الجهر بالدعوة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

الجهر بالدعوة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

الجهر بالتبليغ

مضت كل هذه المدة والنبي عليه الصلاة والسلام لا يظهر الدعوة في مجامع قريش العمومية، ولم يكن المسلمون يتمكّنون من إظهار عبادتهم حذرا من تعصب قريش. فكان كلّما أراد العبادة ذهب إلى شعاب مكة يصلي مستخفيّا. ولمّا دخل في الدين ما يربو على الثلاثين، وكان من اللازم اجتماع الرسول بهم ليرشدهم ويعلمهم، اختار لذلك دار الأرقم بن أبي الارقم وهو ممن ذكرنا اسلامهم- ومكث عليه الصلاة والسلام يدعو سرّا حتى نزل قوله تعالى في سورة الحجر فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «1» فبدّل الدعوة سرا بالدعوة جهرا ممتثلا أمر ربه واثقا بوعده ونصره، فصعد على الصفا «2» فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر الخبر، فجاء أبو لهب بن عبد المطلب قريشا، فقال عليه الصلاة والسلام: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله في شأنه تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ «3» والقصد من حمل الحطب المشي بالنميمة لأنها كانت تقول على رسول

__________

(1) اية 94.

(2) مكان مرتفع من جبل أبي قبيس بمكة.

(3) رواه الإمام أحمد عن ابن عباس وهي سورة المسد.

الله الأكاذيب في نوادي النساء. ثم نزل عليه في سورة الشعراء وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «1» وهم بنو هاشم وبنو المطلب وبنو نوفل وبنو عبد شمس أولاد عبد مناف وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ أي العشيرة والأقربون فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ فجمعهم عليه الصلاة والسلام وقال لهم: إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلّا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزون بالإحسان احسانا وبالسوء سوا، وأنها لجنة أبدا أو لنار أبدا «2» . فتكلّم القوم كلاما ليّنا غير عمه أبي لهب الذي كان خصما لدودا فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب، فإن سلمتوه إذا اذللتم، وأن منعتموه قتلتم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنّه ما بقينا، ثم انصرف الجمع.

ولمّا جهر رسول الله عليه الصلاة والسلام بالدعوة سخرت منه قريش واستهزؤوا به في مجالسهم، فكان إذا مرّ عليهم يقولون: هذا ابن أبي كبشة يكلّم من السماء! وهذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء لا يزيدون على ذلك، فلمّا عاب الهتهم وسفّه عقولهم وقال لهم: والله يا قوم لقد خالفتم دين أبيكم إبراهيم، ثارت في رؤوسهم حمية الجاهلية غيرة على تلك الالهة التي كان يعبدها اباؤهم فذهبوا «3» إلى عمه أبي طالب سيد بني هاشم الذي أخذ على نفسه حمايته من أيدي أعدائه فطلبوا منه أن يخلي بينهم وبينه أو يكفّه عما يقول، فردّهم ردّا جميلا فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله لما يريده لا يصدّه عن مراده شيء، فتزايد الأمر، وأضمرت قريش الحقد والعداوة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحثّ بعضهم بعضا على ذلك.

ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى وقالوا له: إن لك سنّا وشرفا ومنزلة منّا، وإنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنّا والله لا نصبر على هذا

__________

(1) اية 214- 215- 216.

(2) رواه الشيخان.

(3) وهم عتبة وشيبة وأبو سفيان والعاص بن هشام والأسود بن عبد المطلب وأبو جهل والوليد بن المغيرة ونبيه ومنبّه والعاص بن وائل السهمي.

من شتم ابائنا، وتسفيه عقولنا، وعيب الهتنا فإنهم كانوا إذا احتجوا بالتقليد في استمرارهم على عدم اتّباع الحقّ ذمّهم لعدم استعمال عقولهم فيما خلقت له قال الله تعالى في سورة البقرة وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ «1» وقال في سورة المائدة وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ «2» وقال في سورة لقمان وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ «3» وقال في سورة الزخرف في بيان حجتهم الداحضة قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ «4» ولما شبههم بمن قبلهم من الأمم في هذه المقالة الدالة على التعصب والعناد قال: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ «5» فلمّا تمسكوا بحجة التقليد لابائهم جرّ ذلك إلى وصف ابائهم بعدم العقل وعدم الهداية، فهاج ذلك أضغانهم «6» ، وقالوا لأبي طالب: إما أن تكفّه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفسا بخذلان ابن أخيه، فقال له: يا ابن أخي إن القوم جاؤوني فقالوا لي كذا، فأبق على نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فظنّ الرسول أن عمّه خاذله فقال: والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه، ثم بكى وولى. فقال أبو طالب: أقبل يا ابن أخي فأقبل عليه، فقال: اذهب فقل ما أحببت والله لا أسلمك «7» .

__________

(1) اية 170.

(2) اية 104.

(3) اية 21.

(4) اية 23.

(5) سورة الزخرف الاية 24.

(6) أحقادهم.

(7) رواه البيهقي في دلائل النبوة.

 


تحميل : الجهر بالدعوة من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

كلمات دليلية: