العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك.

العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك.


الخطبة الثامنة والأربعون: غزوة تبوك

أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة تبوك.

عباد الله! غزوة تبوك هي آخر غزوةٍ غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه، وهي أول غزوة خارج الجزيرة.

غزوة تبوك هي: غزوة العُسرة، وذلك لأن الصحابة خرجوا إليها في قلةٍ من الظهر، وفي حرٍ شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء.

قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)} [التوبة: 117].

غزوة تبوك هي الفاضحة؛ لأنها كشفت عن حقيقة المنافقين، وهتكت أستارهم، وفضحت أساليبهم العدائية الماكرة، وأحقادهم الدفينة ونفوسهم الخبيثة، وجرائمهم البشعة بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين.

عباد الله! وحديثنا عن غزوة تبوك سيكون حول العناصر التالية:

العنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها.

العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك.

العنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك.

العنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة.

,

العنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها

عباد الله! سبب غزوة تبوك هو الاستجابة لأمر الله تعالى بالجهاد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)} [التوبة: 123]

وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)} [التوبة: 29].

ولذلك عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإِسلام وأهله.

فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين في المدينة وغيرها بالجهاد، وأعلمهم بغزوه الروم، وكان ذلك في رجب من السنة التاسعة للهجرة

يقول كعب بن مالك -رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرٍّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدداًَ كثيراً فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهبة عدوِّهم، وأخبرهُم بوجهه الذي يريد" (1).

عباد الله! وقال المؤرخون: إن أسباب غزوة تبوك هو: أن الأخبار قد وصلت من الشام بأن الروم قد عزموا على غزو المدينة، فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، رأى أنه لا بُدَّ من أن يستنفر المسلمين للخروج لهذا العدو قبل أن ياتيهم في أرضهم.

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 2948)، ومسلم (رقم 2769).

,

العنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك

عباد الله! في يوم الخميس من شهر رجبٍ من السنة التاسعة للهجرة، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش المسلمين من المدينة، قاصداً غزو الروم؛ واستخلف على المدينة محمَّد بن مسلمة - رضي الله عنه - وخلَّف علياً - رضي الله عنه - على أهله فناله المنافقون بألسنتهم، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالاً له، وتخففاً منه فسمعها عليٌّ فأخذ سلاحه وانطلق يعدو خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتاه فقال: يا رسول الله! قال المنافقون: إنك خلَّفتني استثقالاً لي وتخفُّفاً مني فقال - صلى الله عليه وسلم -:

كذبوا، كذبوا، ارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون مِن موسى؛ إلا أنه لا نبي بعدي" (1).

عباد الله! وانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثين ألف مقاتل عبر الصحراء إلى تبوك، وفي الطريق أصاب جيش المسلمين جوع شديد؛ لأنَّ الزمان كان زمان عُسرةٍ، فلما تجهَّزوا لم يتجهزوا بما يكفيهم، إنما تجهزوا بما وجدوا.

يقول أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا- جمع ناضحٍ وهي الإبل التي يسقى عليها- فنأكل وندَّهن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "افعلوا"، فجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله! لا تفعل، إنهم إن فعلوا نفذ الظهر -وهو ما يُحمل عليه من الإبل- ولا يجدون ما يركبون، ولكن يا رسول الله ادعهُم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم بالبركة، فعسى الله أن يفعل.

فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) -أي: بساطٍ من الجلد- فبسطهُ، وأمرهم أن يأتوا بأزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكفٍ من ذرة، وآخر يجيء بكف من تمر، وثالث يجيء بكسرة خبز حتى اجتمع على النَّطع شيءٌ قليل من الزاد، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ربَّه بالبركة في الطعام، فبارك الله لهم في الطعام فقال - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا واملأوا أوعيتكم" فملأوا أوعيتهم حتى لم يبق في الجيش وعاء إلا مُلئ.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أشهدُ أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله، لا يلقى الله بها عبدٌ غير شاكٍ فيحجبُ عن الجنة" (2).

__________

(1) أصل الحديث: متفق عليه، انظر "البداية والنهاية" (7/ 5).

(2) رواه مسلم (رقم 27).

الله أكبر .. الله أكبر مَن الذي أطعم هذا الجيش في هذه الصحراء؟

إنه الله -عز وجل- ثم ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -.

عباد الله! وفي الطريق أصاب الجيش عطشٌ شديد، يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: قيل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: حدثنا عن غزوة العُسرة - وهي غزوة تبوك-، فقال عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد -أي في حرٍّ شديد- فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطشٌ شديدٌ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويضعُه على بطنه.

فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن الله عودك في الدعاء خيراً فادع.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أتحب ذلك يا أبا بكر؟ " قال: نعم.

فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه -أي: إلى السماء- فلم يرجعهما حتى قَالَت السماء -أي: تهيأت واستعدت للمطر- ثم سكبت الماء عليهم، فاستقوا وملأوا أوعيتهم قال عمر: ثم ذهبنا ننظر حدود المطر فرأينا أن المطر لم يتجاوز مكان الجيش (1).

الله أكبر .. الله أكبر مَن الذي سقى هذا الجيش في هذه الصحراء؟ إنه هو الله -عز وجل- ثم ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ويقول معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام غزوة تبوك،

__________

(1) رواه البزار والطبراني في "الأوسط"، وقال الهيثمي: ورجال البزار ثقات "مجمع الزوائد" (6/ 194)، وقال الشيخ الألباني: حسن انظر "فقه السيرة" (ص 407).

فكنا نجمع الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً.

فلما كان ذات ليلةٍ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم ستأتون غداً عين تبوك- إن شاء الله تعالى- وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتى آتي"، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين تبضُّ بشيءٍ من ماء، فسألهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "هل مسستما من مائها شيئاً؟ ".

قالا: نعم. فسبَّهُما، وقال لهما ما شاء اللهُ أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع شيءٌ، وغسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماءٍ كثير، فاستقى الناسُ.

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "يا معاذ! يوشك إن طالت بك حياةٌ، أن ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً" (1).

عباد الله! وفي الطريق إلى تبوك ضلَّت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال رجل من المنافقين: أليس يزعم أنَّه نبي، ويخبركم عن السماء وهو لا يدري أين ناقته؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ رجلاً يقول: هذا محمَّد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟

وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها" فذهبوا فجاؤوا بها (2).

عباد الله! وفي الطريق مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش المسلمين على الحِجر

__________

(1) رواه مسلم (رقم 706 بعد 10).

(2) "زاد المعاد" (3/ 533).

- وهي ديار ثمود- فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين أن لا يدخلوا مساكنهم، وأن يُسرعوا الخطى، وأن يكونوا باكين، ونهاهم عن التزود من مياههم إلا بئر الناقة.

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: لما مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحِجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه - صلى الله عليه وسلم -، وأسرع السير حتى أجاز الوادي" (1).

وقال - رضي الله عنه -: "إن الناس نزلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -على الحجر- أرض ثمود- فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردُها الناقة" (2).

عباد الله! وهذا منهج نبويٌ كريم، في توجيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته والمسلمين إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكروا بها غضبُ الله على الذين كذَّبوا رسوله، وأن لا يغفلوا عن مواطن العظة، ونهاهم عن الانتفاع بشيءٍ مما في ربوعها؛ حتى الماء، لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقاً للتأثر بعذاب الله.

عباد الله! وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش المسلمين إلى تبوك، وأخبر الجيش بأن ريحاً شديدة ستهُب، وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم، فلا يخرجوا حتى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لا تُؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، فهبت الريح الشديدة، وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد. روى مسلم في "صحيحه" بإسناده إلى أبي حُميد قال: وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدة فلا يقم منكم أحدٌ،

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 433)، ومسلم (رقم 2980).

(2) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 3379)، ومسلم (رقم 2981).

فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عقاله".

فهبت ريحٌ شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء" (1).

عباد الله! وهناك في تبوك لم يلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وجيش المسلمين أي جُنديٍّ من جنود العدو، وألقى الله الرعب في قلوب الرومان على كثرتهم وقوة عدّتهم، فآثروا السلامة على الفناء، فجلسوا في أرضهم بالشام ولم يتحركوا أدنى مسافة للقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بتبوك بضعة عشر ليلة، لم يجد أدنى مقاومة وجاءت القبائل العربية المتنصرِّة حلفاء الرومان، فصالحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجزية، وكتب لها كتاب صُلحٍ، ثم عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك إلى المدينة سالماً غانماً.

عباد الله! وغزوة تبوك تشبه غزوة الأحزاب.

فغزوة الأحزاب لم يكن فيها قتال، وغزوة تبوك لم يكن فيها قتال. غزوة الأحزاب أولها شدة وبلاء، كما قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)} [الأحزاب: 10 - 11].

وغزوة تبوك أولها أيضاً شدة وبلاءٌ وعُسرة، في الظَهر والمال والماء، كما قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)} [التوبة: 117].

__________

(1) رواه مسلم (رقم 706 بعد 10).

ونهاية الأحزاب نصرٌ على الأعداء بدون قتال، وكذلك في غزوة تبوك نصرٌ على الأعداء بدون قتال، قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)} [الأحزاب: 25].

,

العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك.

عباد الله! كما أنَّ الشدائد تظهر نفاق المنافقين، فهي كذلك تظهر إيمان المؤمنين، وغزوة تبوك كانت في ظروف صعبة جداً؛ حر شديدٌ، وعُسَرةٌ في الماء وقلة في المال، وطول في الطريق، فظهر فيها نفاق المنافقين، وكذلك ظهر فيها إيمان المؤمنين الصادقين.

فعندما حثَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين على الإنفاق في سبيل الله لتجهيز جيش المسلمين، جاء بعض المؤمنين الصادقين بكل ماله، ومنهم من جاء بنصف ماله، وجاء عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بألف دينار، فنثرها في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسُرَّ بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجعل يقبلها في حجره وهو يقول:

"ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم" (1).

عباد الله! وجعل فقراء المسلمين يتصدقون بما يجدونه وإن كان يسيراً، والمنافقون يسخرون من هؤلاء وهؤلاء، فيتهمون أهل الغنى والبذل العظيم بالرياء والسمعة! والفقراء بأن الله عن يسير صدقتهم لغني، وفضحهم الله عَزَّ وَجَلَّ في كتابه.

فقال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)} [التوبة: 79].

عباد الله! وحاول بعض المنافقين أن يتستر خلف نفقته، ففضحهم الله -عز وجل-، فَرَدَّ عليهم نفقاتهم قال تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ

__________

(1) "صحيح الترمذي" (3701).

إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)} [التوبة: 53 - 54].

عباد الله! وعندما أعلن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النفير العام في المدينة، وكان ذلك وقت جني التمر وطيب الثمار واشتهاء الظلال، شقَّ ذلك على بعضهم، فعاتب الله الذين تباطئوا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)} [التوبة: 38].

وقد طالبهم الله في كتابه بأن ينفروا شباباً وشيوخاً، وأغنياء وفقراء. بقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)} [التوبة: 41].

عباد الله! ولقد استطاع رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى.

وحزن الفقراء من المؤمنين الصادقين لأنهم لا يملكون نفقة الخروُج إلى الجهاد.

جاء سبعة رهطٍ من الفقراء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - يسألونه أن يحملهم فقال: "لا أجد ما أحملكم عليه"، فرجعوا يبكون حزناً ألا يجدوا ما ينفقون فهذا عليَّةُ ابن زيد - رضي الله عنه - أحد البكاءين، قام بالليل فصلى لله وبكى ثم ناجى الله -تبارك وتعالى- قائلا: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ولم تجعل في يدي ما أتقوى به، ولم تجعل عند رسولك ما يحملني عليه، اللهم إنِّي تصدَّقت الليلة على كل مسلم بأي مظلمة أصابني بها، في عرضي أو مالي أو جسدي، ثم أصبح بين الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أين المتصدِّق الليلة؟ " فليقم، فقام

عُلية بن زيد فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة" (1).

وفي رواية أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أخبره أنه قد غُفِرَ له (2).

عباد الله! وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة - ممن أقعدهم المرض، أو النفقة عن الخروج- إلى حد البكاء شوقاً للجهاد، وتحرجاً من القعود حتى نزل فيهم قرآن:

{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)} [التوبة: 91 - 92] وقد خصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء المتخلفين المعذورين ممن حسنت نياتهُم، واستقامت طويتهم بقوله: "إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً؛ إلا كانوا معكم: قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟!

قال - صلى الله عليه وسلم -: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر" (3).

وقد حكى كعب بن مالك في حديثه الطويل إنه لم يبق بالمدينة إلا المنافقون وأهل الأعذار من الضعفاء (4).

__________

(1) صحيح: انظر "فقه السيرة" (ص 405)، "البداية والنهاية" (5/ 5).

(2) انظر "السيرة النبوية الصحيحة" العمري (2/ 530).

(3) "فتح الباري" (8/ 126).

(4) "فتح الباري" (8/ 126).

عباد الله! أما المنافقون فسلكوا مسالك شتى، فمنهم من اعتذر قبل الخروج وتعلل بالعلل الباطلة، قال تعالى عنهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)} التوبة: 49]. فأذن لهم النبي- صلى الله عليه وسلم - فقال الله تعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلم -: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} [التوبة: 43].

ثم قال الله عَزَّ وَجَلَّ لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)} [التوبة: 44 - 45].

ومنهم من أخذ يثبط هِمَمَ الناس، قائلين لهم: لا تنفروا في الحرِّ فأنزل الله تعالى فيهم: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)} [التوبة: 81 - 82].

,

العنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة

:

عباد الله، عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش المسلمين من تبوك إلى المدينة سالماً غانماً منتصراً.

وفي طريق العودة حاول مجموعة من المنافقين أن يغتالوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وآذوا رسول الله والمؤمنين بألسنتهم.

وفي هؤلاء المنافقين نزل قول الله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)} [التوبة: 74]. قال ابن كثير: أن الضحاك قال: إن نفراً من المنافقين هموا بالفتك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في غزوة تبوك في بعض الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلاً نزلت فيهم هذه الآية (1).

عباد الله، وفي طريق العودة، جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر مسجد الضرار الذي بناهُ المنافقون بالمدينة وكانوا قد طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُصلي فيه.

__________

(1) تفسير ابن كثير (2/ 372).

قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)} [التوبة: 107 - 108].

فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بهدم هذا المسجد.

عباد الله! لما دنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون من المدينة قال - صلى الله عليه وسلم -: "هذه طابة وهذا أحدٌ جبلُ يحبنا ونحبه" (1).

وخرجت النساء والصبيان والولائد يستقبلن أكبر جيش خرج لقتال المشركين في عصر السيرة؛ يقلن.

طلع البدرُعلينا ... من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع (2)

عباد الله! ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فبدأ بالمسجد؛ فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المتخلفون من المنافقين يعتذرون إليه بشتى الأعذار، ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله -عز وجل-.

عباد الله! أما كعب بنُ مالك أحدُ ثلاثةٍ من المؤمنين الصادقين تخلَّفوا من

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 1481)، ومسلم (رقم 1392).

(2) انظر "زاد المعاد" (3/ 549).

غير عذر، فقد جاء هو وصاحباه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعترف بذنبه، فماذا قال كعب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وماذا قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وماذا أمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وما هي نتيجة الصدق؟

هذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى-

اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.



كلمات دليلية: