السيرة الإجمالية قبل النبوة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

السيرة الإجمالية قبل النبوة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

سيرته في قومه قبل البعثة

كان عليه الصلاة والسلام أحسن قومه خلقا، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأكرمهم مخالطة، وخيرهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، فسمّوه الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة الحميدة، والفعال السديدة من الحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والتواضع، والعفّة، والجود، والشجاعة، والحياء. حتى شهد له بذلك ألد أعدائه النضر بن الحارث «2» من بني عبد الدار حيث يقول: قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم:

ساحر! لا والله ما هو بساحر، قال ذلك في معرض الاتفاق على ما يقولونه للعرب الذين يحضرون الموسم حتى يكونوا متفقين على قول مقبول يقولونه. ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قائلا: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله.

ورد ذلك في أول صحيح البخاري. وقد حفظه الله في صغره من كل أعمال الجاهلية التي جاء شرعه الشريف بضدها «3» وبغّضت إليه الأوثان بغضا شديدا حتى ما كان يحضر لها احتفالا أو عيدا ممّا يقوم به عبّادها. وقال عليه الصلاة والسلام: «لما نشأت بغّضت إليّ الأوثان، وبغّض إليّ الشعر، ولم أهمّ بشيء ممّا كانت الجاهلية تفعله إلّا مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك.

ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني الله برسالته. قلت ليلة لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست لذلك فضرب الله على أذنيّ فنمت فما أيقظني إلّا مسّ الشمس ولم أقض شيئا، ثم عراني مرّة أخرى مثل ذلك» . وكان عليه الصلاة والسلام لا يأكل ما ذبح

__________

(1) اية 52.

(2) قتل يوم بدر كافرا قتله علي بن أبي طالب.

(3) الشفاء للقاضي عياض. المؤلف.

على النصب «1» وحرّم شرب الخمر على نفسه مع شيوعه في قومه شيوعا عظيما.

وذلك كلّه من الصفات التي يحلّي الله بها أنبياءه ليكونوا على تمام الاستعداد لتلقّي وحيه، فهم معصومون من الأدناس قبل النبوة وبعدها: أمّا قبل النبوة فليتأهّلوا للأمر العظيم الذي سيسند إليهم. وأمّا بعدها فليكونوا قدوة لأممهم.

عليهم من الله أفضل الصلوات وأتم التسليمات.

ما أكرمه الله به قبل النبوّة

أوّل منحة من الله ما حصل من البركات على ال حليمة الذين كان مسترضعا فيهم. فقد كانوا قبل حلوله بناديهم مجدبين «2» فلمّا صار بينهم صارت غنيماتهم تؤوب من مرعاها وإن أضراعها لتسيل لبنا ويرحم الله البوصيري حيث يقول في همزيته:

وإذا سخّر الإله أناسا ... لسعيد فإنّهم سعداء

ثمّ أعقب ذلك ما حصل من شق صدره وإخراج حظّ الشيطان منه «3» ، وليس هذا بالعجيب على قدرة الله تعالى، فمن استبعد ذلك كان قليل النظر. لا يعرف من قوّة الله شيئا، لأن خرق العادات للأنبياء ليس بالأمر المستحدث ولا المستغرب.

ومن المكرمات الإلهية تسخير الغمامة له في سفره إلى الشام حتى كانت تظله في اليوم الصائف لا يشترك معه أحد في القافلة، كما روى ذلك ميسرة غلام خديجة الذي كان مشاركا له في سفره وهذا ما حبّبه إلى خديجة حتى خطبته لنفسها، وتيقّنت أن له في المستقبل شأنا. ولذلك لما جاءته النبوّة كانت أسرع الناس إيمانا به، ولم تنتظر اية أخرى زيادة على ما علمته من مكارم الأخلاق، وما سمعته من خوارق العادت.

ومن منن الله عليه ما كان يسمعه من السلام عليه من الأحجار والأشجار «4» ،

__________

(1) هي حجارة تنصب وتصب عليها دماء الذبائح وتعبد. المؤلف.

(2) الجدب ضد الخصب، وهي الأرض لا تكاد تخصب لاحتباس الماء عنها.

(3) أي من قلبه.

(4) السيرة الحلبية. المؤلف.

فكان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى ببناء ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية فلا يمرّ بحجر ولا شجر إلا سمع: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله «1» ، وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا وقد حدث بذلك عن نفسه. وليس في ذلك كبير اشكال فقد سخر الله الجمادات للأنبياء قبله، فعصا موسى التقمت ما صنع سحرة فرعون بعد أن تحوّلت حية تسعى ثم رجعت كما كانت، ولما ضرب بها الحجر نبع منه الماء اثنتي عشرة عينا، لكل سبط «2» من أسباط بني اسرائيل عين. وكذلك غيره من الأنبياء سخر الله لهم ما شاء من أنواع الجمادات لتدل العقلاء على عظيم قدرهم وخطارة شأنهم.


ملف pdf

كلمات دليلية: