الحبيب صلى الله عليه وسلم في التوراة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

الحبيب صلى الله عليه وسلم في التوراة   من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

تبشير التوراة به

أنزل الله التوراة على موسى محتوية على الشرائع التي تناسب أهل ذاك الزمن، ونوّه فيها بذكر كثير من الأنبياء الذين علم الله أنّه سيرسلهم، فممّا جاء فيها تبشيرا برسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم خطابا لسيّدنا موسى عليه السلام «3» (وسوف أقيم لهم نبيّا مثلك من بين إخوتهم وأجعل كلامي في فمه ويكلّمهم بكل شيء امره به، ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا الذي أنتقم منه، فأما النبي الذي يجترئ عليّ بالكبرياء ويتكلّم باسمي بما لم امره به أو باسم الهة أخرى فليقتل، وإذا أحببت أن تميز بين النبي الصادق والكاذب فهذه علامتك أن ما قاله ذلك النبي باسم الربّ ولم يحدث فهو كاذب يريد تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه) .

ويقول اليهود: أن هذه البشارة ليوشع بن نون خليفة موسى عليه السلام، مع أنّهم كانوا ينتظرون في مدّة المسيح نبيّا اخر غير المسيح، فإنهم «4» أرسلوا ليوحنا المعمدان (يحيى) يسألونه عن نفسه فقالوا له: أنت إيليا؟ «5» فقال: لا فقالوا أنت المسيح؟ فقال: لا فقالوا: أنت النبي؟ فقال: لا فقالوا: ما بالك إذا تعمّد إذا

__________

(1) الأحاديث التي وردت في تكلم الأحجار مع الرسول الكريم كثيرة منها ما رواه مسلم أن رسول صلّى الله عليه وسلّم قال: اني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الان.

(2) القبيلة من اليهود.

(3) الاصحاح الثامن: سفر التثنية. «المؤلف» .

(4) الاصحاح الأول من انجيل يوحنا، اية 46. المؤلف.

(5) قال ابن كثير في البداية والنهاية ذكر ابن قتيبة في المعارف عن وهب ابن منبه أن اسم الخضر بليا. ويقال ايليا بن بلكان ج 1 ص 326.

كنت لست إيليا ولا المسيح ولا النّبي فهذه تدل على أن التوراة تبشر بإيليا والمسيح ونبي لم يأت حتى زمن المسيح، ثم إن التوراة تقول في صفة النبي: أنه مثل موسى، وقد نصّت في اخر سفر التثنية على أنه لم يقم في بني اسرائيل نبي مثل موسى «1» ، وورد في هذه البشارة أن النبي الذي يفتري على الله يقتل ويشبه ذلك في القران قوله تعالى في سورة الحاقة وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ «2» . ونبينا صلّى الله عليه وسلّم مكث بين أعدائه الألداء من مشركين ويهود ثلاثا وعشرين سنة يدعوهم فيها إلى الله، ومع ذلك عصمه الله منهم وأنزل عليه تطمينا لخاطره في سورة المائدة وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «3» أكان يعجز الله، وهو القادر على كل شيء، أن يعاقب من ينسب إليه ما لم يقله وهو الذي قال في سورة الشورى أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «4» وقد أخبرتنا هذه البشارة عن العلامة التي تعرف بها صدق النبي من كذبه وهي الأخبار بما سيأتي. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أشياء كثيرة فحدثت كما أخبر عنها. ومنها ما لا ينفع معه الحدس والتخمين كالإخبار بأن الروم سيغلبون بعد أن قهرهم الفرس قهرا شديدا حتى كادوا يحتلّون القسطنطينية عاصمة ملكهم، فالإخبار إذا بأن الروم سيردّون ما فقد منهم بعد بضع سنين لا يكون إلّا من عند الله، ولذلك استغربه جدا بعض المشركين من قريش وراهن على ذلك أبا بكر الصديق رضي الله عنه. وقد حقّق الله الخبر فاستحق الصديق الرهن. وهذا قليل من كثير سيأتيك تفصيله إن شاء الله تعالى.

وروى القاضي عياض في الشفاء أن عطاء بن يسار سأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن صفة رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القران: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً «5» : «وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكّل ليس بفظ ولا

__________

(1) هذه النصوص المذكورة في التوراة والإنجيل ناطقة برسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وقد أخبر برسالته عليه الصلاة والسلام ورقة بن نوفل ابن عم خديجة.

(2) عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. المؤلف. الاية من 44- 46.

(3) اية 67.

(4) اية 24.

(5) سورة الأحزاب اية 45.

غليظ ولا صخاب «1» في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلّا الله ويفتح به أعينا عميا واذانا صمّا وقلوبا غلفا» «2» .

وروي مثله عن عبد الله بن سلام «3» رضي الله عنه وهو الذي كان رئيس اليهود فلم تعمه الرياسة حتى يترك الدين القويم، وكذلك كعب الأحبار «4» وفي بعض طرق الحديث: ولا صخّاب في الأسواق ولا قوّال للخنا، أسدّده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبرّ شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة مقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى أمامه، والإسلام ملّته، أحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلّم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة. وأسمّي به بعد النكرة، وأكثّر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتّتة، وأمم متفرّقة، وأجعل أمّته خير أمّة أخرجت للناس. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام عن صفته في التوراة فقال وهو الصادق الأمين: عبدي أحمد المختار مولده مكّة ومهاجره بالمدينة- أو قال طيبة- وأمته الحمّادون الله على كل حال.


تحميل : الحبيب صلى الله عليه وسلم في التوراة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

كلمات دليلية: