اصطِفاء الله له صلى الله عليه وسلم من كتاب الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

اصطِفاء الله له صلى الله عليه وسلم من كتاب الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
ابي الفداء اسماعيل عمر كثير القرشي

فصل ـ خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ

في ذكر شيء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم يشاركه فيها غيره.

وقد أكثر أصحابنا وغيرهم من ذكر هذا الفصل في أوائل كتب النكاح من مصنفاتهم،

تأسياً بالإمام أبي عبد الله صاحب المذهب، فإنه ذكر طرفاً من ذلك هنالك وحكى الصيمري عن أبي علي بن خيران أنه منع من الكلام في خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام النكاح، وكذا في الإمامة، ووجهه أن ذلك قد انقضى فلا عمل يتعلق به، وليس فيه من دقيق العلم ما يقع به التدريب، فلا وجه لتضييع الزمان برجم الظنون فيه.

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بعد حكايته ذلك: وهذا غريب مليح، والله أعلم.

وقال إمام الحرمين: قال المحققون: وذكر الخلاف في مسائل الخصائص خبط لا فائدة فيه، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس الحاجة إليه، وإنما يجري الخلاف فيما لا نجد بداً من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة.

وقال الشيخ أبو زكريا النووي: الصواب الجزم بجواز ذلك، بل باستحبابه ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيداً إذ لم يمنع منه إجماع، وربما رأى

جاهل بعض الخصائص ثابتاً في الصحيح فيعمل به أخذاً بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف، فلا يشاركه فيها، وأي فائدة أعظم من هذه؟ ! وأما ما يقع في أثناء الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم فقليل جداً لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدرب ومعرفة الأدلة.

وأما جمهور الأصحاب فلم يعرجوا على ما ذكره ابي خيران وإمام الحرمين، بل ذكروا ذلك مستقصى لزيادة العلم، لا سيما الإمام أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص الطبري صاحب كتاب التلخيص.

وقد رتب الحافظ أبو بكر البيهقي على كلامه في ذلك سننه الكبير، ولكن فرع كثيراً من ذلك على أحاديث فيها نظر، سأذكرها إن شاء الله تعالى.

وقد رتبوا الكلام فيها على أربعة أنحاء:

الأول: ما وجب عليه دون غيره.

الثاني: ما حرم عليه دون غيره.

الثالث: ما أبيح له دون غيره

الرابع: ما اختص به من الفضائل دون غيره.

فذكروا في كل منها أحكام النكاح وغيرها، وقد رأيت أن أرتبها على نوع آخر أقرب تناولاً مما ذكروا إن شاء الله تعالى، فأقول وبالله التوفيق:

الخصائص على قسمين:

أحدهما: ما اختص به عن سائر إخوانه من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

الثاني: ما اختص به من الأحكام دون أمته.

,

القسم الأول ـ ما اختص به دون غيره من الأنبياء ـ

أما القسم الأول: ففي الصحيحين «عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» .

فقوله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» ، قيل: كان إذا هم بغزو قوم أرهبوا منه قبل أن يقدم عليهم بشهر، ولم يكن هذا لأحد سواه.

وما روي في صحيح مسلم في قصة نزول عيسى عليه الصلاة والسلام إلى الأرض، وأنه

لا يدرك نفسه كافراً إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي بصره، فإن كان ذلك صفة له لم تزل من قبل أن يرفع: فليست نظير هذا، وإلا فهو بعد نزوله إلى الأرض أحد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني أنه يحكم بشرعه ولا يوحي إليه، بخلافها.

والله تعالى أعلم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» فمعنى ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده: «إن من كان قبلنا كانوا لا يصلون في مساكنهم، وإنما كانوا يصلون في كنائسهم» .

وقوله [وطهوراً] يعني به التيمم، فإنه لم يكن في أمة قبلنا، وإنما شرع له صلى الله عليه وسلم ولأمته توسعة ورحمة وتخفيفاً.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «وأحلت لي الغنائم» ، فكان من قبله إذا غنموا شيئاً أخرجوا منه قسماً فوضعوه ناحية، فتنزل نار من السماء فتحرقه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «وأعطيت الشفاعة» يريد بذلك صلوات الله وسلامه عليه المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، والمقام الذي يرغب إليه الخلق كلهم ليشفع لهم إلى ربهم، ليفصل بينهم ويريحهم من مقام المحشر، وهي الشفاعة التي يحيد عنها أولو العزم، لما خصه الله به من الفضل والتشريف، فيذهب إلى الجنة قبل الأنبياء، وقول الخازن له: بك أمرت، لا أفتح لأحد

قبلك.

وهذه خصوصية أيضاً ليست إلا له من البشر كافة، فيدخل الجنة فيشفع إلى الله تعالى في ذلك كما جاء في الأحاديث الصحاح، وهذه هي الشفاعة الأولى التي يختص بها دون غيره من الرسل.

ثم تكون له بعدها شفاعات في إنقاذ من شاء الله من أهل الكبائر من النار من أمته، ولكن الرسل يشاركونه في هذه الشفاعة، فيشفعون في عصاة أممهم، وكذلك الملائكة، بل والمؤمنين كما في الصحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعد فيقول الله تعالى [شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين] وذكر الحديث.

وقد استقصى هذه الشفاعات الإمام أبو بكر بن خزيمة في آخر كتاب التوحيد.

وكذلك أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة له، وكذلك هي مبسوطة بسطاً حسناً في حديث الصور الذي رواه الطبراني في المطولات، وأبو موسى

المدني الأصبهاني، وغيرهما ممن صنف في صنف في المطولات.

وقد جمع الوليد بن مسلم عليه مجلداً، وقد أفردت إسناده في جزء، فأما رواية أصحاب الكتب الستة كالصحيحين وغيرها، فإنه كثيراً ما يقع عندهم اختصار في الحديث أو تقديم وتأخير، ويظهر ذلك لمن تأمله، والله أعلم.

ثم رأيت في صحيح البخاري شيئاً من ذكر الشفاعة العظمى، فإنه قال في كتاب الزكاة [باب من سأل الناس تكثراً] : «حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم.

وقال: إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدم ثم موسى ثم بمحمد» .

وزاد عبد الله بن يوسف «حدثني الليث عن أبي جعفر: فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم» .

فهذه هي الشفاعة العظمى التي يمتاز بها عن جميع الرسل أولي العزم، بعد أن يسأل كل واحد منهم أن يقوم فيها، فيقول: لست هناكم، اذهبوا إلى فلان، فلا يزال الناس من رسول إلى رسول حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: أنا لها، فيذهب فيشفع في أهل الموقف كلهم عند الله تعالى، ليفصل بينهم، ويريح بعضهم من بعض.

ثم له بعد ذلك شفاعات أربع أخر، منها في إنقاذ خلق ممن أدخل النار.

ثم هو أول شفيع في الجنة، كما رواه الإمام أحمد في مسنده، «عن المختار بن فلفل عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول شافع في الجنة» .

وهو شفيع في رفع درجات بعض أهل الجنة، وهذه الشفاعة اتفق عليها أهل السنة والمعتزلة ودليلها: ما في صحيح البخاري من رواية «أبي موسى أن عمه أبا عامر لما قتل بأوطاس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك» .

«وقال عليه الصلاة والسلام لما مات أبو سلمة بن عبد الأسد: اللهم ارفع درجته» .

وسنفرد إن شاء الله تعالى في الشفاعة جزءاً لبيان أقسامها وتعدادها وأدلة ذلك إن شاء الله تعالى.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» ، فمعناه في الكتاب العزيز، وهو قوله عز وجل: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} ، وقوله تعالى: {وإن من أمة إلا خلا

فيها نذير} ، فكان النبي ممن كان قبلنا لا يكلف من أداء الرسالة إلا ما يدعو به قومه إلى الله، وأما محمد صلوات الله وسلامه عليه فقال الله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} وقال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} وقال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وقال تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} .

وفي آي كثير من القرآن تدل على عموم رسالته إلى الثقلين، فأمره الله تعالى أن ينذر جميع خلقه إنسهم وجنهم، وعربهم وعجمهم، فقام صلوات الله وسلامه عليه بما أمر، وبلغ عن الله رسالته.

ومن خصائصه على إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين أنه: أكملهم، وسيدهم، وخطيبهم، وإمامهم، وخاتمهم، وليس نبي إلا وقد أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمر أن يأخذ على أمته الميثاق بذلك، قال الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} يقول تعالى: مهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول بعد هذا كله فعليكم الإيمان به ونصرته.

وإذا كان هذا الميثاق شاملاً لكل منهم تضمن أخذه لمحمد صلى الله عليه وسلم من جميعهم، وهذه خصوصية ليست لأحد منهم سواه.

ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ولد مسروراً مختوناً كما وردفي الحديث الذي جاء من طرق عديدة لكنها غريبة وقد قيل إنه شاركه فيها غيره من الأنبياء كما ذكره أبو الفرج الجوزي في كتاب تلقيح الفهوم.

ومن ذلك أن معجزة كل نبي انقضت معه ومعجزته صلى الله عليه وسلم باقية بعده إلى ما شاء الله، وهو القرآن العزيز المعجز لفظه ومعناه، الذي تحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا، ولن يمكنهم ذلك أبداً إلى يوم القيامة.

ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أسري به إلى سدرة المنتهى، ثم رجع إلى منزله في ليلة واحدة، وهذه من خصائصه صلى الله عليه وسلم، إلا أن يكون في الحديث من قوله بحيث يقول جبريل للبراق حين جمح لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يركبه: [اسكن فو الله ما ركبك خير منه] ، وكذا قوله في الحديث: «فربطت الدابة في الحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء» ، ما يدل على أنه قد كان يسرى بهم، إلا أننا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم لن يشاركه أحد منه في المبالغة في التقريب والدنو منه، للتعظيم، ولهذا كانت منزلته في الجنة أعلاها منزلة وأقربها إلى العرش كما جاء في الحديث: «ثم سلوا الله

لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لاتنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجوا أن أكون أنا هو» صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك أن أمته إذا اجتمعت على قول واحد في الأحكام الشرعية، كان قولها ذلك معصوماً من الخطأ، بل يكون اتفاقها ذلك صواباً وحقاً كما قرر ذلك في كتب الأصول، وهذه خصوصية لهم بسببه لم تبلغنا عن أمة من الأمم قبلها.

ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض.

ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام إذا صعق الناس يوم القيامة يكون هو أولهم إفاقة، كما أخرجاه في الصحيحين «من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة اليهودي لما قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فلطمه رجل من المسلمين، وترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تفضلوني على موسى فإن الناس يسعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فأجدوا موسى باطشاً بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله» وفي رواية: أم جوزي بصعقة الطور.

وقد حمل بعض من تكلم على هذا الحديث هذه الإفاقة على القيام من القبر.

وغيره في ذلك ما وقع روايات البخاري «من حديث يحيى ابن عمرو المديني عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تخيروني على الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان ممن صعق أم جوزي بصعقته الأولى» .

وهذا اللفظ مشكل، والمحفوظ رواية البخاري «عن يحيى بن قزعة، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر قصة اليهودي إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فأجدوا موسى..» وذكر الحديث فهذا نص صريح لا يحتمل تأويلاً: أن هذه الإفاقة عن صعق لا عن موت، وهذا حقيقة الإفاقة، ثم من تأمل قوله: «فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» جزم بهذا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

ومن ذلك أنه صاحب اللواء الأعظم يوم القيامة، ويبعث هو وأمته على نشز من الأرض دون سائر الأمم، يأذن الله له ولهم بالسجود في المحشر دون سائر الأمم، كما رواه ابن ماجه «عن جبارة بن المغلس الحماني: حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة، أذن لأمة محمد في السجود، فيسجدون له طويلاً، ثم يقال: ارفعوا رؤوسكم فقد جعلنا عدتكم فداءكم من النار» .

وجبارة

ضعيف.

وقد صح من غير وجه أنهم أول الأمم يقضى بينهم يوم القيامة.

ومن ذلك أنه صاحب الحوض المورود، وقد روى الترمذي وغيره: أن لكل نبي حوضاً.

ولكن نعلم أن حوضه صلى الله عليه وسلم أعظم الحياض وأكثرها وارداً.

ومن ذلك أن البلد الذي بعث فيه أشرف بقاع الأرض، ثم مهاجره على قول الجمهور، وقيل: إن مهاجره أفضل البقاع كما هو مأثور عن مالك بن أنس رحمه الله وجمهور أصحابه.

وقد حكى ذلك عياض السبتي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه والله أعلم، ونقل الإتفاق على أن قبره الذي ضم جسده بعد موته أفضل بقاع الأرض.

وقد سبقه إلى حكاية هذا الإجماع القاضي أبو الوليد الباجي وابن بطال وغيرهما، وأصل ذلك ما روي أنه لما مات صلى الله عليه وسلم اختلفوا في موضع دفنه فقيل بالبقيع، وقيل بمكة، وقيل ببيت المقدس، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن الله لم يقبضه إلا في أحب البقاع إليه.

وذكره عبد الصمد بن عساكر في كتاب تحفة الزائر.

ولم أره بإسناد.

ومن ذلك أنه لم يكن ليورث بعد موته «كما رواه أبو بكر وأبو هريرة رضي الله عنهما، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا نورث ما تركنا فهو صدقة» .

أخرجاه من الوجهين ولكن روى الترمذي بإسناد جيد في غير الجامع «عن أبي بكر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: نحن معشر الأنبياء لا نورث» فعلى هذا يكونون قد اشتركوا في هذه الصفة دون بقية المكلفين.

فصل:

ومما يشترك فيه هو والأنبياء أنه صلى الله عليه وسلم كان تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء.

وجاء في الصحيح: «تراصوا في الصف فإني أراكم من وراء ظهري» فحمله كثير على ظاهره، والله أعلم، وقال أبو نصر بن الصباغ: كان ينظر من ورائه كما ينظر من قدامه، ومعنى ذلك التحفظ والحس وجاء في حديث رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده «عن أنس مرفوعاً: الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» .

,

القسم الثاني ـ ما اختص به دون أمته، وقد يشاركه فيها غيره من الأنبياء

القسم الثاني من الخصائص ما كان مختصاً به دون أمته وقد يشاركه في بعضها الأنبياء، وهذا هو المقصود الأول فلنذكره مرتباً على أبواب الفقه.


ملف pdf

كلمات دليلية: