المعاهدة مع اليهود وإسلام عبد الله بن سلام_3260

المعاهدة مع اليهود وإسلام عبد الله بن سلام


الباب الثاني في إسلام عبد الله بن سلام بن الحارث أبي يوسف

وهو من ذرية سيدنا يوسف الصّدّيق عليه السلام حليف القواقل من الخزرج، الإسرائيلي ثم الأنصاري رضي الله عنه. كان اسمه الحصين فغيره النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان عالم أهل الكتاب، وكان إسلامه في اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أبي أيوب أول ما قدم، كما في رواية عبد العزيز بن صهيب عند البيهقي. وروى ابن إسحاق عن رجل من آل عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: «لما قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نزل بقباء في بني عمرو بن عوف. فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه..» الحديث. وفيه: «فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- فأسلمت ورجعت إلى أهل بيتي. قال الحافظ عماد الدين بن كثير: «فلعلّه رآه أول ما رآه بقباء واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النّجّار والله أعلم» .

وروى البخاري والبيهقي عن أنس، وابن إسحاق عن رجل من آل عبد الله بن سلام، والإمام أحمد، ويعقوب بن سفيان عن عبد الله بن سلام، والبيهقي عن موسى بن عقبة وعن ابن شهاب، قال: لما سمعت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعرفت صفته واسمه وهيئته وزمانه الذي كنا نتوكّف له [ (1) ] ، فكنت مسرّا بذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المدينة، فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمّتي حين سمعت تكبيري: «لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت» .

كبّرت. فقالت عمّتي حين سمعت تكبيري: «لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت» .

قلت لها: «أي عمّة وهو، الله أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، بعث بما بعث به» . فقالت له:

«يا ابن أخي، أهو النبي الذي كنّا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة» ؟ [ (2) ] قلت لها: «نعم» . قالت:

«فذاك إذا» . قال: «فخرجت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما تبيّنت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيء سمعته

يقول: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»

[ (3) ] .

وعند البيهقي عن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي- صلى الله عليه وسلم- فأتى

__________

[ (1) ] توكف الخبر: إذا انتظر. انظر النهاية 5/ 221.

[ (2) ] بعثت في نفس الساعة: أي بعثت وقد حان قيامها وقرب، ألا إن الله أخرّها قليلا، فبعثني في ذلك النّفس، فأطلق النّفس على القرب. انظر النهاية 5/ 94.

[ (3) ] أخرجه الترمذي 4/ 286 (1854) وقال: حسن صحيح غريب.

النبي فقال: «إني سائلك عن خلال لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ وما هذا السواد الذي في القمر؟» قال: «أخبرني بهنّ جبريل آنفا. قال: «جبريل» ؟ قال: «نعم» . قال «عدو اليهود من الملائكة» . «ثم قرأ: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة 97] قال: «أما أول أشراط الساعة: فنار تخرج علي الناس من المشرق [تسوقهم] إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة:

فزيادة كبد حوت، وأما الولد: فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد، وأما السواد الذي في القمر: فإنهما كانا شمسين. قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ [الإسراء 12] فالسواد الذي رأيت هو المحو» . فقال: «أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله» . ثم رجع إلى أهل بيته فأمرهم فأسلموا وكتم إسلامه. ثم خرج إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا رسول الله، إن اليهود قد علمت أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، وأنهم قوم بهت، وأنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني، وقالوا فيّ ما ليس في، فأحب أن تدخلني بعض بيوتك» . فأدخله رسول الله بعض بيوته، وأرسل إلى اليهود فدخلوا عليه فقال: «يا معشر يهود يا ويلكم اتقوا الله فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون إني رسول الله قد جئتكم بالحق فأسلموا» . فقالوا: ما نعلمه. فقال: «أي رجل فيكم الحصين بن سلام» ؟ قالوا: «خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا» . فقال: «أرأيتم إن أسلم» قالوا: «أعاذه الله من ذلك» . فقال: «يا بن سلام اخرج إليهم»

فخرج عبد الله فقال: «أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله حقا، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة:

اسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأومن به وأصدقه وأعرفه. قالوا: «كذبت أنت شرنا وابن شرّنا» ، وانتقصوه. قال: «هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله، ألم أخبرك أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور» ؟ قال: «وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمّتي خالدة بنت الحارث وحسن إسلامها» .

بيان غريب ما سبق:

«نفس الساعة» بفتح النون والفاء، أي بعثت وقد حان وقت قيامها وقرب، ألا إن الله أخّرها قليلا، فبعثني في ذلك النّفس، فأطلق النّفس على القرب. وقيل معناه: أنه جعل للساعة

نفسا كنفس الإنسان أراد: إني بعثت في وقت قريب منها أحسّ فيه بنفسها كما يحسّ بنفس الإنسان إذا قرب [المرء] منه. يعني بعثت في وقت بانت أشراطها فيه وظهرت علاماتها.

«نزع» [ (1) ] إلى أبيه في الشّبه: أي ذهب.

«بهت» : [ (2) ] جمع بهوت من بناء المبالغة في البهت مثل صبور وصبر، ثم سكّن تخفيفا، والبهت [ (3) ] الكذب [والافتراء] .

__________

[ (1) ] انظر اللسان 6/ 4395.

[ (2) ] انظر اللسان 1/ 368.

[ (3) ] قال في القاموس: البهت: الباطل الذي يتحير من بطلانه. انظر الترتيب 1/ 330.

الباب الثالث في موادعته صلى الله عليه وسلم اليهود، وكتبه بينه وبينهم كتاباً بذلك، ونصبهم العداوة له ولأصحابه حسداً وعدواناً، ونقضهم للعهد

قال ابن إسحاق: «وكتب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم» . أي لمّا امتنعوا من إتباعه، وذلك قبل الإذن بالقتال وأخذ الجزية ممن أبى الإسلام، وذكر ابن إسحاق نسخة الكتاب وهو نحو ورقتين بغير إسناد، ورواه أبو عبيد في كتاب الأموال [ (1) ] بسند جيد عن الزّهري، ولعليّ أذكره في أبواب مكاتباته- صلى الله عليه وسلم-.

__________

[ (1) ]

قال أبو عبيد في الأموال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد قال:

حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بهذا الكتاب: «هذا الكتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين قريش وأهل يثرب ومن تبعهم. فلحق بهم، فحل معهم وجاهد معهم. أنهم أمة واحدة دون الناس. والمهاجرون من قريش-

قال ابن بكير: ربعاتهم. قال أبو عبيد: والمحفوظ عندنا رباعتهم- يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى وقال عبد الله بن صالح: ربعاتهم، وهو يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين والمسلمين، وبنو عوف على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الحرث بن الخزرج على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو ساعدة على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو جشم على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو النجار على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالقسط والمعروف بين المؤمنين وبنو عمرو بن عوف على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النبيت على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على رباعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وان المؤمنين لا يتركون مفرحا منهم أن يعينوه بالمعروف في فداء أو عقل، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى وابتغى منهم دسيعة ظلم أو اثم، أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعه. ولو كان ولد أحدهم. لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر. ولا ينصر كافرا على مؤمن، والمؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس: وأنه من تبعنا من اليهود فإن له المعروف والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن سلم المؤمنين واحد، ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم وأن كل غازية غزت يعقب بعضهم بعضا، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هذا وأقومه. وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا يعينها على مؤمن، وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا فإنه قود، إلا أن يرضي ولي المقتول بالعقل. وأن المؤمنين عليها كافة. وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة أو آمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا أو يؤويه. فمن نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة، لا يقبل منه صرف ولا عدل وأنكم ما اختلفتم فيه من شيء فإن حكمه إلى الله تبارك وتعالى وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأن يهود بني عوف ومواليهم وأنفسهم أمة من المؤمنين، لليهود دينهم، وللمؤمنين دينهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يرتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني الحرث مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود الأوس مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأنه لا يخرج أحد منهم إلا باذن محمد صلى الله عليه وسلم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصيحة والنصر للمظلوم. وأن المدينة جوفها حرم لأهل هذه الصحيفة، وأنه ما كان

وروى ابن عائذ عن عروة بن الزبير: إن أول من أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من اليهود أبو ياسر بن أخطب أخو حيي بن اخطب، فسمع منه، فلما رجع قال لقومه: «أطيعوني فإن هذا هو النبي الذي كنّا ننتظره» فعصاه أخوه، وكان مطاعا فيهم، فاستحوذ عليهم الشيطان فأطاعوه.

وروى أبو سعيد النيسابوري في الشرف عن سعيد بن جبير قال: «جاء ميمون بن يامين، وكان رأس يهود، إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا رسول الله ابعث إليهم واجعلني حكما بينهم فإنهم يرجعون لي» فأدخله داخلا، ثم أرسل إليهم، فأتوه، فخاطبوه، فقال: «اختاروا رجلا يكون حكما بيني وبينكم» .

قالوا: «قد رضينا ميمون بن يامين» . فلما خرج إليهم قال: «أشهد أنه رسول الله» . فأبوا أن يصدّقوه.

وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لو آمن بي عشرة من أحبار يهود لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض» [ (1) ] .

وروى ابن أبي حاتم وأبو سعيد النيسابوري وزاد في آخره قال: «وقال كعب: اثني عشر» ، وتصديق ذلك في [سورة المائدة] : وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة 12] قال الحافظ: فعلى هذا فالمراد عشرة مختصة، وإلّا فقد آمن به صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة، وقيل

__________

[ () ] بين أهل هذه الصحيفة من حدث يخيف فساده فان أمره إلى الله وإلى محمد النبي، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب وأنهم إذا دعوا اليهود إلى صلح حليف لهم فإنهم يصالحونه، وإن دعونا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب الدين، وعلى كل أناس حصتهم من النفقة. وأن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة، وأن بني الشطبة بطن من جفنة، وأن البر دون الإثم فلا يكسب كاسب إلا على نفسه وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره. لا يحول الكتاب دون ظالم ولا آثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن، إلا من ظلم وأثم، ولى أولاهم بهذه الصحيفة البر المحسن.

قال أبو عبيد: قوله «بنو فلان على رباعتهم» الرباعة هي المعاقل. وقد يقال: فلان رباعة قومه، إذا كان المتقلد لأمورهم، والوافد على الأمراء فيما ينوبهم. وقوله: «إن المؤمنين لا يتركون مفرحا في فداء» المفرح: المثقل بالدين، يقول: فعليهم أن يعينوه، إن كان أسيرا فك من إساره، وإن كان جنى جناية خطأ عقلوا عنه وقوله: «ولا يجير مشرك مالا لقريش» يعني اليهود الذين كان وادعهم، يقول: فليس من موادعتهم أن يجيروا أموال أعدائه، ولا يعينوهم عليه. وقوله: «ومن اعتبط مؤمنا قتلا فهو قود» الاعتباط: أن يقتله بريا محرم الدم. وأصل الاعتباط في الإبل: أن تنحر بلا داء يكون بها. وقوله: «إلا أن يرضي أولياء المقتول بالعقل» فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار في القود أو الدية إلى أولياء القتيل. وهذا مثل حديثه الآخر «ومن قتل له قتيل فهو بأحد النظرين إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية» وهذا يرد قول من يقول ليس للولي في العمد أن يأخذ الدية إلا بطيب نفس من العاقل ومصالحة منه له عليها. وقوله: «ولا يحل لمؤمن أن ينصر محدثا أو يؤويه» المحدث: كل من أتى حدا من حدود الله عز وجل، فليس لأحد منعه من إقامة الحد عليه. وهذا شبيه بقوله الآخر: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره» وقوله: «لا يقبل منه صرف ولا عدل» .

حدثنا هشيم عن رجل قد سماه عن مكحول قال: «الصرف التوبة والعدل: الفدية» .

قال أبو عبيد: وهذا أحب إلي من قول من يقول الفريضة والتطوع لقول الله تبارك وتعالى. (ولا يؤخذ منها عدل) فكل شيء فدي به شيء فهو عدله وقوله «وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» فهذه النفقة في الحرب خاصة، شرط عليهم المعاونة له على عدوه. ونرى أنه أنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط الذي شرطه عليهم من النفقة. ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم. الأموال 193، 194، 195، 196، 197.

[ (1) ] أخرجه أحمد في المسند 2/ 346 وابن عدي في الكامل 6/ 2221 وذكره المتقي الهندي في الكنز (1347) .

المعنى: «لو آمن في الزمان الماضي كالزمن الذي قبل قدوم النبي- صلى الله عليه وسلم- المدينة أو حال قدومه» . قال الحافظ: «والذي يظهر أنهم وهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في يهود، ومن عداهم كان تبعا لهم، فلم يسلم منهم إلا القليل كعبد الله بن سلام، وكان من المشهورين بالرياسة في يهود بني قينقاع عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم. ومن بني النّضير: أبو ياسر- بتحتية وسين فراء مهملتين- ابن أخطب- بخاء معجمة فطاء مهملة فموحّدة- وأخوه حيي بن اخطب، وكعب بن الأشرف وأبو رافع سلام بن الربيع بن أبي الحقيق- بقافين مصغّر. ومن بني قينقاع: سعد بن حنيف، وفنحاص- بفاء مكسورة فنون ساكنة فحاء مهملة فألف فصاد مهملة- ورفاعة بن زيد [ابن التابوت] . ومن بني قريظة: الزبير- بفتح الزاي- ابن باطى بن وهب، وكعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب وشمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت أحد منهم، وكان كل منهم رئيسا في اليهود، لو أسلم لتبعه جماعة، فيحتمل أن يكونوا المراد.

وروى أبو نعيم في الدلائل من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «لو آمن بي الزّبير بن باطى وذووه من رؤساء لأسلموا كلهم» [ (1) ] . وأغرب السهيلي فقال: لم يسلم من أحبار اليهود إلّا اثنان: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن صوري. قال الحافظ: كذا قال، ولم أر لعبد الله بن صوري إسلاما من طريق صحيحة، فإنما نسبه السهيلي في موضع آخر لتفسير النّقّاش.

قال ابن إسحاق: «ونصبت بعد ذلك أحبار يهود لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- العداوة بغيا وحسدا وضغنا لما خص الله تعالى به العرب من اصطفاء رسوله منهم. وكانت أحبار يهود، هم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنّتونه ويأتونه باللّبس ليلبسوا الحقّ بالباطل، وكان القرآن ينزل فيهم وفيما يسألون عنه، إلا قليلا من المسائل في الحلال والحرام كان المسلمون يسألون عنها» .

وذكر ابن إسحاق وغيره أسماء اليهود، ولا حاجة بي هنا إلى ذكرهم، بل من جاء ذكره في كتابي تكلمت عليه، وكانوا ثلاث قبائل: قينقاع- بفتح القاف وتثليث النون وبالعين المهملة، ويجوز صرفه على إرادة الحيّ وترك صرفه على إرادة القبيلة أو الطائفة- وهم الوسط من يهود المدينة. وإذا قلت: بنو قينقاع فالوجه الصّرف، وقريظة- بقاف مضمومة فظاء معجمة مشالة، وهو أخو النضير والوسط من يهود المدينة، والنّضير- بضاد معجمة ساقطة وزن كريم.

وحاربته الثلاثة، ونقضوا العهد الذي بينه وبينهم، فمنّ على بني قينقاع، وأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة، وسبى ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورة الأحزاب في بني قريظة، وسيأتي بيان ذلك مفصّلا في المغازي إن شاء الله تعالى.

__________

[ (1) ] انظر فتح الباري 7/ 275.



كلمات دليلية: