المرحلة الثانية: الدعوة إلى الله جهرا

المرحلة الثانية: الدعوة إلى الله جهرا


المرحلة الثانية: الدعوة إلى الله جهرا

ً

عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء، سيكون عن المرحلة الثانية من مراحل الدعوة إلى الله تعالى؛ ألا وهي المرحلة الجهرية.

عباد الله! رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة يدعو الناس سراً، وبقي على ذلك حتى

أمره الله أن يجهر بدعوته.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214]، صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي -لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً، لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً فقال - صلى الله عليه وسلم -: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} (1).

والتب هو: الهلاك والخسران.

__________

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم 4770)، ومسلم (رقم 208).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -قال: لما أنزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214]، دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشاً فاجتمعوا، فعم وخص. فقال: "يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها" (1).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -على الصفا فقال: "يا فاطمة بنت محمَّد! يا صفية بنت عبد المطلب! يا بني عبد الطلب! لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم" (2).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214]، يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله! سليني بما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئاً" (3).

فهذه دعوة جهرية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجميع أن يؤمنوا بالله تبارك وتعالى وحده.

__________

(1) رواه مسلم (رقم 204).

(2) رواه مسلم (205).

(3) رواه البخاري (رقم 2753) ومسلم (206).

ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبلغ رسالة ربه جهراً، وأخذ - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس إلى عبادة الله في كل مكان، وبدأ يجهر بصلاته وقراءة القرآن أمام الكفار، وأخذ الضعفاء والمساكين يؤمنون بالله -عز وجل-، ويتبعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الدين الذي بعثه الله به، وأخذوا يزدادون يوماً بعد يوم.

عباد الله! وممن أسلم في مرحلة الدعوة الجهرية في مكة أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه -.

ويؤخذ من الروايات الصحيحة أن أبا ذر - رضي الله عنه - كان منكراً لحال الجاهلية، يأبى عبادة الأصنام، وينكر على من يشرك بالله وكان يصلي لله قبل إسلامه بثلاث سنوات دون أن يخص قبلة بعينها بالتوجه، ويبدو أنه كان متأثراً بالأحناف، ولما سمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قدم إلى مكة، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع فرآه علي - رضي الله عنه - فعرف أنه غريب، فاستضافه ولم يسأله عن شيء، ثم غادره صباحاً إلى المسجد الحرام فمكث حتى أمسى، فرآه علي فاستضافه لليلة ثانية وحدث مثل ذلك في الليلة الثالثة، ثم سأله عن سبب قدومه فلما استوثق منه أبوذر، أخبره بأنه يريد مقابلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له علي: "فإنه حق وهو رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، فتبعه، وقابل الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستمع إلى قوله فأسلم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري" فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه"، فأتى العباس بن عبد المطلب فحذرهم من انتقام غفار، والتعرض لتجارتهم التي تمر بديارهم إلى الشام فأنقذه منهم" (1).

__________

(1) متفق عليه رواه البخاري (رقم 3522)، ومسلم (رقم 2474).

عباد الله! اجتمع كفار مكة من أجل التشاور في كيفية صرف الناس عن هذا الدين الجديد، وفي كيفية صرف محمَّد - صلى الله عليه وسلم - نفسه عن هذه الدعوة الجديدة، فزينت لهم شياطين الإنس والجن أساليب كثيرة منها:

السخرية والاستهزاء والتحقير والتضحيك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، القصد بذلك تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية وصد الناس عن الدين، قال تعالى: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36)} [الأنبياء: 36]، وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)} [الفرقان: 41 - 42]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33)} [المطففين: 29 - 33]، فالله -عز وجل- يعاقب الكفار بجنس ما فعلوا يوم القيامة فقال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)} [المطففين: 34 - 36]، وقال تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ

تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)} [المؤمنون: 103 - 111].

ومنها: إثارة الشكوك والشبهات حول النبي- صلى الله عليه وسلم - نفسه ليصدوا الناس عن هذا الدين، فتارة يتهمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنون، قال تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)} [الحجر: 6]. وقال تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51)} [القلم: 51]. فرد الله عليهم هذه الفرية. فقال تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)} [التكوير: 22]. وقال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)} [القلم: 1 - 2].

وتارة يتهمونه بالسحر والكذب والشعر والكهانة، قال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)} [ص: 4]، وقال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)} [الفرقان: 7 - 8]، فرد الله عليهم هذه الافتراءات بقوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)} [الحاقة: 38 - 51].

عباد الله أخذ كفار مكة يتهمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاتهامات الكاذبة ليصدوا الناس عن الإيمان به، وجاء رجل إلى مكة فسمعهم يقولون عن محمَّد - صلى الله عليه وسلم - إنه مجنون، فذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرقيه، فلما جلس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع كلامه آمن به واتبعه.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "قدم ضماد مكة -وكان من أزد شنوءة- وكان يرقي (1) من هذه الريح (2)، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي قال: فلقيه؛ فقال: يا محمَّد! إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء. فهل لك (3)؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الحمد لله نحمده ونستعينه. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله أما بعد:"

فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء. ولقد بلغهن ناعوس البحر (4).

فقال: هات يدك أبايعك على الإِسلام، فبايعه.

__________

(1) من الرقية وهي العوذة التي يرقي بها صاحب الآفة.

(2) المراد بالريح، هنا، الجنون ومس الجن.

(3) أي فهل لك رغبة في رقيتي، وهل تميل إليها.

(4) أي وسطه ولجته.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وعلى قومك" قال: وعلى قومي، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فمروا بقومه. فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئاً؟

فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة.

فقال: ردوها. فإن هؤلاء قوم ضماد" (1).

انظروا عباد الله! أرادوا أن يصدوا الناس عن رسول الله باتهامه أنه مجنون، فكان ذلك سبب أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً.

عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا فهي كثيرة منها:

أولاًَ: لا مجال للسرية والكتمان والخفاء في الدعوة إلى الله تعالى، وذلك بعد أن أنزل الله -عز وجل- على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} وقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)} [الحجر: 94]، فالله -عز وجل- أظهر دينه وأعلى كلمته وعرف الإِسلام، وأرسيت قواعده ومبادئه، وعرفها القاصي والداني، وسمع بها القريب والبعيد، فلا مجال للسرية، ولا مجال للكتمان، ولا مجال للخفاء.

وكان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- ينكرون السرية ويعيبونها وأهلها الذين يسرون بدعوتهم ويدعون الناس بين الجدران في ظلام الليل، فديننا ليس فيه شيء للخواص وشيء للعوام، إنما الإِسلام يدعو الناس

__________

(1) رواه مسلم (رقم 868).

جميعاً أن يكونوا عباداً لله، فمن دعاك إلى العقيدة الصحيحة فأجبه، ومن دعاك إلى درس علم في بيت الله فأجبه، ومن دعاك إلى اجتماع في ظلمة الليل، وأخبرك أن هذا خاص لا يجوز أن تنقله إلى العوام؛ فلا تجبه، فإنه حزبي مبتدع.

عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قال: "إذا رأيت قوماً يتناجون بأمر دون العامة فهم على تأسيس الضلالة".

ولما مدح أبو الفرج ابن الجوزي السنة وأهلها وذم البدعة وأهلها قال: "فبان بما ذكرنا أن المبتدعة هم الذين يقولون شيئاً لا يعرف من قبل ولا مستند له ولهذا أسروه وكتموه، وأما أهل السنة فقولهم مشهور وطريقتهم ظاهرة ولهم العاقبة بإذن الله تعالى" (1).

كيف لا والله -عز وجل- يقول في كتابه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} [يوسف: 108].

والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" (2).

ثانياً: أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لأقرب الناس

له: "يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت

محمَّد سليني من مالي ما شئت، فإني لا أغني عنك من الله شيئاً" (3)، فالنسب

__________

(1) "تلبيس إبليس" (ص 17 - 18).

(2) رواه مسلم (رقم 1920).

(3) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 2753)، ومسلم (رقم 206).

والقرابة لا ينفعان صاحبها يوم القيامة؟ والله -عز وجل- يقول: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)} [المؤمنون: 101].

وقال تعالى: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)} [الممتحنة: 3]. وقال تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)} [النجم: 36 - 41].

وبين لنا ربنا جل وعلا أن الصلات والإنساب والأرحام لا تنفع أصحابها يوم القيامة.

قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)} [التحريم: 10 - 11].

لكن يستثنى من ذلك قرابة ونسب المسلمين، لقوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23] وقوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21] ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" (1).

__________

(1) السلسلة الصحيحة" (2036)، "صحيح الجامع" (رقم 4564).

ثالثاً: المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، فالكفار في مكة مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واتهموه بالجنون ليصدوا الناس عن سبيل الله، فلما قدم ضماد - رضي الله عنه - إلى مكة قالوا له: إن محمداً مجنون؛ فذهب إليه ليرقيه؛ فلما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - آمن به واتبعه.

وفي هذا الزمان قد مكر الكفار بالإِسلام والمسلمين، يريدون أن يشوهوا صورة الإِسلام بوسائل الإعلام، ولكن كان عكس ما أرادوا فلله الحمد والمنة، الناس في هذا الزمان قد أقبلوا على الصلاة أكثر من ذي قبل، وقد أقبل طلاب العلم على دروس العلم، وقد دخل الناس في دين الله أكثر من قبل، ذلك حتى تعلم أيها المسلم أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، فهم يمكرون ويكيدون وأنت يا ربنا ماذا تفعل {وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)} [الطارق: 16 - 17]، وقال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)} [الصف: 8 - 9].

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

الخطبة الحادية عشرة:

أسلوب جديد من أساليب كفار مكة في الصد عن دين الله، ألا وهو أذية قريش لرسول - صلى الله عليه وسلم -

أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب كفار مكة في الصد عن دين الله ألا وهو أذية قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

عباد الله! رسولنا في مكة يدعو الناس إلى دين الله، ويقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، والناس يدخلون دين الله، واجتمع كفار مكة للتشاور في كيفية صرف الناس عن هذا الدين الجديد، وفي كيفية صرف محمَّد - صلى الله عليه وسلم - عن دعوته الجديدة، فزينت لهم شياطين الإنس والجن أساليب منها:

- الاستهزاء والسخرية والتحقير والتضحيك بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ولكنهم فشلوا في ذلك.

- ومنها إلقاء الشبهات والشكوك والتهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ليصدوا الناس عن الإيمان به، ولكنهم فشلوا في ذلك أيضاً.

فانتقل كفار مكة إلى أسلوب جديد للصد عن دين الله، ألا وهو الاعتداء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقول والفعل والسب والقتل والتخويف، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثالثةٌ وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد، إلا ما وارى

إبط بلال" (1).

عباد الله! ومن أذية قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقول: ما رواه ربيعة بن عباد من بني الديل- وكان جاهلياً فأسلم- قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية في سوق (ذي المجاز) وهو يقول: "يا أيها الناس! قولوا: (لا إله إلا الله) تفلحوا"، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه، أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب (2).

وفي رواية أخرى قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بـ (ذي المجاز) يتبع الناس في منازلهم، يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول، تقد وجنتاه، وهو يقول: يا أيها الناس! لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم، قلت: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب (3).

مثال آخر!

عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت: لما نزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}، أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولةٌ، وفي يدها فهر -أي حجر- وهي تقول: مذمماً أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنها لن تراني" وقرأ قرآناً، فاعتصم به، كما قال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ

__________

(1) "صحيح ابن ماجه" (123).

(2) إسناده جيد. انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 142 - 143).

(3) إسناده حسن. انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 143).

الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)} [الإسراء: 45]، فوقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا أبا بكر! إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها (1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟! " قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "يشتمون مذمماً، وأنا محمَّد، ويلعنون مذمماً، وأنا محمَّد" (2).

عباد الله! كفار مكة يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بألسنتهم فهذا يقول: إنه ساحر، وهذا يقول: إنه كاهن، وهذا يقول: إنه كذّاب، وهذا يقول إنه شاعر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يضيق صدره بما يقولون، ويحزن على ما يسمع منهم، وعلى كفرهم وإعراضهم، ولكن الله -عز وجل- ربط على قلبه، فكان الوحي ينزل عليه يواسيه ويعزيه ويسدده ويثبته، ويؤكد له أن العاقبة له:

قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33].

وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر: 97 - 99]، وقال تعالى: {فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)}، وقال تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ

__________

(1) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 137).

(2) أخرجه البخاري (رقم 3533).

مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)} [الطور: 29 - 31]، وقال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)} [الذاريات: 52 - 55]، فأخبر الله -عز وجل- رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الذي تسمعه من كفار مكة؟ هو الذي تقوله الأمم المكذبة لرسلها من قبل، ولذلك يقول الله -عز وجل- لرسوله - صلى الله عليه وسلم - مواسياً: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)} [المزمل: 10]، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48].

وعن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فجاءته امرأة فقالت: يا محمَّد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله تعالى قوله: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} [الضحى: 1 - 3] (1).

عباد الله! كفار مكة يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بألسنتهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبلغ دين الله، ويدعو الناس إلى عبادة الله، ويقول للناس "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، والناس يقبلون على هذا الدين، ويتبعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعت قريش مرة أخرى للتشاور في كيفية صرف محمَّد - صلى الله عليه وسلم - عن دعوته، فقرروا أن ينتقلوا من أسلوب الشتم والسب إلى أسلوب أشد، وهو البطش والتعذيب والفتك بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - "لقد أخفت في الله وما يخاف

__________

(1) متفق عليه أخرجه البخاري (رقم 4950)، ومسلم (رقم 1797).

أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد" (1).

عباد الله! ومن صور هذا الاعتداء:

عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزورٌ بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا (2) جزور بني فلان فيأخذه فيأتي فيضعه في كتفي محمَّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فلما سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وضعه بين كتفيه قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ساجدٌ ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت -وهي جويرية- فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش" فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، ثم قال: "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد".

قال ابن مسعود: فلقد رأيتهم صرعى (أي قتلى يوم بدر) ثم سحبوا إلى القليب؛ قليب بدر" (3).

__________

(1) "صحيح ابن ماجه" (رقم 123).

(2) هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة.

(3) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 240)، ومسلم (رقم 1794)، واللفظ لمسلم عدا ذكر عمارة بن الوليد.

ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: "واتبع أصحاب القليب لعنة" (1)، وقام عليهم يناديهم: "يا فلان! يا فلان! لقد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً". قال أصحابه: يا رسول الله أتخاطب أقواماً قد جُيِّفوا. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إلا أنهم لا يملكون جواباً".

أسمعهم الله -عز وجل- توبيخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال أبو جهل: هل يُعفر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ -أي يسجد ويلصق وجهه بالتراب- فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرنَّ وجهه في التراب.

فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي. زعم ليطأ على رقبته فما فجئهم -أي بغتهم- فيه إلا وهو ينكص على عقبيه -أي: رجع يمشي إلى ورائه- ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟

فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً".

فأنزل الله -عز وجل-: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ

__________

(1) رواه البخاري (رقم 240).

(2) رواه مسلم (رقم 2873).

وَاقْتَرِبْ (19)} [العلق: 6 - 19] (1).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: مر أبو جهل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمَّد! فانتهره النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له أبو جهل: لم تنهرني يا محمَّد! فوالله لقد علمت ما بها أحدٌ أكثر نادياً مني. فقال جبريل: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)} [العلق: 17 - 18]. فقال ابن عباس: والله؛ لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب (2).

عباد الله! إيذاء واعتداء من كفار مكة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويا ليت الأمر توقف عند ذلك ولكنهم قرروا أن يقتلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

عن عروة بن الزبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً. فأقبل أبو بكر - رضي الله عنه - فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28] (3).

عباد الله! وحزن النبي- صلى الله عليه وسلم - حزناً شديداً؛ لما يفعله كفار مكة من الاعتداءات عليه وعلى أصحابه، فما كان الله ليتركه حزيناً بل أراه من الآيات وخوارق العادات ما ربط على قلبه وثبته.

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وهو جالس حزيناً، قد خضب بالدماء؛ ضربه بعض أهل مكة، فقال له:

__________

(1) رواه مسلم (رقم 2797).

(2) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 144).

(3) رواه البخاري (رقم 4815).

مالك؟ فقال له: "فعل بي هؤلاء وفعلوا". فقال جبريل عليه السلام "أتحب أن أريك آية؟ قال: "نعم" قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بتلك الشجرة فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. فقال: مرها فلترجع. فأمرها فرجعت إلى مكانها. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حسبي" (1).

ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبلغ رسالة ربه، ويدعو الناس إلى دين الله صابراً محتسباً، واقفاً عند أمر ربه {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)} [الزخرف: 89].

عباد الله! رسولنا - صلى الله عليه وسلم - على خلق عظيم كما شهد له ربه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}، فقد كان كفار مكة يعتدون عليه بالسب والشتم والضرب، ومع ذلك كان لا ينتقم لنفسه أبداً، بل جاءه ملك الجبال وقال له: يا محمَّد لقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (أي الجبلين) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً" (2).

رسول كريم، إنها أخلاق النبوة، ويجب على الدعاة أن يتأسوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصبر على أذى الكفار، وأن يمضوا في الدعوة إلى هذا الدين العظيم.

عباد الله! تعالوا بنا لننظر إلى هذا الخلق العظيم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكفار مكة يجمعون عليه الإيذاء بالقول والفعل، ومع ذلك فهو يعفو ويصفح.

عن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاصي: ما أكثر ما رأيت

__________

(1) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 138).

(2) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 3231)، ومسلم (رقم 1795).

قريشاً أصابت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانت تظهره من عداوته؟

فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط؛ سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم.

قال: فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه، فمضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال: أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح"، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع حتى إن أشدهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم! راشداً، فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان في الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول: كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم، أنا الذي أقول ذلك".

ولقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكي دونه ويقول: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28]؟! ثم انصرفوا عنه (1). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله! هل أتى

__________

(1) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص 148).

عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا سحابة قد أظلتني، فنظرت فيها فإذا جبربل عليه السلام فناداني فقال: يا محمَّد إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمَّد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؛ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (أي الجبلين)!

فقال - صلى الله عليه وسلم -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً" (1).

الله أكبر، إنها أخلاق النبوة، إنه العفو والصفح، فهكذا يا دعاة الإِسلام تعلموا الصبر، وأقبلوا على الله -عز وجل-، وادعوا الناس إلى هذا الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)} [آل عمران: 159 - 160].

اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

__________

(1) متفق عليه تقدم قريباً.



كلمات دليلية: