إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 6 من البعثة

إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 6 من البعثة

بعد أيام من إسلام أسد الله حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- وقد أعز الله به الإسلام، آمن رجل آخر كان إسلامه عزًّا للإسلام والمسلمين، وفارقًا بين الحق والباطل، إنه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وكانت قصة إسلام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عجيبة، فبعد إهانة أبي جهل في مكة على يد حمزة بن عبد المطلب (عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم) أراد عمر بن الخطاب أن يقتص لكرامة أبي جهل إذ كان خاله، وردّ الاعتبار عند العرب في حالة كهذه يكون عادة بالسيف؛ فَسَنَّ عمر سيفه وخرج من داره قاصدًا النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي الطريق لقيه نُعَيم بن عبد الله العدوي القرشي وكان قد أخفى إسلامه، فسال عمر أين يذهب، فعرف منه أنه يتجه لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقال له: «والله لقد غرتك نفسك يا عمر ! أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟

قال: وأي أهل بيتى؟

قال: خَتَنُكَ -أي: صهرك- وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما وتابعا محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه، فعليك بهما.

فرجع عمر عائدا إلى أخته فاطمة، وعندها خباب بن الأرت معه صحيفة فيها « طه » يُقرِئها إياها. فلما سمعوا صوت عمر تغيَّب خبَّاب في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها.

فلما دخل قال: ما هذه الْهَيْنَمَةُ -أي:الترتيلة أو الصوت- التى سمعت؟

قالا له: ما سمعت شيئا.

قال: بلى والله لقد أُخْبِرْتُ أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بزوج أخته سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فَشَجَّهَا.

فلما فعل ذلك قالت له أخته وَخَتَنُهُ: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.

وحين رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع ،فَارْعَوى، وقال لاخته: أعطيني هذه الصحيفة التى كنتم تقرأون آنفا، أنظر ما هذا الذى جاء به محمد، وكان عمر كاتبا.

فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها.

قال: لا تخافى، وحلف بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها.

فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت: يا أخى إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسه إلا المطهرون، فقام عمر فاغتسل، فأعطته أخته الصحيفة، وفيها « طه ». فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه؟!

فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج إليه فقال له: والله يا عمر إنى لارجو أن يكون الله قد خصَّك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإنى سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الاسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب.

فطلب منه عمر أن يدله على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يآتيه فيُسلم، فدله خباب على مكانه وكان عند الصفا في نفر مع أصحابه.

فلما أن وصل عمر إلى باب الدار وطرقه وسمع الصحابة صوته فزعوا.

فقال حمزة فأذن له: فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه.

فقال رسول صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأَذِن له الرجل، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة، فقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فو الله ما أرى أن تنتهى حتى يُنزل الله بك قارعة. فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأُومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله. قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة، فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم. فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتصفون بهما من عدوهم.

قال ابن إسحق: فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم رضى الله عنه.[السيرة النبوية لابن كثير]

وعن إسلام عمر يقول ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ» (رواه البخاري)، ويقول أيضًا: «ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه» (رواه البخاري).