إسلام وفد ثقيف_13118

إسلام وفد ثقيف


الوفد الثاني: وفد ثقيف

وقدم -عليه الصلاة والسلام- وفد ثقيف، بعد قدومه -عليه الصلاة والسلام- من تبوك، وكان من أمرهم أنه -صلى الله عليه وسلم- لما انصرف من الطائف قيل له: يا رسول الله, ادع لنا ثقيف، فقال: "اللهم اهد ثقيفًا وأتِ بهم".

ولما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام،

__________

"الوفد الثاني":

"وقدم عليه -عليه الصلاة والسلام- وفد ثقيف بعد قدومه -عليه الصلاة والسلام- من تبوك"

المدينة في رمضان، كما قال ابن سعد وابن إسحاق، وجزم به مغلطاي، وقال بعضهم: في شعبان سنة تسع، وأما خروجه من المدينة إلى تبوك فكان يوم الخميس في رجب سنة تسع اتفاقًا كما مَرَّ، "وكان من أمرهم" أي: من جملة الأشياء المتعلقة بثقيف "أنه -صلى الله عليه وسلم- لما انصرف من الطائف" أي: ترك محاصرته، وعزم على السفر، "قيل له: يا رسول الله, ادع لنا ثقيف" فقد أحرقتنا نبالهم، "فقال: "اللهم اهد ثقيفًا" إلى الإسلام "وأت بهم" مسلمين.

روى الترمذي، وحسَّنه عن جابر قال: قالوا: يا رسول الله, أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، فقال: "اللهم اهد ثقيفً وأت بهم".

وعند البيهقي عن عروة، ودعا -صلى الله عليه وسلم- حين ركب قافلًا، فقال: "اللهم اهدهم، واكفنا مؤنتهم"، "ولما انصرف عنهم،" أي: شرع فيه بالفعل ليغاير ما قبله "اتبع بشد التاء "أثره" بتثليث الهمزة وفتح المثلثة وإسكانها "عروة بن مسعود" بن معتب -بمهملة وفوقية مشددة، أن مالك كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو عمّ والد المغيرة بن شعبة، وأمه سبيعة بنت عبد مناف، كان أحد الأكابر, ممن قيل: إنه المراد بقوله تعالى: {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] الآية، قال ابن عباس وجماعة: أرادوا الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وعروة بن مسعود من أهل الطائف.

وفي مسلم: عرض على الأنبياء الحديث, وفيه: ورأيت عيسى فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، وله ذكر في الصحيح في قصة الحديبية، وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، وترجمة ابن عبد البر بأنه شهد الحديبية، وليس كذلك، فالعرف إذا أطلق على الصحابي أنه شهد غزوة كذا، فالمراد شهدها مسلمًا, فلا يقال شهد معاوية بدرًا؛ لأنه إذا أطلق ذلك ظنّ من لا خبرة له لكونه عرف أنه صحابي أنه شهدها مع المسلمين، أفاده في الإصابة. "حتى أدركه" أي: لحقه، ففيه تجريد، ففي المصباح: أدركته إذا طلبته، فلحقته "قبل أن يدخل المدينة"، كما عند ابن إسحاق، وعند موسى بن عقبة عن الزهري وأبي الأسود، عن عروة: لما صدر أبو بكر من الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود على النبي -صلى الله عليه وسلم، "فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام" أي: بإظهاره, وطلبه منهم.

وعند ابن عقبة وغيره، فقال: إني أخاف أن يقتلوك، فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني.

فلمَّا أشرف على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله.

ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا فيما بينهم, ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا،

__________

وفي رواية ابن إسحاق، فقال له: "إنهم قاتلوك"، وعرف أن فيهم نخوة الامتناع، أي: كبره وعظمته، فقال: أنا أحب إليهم من أبكارهم.

وقال ابن هشام: من أبصارهم، وكان فيهم كذلك محببًا مطاعًا، فأذن له، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، "فلمَّا أشرف" ظهر "لهم على علية" بضم العين، وكسرها وشد التحتية, غرفة، "وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه" بالإفراد، أي: الإسلام.

وفي نسخة: دينهم، أي: بطلان دينهم، لكن الرواية عند ابن إسحاق وغيره: إنما هي بالإفراد، ثم في هذه الرواية اختصار، ففي رواية ابن عقبة وغيره: فرجع، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم فنقصوه وأسمعوه من الأذى، فلمَّا كان من السحر قام على غرفة له، فأذن، "رموه بالنبل من كل وجه" أي: جهة، "فأصابه سهم فقتله".

وحكى ابن إسحاق: الخلاف في أنَّ اسم قاتله أوس بن عوف, أو وهب بن جارية، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلّا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معكم، فدفنوه معهم، فقال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم: "إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه".

روى عروة بن مسعود الثقفي عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله, فإنها تهدم الخطايا" رواه ابن منده, إسناد ضعيف.

وروى أبو نعيم عنه: كان -صلى الله عليه وسلم- يوضع عنده الماء، فإذا بايع النساء لمسن أيديهن فيه، وإسناده ضعيف منقطع، "ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرًا" نحو: ثمانية، فعند ابن إسحاق: قدم -صلى الله عليه وسلم- المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، "ثم إنهم ائتمروا فيما بينهم, ورأوا أنهم لا طاقة" لا قوَّة "لهم بحرب من حولهم من العرب, و" الحال أنهم "قد بايعوا وأسلموا" أي: من حولهم، فبقي أهل الطائف منفردين بعد الإسلام معرضين للحرب.

وعند ابن إسحاق: أن عمرو بن أمية كان مهاجر العبد ياليل لشيء كان بينهما، وكان عمرو من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل حتى دخل داره, فخرج إليه فرحَّب به، فقال له عمر: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم، فعند ذلك ائتمرت ثقيف, وقال بعضهم

وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

فبعثوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومعه اثنان من الأحلاف: الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وشرحبيل بن غيلان، وثلاثة من بني مالك: عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير.

__________

لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فأتمروا بينهم "وأجمعوا" عزموا وصمَّموا على "أن يرسلوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فبعثوا عبد ياليل بن عمرو" بفتح العين "ابن عمير" بضمها مصغَّر، كذا قاله ابن إسحاق، فذكره ابن حبان في الصحابة، فقال: له صحبة، وكان من الوفد، والذي قاله غيره: إن هذا إنما هو لولده مسعود، ذكره في الإصابة فيمن ذكر غلطًا في الصحابة، ومن الغير موسى بن عقبة، وابن الكلبي، وأبو عبيدة قالوا: إنه مسعود بن عبد ياليل، لكن صاحب الإصابة وغيره ترجموا مسعود بن عمرو.

وقالوا: إنه أخو عبد ياليل لا ابنه، وما ذكروا لابنه ترجمة، "ومعه اثنان من الأحلاف: الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب" بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الفوقية وموحّدة، ويجوز فيه إسكان العين، وكسر الفوقية "ابن مالك" بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، كذا نسبه في الإصابة ثقيفًا, والمصنف تبعًا لابن إسحاق قالا: إنه من أحلافهم، "وشرحبيل" بفتح المعجمة والراء، وإسكان المهملة وكسر الموحدة وتحتية ولام "ابن غيلان" بفتح المعجمة وسكون التحتية, ابن معتب بن مالك الثقفي.

قال ابن سعد: نزل الطائف وله صحبة، ومات سنة ستين.

قال أبو عمرو: له حديث في الاستغفار بين كل سجدتين, ليس مما يحتجّ بإسناده، "وثلاثة من بني مالك: عثمان بن أبي العاص" بن بشر بن عبيد بن درهمان بن عبد الله الثقفي، أبو عبد الله, نزيل البصرة, أسلم في ود ثقيف، فاستعمله النبي -صلى الله عليه وسلم- على الطائف، وأقرَّه أبو بكر، ثم استعمله عمر على البحرين وعمان سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها، قيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة, خطبهم فقال: كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا، وجاء عنه: إنه شهد آمنة لما ولدت النبي -صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا يكون عاش نحوًا من مائة وعشرين سنة.

روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث في مسلم والسنن، "وأوس بن عوف" بن جابر بن سفيان بن عبد ياليل بن سالم بن مالك، كذا نسبه ابن حبان في الصحابة، وقال: كان في وفد ثقيف، وزعم أبو نعيم أنه هو أوس بن حذيفة، نسب إلى عوف أحد أجداده.

قال الحافظ: وليس كذلك, لاختلاف النسبين "ونمير" بضم النون، وفتح الميم، وإسكان

ابن خرشة، فلمَّا قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم, حتى أسلموا واكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكان فيما سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يدع لهم الطاغية -وهي اللات, لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم -عليه الصلاة والسلام- إلّا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها.

وكان فيما سألوه مع ذلك أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا.

__________

التحتية وراء. "ابن خرشة" بفتح المعجمة والراء المعجمة, ابن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن الحارث بن حطيط بن جشم بن ثقيف, نسبه ابن حبان.

وقال أبو عمرو: هو حليف لهم من بني كعب، أخرج البغوي وابن السكن وأبو نعيم عنه, قال: أدركنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجحفة, فاستبشر الناس قدومنا. الحديث. وذكر في سياق اشتراطهم ما اشترط، وذكره في الإصابة.

وعند ابن إسحاق: فخرج بهم عبد ياليل وهو صاحب أمرهم، فلمَّا دنوا من المدينة ونزلوا قناة, وجدوا المغيرة بن شعبة ليبشِّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقدومهم، فلقيه أبو بكر، فقال: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إليهم فروج الظهر، أي: الركاب معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فلم يفعلوا إلّا بتحية الجاهلية، "فلمَّا قدموا على رول الله -صلى الله عليه وسلم- ضرب عليهم قبة" خيمة "في ناحية المسجد"؛ لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، "وكان خالد بن سعيد بن العاص" بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف, من السابقين الأولين، قيل: كان رابعًا، أو خامسًا، "هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم", وكانوا لا يطعمون طعامًا يأتيهم من عنده -صلى الله عليه وسلم- حتى يأكل منه خالد، "حتى أسلموا واكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكان فيما سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أن يدع لهم الطاغية" اسم لمعبودهم من أصنام وغيرها, والجمع طواغي، "وهي" أي: المراد بها هنا: "اللات", لا أنها مفهوم الطاغية "لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم -عليه الصلاة والسلام" في ابن إسحاق: فما برجوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى -صلى الله عليه وسلم "إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة يهدمانها، وكان فيما سألوه مع ذلك أن يعفيهم" بضم الياء وكسر الفاء, يتركهم "من الصلاة، وأن لا يكسروا

أوثانهم إلّا بأيديهم، فقال -عليه الصلاة والسلام: "كسروا أوثانكم بأيديكم, وأما الصلاة: فلا خير في دين لا صلاة فيه"، فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمَّرَ عليهم عثمان بن أبي العاص, وكان من أحدثهم سنًّا، لكنه كان من أحرصهم على التفقّه في الإسلام وتعلم القرآن.

فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية،......................

__________

أوثانهم إلا بأيديهم، فقال -عليه الصلاة والسلام: "كسروا أوثانكم بأيديكم" نقل بالمعنى.

ولفظ ابن إسحاق: فقال -صلى الله عليه وسلم: "أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، "وأمّا الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه"،" فقالوا: يا محمد, فسنؤتيكها وإن كانت دناءة، "فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمَّرَ" بشد الميم "عليهم عثمان بن أبي العاص, وكان من أحدثهم سنًّا" بزيادة من في الإثبات على رأي الأخفش أو تبعيضية، والمراد: أن ثلاثة من الستة مثلًا أحدث من باقيهم، وهو واحد منهم، فلا ينافي كونه أصغرهم، فلا يخالف ما هنا قوله: الآتي وأنا أصغر الستة، "لكنَّه كان من أحرصهم على التفقُّه في الإسلام وتعلم القرآن" بشد اللام مضمومة والجر عطف على التفقّه، فلذا أمَّره عليهم بإشارة الصديق، كما عند ابن إسحاق, وعنده عن بعض وفدهم: وصمنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ما بقي من رمضان، فكان بلال يأتينا من عنده بفطرنا وسحورنا، فيأتينا السحور وإنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع، فيقول: قد تركت رسول الله يتسحَّر, ويأتينا بفطورنا وإنا لنقول: ما نرى الشمس ذهبت، فيقول: ما جئتكم حتى أكل -صلى الله عليه وسلم، ثم يضع يده في الجنة، فيلقم منها، "فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية", حتى إذا قدموا الطائف، أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى, وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام بماله بذي الهرم -بفتح الهاء وإسكان الراء وميم, محلّ بالطائف، كذا عند ابن إسحاق وغيره، أنهما ذهبا مع الوفد.

وفي رواية: أنهم تأخروا عنهم أيامًا حتى قدموا، وأنَّ الوفد لما قدموا تلقاهم ثقيف، فقصدوا اللات ونزلوا عندها، فسألوهم ماذا جئتم به؟ فقالوا: أتينا رجلًا فظًّا غليظًا، قد ظهر بالسيف، وداخ له العرب، قد عرض علينا أمورًا شددًا، أهدم اللات، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدًا، فقال الوفد: أصلحوا السلاح وتهيؤا للقتال، فمكثوا يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: والله ما لنا به من طاقة، فارجعوا فأعطوه ما سأل، فقال الوفد: فإنا قاضيناه وشرطنا ما أردنا، وجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، فاقبلوا عافية الله. فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث؟ فقالوا: لو أردنا أن ننزع من

فلمَّا دخل المغيرة عليها علاها بضربها بالمعول، وخرج نساء ثقيف حسرًا يبكين عليه، وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحليها.

وكان كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كتبه لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله

__________

قلوبكم نخوة الشيطان، أي: الكبر والعظمة، فأسلموا مكانهم، ومكثوا أيامًا، ثم قدم رسل النبي -صلى الله عليه وسلم- لهدم اللات, فإن صحَّ، فيحتمل أنهم خرجوا من المدينة مصاحبين للوفد، ثم أخَّروهم في مكان لكي يستألف الوفد قومهم قبل قدومهم, حتى لا يكون نزاع، "فلما دخل المغيرة عليها" وقام قومه دونه, خشية أن يرمى أو يصاب كعروة, "علاها يضربها بالمعول" بكسر الميم، وإسكان المهملة وفتح الواو. الفأس العظيمة يقطع بها الصخر، "وخرج نساء ثقيف حسرًا" بضم الحاء، وفتح السين المشددة وراء مهملات، أي: منكشفات "يبكين عليها".

وفي رواية: خرجت ثقيف كلها حتى العواتق من الحجال، لا ترى أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فأخذ المغيرة الفأس فضرب ثم سقط، فارتجوا وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته، وفرحوا وقالوا: والله لا يستطاع هدمها، فوثب المغيرة وقال: قبَّحكم الله, إنما هي حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها, وعلا الرجال معه يهدمونها حجرًا جرًا حتى سورها، فقال البواب: ليغضبنّ الأساس فيخسف بهم، فحفروا أساسها حتى أخرجوا ترابها، "وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحليها" بضم الحاء وكسر اللام والياء المشددة, جمع حلي -بفتح فسكون. عطف خاص على عام.

زاد ابن إسحاق: وأرسل إلى أبي سفيان حليها -مجموع, ومالها من الذهب والفضة والجذع، وقد كان أبو فليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق قومهما، فأسلما, فقال لهما -صلى الله عليه وسلم: "توليا من شئتما"، فقالا: نتولّى الله ورسوله، فقال -صلى الله عليه وسلم: "وخالكما أبا سفيان بن حرب"، فقالا: وخالنا أبا سفيان، فلما أسلم أهل الطائف, سأل أبو فليح رسول الله أن يقضي عن أبيه عروة دينًا كان عليه من مال اللات، فقال: "نعم"، فقال له: قارب، وعن الأسود: يا رسول الله, فاقضه, وعروة والأسود شقيقان، فقال -صلى الله عليه وسلم: "إن الأسود مات مشركًا"، فقال قارب: يا رسول الله, لكن تصل مسلمًا ذات قرابة، يعني: نفسه، إنما الدَّيْن عليَّ, وأنا الذي أطلب به، فأمر أبا سفيان أن يقضي دينهما من مال الطاغية فقضاه، ثم قدموا عليه بحليها وكسوتها، فقسمه من يومه, وحمد الله على نصر دينه وإعزاز نبيه، "وكان كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كتبه لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله" لفظه في ابن إسحاق: "من محمد النبي رسول الله" , فسقط من المصنف لفظ النبي, "إلى المؤمنين: إن عضاه

إلى المؤمنين: إن عضاه وج, وصيده حرام لا يعضد، من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، فإن تعدَّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبي محمدًا، وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله"، وكتب خالد بن سعيد بأمر محمد بن عبد الله، فلا يتعدَّاه أحد, فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.

و"وج": واد بالطائف.

واختلف فيه: هل هو حرم يحرم صيده وقطع شجره؟ فالجمهور: أنه ليس في البقاع حرم إلّا حرم مكة والمدينة, وخالفهم أبو حنيفة

__________

"وج" بمهملة مكسورة ومعجمة وآخره هاء لا تاء, كل شجر ذي شوك, جمع عضهة، حذفت منه هاء، فصار عضه بهاء تأنيث كشَفَه، ثم ردّت في الجمع، فقيل: عضاه كشِفَاه، ويقال: عضهة كعنبة، ويقال أيضًا: عضاهة وهو أقبحها. "وصيده حرام لا يعضد" بضم التحتية وفتح المعجمة. لا يقطع "من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد" تعزيرًا لمخالفة النهي "وتنزع ثيابه" أي: تكون سلبًا لمن وجده يفعل، "فإن تعدَّى ذلك" أي: امتنع من تسليم نيابه لمن وجده يقطع، "فإنه يؤخذ، فيبلغ" به "النبي محمدًا"، فيرى فيه رأيه, "وإنَّ هذا أمر النبي محمد رسول الله وكتب خالد بن سعيد بأمر محمد بن عبد الله: فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله" زيادة في التأكيد، وإلى هذا ذهب الشافعي في القديم، واختاره النووي في شرح المهذَّب للأحاديث الصحيحة فيه بلا معارض.

روى مسلم: أن سعد بن أبي وقاص وجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه، فسلبه، فجاءه أهل العبد، فكلموه أن يردّ على غلامهم, أو عليهم ما أخذ منه، فقال: معاذ الله أنْ أَرُدَّ شيئًا نفلنيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرد عليهم.

وروى أبو داود: أن سعدًا أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة، فسلبه ثيابه، فجاءوا إليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله حرَّم هذا الحرم، وقال: "من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه" , فلا أردّ عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه، ولم يأخذ الجمهور بهذا, ومنهم الشافعي في الجديد؛ لأن عمل الأمَّة على لافه "ووج" بفتح الواو وشد الجيم "واد بالطائف" لا بلد به، وغلط الجوهري, قاله في القاموس، أي: في قوله: إنه بلد، أي: حصن من حصون الطائف.

"واختلف فيه: هل هو حرم بحرم صيده وقطع شجره، فالجمهور أنه" لا يحرم ذلك؛ لأنه "ليس في البقاع حرم إلّا حرم مكة والمدينة" للأحاديث الصحيحة، "وخالفهم أبو حنيفة في

في حرم المدينة.

وقال الشافعي -في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: ما تقدَّم، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن صيد وج وعضاهه حرم محرَّم لله" رواه الإمام أحمد وأبو داود, لكن في سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه.

وفي مغازي المعتمر بن سليمان التيمي عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبي العاص، قال: استعملني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة،

__________

حرم المدينة" فأباح صيده وقطع شجره، وهو محجوج الصحيحة في البخاري وغيره.

"وقال الشافعي في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره" وهو القول الجديد والمشهور، قال في البهجة:

وحرم الهادي ووج الطائف ... كتلك الحرمة والجزا نفي

"واحتجَّ لهذا القول بحديثين، أحدهما ما تقدَّم" في الكتاب, وأجاب الجمهور بضعفه؛ إذ إن إسحاق ذكره بلا إسناد، "والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه" الزبير بن العوام: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله"، رواه الإمام أحمد وأبو داود" فلو صحَّ لكان حجة, "لكن" لا يصح؛ لأن "في سماع عروة من أبيه نظر, وإن كان قد رآه،" فأصحاب الحديث نفوا سماعه منه، فهي علة تقدح في صحته.

"وفي مغازي المعتمر بن سليمان التيمي" أبي محمد البصري, ثقة، روى له الستة، ومات سنة سبع وثمانين، وقد جاوز الثمانين, "عن عبد الله بن عبد الرحمن" بن يعلى بن كعب "الطائفي" الثقفي، صدوق يخطئ ويهم, "عن عمه عمرو بن أوس" الثقفي التابعي الكبير، روى له الجميع، ووهم من ذكره في الصحابة، كالطبري وابن منده، كما بينه الحافظ، "عن عثمان بن أبي العاص" الثقفي، الطائفي الصحابي الشهير، "قال: استعملني رسول الله -صلى الله عله وسلم- وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني" أي: لأجل أني "كنت قرأت سورة البقرة في" مدة إقامتهم، كانوا يفدون على المصطفى ويخلّفونه في رحالهم لصغره، فإذا رجعوا بالهاجرة عَمَد عثمان إلى رسول الله، فسأله عن الدين، واستقرأه القرآن حتى فقه في الدِّين، فأعجب ذلك المصطفى وأحبه.

فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلّت مني، فوضع يده على صدري، وقال: "يا شيطان, اخرج من صدر عثمان"، فما نسيت شيئًا بعده أريد حفظه.

وفي صحيح مسلم، عن عثمان بن أبي العاص، قلت: يا رسول الله، إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي، فقال: "ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته تعوَّذ بالله منه, واتفل على يسارك ثلاثًا" قال: ففعلت فأذهبه الله عني.

__________

وروي عنه: سألته مصحفًا كان عنده فأعطانيه، "فقلت: يا رسول الله, إن القرآن يتفلّت مني، فوضع يده على صدري، وقال: "يا شيطان, اخرج من صدر عثمان"، فما نسيت شيئًا بعده أريد حفظه،" وعنه قلت: يا رسول الله, ادع الله أن يفقِّهني في الدّين ويعلمني، قال: "ماذا قلت"؟ فأعدت عليه القول، فقال: "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من تقدَّم عليك من قومك".

"وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص قلت: يا رسول الله, إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي، فقال: "ذلك شيطان يقال له خنزب" مثلث الخاء المعجمة، كما في النهاية.

قال النووي: والمعروف: الفتح والكسر، ثم نون ساكنة، ثم زاي مفتوحة، ثم ياء موحدة، "فإذا أحسسته فتعوَّذْ بالله منه واتفل" بضم الفاء وكسرها, من بابي: ضرب ونصر, "على يسارك ثلاثًا" أي: على جهته، فيشمل ما إذا ألقى ما يتفله بالأرض، أو على شيء من أعضائه كيده اليسرى، "قال: ففعلت, فأذهبه الله عني" ففيه أن ذلك يذهب الوسواس.

وروى ابن إسحاق عن عثمان، قال: كان من آخر ما عهد إليّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حين بعثني على ثقيف أن قال: "يا عثمان, تجاوز في الصلاة, وأقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة".



كلمات دليلية: