حياة أمهات المؤمنين في بيت النبوة

أمهات المؤمنين

بيت تلاقت فيه البشرية بالنبوة واتصلت الأرض بالسماء، هنا عاشت نساء النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمعت فيهن صفات المؤمنين الزاهدين الأنقياء، ومهدن الطريق لنيل رضا الله وجنته، وفزن بشرف الانتساب لحبيبه والرواية عنه، فكن بحق "أمهات المؤمنين"

يقول الله عزَّ وجل: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب: 6].

سيرة الأوائل:

لقد كانت لكل من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خصائص إيمانية، ومنها كون السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، أول من آمن برسالة محمد، والت

 

ي أقرأها ربها السلام، و«بَشِّرهَا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ» [رواه البخاري] ،وقال سيد الخلق: «رزقت حبها» [رواه مسلم]

أما السيدة عائشة فكانت الأقرب لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد رحيل خديجة، وأعلم زوجاته، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».

وكان المصحف الذي اجتمع عليه المسلمون في عهد عثمان رضي الله عنه في بيت السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب.

وقد سميت زوجته زينب الهلالية بأم المساكين، وكذا السيدة صفية بنت أخطب التي عُرفت بالإنفاق والبذل، هاجرت السيدة أم سلمة معه صلى الله عليه وسلم في مغازيه، فنالت صحبته، وكذلك كان حال السيدة أم حبيبة، فيما كانت السيدة زينب بنت جحش تفخر بأن الله زوجها النبي بآية في الكتاب العزيز.

عدد زوجات الرسول:

المتَّفق عليه من زوجات الرسول إحدى عشرة(11)؛ القرشيات منهن ست: خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم سلمة، وأم حبيبة.

والعربيات من غير قريش أربع، هن: زينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة، وميمونة بنت الحارث.

وواحدة من غير العرب وهي صفية بنت حيي من بني إسرائيل.

وهناك اختلاف في عدد أزواج النبي اللاتي دخل بهن على قولين؛ أنهن إثنتا عشر أو إحدى عشر، وسبب الاختلاف هو في مارية القبطية، هل هي زوجة له أم ملك يمين. [الحافظ العراقي, ألفية السيرة النبوية]

وتوفِّيت اثنتان من زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم حال حياته، وهما خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة، وتُوفي صلى الله عليه وسلم عن تسع نسوة. كما أثبت العلماء زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم عقد عليهن ولم يدخل بهن.

حكمة التعدد في زواج النبي

"كان للنبي صلوات الله عليه خصوصية في أمر تعدد الزوجات، جازت له قبل سريان حكم التقييد بعدد لا يزيد على أربع لسائر المسلمين، وقد ارتبطت تلك الخصوصية بمصلحة الدعوة في وقتها.

إن الرجل الذي يملك الجزيرة العربية لم يكن ليمد يده لاغتراف الثروة التي تكفي زوجاته، بل كان بيته يشكو قلة المؤونة والزينة.

وكان دخول النساء ببيته شرفا لا يعلوه شرف، وقد جمعت المصاهرة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا في رسالة واحدة هي الإسلام.

وكانت كل سيدة من أمهات المؤمنين تأوي إلى البيت الطاهر، اعتصاما من الارتداد والوقوع في أيدي الحاقدين عليها من ذويها، أو لإكرامها عن منزلة دون منزلتها، وكان فيهن العاقر ومن لا مال لها، أو العرض المستكره على أشراف القوم من أندادها.

ولم يحدث أن اختار النبي زوجة واحدة لأنها مليحة أو وسيمة، ولم يبن بعذراء قط إلا التي علم قومه جميعا أنه اختارها لأنها بنت صديقه وصفيه وخليفته من بعده: أبي بكر الصديق رضي الله عنه. [الموسوعة الإسلامية لعباس العقاد]

رغم الغيرة كشعور طبيعي عند المرأة، لكن ليس من بين أزواجه صلى الله عليه وسلم، من دخلت بيته وفي حسابها أن تنفرد به، فقد كانت مسألة التعدد تبدو طبيعية في حسابها أن تنفرد به، إلى حد يسهل علينا تصوره، لو ذكرنا أن "خولة بنت حكيم" اقترحت على المصطفى أن يخطب عائشة بنت أبي بكر وسودة بنت زمعة، في وقت واحد، وأن أم المؤمنين "ميمونة بنت الحارث" هي التي عرضت أن يتزوجها المصطفى وفي بيته ثماني زوجات.

ولو خيرت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بين حياتهن تلك المشتركة في بيت واحد، ومع زوج واحد، وبين حياة أخرى منفردة في غير ذلك البيت، لما رضين عن حياتهن بديلًا.

أمهات المؤمنين .. صفات خاصة:

لقد اختص الله سبحانه نساء النبي صلى الله عليه وسلم بخصائص لم تجتمع لغيرهن، ومن أمثلة ذلك:

الزهد:

اختارت أمهات المؤمنين الله ورسوله، ورضين بالحياة الضيقة ماديا في بيت النبي، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب:28- 29].

القنوت:

اختارت أمهات المؤمنين القنوت والصلاح فأوتين أجرهن مرتين قال تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا } [الأحزاب:31].

حرمة الزواج بعد النبي:

وبالسورة نفسها ببيان خصوصيتهن بحرمة الزواج من بعد رسول الله:{وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الاحزاب:53].

الطهر:

وقوله سبحانه ببيان مكانتهن الأسمى طهرا كونهن آل بيت رسول الله واللاتي أدركن ما ينزل عليه من آيات وحكمة، يقول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [الأحزاب: 33]

التبليغ:

كُلفت أمهات المؤمنين برواية ما يتلى من الحكمة على المسلمين، يقول الله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } [الأحزاب: 34].

عدم جواز استبدالهن:

ومن خصائصهن عدم جواز استبدال النبي صلى الله عليه وسلم بهن أزواجا آخرين، لقول الله عزَّ وجل : {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا } [الأحزاب:52]

احتجابهن:

وفي الآية التالية نتبين خصيصة عدم جواز إيذاء أمهات المؤمنين بكسر حرمتهن، وقد أمر الله المؤمنين أن لا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب فقال:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } [الأحزاب:53]

وفيهن نزلت الآيات الكثيرة التي نستدل منها على وجوب الحجاب على نساء المسلمين، وقد كن أول من امتثل لأمر الله تعالى، وهو الحق يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الأحزاب: 59].

الحياة في بيت النبوة

كانت علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأزواجه تجمعها كونه بشرا ورسولا بآن واحد، وقد كان يتلقى من حين إلى حين وحي ربه في أخص الشئون الزوجية، وكانت علاقاته بأزواجه تخضع أحيانا لتوجيه إلهي صريح.

سنرى في محنة الإفك مثلا نزول الوحي ببراءة "عائشة" مما افتراه عليها الذين أرجفوا بالسوء.. وزواج الرسول من "زينب بنت جحش" ما كان ليتم لولا أن نزل به عتاب صريح من الله الذي كره لمحمد أن يخفي في نفسه ما الله مبديه، وأن يخشى الناس والله أحق أن يخشاه.

كانت علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأزواجه تجمعها كونه بشرا ورسولا بآن واحد، وقد كان يتلقى من حين إلى حين وحي ربه في أخص الشئون الزوجية، وكانت علاقاته بأزواجه تخضع أحيانا لتوجيه إلهي صريح.

وسلوك نسائه رضي الله عنهن، كن يخضع لرقابة مباشرة من الوحي، على نحو غير مألوف في حياة غيرهن، والله تعالى يقول: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32].

استطاع النبي احتواء عقائل كريمات اختلفت أجناسهن وألوانهن وتباعدت أصولهن ومنابتهن، وتفاوتت أعمارهن وصورهن وشخصياتهن، ببيت واحد.

وتاريخ الإسلام يعترف لهؤلاء السيدات الكريمات، بأنهن كن دائما في حياة الرسول البطل، يصحبنه حين يخرج في معاركه ومغازيه، ويهيئن له ما يرضي بشريته، ويغذي قلبه، ويمتع وجدانه، ويجدد نشاطه، فكان له من ذلك كله ما أعانه على حمل العبء الثقيل، واحتمال ما لقي في سبيل دعوته الخالدة من تكاليف بالغة الصعوبة.

 

وحياة محمد صلى الله عليه وسلم في بيته تبدو رائعة في بشريتها، فقد كان يؤثر أن يعيش بين أزواجه رجلا ذا قلب وعاطفة ووجدان، ولم يحاول إلا في حالات الضرورة أن يفرض على نسائه شخصية النبي لا غير. [سيدات بيت النبوة لبنت الشاطيء].

 



كلمات دليلية: