليه وسلّم للمسلمين في مكة: «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ؛ رَأَيْتُ سَبْخَةً [أرضًا مالحة لا تُنبِت] ذَاتَ نَخْلٍ، بَيْنَ لَابَتَيْنِ [طرفين]، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ [أرض ذات حجارة سُود]» (رواه البخاري).

فعلم الصحابة -رضوان الله عليهم- أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الرؤيا لهم، إذنٌ منه صلى الله عليه وسلم بالخروج، ولذلك تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها- لما قال أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم برؤيته: «فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ» (رواه البخاري).

وكان من أوائل الصحابة الذي هاجروا إلى المدينة بلال بن رباح، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهم أجمعين-، يقول البراء بن عازب -رضي الله عنه-: «أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، فَقَدِمَ بِلَالٌ، وَسَعْدٌ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (رواه البخاري).

وقد تعددت أساليب قريش في محاولتها عرقلة هجرة المسلمين إلى يثرب، وإثارتها للمشاكل في وجه المهاجرين من الإرهاب، وحجز الزوجات والأطفال، وسلب الأموال، أو الاحتيال لإعادة من هاجر منهم، غير أن ذلك لم يعرقل موكب الهجرة، فقد كان المهاجرون على استعداد تام للانخلاع عن الدنيا ومباهجها في سبيل الفرار بدينهم. و لا أدل على ذلك من قصص البطولة والفداء في هذا المجال ، فقد ذكرت أم المؤمنين أم سلمة- رضي الله عنها- قصة هجرتها مع زوجها الأول، وكيف أن قريشا انتزعتها وطفلها من زوجها. وكيف أن رحلة العذاب قد استمرت قرابة السنة قبل أن يتاح لها أن تسترجع ابنها وأن تلحق بزوجها، وتعكس القصّة، إلى جانب الإيمان العميق والمعاناة في سبيل العقيدة، إحدى صور المروءة التي عرفها المجتمع العربي قبل الإسلام حين تطوع عثمان بن طلحة بمصاحبة أم سلمة وطفلها والإحسان في معاملتهما بشرف وكرامة وحياء إلى أن أوصلها مشارف يثرب واطمأن على سلامتهما قبل أن يعود إلى مكة . أما صهيب الرومي فقد منعه زعماء قريش من الهجرة بحجة أنه كان قد أتى إلى مكة فقيرا، فقالوا له: «كثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك أبدا» وحين عرض صهيب عليهم أن يجعل لهم المال في مقابل أن يخلّوا سبيله، فإنهم وافقوا على ذلك، وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «ربح صهيب»، ثم تلا قوله تعالى( : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) [البقرة:207] [نضرة النعيم، بتصرف].

ولا شك في أن الابتلاء والاضطهاد كانا من أسباب الهجرة، كما أن توفير ملاذ آمن للدعوة يهيىء لها المناخ الملائم للعمل الإيجابي كان من أسبابها المهمة، ويتضح ذلك بشكل بارز من نصوص بيعة العقبة الثانية التي بيّنت أن تكذيب قريش للرسول كان وراء الانتقال عن مكة ، فقد كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله مخافة أن يفتن، وكانت قريش تضطهد من يتّبع الرسول صلّى الله عليه وسلّم من أهل مكة حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، وبين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم.»[نضرة النعيم، بتصرف].)