المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار 1هـ

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار 1هـ

وثمة إنجاز آخر كان أشد تأثيرًا في المجتمع المسلم وأبعد عمقًا في تاريخ الإسلام، ذلك الإنجاز هو تثبيت دعائم دولة الإسلام الجديدة، فكانت من أولى خطواته المباركة

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

التي سقطت فيها فوارق النسب واللون والوطن، وذابت فيها عصبيات الجاهلية، وكان ذلك من أقوى الدعائم في بناء وتأسيس المجتمع المسلم الجديد في المدينة المنورة.

وقد تناول ذلك كله وثيقة التحالف بين المهاجرين والأنصار؛ حيث بينت الوثيقة في صدرها أطراف التحالف فذكرت «المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم»،

وجعلت الوثيقة أطراف التعاقد «أمة واحدة من دون الناس» .

وتعرضت إلى ذكر الكيانات العشائرية. والملاحظ أن المهاجرين اعتبروا كتلة واحدة متميزة في حين نسب الأنصار إلى عشائرهم، وقد اتضح أن القصد من ذلك إبراز فكرة التكافل الإجتماعي، دون التناصر في العصبية والظلم.

وبهذا فقد حوّل الرسول صلّى الله عليه وسلّم التوجهات القبلية إلى ما يحقق الأهداف السامية للدعوة الإسلامية. وبما أن التكافل يحتم على القبيلة أن تعين أفرادها، وهو أمر كان سائدًا في الجاهلية، فقد أقرته الوثيقة لما فيه من روح تعاون وتضامن وتكافل.

وأكدت الوثيقة على مسئولية المؤمنين الشاملة في التكافل مع كل فرد من أبناء الأمة: «لأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل».

  وإلى جانب ذلك، أكدت الوثيقة على المسئولية الجماعية، فقد أصبحت مسئولية المؤمنين جميعا تحقيق الأمن والاستقرار والعدالة في المدينة: «وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم  ، أو إثمًا، أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم»

وتبرز في الوثيقة بجلاء روح الإسلام في استعلاء المؤمنين على الكافرين، وأن دم الكافر لا يكافيء دم المؤمن، والتأكيد على الترابط الوثيق بين المؤمنين وموالاتهم بعضهم لبعض: «ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس» .

-كما أقرت الوثيقة لمبدأ الجوار الذي كان معروفا قبل الإسلام، فقد أتاحت لكل مسلم أن يجير، وألزمت المجتمع الإسلامي بأن لا يخفر جواره، وحصرت الموالاة بين المؤمنين. غير أن الوثيقة استثنت من بقي على الشرك من قبائل الأوس والخزرج من إجارة قريش وتجارتها، أو الاعتراض على تصدي المسلمين لها، فذكرت بأنه:«لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن» .

وقد بينت المعاهدة أن إعلان حالة السلم والحرب هي من اختصاص النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأنّ «سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلّا على سواء وعدل بينهم» .

ثم بيّنت الوثيقة عقوبة القتل العمد حيث جاء فيها: «وأنه من اعتبط  مؤمنًا قتلا عن بدنة فإنه قود به إلّا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلّا قيام عليه».

وأخيرا فقد أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بموجب هذه الوثيقة هو المرجع الوحيد للفصل في كل خلاف قد يقع بين أطراف التعاقد (المسلمين وحلفائهم) في المدينة: «وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلّى الله عليه وسلّم» [نضرة النعيم، بتصرف].

فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نِصفهم من المهاجرين، ونِصفهم الآخر من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، حتى وصلت المؤاخاة إلى درجة أن يتوارث المتآخيان، ثم نسخ هذا التوارث بقول الله عز وجل: (وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ) [الأحزاب: 6].

لقد كانت تلك المؤاخاة في حقيقتها أقوى من أخوة الرحم، وضرب الأنصار أروع النماذج وأسمى المُثل في التطبيق العملي لمعاني الكرم والمواساة والإيثار، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّصلى الله عليه وسلم اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ»، قَالَ: لَا. فَقَالُوا: «تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَة»ِ. قَالُوا:« سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» (رواه البخاري).

وهذا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- يحدثنا عما وصلت إليه تلك المؤاخاة فيقول: «لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ»، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: «إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا»، قَالَ: «فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟» قَالَ: «سُوقُ قَيْنُقَاعٍ». قَالَ: «فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ...» (رواه البخاري)

وقد نجح صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا الامتحان العسير، وغلّبوا حب الله ورسوله وآصرة العقيدة على كل ما سوى ذلك، فكان مجتمع المدينة الجديد مجتمعا عقديّا يرتبط بالإسلام ولا يعرف الموالاة إلّا لله ولرسوله وللمؤمنين، ومع ذلك فهو مجتمع مفتوح لمن أراد أن يلتحق به فيؤمن بعقيدته بعد أن يخلع نفسه عن عقيدة الجاهلية وصفاتها ودون أي اعتبار لجنسه أو لونه أو انتمائه السابق[نضرة النعيم]