الخطبة الحادية والعشرون: بيعة العقبة

الخطبة الحادية والعشرون: بيعة العقبة


الخطبة الحادية والعشرون: بيعة العقبة

عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن بيعة العقبة الأولى والثانية.

أمة الإِسلام! تكلمنا في الجمعة قبل الماضية أنه أُسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج برسولنا - صلى الله عليه وسلم - إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله، وهناك فرض الله -تبارك وتعالى- على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، وقد رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) -في رحلة المعراج- من آيات ربه الكبرى، ورأى - صلى الله عليه وسلم - في رحلته قوماً لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم، ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في رحلته قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، فلا يعقلون؟! "

وقد تكلمنا في الجمعة الماضية عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من رحلة الإسراء والعراج:

أولاً: منزلة الأقصى في الإِسلام.

ثانياً: منزلة الصلاة في الإِسلام.

ثالثاً: التحذير من إطلاق اللسان في أعراض المسلمين، ومن أكل لحوم الأبرياء.

رابعاً: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون بخلاف ما يقولون، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون.

عباد الله! رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رحلة الإسراء والمعراج قرير العين، منشرح الصدر، مطمئن القلب، عازماً على مواصلة الدعوة إلى الله، واثقاً من أن الله ناصره، ومظهر دينه. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)} [الصف: 9].

عباد الله! لم يدع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرصة للاجتماع بالناس وتبليغهم الدعوة - وخاصة في موسم الحج عندما تقبل القبائل إلى مكة-، وكان مما خاطب به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس في الموقف: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي -عز وجل-؟! " (1).

عباد الله! "لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: من موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى.

فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن .. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام.

__________

(1) "صحيح سنن أبي داود" (3960).

وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك. فسنُقدم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك!! ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا" (1).

عباد الله! لما رجع هؤلاء إلى المدينة ذكروا لقومهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوهم إلى الإِسلام، وفشا فيهم ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تبق دارٌ إلا دخلها الإِسلام، حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلاً من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة- بمنى- وعقد معهم بيعة (وهي بيعة العقبة الأولى).

عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، قال فبايعناه على ذلك" (2).

عباد الله! لما عزم القوم على العودة إلى المدينة، بعث معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير - رضي الله عنه - وأمره أن يُقرئهم القرآن ويعلمهم الإِسلام، ويفقههم في الدين.

__________

(1) قال الشيخ الألباني: إسناده حسن انظر "فقه السيرة" (ص 145).

(2) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 18)، ومسلم (رقم 1709).

فقام مصعب - رضي الله عنه - بمهمته خير قيام، يدعو الناس إلى عبادة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، متذرعاً بالحلم والصبر الذي تعلمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانتشر الإِسلام في المدينة وغيرها على يديه - رضي الله عنه -.

وقبل حلول موسم الحج التالي عاد مصعب بن عمير - رضي الله عنه - إلى مكة، ليبشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بانتشار الإِسلام ويخبره بحصيلة دعوته في ذلك العام.

وكأنه يقول له: يا رسول الله إن المدينة تتهيأ لاستقبالك أنت ومن معك من المسلمين.

إخوة الإِسلام! ولما انتشر الإِسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة يُلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية. وممن حضر هذه البيعة جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو يخبرنا الخبر: عن جابر - رضي الله عنه - قال: "مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى؛ يقول: "من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر -كذا قال- فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا،

فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال: (فذكر الحديث). قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة -وهو من أصغرهم- فقال: رويداًَ يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك؛ فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً. قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة" (1).

وتمت البيعة، وبايع الأنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: بيعة الحرب، وممن حضر هذه البيعة كعب بن مالك الأنصاري - رضي الله عنه - وهو أحد المبايعين في بيعة العقبة الثانية يخبرنا عما حدث في هذه الييعة.

عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين .. ، وواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة من أوسط أيام التشريق .. وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا .. فقمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا .. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى

__________

(1) صحيح، أخرجه أحمد (3/ 322 - 323) وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (7/ 263)، إسناده جيد، وقال الألباني في "الصحيحة" (63)، إسناده صحيح على شرط مسلم.

جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب -وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له- فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج! إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعه في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ..

قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

قال: فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإِسلام ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".

قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر".

فقاطعه أبوالهيثم بن التيهان متسائلاً: "يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم"

ثم قال: أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم

فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس .. وقد طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم الانصراف إلى رحالهم فقال رجلٌ منهم: والذي بَعَثَك بالحق لئن شئتَ لنميلن عن أهل منى غداً بأسيافنا؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم" فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعوتهم له للهجرة فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم" (1).

وهكذا مرت البيعة بسلام، وعاد الأنصار إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم بتلهف كبير.

عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من بيعة العقبة الأولى والثانية:

أولاً: النصر مع الصبر، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "واعلم أن النصر مع الصبر"، فإن صبرنا نصرنا الله، فرسولنا - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه في مكة صبروا على إيذاء قريش، وصبروا على ما لاقوا من أعداء الدين ابتغاء مرضات الله فجعل الله لهم مخرجاً، ونصرهم الله بالأنصار، فبعد أن أغلق أهل مكة قلوبهم عن الدين فتح الله قلوب أهل المدينة لهذا الدين، وبعد أن أبى أهل مكة أن يبقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع لهذا الدين فقد فتح الله -تبارك وتعالى- المدينة على مصراعيها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي يحمل هذا الدين.

فمهما ضيق الكفار على المسلمين، فوالله الذي لا إله إلا هو فإن الله تبارك وتعالى سيجعل للمؤمنين مخرجاً، إن هم عادوا إلى الله وصدقوا مع

__________

(1) رواه أحمد في "المسند" (3/ 460 - 463). وقال الألباني في تحقيقه "فقه السيرة": "وهذا سند صحيح".

الله، وعادوا إلى دينهم، وطلبوا العزة بالإِسلام فإن طلبنا العزة بالإسلام أعزنا الله، وإن طلبنا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله.

كما قال الفاروق عمر - رضي الله عنه - "كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام، فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله"

فاصبروا على البلاء، وعودوا إلى الله، واعلموا أن الله تبارك وتعالى ينصر مع الصبر، وإياكم ودعاة الاستعجال الذين يورطون الأمة في بركة من الدماء، فإن الله نهى عن الاستعجال فقال: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ}، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لخباب: "ولكنكم تستعجلون".

ثانياً: أن المستقبل لهذا الدين: فقد أخبر الله -تبارك وتعالى- في كتابه، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته، أن المستقبل لهذا الدين، وأنه ما من مكان في هذه الدنيا تطلع عليه الشمس إلا وسيدخله الإِسلام، وما من بيت شجر ولا مدر إلا وسيدخله الإِسلام ولو كره الكافرون، ولو تزمجر المنافقون فالمستقبل للإسلام.

ثالثاً: أن السر في النجاح في الدعوة إلى الله هو الإخلاص.

الإخلاص هو سر النجاح، فإن أرادت الأمة أن تنجح في دعوتها لهذا الدين فعليها بالإخلاص لله تبارك وتعالى، فها هو مصعب بن عمير - رضي الله عنه - كان مخلصاً ضرب لنا مثلاً أعلى في ذلك، فاستجاب لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذهب إلى المدينة يدعو لهذا الدين بالليل والنهار، فما من بيت في المدينة إلا ودخله الإِسلام بفضل الله -تبارك وتعالى-، ثم بالجهود العالية العظيمة التي بذلها

مصعب، فكان يجلس في المكان يدعو لهذا الدين يأتيه الرجل من المدينة يحمل حربته يريد أن يقتله فما أن يجلس ويسمع الكلام منه ودعوته بالحلم واللين إلا وهو يقوم وقد شهد "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، إنها الحكمة والحلم في الدعوة والصبر على الناس، وكيف لا وقد تعلم مصعب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

,

الخطبة الحادية والعشرون: بيعة العقبة

عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن بيعة العقبة الأولى والثانية.

أمة الإِسلام! تكلمنا في الجمعة قبل الماضية أنه أُسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج برسولنا - صلى الله عليه وسلم - إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله، وهناك فرض الله -تبارك وتعالى- على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، وقد رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) -في رحلة المعراج- من آيات ربه الكبرى، ورأى - صلى الله عليه وسلم - في رحلته قوماً لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم، ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في رحلته قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، فلا يعقلون؟! "

وقد تكلمنا في الجمعة الماضية عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من رحلة الإسراء والعراج:

أولاً: منزلة الأقصى في الإِسلام.

ثانياً: منزلة الصلاة في الإِسلام.

ثالثاً: التحذير من إطلاق اللسان في أعراض المسلمين، ومن أكل لحوم الأبرياء.

رابعاً: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون بخلاف ما يقولون، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون.

عباد الله! رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رحلة الإسراء والمعراج قرير العين، منشرح الصدر، مطمئن القلب، عازماً على مواصلة الدعوة إلى الله، واثقاً من أن الله ناصره، ومظهر دينه. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)} [الصف: 9].

عباد الله! لم يدع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرصة للاجتماع بالناس وتبليغهم الدعوة - وخاصة في موسم الحج عندما تقبل القبائل إلى مكة-، وكان مما خاطب به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس في الموقف: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي -عز وجل-؟! " (1).

عباد الله! "لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: من موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى.

فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن .. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام.

__________

(1) "صحيح سنن أبي داود" (3960).

وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك. فسنُقدم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك!! ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا" (1).

عباد الله! لما رجع هؤلاء إلى المدينة ذكروا لقومهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوهم إلى الإِسلام، وفشا فيهم ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تبق دارٌ إلا دخلها الإِسلام، حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلاً من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة- بمنى- وعقد معهم بيعة (وهي بيعة العقبة الأولى).

عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، قال فبايعناه على ذلك" (2).

عباد الله! لما عزم القوم على العودة إلى المدينة، بعث معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير - رضي الله عنه - وأمره أن يُقرئهم القرآن ويعلمهم الإِسلام، ويفقههم في الدين.

__________

(1) قال الشيخ الألباني: إسناده حسن انظر "فقه السيرة" (ص 145).

(2) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 18)، ومسلم (رقم 1709).

فقام مصعب - رضي الله عنه - بمهمته خير قيام، يدعو الناس إلى عبادة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، متذرعاً بالحلم والصبر الذي تعلمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانتشر الإِسلام في المدينة وغيرها على يديه - رضي الله عنه -.

وقبل حلول موسم الحج التالي عاد مصعب بن عمير - رضي الله عنه - إلى مكة، ليبشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بانتشار الإِسلام ويخبره بحصيلة دعوته في ذلك العام.

وكأنه يقول له: يا رسول الله إن المدينة تتهيأ لاستقبالك أنت ومن معك من المسلمين.

إخوة الإِسلام! ولما انتشر الإِسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة يُلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية. وممن حضر هذه البيعة جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو يخبرنا الخبر: عن جابر - رضي الله عنه - قال: "مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى؛ يقول: "من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر -كذا قال- فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعاً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلاً، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا،

فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال: (فذكر الحديث). قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة -وهو من أصغرهم- فقال: رويداًَ يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك؛ فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً، ولا نسلبها أبداً. قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة" (1).

وتمت البيعة، وبايع الأنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: بيعة الحرب، وممن حضر هذه البيعة كعب بن مالك الأنصاري - رضي الله عنه - وهو أحد المبايعين في بيعة العقبة الثانية يخبرنا عما حدث في هذه الييعة.

عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين .. ، وواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة من أوسط أيام التشريق .. وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا .. فقمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا .. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى

__________

(1) صحيح، أخرجه أحمد (3/ 322 - 323) وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (7/ 263)، إسناده جيد، وقال الألباني في "الصحيحة" (63)، إسناده صحيح على شرط مسلم.

جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب -وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له- فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج! إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعه في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ..

قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

قال: فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإِسلام ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".

قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر".

فقاطعه أبوالهيثم بن التيهان متسائلاً: "يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم"

ثم قال: أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم

فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس .. وقد طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم الانصراف إلى رحالهم فقال رجلٌ منهم: والذي بَعَثَك بالحق لئن شئتَ لنميلن عن أهل منى غداً بأسيافنا؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم" فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعوتهم له للهجرة فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم" (1).

وهكذا مرت البيعة بسلام، وعاد الأنصار إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم بتلهف كبير.

عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من بيعة العقبة الأولى والثانية:

أولاً: النصر مع الصبر، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "واعلم أن النصر مع الصبر"، فإن صبرنا نصرنا الله، فرسولنا - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه في مكة صبروا على إيذاء قريش، وصبروا على ما لاقوا من أعداء الدين ابتغاء مرضات الله فجعل الله لهم مخرجاً، ونصرهم الله بالأنصار، فبعد أن أغلق أهل مكة قلوبهم عن الدين فتح الله قلوب أهل المدينة لهذا الدين، وبعد أن أبى أهل مكة أن يبقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع لهذا الدين فقد فتح الله -تبارك وتعالى- المدينة على مصراعيها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي يحمل هذا الدين.

فمهما ضيق الكفار على المسلمين، فوالله الذي لا إله إلا هو فإن الله تبارك وتعالى سيجعل للمؤمنين مخرجاً، إن هم عادوا إلى الله وصدقوا مع

__________

(1) رواه أحمد في "المسند" (3/ 460 - 463). وقال الألباني في تحقيقه "فقه السيرة": "وهذا سند صحيح".

الله، وعادوا إلى دينهم، وطلبوا العزة بالإِسلام فإن طلبنا العزة بالإسلام أعزنا الله، وإن طلبنا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله.

كما قال الفاروق عمر - رضي الله عنه - "كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام، فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله"

فاصبروا على البلاء، وعودوا إلى الله، واعلموا أن الله تبارك وتعالى ينصر مع الصبر، وإياكم ودعاة الاستعجال الذين يورطون الأمة في بركة من الدماء، فإن الله نهى عن الاستعجال فقال: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ}، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لخباب: "ولكنكم تستعجلون".

ثانياً: أن المستقبل لهذا الدين: فقد أخبر الله -تبارك وتعالى- في كتابه، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته، أن المستقبل لهذا الدين، وأنه ما من مكان في هذه الدنيا تطلع عليه الشمس إلا وسيدخله الإِسلام، وما من بيت شجر ولا مدر إلا وسيدخله الإِسلام ولو كره الكافرون، ولو تزمجر المنافقون فالمستقبل للإسلام.

ثالثاً: أن السر في النجاح في الدعوة إلى الله هو الإخلاص.

الإخلاص هو سر النجاح، فإن أرادت الأمة أن تنجح في دعوتها لهذا الدين فعليها بالإخلاص لله تبارك وتعالى، فها هو مصعب بن عمير - رضي الله عنه - كان مخلصاً ضرب لنا مثلاً أعلى في ذلك، فاستجاب لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذهب إلى المدينة يدعو لهذا الدين بالليل والنهار، فما من بيت في المدينة إلا ودخله الإِسلام بفضل الله -تبارك وتعالى-، ثم بالجهود العالية العظيمة التي بذلها

مصعب، فكان يجلس في المكان يدعو لهذا الدين يأتيه الرجل من المدينة يحمل حربته يريد أن يقتله فما أن يجلس ويسمع الكلام منه ودعوته بالحلم واللين إلا وهو يقوم وقد شهد "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، إنها الحكمة والحلم في الدعوة والصبر على الناس، وكيف لا وقد تعلم مصعب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.



كلمات دليلية: