اسلام ثقيف

اسلام ثقيف


اسلام ثقيف

وفى هذه السنة كان اسلام ثقيف فى الاكتفاء قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك فى رمضان وقدم فى ذلك الشهر وفد ثقيف وكانت ثقيف بعد قتلهم عروة بن مسعود أقامت أشهرا ثم انهم ائتمروا بينهم ورأوا انهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا فمشى عمرو بن أمية أخو بنى علاج وكان من أدهى العرب الى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره وكان قبل مهاجرا له للذى بينهما ثم أرسل اليه أنّ عمرو بن أمية يقول لك اخرج الىّ فقال عبد ياليل للرّسول ويلك أعمر وأرسلك الىّ قال نعم وها هو ذا واقفا فى دارك قال انّ هذا شئ ما كنت أظنه لعمرو وكان أمنع فى نفسه من ذلك فخرج اليه فلما رآه رحب به فقال له عمرو انه قد نزل بنا ما ليست معه هجرة انه قد كان من هذا الرجل ما قد رأيت وقد أسلمت العرب كلها وليس لكم بحربهم طاقة فانظروا فى أمركم فعند ذلك ائتمرت ثقيف

بينها وقال بعضهم لبعض ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج لكم أحد الا اقتطع فائتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أرسلوا عروة فكلموا عبد ياليل وكان سنّ عروة وعرضوا عليه ذلك فأبى أن يفعل وخشى أن يصنع به اذا رجع كما صنع بعروة فقال لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الاحلاف وثلاثة من بنى مالك فيكونون ستة فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب ومن بنى مالك عثمان بن أبى العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم ولم يخرج بهم الا خشية من مثل ما صنعوا بعروة بن مسعود لكى يشغل كل رجل منهم اذا رجعوا الى الطائف رهطه فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى فى نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت رعيتها نوبا عليهم فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وصار يشتد يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم فلقيه أبو بكر الصدّيق قبل أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقدومهم يريدون البيعة والاسلام وأن يشترطوا شروطا ويكتبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فقال أبو بكر للمغيرة رضى الله عنهما أقسمت عليك بالله لا تسبقنى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكون أنا أحدّثه ففعل المغيرة فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ثم خرج المغيرة الى أصحابه فروّح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا الا بتحية الجاهلية ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة فى ناحية مسجده كما يزعمون وكان خالد بن سعيد هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اكتتبوا كتابهم كتبه خالد بيده وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية وهى اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى وانما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاسلام فأبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدمانها وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما كسر أوثانكم فسنعفيكم منها وأما الصلاة فانه لا خير فى دين لا صلاة فيه فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّر عليهم عثمان بن أبى العاص وكان من أحدثهم سنا فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله انى قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه فى الاسلام وتعلم القرآن فحدث عثمان بن أبى العاص قال كان من آخر ما عهد الىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثنى على ثقيف أن قال يا عثمان تجاوز فى صلاتك واقدر الناس بأضعفهم فانّ فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا راجعين الى بلادهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فى هدم الطاغية فحرجا مع القوم حتى اذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدّم أبا سفيان فأبى ذلك أبو سفيان وقال ادخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذى الهرم فلما دخل علاها يضربها بالمعول وقام دونه قومه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن* لتبكين دفاع* أسلمها الرضاع* لم يحسنوا المصاع* فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل الى أبى سفيان وحليها مجموع ومالها من

الذهب والجزع وقد كان أبو مليح بن عروة

وقارب بن الاسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريد ان فراق ثقيف وأن لا يجامعهم على شىء أبدا فأسلما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم توليا من شئتما فقالا لا نتولى الا الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالكما أبا سفيان بن حرب فقالا وخالنا أبا سفيان فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان والمغيرة الى هدم الطاغية سأل أبو مليح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضى عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فقال له قارب بن الاسود وعن الاسود يا رسول الله فاقضه وعروة والاسود أخوان لأب وأمّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انّ الاسود مات مشركا فقال قارب يا رسول الله لكن تصل مسلما ذا قرابة يعنى نفسه انما الدين علىّ وأنا الذى أطالب به فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان ان يقضى دين عروة والاسود من مال الطاغية فلما جمع المغيرة مالها ذكر أبا سفيان بذلك فقضى منه عنهما* هكذا ذكر ابن اسحاق اسلام أهل الطائف بعقب غزوة تبوك فى رمضان من سنة تسع قبل حج أبى بكر بالناس آخر تلك السنة وجعل ابن عقبة قدوم عروة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتله فى قومه واسلام ثقيف كل ذلك بعد صدر أبى بكر رضى الله عنه من حجه وبين حديثه وحديث ابن اسحاق بعض اختلاف رأيت ذكر حديث ابن عقبة وان كان أكثره معادا لاجل ذلك الاختلاف ثم أذكر بعده حجة أبى بكر فى الموضع الذى ذكرها فيه ابن اسحاق* قال موسى ابن عقبة فلما صدر أبو بكر من حجه بالناس قدم عروة بن مسعود الثقفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ثم استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الرجوع الى قومه فقال له انى أخاف أن يقتلوك قال لو وجدونى نائما ما أيقظونى فأذن له فرجع الى الطائف وقدمها عشاء فجاءته ثقيف يسلمون عليه فدعاهم الى الاسلام ونصح لهم فاتهموه وأغصوه وأسمعوه من الاذى ما لم يكن يخشاه منهم فخرجوا من عنده حتى اذا سحر وسطع الفجر قام عروة على غرفة فى داره وتشهد فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتله مثل عروة مثل صاحب يس دعا قومه الى الله فقتلوه وأقبل بعد قتله وفد من ثقيف بضعة عشر رجلاهم أشراف ثقيف وفيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ وفيهم عثمان بن أبى العاص وهو أصغر القوم حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يريدون الصلح حين رأوا أن قد فتحت مكة وأسلمت عامة العرب فقال المغيرة بن شعبة يا رسول الله أنزل علىّ قومى أكرمهم بذلك فانى الحازم فيهم قال لا أمنعك أن تكرم قومك ولكن تنزلهم حيث يسمعون القرآن ويرون الناس فأنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد وبنى لهم خياما لكى يستمعوا القرآن ويروا الناس اذا صلوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خطب لم يذكر نفسه فلما سمعه وفد ثقيف قالوا يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهد به فى خطبته فلما بلغه قولهم قال فانى أوّل من يشهد أنى رسول الله وكانوا يغدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم ويخلفون عثمان بن أبى العاص على رحالهم لانه أصغرهم وكان عثمان كلما رجع الوفد اليه وقالوا بالهاجرة عمد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن الدين واستقرأه القرآن فاختلف اليه عثمان مرارا حتى فقه فى الدين وعلم وكان اذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما عمد الى أبى بكر وكان يكتم ذلك من أصحابه فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه ومكث الوفد يختلفون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم الى الاسلام فقال له كنانة بن عبد ياليل هل أنت تقاضينا حتى نرجع الى قومنا ثم نرجع اليه فقال نعم ان أنتم أقررتم

بالاسلام قاضيتكم والا فلا قضية ولا صلح بينى وبينكم قالوا رأيت الزنا فانا قوم نغترب ولا بدّ لنا منه قال هو عليكم حرام فانّ الله تعالى يقول ولا تقربوا الزنا انه

كان فاحشة وساء سبيلا قالوا فالربا قال والربا قالوا انه أموالنا كلها قال فلكم رؤس أموالكم فقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين قالوا فالخمر فانها عصير أرضنا فلا بدّ لنا منها قال فانّ الله تعالى حرّمها فقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون فارتفع القوم وخلا بعضهم الى بعض فقالوا ويحكم انا نخاف ان خالفناه يوما كيوم مكة انطلقوا فأعطوه ما سأل وأجيبوه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لك ما سألت أرأيت الربة ماذا نصنع فيها قال اهدموها فقالوا هيهات لو تعلم الربة انا نريد هدمها لقتلت أهلنا فقال عمر ويحك يا ابن عبد ياليل ما أحمقك انما الربة حجر قال انا لم نأتك يا ابن الخطاب ثم قال يا رسول الله تول أنت هدمها فانا نخاف أن نهدمها فقال كنانة ائذن لنا قبل يا رسول الله ثم ابعث فى آثارنا فانى أعلم بقومى فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرمهم فقالوا يا رسول الله أمّر علينا رجلا يؤمّنا فأمّر عليهم عثمان بن ابى العاص لما رأى من حرصه على الاسلام وقد كان علم سورا من القرآن قبل أن يخرج* قال كنانة لاصحابه أنا أعلمكم بثقيف فاكتموهم اسلامكم وخوّفوهم الحرب والقتال وأخبروهم أنّ محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه سألنا أن ن

هدم اللات ونبطل أموالنا فى الربا ونحرّم الخمر فخرجوا حتى اذا دنوا من الطائف خرجت اليهم ثقيف يتلقونهم فلما رأوهم قد ساروا العنق وقطروا الابل وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حربوا وكربوا قالت ثقيف بعضهم لبعض ما جاؤكم بخير فلما دخلوا حصنهم عمدوا اللات فجلسوا عندها واللات بيت كانوا يتعبدونه ويسترونه ويهدون له الهدى يضاهون به البيت الحرام ثم رجع كل واحد منهم الى أهله فجاء كل رجل حاميته من ثقيف فسألوه ماذا جئتم به قالوا أتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من أمره ما شاء قد ظهر بالسيف وأداخ العرب ودان الناس له فعرض علينا أمورا شدادا هدم اللات وترك الاموال فى الربا الا رؤس أموالكم وحرّم الخمر والزنا قالت ثقيف والله لا نقبل هذا أبدا فقال الوفد أصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال وشيدوا حصونكم ورمّوها أى عمروها فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة تريد القتال ثم ألقى الله الرعب فى قلوبهم فقالوا والله ما لنا به طاقة أداخ العرب كلها فارجعوا اليه فأعطوه ما سأل وصالحوا عليه فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا واختاروا الأمن على الخوف وعلى الحرب قالوا لهم انا قد فرغنا من ذلك قد قاضيناه وأسلمنا وأعطانا ما أحببنا واشترطنا ما أردنا ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لكم ولنا فى سفرنا ومسيرنا اليه وفيما قاضيناه عليه فقالت ثقيف فلم كتمتم علينا هذا الحديث وغممتمونا بذلك أشدّ الغمّ قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانهم واستسلموا



كلمات دليلية: