بيعة العقبة الثانية سنة 13من البعثة

بيعة العقبة الثانية سنة 13من البعثة

في موسم الحج من العام الثالث عشر لمبعثه صلى الله عليه وسلم بدأ يتسلل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار الرجل والرجلان، إلى أن بلغوا سبعين رجلًا وامرأتين وأتوه في شِعب العقبة، وكانوا قد آلمهم ما يجده الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أذى قريش، فبايعوه عند شِعْب العقبة على أن يُؤوُوه وينصروه ويحموه إن هاجر إليهم مما يحمون منه أنفسهم ونساءهم وأبنائهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ &laquo فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْهُمْ تِسْعَةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوْسِ، فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم كفلاء على قومهم، وسميت تلك البيعة ببيعة العقبة الثانية.

أما عن بنود تلك البيعة وأحداثها فيروي لنا جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- عن ذلك فيقول: «فَقُلْنَا حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟! فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا، حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ. قَالَ: تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمْ الْجَنَّةُ. قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ ...» (رواه أحمد وابن حبان).

وفي رواية كعب- التي رواها ابن إسحاق- البند الأخير فقط من هذه البنود، ففيه: «قال كعب. فتكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال:أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال :نعم، والذي بعثك بالحق (نبيًا) لنمنعنك مما نمنع أزرنا [ أي: أنفسنا وأهلنا] منه، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا (عن كابر) . قال: فاعترض القول- والبراء يكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم- أبو الهيثم بن التيهان، فقال:يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها [يعني اليهود] فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم». .

قال كعب: وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: : «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم».فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس

وبعد هذه البيعة، قام العباس بن عبادة بن نضلة فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:«لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» فرجعوا إلى رحالهم

وفي صباح اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم ودعوتهم له بالهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا ذلك، والمسلمون ينظرون إلى بعضهم، وبذلك مرت هذه الأزمة بسلام، وعاد الأنصار إلى يثرب وهم ينتظرون هجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم بلهف كبير

وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الشروع في عقدها قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي 11، 12 من النبوة، قام أحدهما تلو الآخر، ليؤكدا للقوم خطورة المسؤولية، حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية ويتأكدا من ذلك

قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه

وفي رواية جابر (قال) : فقمنا نبايعة، فأخذ بيده أسعد بن زرارة[وهو أصغر السبعين] فقال رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله.وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعة بالمصافحة، قال جابر- بعد أن حكى قول أسعد بن زرارة-: فقالوا يا أسعد، أمط عنا يدك، فوالله لانذر هذه البيعة، ولا نستقيلها. وبعد ذلك بدأت البيعة العامة، قال جابر: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا البيعة، يعطينا بذلك الجنة

وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولا. ما صافح رسول الله صلّى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط [ الرحيق المختوم، بتصرف]

وتُعَد بيعتا العقبة (الأولى والثانية) حجر الأساس في انتشار الإسلام وفي نصرة النبي صلى الله عليه وسلم حينما خذلته قبائل العرب.

كما تعد البيعة الثانية للعقبة هي نقطة التحول الكبرى في تاريخ الدعوة حيث أصبح للإسلام دار يمكن أن يتخذ منها قاعدة للانتشار وهو ما حصل بالفعل، فأذن النبي صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة[نضرة النعيم، بتصرف] كما سميت «بيعة الحرب»، ثم انصرفوا إلى المدينة وقد أصبحوا ومن أسلم معهم بالمدينة ظهرًا منيعًا للإسلام عندما هاجر إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون.