الإذن بالقتال. من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

الإذن بالقتال.  من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

مشروعية القتال

«1»

قد علم ممّا تقدّم أنّ رسول الله عليه الصلاة السلام لم يقاتل أحدا على الدخول في الدّين، بل كان الأمر قاصرا على التبشير والإنذار، وكان الله سبحانه ينزل عليه من الاي ما يقوّيه على الصبر أمام ما كان يلاقيه من أذى قريش، ومن ذلك قوله في سورة الأحقاف فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ «2» وكان كثيرا ما يقصّ الله عليه أنباء إخوانه من المرسلين قبله ليثبت به فؤاده، ولما ازداد طغيان أهل مكة ألجؤوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله، فكانوا هم البادئين بالعداء على المسلمين حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حقّ، فبعد الهجرة أذن الله للمهاجرين بقتال مشركي قريش بقوله في سورة الحجّ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ «3» ثم أمرهم بذلك في سورة البقرة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

__________

(1) أذن لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في القتال لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر صفر في السنة الثانية من الهجرة، وكان الصحابة رضي الله عنهم منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وسعد بن أبي وقاص يقولون: يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون فلما امنا صرنا أذلة فأذن لنا في قتال هؤلاء، فقال: كفوا أيديكم عنهم فإني لم أومر بقتالهم. ولما هاجر المسلمون إلى المدينة أذن الرسول لهم بالقتال، وأول ما أنزل في أمر القتال «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ... » الاية المذكورة في مشروعية القتال، وهذا أول ما أنزل في الأذن بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين اية.

(2) اية 35.

(3) اية 39- 40.

وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ «1» . وبذلك لم يكن الرسول يتعرّض إلّا لقريش دون سائر العرب فلما تمالأ على المسلمين غير أهل مكّة من مشركي العرب واتّحدوا عليهم مع الأعداء أمر الله بقتال المشركين كافة بقوله في سورة التوبة وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً «2» وبذلك صار الجهاد عاما لكل من ليس له كتاب من الوثنيين وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاإله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإسلام وحسابهم على الله) «3» ولما وجد المسلمون من اليهود خيانة للعهود حيث أنهم ساعدوا المشركين في حروبهم، أمر الله بقتالهم بقوله في سورة الأنفال وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «4» وقتالهم واجب حتى يدينوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ليأمن المسلمون جانبهم، وصار قتال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للأعداء على هذه المبادئ الاتية:

(1) اعتبار مشركي قريش محاربين لأنهم بدؤوا بالعدوان فصار للمسلمين قتالهم ومصادرة تجارتهم حتى يأذن الله بفتح مكّة أو تعقد هدنة وقتية بين الطرفين.

(2) متى رئي من اليهود خيانة وتحيّز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم بالنفي أو القتل.

(3) متى تعدّت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشا قوتلت حتى تدين بالإسلام.

(4) كل من بادأ بعداوة من أهل الكتاب كالنصارى قوتل حتى يذعن بالإسلام أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر.

(5) كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلّا بحقه. والإسلام يقطع ما قبله.

وقد أنزل الله في القران الكريم كثيرا من الاي تحريضا على الإقدام في قتال

__________

(1) اية 190- 193.

(2) اية 36.

(3) رواه الشيخان.

(4) اية 58.

الأعداء وتبعيدا عن الفرار من الزحف فقال في الموضوع الأول في سورة النساء فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «1» ، وقال في الموضوع الثاني في سورة الأنفال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ «2» .

,

بدء القتال

كانت عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتبتاع، ويسمى الركب السائر بهذه التجارة عيرا، وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف القوم وسراتهم. ولا بدّ لوصولهم إلى الشام من المرور على دار الهجرة، فرأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يصادر تجارتهم ذاهبة وايبة. ليكون في ذلك عقاب لمشركي مكّة، حتى تضعف قوتهم المالية، فيكون ذلك أدعى لخذلانهم في ميدان القتال، الذي لا بدّ أن يكون. لأنّ قريشا لم تكن لتسكت عمن سفّه أحلامهم، وعاب عبادتهم خصوصا وهم قدوة العرب في الدين.


ملف pdf

كلمات دليلية: