المرحلة الأولى: الدعوة إلى الله سرا

المرحلة الأولى: الدعوة إلى الله سرا


العنصر الثاني: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستعد للخروج إلى مكة في سرية تامة.

عباد الله! أصدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره للجيش المسلم بالتجهيز والاستعداد للخروج للغزو، ولم يُعلمهم بوجهته، وحرص - صلى الله عليه وسلم - على السرية التامة لئلا تستعد قريش للقتال، وقد استنفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القبائل التي حول المدينة:

أسلمُ وغفار وَمُزينة وجهينة وأشجع وسليم وخرج المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد.

عباد الله! وقد بلغ عدد الجيش الإِسلامي عشرة آلاف مقاتل، وهذا العدد الكبير يدل على تعاظم قوة المسلمين ما بين صلح الحديبية وفتح مكة.

عباد الله! ولما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسير إلى مكة، كتب أحد الصحابة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأمر في المسير إليهم لغزوهم، وحملت الكتاب امرأةٌ، إلا أن الوحي من السماء كان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسبق من الكتاب إلى قريش، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه من أتاه بهذا الكتاب الذي بعث إلى قريش.

عباد الله! تعالوا بنا إلى عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - لنستمع إليه وهو يخبرنا الخبر: يقول عليٌّ - رضي الله عنه -: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد فقال - صلى الله عليه وسلم -: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ -مكان بين مكة والمدينة وهو من المدينة أقرب- فإن بها ظعينة -امرأة في هودج- معها كتاب من حاطب فأتوني به".

قال عليٌّ: فانطلقنا تتعادى (أي تجري) بنا خيلُنا حتى أتينا روضة خاخ فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتابٍ، فقلنا: لتخرجنَّ الكتاب أو لنُلْقِين الثياب، فأخرجته من عِقاصِها -ضفائرها- فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى نفر من قريش، يخبرهم فيه ببعض أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم -.

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "ما هذا يا حاطب؟ "

فقال: يا رسول الله لا تعجل عليّ! ما فعلته كفراً بعد الإسلام، ولا ردَّة عن الدين بعد إذ هداني اللهُ إليه، ولكني كنت امرءاً مُلصقاً في قريش ولم

أكن مِن أنفسهم، وما من أحدٍ من أصحابك إلا له أهلٌ في قريش يحمون ماله وأهله، فأردت إن فاتني ذلك من النسب أن أتخذ بهذا الكتاب عندهم يداً يحمون بها أهلي ومالي.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنه قد صَدَقكم".

فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عُنق هذا المنافق.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: يا عمر أو ليس قد شهد بدراً؟

وما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدرٍ فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم، فأنزل الله -تبارك وتعالى- في حاطب بن أبي بلتعة وكتابه الذي بعث به إلى قريش سورة الممتحنة.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1)} [الممتحنة: 1] (1).

عباد الله! وهكذا أخفى الله -تبارك وتعالى- عن قريش خبر خروج رسوله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، وكذلك ما يستطيع أحد أبداً أن يتكلم في حق حاطب الصحابي الجليل - رضي الله عنه - لأنه شهد بدراً وشفعت له حسنته الكبيرة بشهوده في بدر ما فعل.

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 3007)، ومسلم (رقم 2494).

العنصر الثالث: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والجيش الإِسلامي في طريقهم إلى مكة وأحداث الطريق.

عباد الله! خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجيش الإِسلامي من المدينة، في رمضان من السنة الثامنة للهجرة في عشرة آلاف مقاتل.

وخرج- صلى الله عليه وسلم - صائماً، وصام الجيش معه، حتى إذا كان بالكديد- مكان بين مكة والمدينة -أفطر- صلى الله عليه وسلم -وأظهر فِطرهُ أمام الجيش ليروه ليقتدوا به فيفطروا، فلما رأوه قد أفطر أفطروا، ومازال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يفطر في رمضان عام الفتح، ويقصر الصلاة حتى رجع إلى المدينة.

عباد الله! الجيش الإِسلامي بقيادة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في طريقه إلى مكة.

وفي الطريق: يلتقي العباس بن عبد المطلب عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش المسلمين، وذلك عندما خرج العباس بعياله مُهاجراً من مكة إلى المدينة، وهو لا يدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادمٌ من المدينة فلقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطريق فلزمه، وكان العباس مسلماً ولكنه كان مقيمًا في مكة.

عباد الله! وفي الطريق: نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش المسلمين في مكان بالقرب من مكة يُسمى "مرَّ الظهران" بالليل. فنزل الجيش، ونصبت الخيام، وأُوقدت النيران في معسكر يضم عشرة آلاف مقاتل، حتى أضاء منها الوادي، وفي هذه الليلة خرج أبو سفيان عظيم قريش وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء يلتمسون الأخبار، فلما رأوا تلك النار قال أبو سفيان: كأنها نيران عرفة، فقال حكيم بن حزام: كأنهم بنو عمرو فقال أبو سفيان: بنو عمرو أقل من هذا.

وبينما هم يتحدثون إذ مرَّ عليهم عيون رسول الله- صلى الله عليه وسلم - فأخذتهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوقع ثلاثة من كبراء مكة أسرى للجيش الإِسلامي.

هذا أبو سفيان الذي قال في غزوة أُحد: اعل هُبل، أبو سفيان الذي قال في غزوة أحد لنا العُزى ولا عزى لكم، فها هو بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسيراً.

فما تظنون أن يفعل به رسول الله- صلى الله عليه وسلم -؟ دعاه - صلى الله عليه وسلم - طوال الليل إلى الإِسلام فأسلم أبو سفيان.

عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو يخبرنا الخبر: يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "مرَّ الظهران"، قال العباس: والله لئن دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة قبل أن تستأمنه قريش لقد هلكت قريش.

فركب العباس بغلة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وانطلق يبحث عن ذي حاجةٍ يأتي مكة، فيأمرهم أن يخرجوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم مكة.

قال العباس: فبينما أنا أسيرُ إذ سمعت صوت أبي سفيان وبُديل بن ورقاء يتحدثان.

فقلت: أبا سفيان، فعرف صوتي فقال: العباس، فقلت: نعم.

قال أبو سفيان: مالك فداك أبي وأمي؟ قال العباس: رسول الله والناسُ.

قال أبو سفيان: ويحك فما الحيلة؟

قال العباس لأبي سفيان: اركب ورائي، فركب وراءه فأتى به النبي- صلى الله عليه وسلم - فأسلم.

فقال العباس للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له منه شيئاً.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن" (1).

فأراد أبو سفيان أن ينصرف فيأتي أهل مكة فيخبرهم؛ فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -

للعباس: "يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها".

قال العباس: فانطلقت بأبي سفيان فحبسته حيث أمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أن أحبسه، فجعلت القبائل تمرُّ علينا قبيلةً بعد قبيلةٍ، كلما مرت قبيلة سألني أبو سفيان: من هؤلاء؟ أقول بني سُليم، يقول: ماليَ ولبني سُليم ثم تمر القبيلة فيقول من هؤلاء؟ أقول مُزينة، يقول: مالي ولمزينة، فجعلت القبائل تمرُّ قبيلة قبيلة، كلما رأى قبيلة قال: يا عباسُ من هؤلاء؟ أقول بني فلان، يقول ماليَ ولبني فلان، حتى مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء معه الأنصار والمهاجرون لا تُرى منهم إلا الأعين فلما رآهم أبو سفيان قال: يا عباس من هؤلاء؟

قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه المهاجرون والأنصار.

قال أبو سفيان: يا عباس! ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة.

ثم قال أبو سفيان: يا عباس! لقد أصبح ملك ابن أخيك الآن عظيماً.

فأراد العباس أن يصحح هذه الفاهيم لأبي سفيان فقال له: يا أبا سفيان ليس الملك ولكنها النبوة؛ ليعلم الجميع أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما جاء يوماً يبحث عن الملك ولا عن الدنيا إنما جاء بالنبوه ليدعو الناس إلى هذا الدين العظيم.

__________

(1) رواه مسلم (رقم 1780) وانظر "صحيح أبي داود" (2611).

قال العباس له: ويحك! النجاة النجاة! أدرك قومك.

فانطلق أبو سفيان ليأتي أهل مكة ليخبرهم بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما دخل مكة صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! إن محمداً قد جاءكم بما لا قبل لكم به اليوم ولا طاقة.

فأقبلت إليه هندُ بنت عتبة زوجته تأخذ بشاربه؛ وتقول: اقتلوا الأحمق، قبَّحك الله من طليعة قوم.

فقال أبو سيفيان: يا معشر قريش لا تغرنكُم هذه ولا مقالُها، بادروا، من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ.

قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟

قال لهم أبو سفيان: ومن أغلق عليه داره فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد

فهو آمن، فتفرق الناس إلى المسجد وأغلق بعضهم عليه داره" (1).

,

المرحلة الأولى: الدعوة إلى الله سرا

ً

أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى- صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن المرحلة الأولى من مراحل الدعوة إلى الله تعالى ألا وهي المرحلة السرية في مكة.

عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن الوحي نزل على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بغار حراء وقال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [العلق: 1 - 5].

ولما ذهب رسولنا - صلى الله عليه وسلم - إلى ورقة بن نوفل وقص عليه الخبر قال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، ثم قال له ورقة: ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أو مخرجي هم؟! " قال ورقة: نعم، لم يأت أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي" (1).

"وفتر الوحي": أي تأخر مدةً من الزمان، ولا يعلم على وجه التحديد كم دامت مدة انقطاع الوحي ولكن يبدو أنها لم تدم طويلاً، فقد روى ابن سعد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ما يفيد أنها كانت أياماً (2).

__________

(1) رواه البخاري (رقم 3).

(2) "فتح الباري" (1/ 27)، (12/ 360).

عباد الله! وتأخر الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليذهب عنه ما كان وجده من الروع وليحصل له التشوق إلى العود (1)، فلما حصل له ذلك، وأخذ يترقب مجيء الوحي، جاءه جبريل للمرة الثانية، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث عن فترة الوحي قال: "بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بـ (حراء) جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} [المدثر: 1 - 5]، فحمى الوحي وتتابع" (2)، أي حمى الوحي وتتابع في النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

عباد الله! بالوحي الأول: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) .. } ثبتت النبوة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم -.

وبالوحي الثاني: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) .. } ثبتت الرسالة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم -.

أي: بالوحي الأول كان نبياً وبالثاني كان رسولاً.

عباد الله! وقبل أن نتكلم عن المرحلة الأولى من مراحل الدعوة إلى الله تعالى ألا وهي المرحلة السرية، تعالوا بنا لنتعرف على أقسام الوحي، ومراتب الوحي الذي هو مصدر الرسالة ومدد الدعوة.

__________

(1) "فتح الباري" (1/ 36).

(2) أخرجه البخاري (رقم 4).

فالله -عز وجل- قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، والذي نزل إلى رسولنا - صلى الله عليه وسلم -ليبلغه إلى الناس- هو الوحي الذي جاءه من الله -تبارك وتعالى- بواسطة جبريل عليه السلام.

قال ابن القيّم - رحمه الله -وهو يذكر مراتب الوحي:

أحدها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه - صلى الله عليه وسلم -، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن روح القدس (1) نفث في روعي (2) أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته" (3).

الثالثة: أنه كان يتمثل له الملك رجلاً، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحياناً، كما في حديث جبريل عليه السلام، عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإِسلام، والإيمان، والإحسان، وكان في صورة رجل، فلما ولى قال - صلى الله عليه وسلم -: "يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".

__________

(1) أي جبريل عليه السلام.

(2) أي في نفسي.

(3) صحيح بشواهده، انظر "صحيح الجامع" (2081).

الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس. وكان أشده عليه، فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض -إذا كان راكبها- ولقد جاءه الوحي مرة كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضُّها (1).

الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له مرتين، كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.

السادسة: ما أوحاه الله -وهو فوق السماوات- ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.

السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى بن عمران عليه السلام.

عباد الله! نزل الوحي على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في المرة الثانية يقول: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} [المدثر: 1 - 5]، وفي هذه الآيات يأمر ربنا -جل وعلا- رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم بدعوة الناس إلى الله -عز وجل-.

عباد الله! أسئلة تدور في الذهن الآن.

من أين يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته؟

وكيف ييدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته؟

__________

(1) انظر الأدلة في "زاد المعاد" (ص 79، 80).

وإلام يدعو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس؟

هل يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته بقلب نظام الحكم في مكة، ثم بعد ذلك يدعو الناس إلى الله تعالى؟

أم يبدأ بالبحث عن الوصول إلى المناصب العليا في مكة ثم يقوم من خلالها بدعوة الناس إلى الله تعالى؟ أم أنه يحاول أن يسيطر على اقتصاد مكة ليستطيع من خلاله أن يدعو الناس إلى الله تعالى؟

هل يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الناس لتحرير الأرض من الفرس والروم؟ أم يبدأ بدعوة الناس لتحسين الأوضاع الاقتصادية؟ أم يبدأ بتحريض الناس على ولاة الأمر؟

عباد الله! الجواب:

بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته بالتوحيد، والتحذير من الشرك، كما بدأ الأنبياء قبله، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]، وما من نبي أرسل إلى قومه إلا قال لهم: [يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره]، فبدأ رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الناس إلى التوحيد، ويحذرهم من الشرك، ويذكرهم بيوم القيامة، ويبين لهم أن في هذا اليوم يبعث الله الخلائق ليحاسبهم على أعمالهم {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)}. وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُزكي أصحابه بدعوتهم إلى كل خير قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)} [الجمعة: 2].

عباد الله! بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس سراً إلى عبادة الله وحده، وترك

عبادة الأوثان، فدعا إلى عبادة الله؛ القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، ومن الغلمان علي بن أبي طالب، ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته عليه السلام، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثه رضي الله عنهم أجمعين.

عباد الله! أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس في مكة إلى الله سراً، لا يصطدم بكفار مكة ولا يتدخل في آلهتهم.

وهذه أمثلة على ذلك:

فهذا عمرو بن عبسة السلمي يخبرنا عن إسلامه فيقول: "كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفياً جُرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حرٌ وعبدٌ. قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس!! ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب، من أهل المدينة، فقلت: ما فعل الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت

المدينة، فدخلت عليه ... " (1).

الشاهد يا عباد الله! أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان في المرحلة الأولى يدعو الناس سراً.

عباد الله! وهذا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يخبرنا عن إسلامه فيقول:

"كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، وقد فرا من المشركين فقال- أو فقالا-: عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما.

فقال: هل عندك من جذعةٍ لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الضرع ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني. ثم قال للضرع: اقلص فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قلت: علمني من هذا القول الطيب -يعني القرآن- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنك غلام معلم"، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد" (2).

عباد الله! المرحلة الأولى في مكة في الدعوة إلى الله كانت سرية والسبب في ذلك، أن كفار مكة كانوا لا يسمحون لأحد أن يعتدي على آلهتهم، وأن يأتي بدين غير الذي هم عليه، ولذلك بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة سراً.

ولكن في الجمعة القادمة -إن شاء الله- سيتبين لكم أن الله -تبارك

وتعالى- يأمر رسوله أن يصدع بالدعوة فيدخل في المرحلة الجهرية.

فكثير من الجماعات التي سلكت طريقاً غير طريق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يبدأون

__________

(1) رواه مسلم (رقم 832).

(2) قال الألباني: إسناده حسن "صحيح السيرة النبوية" (ص 124).

دعوتهم المنحرفة سراً ويظنون أنهم بذلك يتأسون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

نقول لهم: لا، أنتم تعيشون في مجتمع مسلم تستطيعون أن تقولوا "لا إله إلا الله" وتحافظون على الصلاة، وتعلموا الناس دينهم، وتدعون الناس إلى التوحيد لا يمنعكم أحد من ذلك.

عباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا:

1 - في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} أنه على الدعاة المخلصين أن يقوموا لهذا الدين فالله سبحانه وتعالى يقول لرسولنا - صلى الله عليه وسلم -: {قُمْ فَأَنْذِرْ (2)}.

فعلى الدعاة أن يدعو الناس إلى عبادة الله وإلى عقيدة التوحيد كما بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكثير من الناس يصلي وهو يشرك بالله، وكثير من الناس يصلي وهو يذهب إلى السحرة والمشعوذين، وكثير من الناس يصلي وهو يخاف ويعتقد أن السحرة والمشعوذين يضرون وينفعون وهذا شرك.

2 - على الدعاة إلى الله أن يكونوا قدوة أمام الناس، فيعملوا بهذا العلم، ويتأسوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحرام على الداعي إلى الله أن يضع آلات اللهو في بيته، وحرام على الداعي إلى الله أن يضع أمواله في البنوك ليرابي بها، وحرام على الداعي إلى الله أن يقول ما لا يفعل.

3 - على الدعاة المخلصين أن يقوموا لهذا الدين ولا يطلبون أجراً من الناس، فأجرهم على الله وأجرهم عند الله، وأن يبدأوا بالعقيدة والتوحيد كما بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم -.

اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.



كلمات دليلية: