withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram withprophet youtube withprophet new withprophet pinterest


غزوة خيبر _19680

غزوة خيبر


الفصل الحادي والعشرون خيبر والرسل إلى الملوك

الإسلام والتنظيم الاجتماعي- تحريم الخمر- رسل محمد إلى الملوك والأمراء- المسلمون واليهود- غزوة خيبر- القضاء الأخير على سلطة اليهود- رد الملوك على رسل النبي- في انتظار عمرة القضاء.

عاد محمد والمسلمون معه من الحديبية قافلين إلى المدينة بعد ثلاثة أسابيع من تمام الصلح بينهم وبين قريش على ألا يدخلوا مكة هذا العام، وأن يدخلوا العام الذي يليه. عادوا وفي نفوسهم من أمر هذا الصلح شيء، أن اعتبره بعضهم غير متفق مع كرامة المسلمين، حتى نزلت سورة الفتح وهم في الطريق وتلاها النبيّ عليهم. وجعل محمد يفكر أثناء مقامهم بالحديبية وبعد عودهم منها ماذا عساه يصنع للمزيد من تثبيت أصحابه ولزيادة انتشار دعوته. وانتهى به التفكير إلى إرسال رسله إلى هرقل وكسرى والمقوقس ونجاشي الحبشة وإلى الحارث الغسّانيّ وإلى عامل كسرى في اليمن، كما انتهى به إلى ضرورة القضاء قضاء أخيرا على شوكة اليهود في شبه جزيرة العرب.

,

الفصل الحادي والعشرون خيبر والرسل إلى الملوك

الإسلام والتنظيم الاجتماعي- تحريم الخمر- رسل محمد إلى الملوك والأمراء- المسلمون واليهود- غزوة خيبر- القضاء الأخير على سلطة اليهود- رد الملوك على رسل النبي- في انتظار عمرة القضاء.

عاد محمد والمسلمون معه من الحديبية قافلين إلى المدينة بعد ثلاثة أسابيع من تمام الصلح بينهم وبين قريش على ألا يدخلوا مكة هذا العام، وأن يدخلوا العام الذي يليه. عادوا وفي نفوسهم من أمر هذا الصلح شيء، أن اعتبره بعضهم غير متفق مع كرامة المسلمين، حتى نزلت سورة الفتح وهم في الطريق وتلاها النبيّ عليهم. وجعل محمد يفكر أثناء مقامهم بالحديبية وبعد عودهم منها ماذا عساه يصنع للمزيد من تثبيت أصحابه ولزيادة انتشار دعوته. وانتهى به التفكير إلى إرسال رسله إلى هرقل وكسرى والمقوقس ونجاشي الحبشة وإلى الحارث الغسّانيّ وإلى عامل كسرى في اليمن، كما انتهى به إلى ضرورة القضاء قضاء أخيرا على شوكة اليهود في شبه جزيرة العرب.

,

نضج الدعوة الإسلامية

والحقّ أن الدعوة الإسلامية كانت قد بلغت يومئذ من النّضج ما يجعلها دين الناس كافّة. فهي لم تقف عند التوحيد وما يقتضيه التوحيد من عبادات، بل انفرج ميدانها وتناولت من صور النشاط الاجتماعي كلّها ما يوازي بينها وبين سمو فكرة التوحيد وما يجعل صاحبهما أدنى إلى بلوغ مراتب الكمال الإنساني وإلى تحقيق المثل الأعلى في الحياة. ولذلك نزلت الأحكام في كثير من أمور الاجتماع.

,

رسل محمد إلى الملوك والأمراء

لكن محمدا لم يتردّد في دعوة هؤلاء الملوك جميعا إلى دين الحقّ. بل خرج يوما على أصحابه فقال: «أيها الناس، إن الله قد بعثني رحمة للناس كافة تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم» . قال أصحابه: «وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟» قال: «دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه، فأمّا من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلّم، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل» . ثم ذكر لهم أنه مرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والحارث الغسّاني ملك الحيرة والحارث الحميرى ملك اليمن وإلى نجاشي الحبشة يدعوهم إلى الإسلام. وأجابه أصحابه إلى ما أراد. فصنع له خاتما من فضة نقش عليه: «محمد رسول الله» وبعث بكتبه يقول فيها ما نضع منه مثلا أمام القارئ كتابه إلى هرقل إذ جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتّبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن تولّيت فإنما عليك إثم الأريسيّين «1» . «يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون» .

ودفع بكتاب هرقل إلى دحية بن خليفة الكلبي، وبكتاب كسرى إلى عبد الله بن حذافة السّهمي.

وبكتاب النجاشي إلى عمرو بن أمية الضّمري، وبكتاب المقوقس إلى حاطب بن أبي بلتعة، وبكتاب ملكي عمان إلى عمرو بن العاص السّهمي، وبكتاب ملكي اليمامة إلى سليط بن عمرو، وبكتاب ملك البحرين إلى العلاء بن الحضرمي، وبكتاب الحارث الغسّاني ملك تخوم الشام إلى شجاع بن وهب الأسدي، وبكتاب الحارث الحميري ملك اليمن إلى المهاجر بن أمية المخزومي. وانطلق هؤلاء جميعا كلّ إلى حيث أرسله النبي.

انطلقوا في وقت واحد على قول أكثر المؤرّخين، وانطلقوا في أوقات مختلفة على قول بعضهم.

أليس إرسال محمد هؤلاء الرسل عجبا يثير الدهشة! أو ليس أشد إثارة للدهشة ألا تمضي ثلاثون عاما بعد ذلك حتى تصبح هذه البلاد التي أرسل محمد إليها رسله وقد فتحها المسلمون ودان أكثرها بالإسلام! لكن هذه الدهشة ما تلبث أن تزول حين تذكر أن الإمبراطوريتين اللتين كانت تزعمان تحضير عالم ذلك العصر، وكانت حضارتهما هي الغالبة على العالم كله، إنما كانتا تتنازعان الغلب المادي، على حين كانت القوة الروحية فيهما جميعا قد انحلت واضمحلّت. فقد كانت فارس مقسمة بين الوثنية والمجوسية. وكانت مسيحية بزنطية قد اضطربت بين مختلف المذاهب والفرق فلم تظل عقيدة سليمة تحرك القلوب وتقويها، بل انقلبت رسوما وتقاليد يهيمن بها رجال الدين على عقول السواد لحكمه واستغلاله. أما الدعوة الجديدة التي يدعو محمد إليها فكانت

__________

(1) اختلف في وزن هذه الكلمة ومعناها. ومن معاني الأريسيين الخدم والحشم. يريد أنه مسئول عن إثم رعيته لصده إياهم عن الدين. (راجع نهاية ابن الأثير ومعجمات اللغة مادة «أرس» ) .

روحية صرفة وكانت ترتفع بالإنسان إلى أسمى مراتب الإنسانية، وحيثما التقت المادة والروح، وحيثما تعارض همّ الحاضر وأمل الخلود، انهزمت المادة وعنا وجه الحاضر.

,

رسول النبي إلى هرقل

ماذا فعل الله بالرسل الذين أوفدهم محمد إلى هرقل وكسرى والنجاشي وغيرهم من الملوك المحيطين ببلاد العرب؟! هل سافروا قبل غزوة خيبر، أو هم حضروها حتى تمّ النصر للمسلمين فيها ثم سافروا من بعدها كلّ إلى ناحيته؟ يختلف المؤرخون في ذلك اختلافا كبيرا يصعب معه القطع في الأمر بقول: وأكبر ظننا أنهم لم يسافروا جميعا في وقت واحد، وأن منهم من سافر قبل خيبر ومنهم من سافر بعدها. فقد جاء في غير رواية أن دحية بن خليفة الكلبيّ حضر خيبر وهو مع ذلك الذي ذهب برسالة هرقل. سافر إليه وكان هرقل يومئذ عائدا يحفّ به النصر بعد أن تغلّب على الفرس واستنقذ منهم الصليب الأعظم الذي أخذ من بيت المقدس، وآن له أن يتمّ نذوره وأن يحج إلى بيت المقدس ماشيا ليردّ الصليب الأعظم إلى مكانه، وكان قد بلغ من سياحته مدينة حمص حين حمل الخطاب إليه. هل حمله إليه جماعة من رجاله بعد أن أسلم دحية الخطاب إلى عامله على بصرى، أو أنه اطلّع عليه بعد أن أدخل جماعة من البدو ودحية على رأسهم يقدّم إليه الكتاب بنفسه؟ هذا ما تضطرب الرواية كذلك حوله. وتلى الخطاب عليه وترجم له، فلم يغضب ولم تثر ثائرته، ولم يفكر في إرسال جيش يغزو بلاد العرب، بل ردّ على الرسالة ردّا حسنا جعل بعض المؤرخين يزعمون خطأ أنه أسلم.

,

جواب هرقل

وفي الوقت نفسه بعث الحارث الغسّاني إلى هرقل يخبره أن رسولا جاءه من محمد بكتاب، رأى هرقل شبهه بالكتاب الذي أرسل إليه يدعوه إلى الإسلام ويستأذن الحارث في أن يقوم على رأس جيش لمعاقبة هذا المدّعي

النبوّة. لكن هرقل رأى الخير في أن يكون الحارث ببيت المقدس حين زيارته إيّاه ليزيد في جلال الحفلات بردّ الصليب إليه، ولم يعبأ بهذا الداعي إلى دين جديد، ولم يدر بخلده أنه لن تمضي سنوات قليلة حتى يكون بيت المقدس وتكون الشام في ظل الراية الإسلامية، وأن العاصمة الإسلامية ستنتقل إلى دمشق، وأن النضال بين دول الإسلام والإمبراطورية الرومية لن تهدأ ثائرته حتى يستولي الأتراك على القسطنطينية في سنة 1453، وحتى يحيلوا كنيستها الكبرى مسجدا يكتب فيه اسم هذا النبيّ الذي حاول هرقل أن يظهره مظهر من لا يحفل به أو يعني بأمره، وأن تظل هذه الكنيسة مسجدا عدّة قرون حتى يحيلها المسلمون الأتراك متحفا للفن البزنطي.

,

كسرى وكتاب النبي

أمّا كسرى عاهل الفرس فإنه ما لبث حين تلى عليه كتاب محمد يدعوه إلى الإسلام أن استشاط غضبا وشق الكتاب، وكتب إلى بازان عامله على اليمن يأمره بأن يبعث إليه برأس هذا الرجل الذي بالحجاز. ولعله كان يحسب في هذا ما يخفّف من آثار هزائمه أمام هرقل. فلمّا بلغت النبيّ مقالة كسرى وما فعل بكتابه قال:

مزّق الله ملكه. وأوفد بازان رسله برسالة إلى محمد. وفي هذه الأثناء كان كسرى قد خلفه شيرويه، وكان النبيّ قد عرف ذلك فأخبر رسل بازان به، وطلب إليه أن يكونوا رسله إلى بازان يدعونه إلى الإسلام. وكان أهل اليمن قد عرفوا ما حلّ بفارس من هزائم وقد شعروا بانحلال سلطانها عنهم، وقد اتّصلت بهم انتصارات محمد على قريش وقضاؤه على سلطة اليهود. فلما رجع رسل بازان إليه وأبلغوه رسالة النبيّ، كان سعيدا بأن يسلم وأن يبقى عامل محمد على اليمن. وماذا ترى يطلب محمد إليه وما تزال مكة بينه وبينه؟ إذا فله الغنم بعد أن تقلّص ظلّ فارس في أن يحتمي بالقوّة الناشئة الجديدة في بلاد العرب من غير أن تطلب إليه هذه القوّة شيئا.

ولعلّ بازان لم يقدّر يومئذ أن انضمامه إلى محمد كان نقطة ارتكاز قوية للإسلام في جنوب شبه الجزيرة، كما دلّت الأحوال عليه بعد عامين اثنين.

وكان ردّ المقوقس عظيم القبط في مصر غير ردّ كسرى، بل كان أجمل من ردّ هرقل. فقد بعث إلى محمد يخبره أنه يعتقد أن نبيّا سيظهر، ولكنه سيظهر في الشام، وأنه استقبل رسوله بما يجب له من إكرام، وأنه بعث معه بهديّة. جاريتين وبغلة بيضاء وحمار ومقدار من المال وبعض خيرات مصر. أمّا الجاريتان فمارية التي اصطفاها النبي لنفسه والتي ولدت له إبراهيم من بعد، وسيرين التي أهديت إلى حسّان بن ثابت. وأمّا البغلة فأسماها النبيّ دلدل، وكانت فريدة ببياضها بين البغال التي رأتها بلاد العرب. وأمّا الحمار فأسمى عفيرا أو يعفورا. وقبل محمد هذه الهدية، وذكر أن المقوقس لم يسلم خشية أن يسلبه الروم ملك مصر، وأنه لولا ذلك لآمن ولكان حظّه الهدى.

وكان طبيعيّا، بعد الذي عرفنا من صلات نجاشي الحبشة بالمسلمين، أن يكون ردّه جميلا، حتى لقد ورد في بعض الروايات أنه أسلم وإن أثارت طائفة من المستشرقين الشك حول إسلامه هذا. على أن الرسول بعث له غير كتاب دعوته إلى الإسلام بكتاب آخر يطلب إليه ردّ المسلمين الذين أقاموا بالحبشة إلى المدينة. وقد جهّز لهم النجاشي سفينتين حملتاهم وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب ومعهم أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان بعد أن مات زوجها عبد الله بن جحش الذي جاء إلى الحبشة مسلما ثم تنصّر وبقي على نصرانيته حتى مات. وقد أصبحت أمّ حبيبة بعد عودها من الحبشة من أزواج النبي ومن أمهات المؤمنين. ذكر بعض المؤرخين أن النبي تزوّجها ليرتبط مع أبي سفيان برابطة النسب توكيدا لعهد الحديبية. ورأى آخرون في زواج رملة من محمد، وأبو سفيان على وثنيته، ما تألم له نفسه ويغصّ به حلقه.

وأمّا أمراء العرب فقد ردّ أمير اليمن وعمان على رسالة النبيّ ردّا فاحشا ورد أمير البحرين ردّا حسنا وأسلم. وردّ أمير اليمامة مظهرا استعداده للإسلام إذا هو نصب حاكما؛ فلعنه النبي لمطامعه. ويذكرون أنه لم يلبث إلا عاما بعد ذلك ثم مات.

,

لماذا كانت ردود أكثر الملوك رقيقة؟

يستوقف القارئ ما في إجابات أكثر هؤلاء الملوك والأمراء من رفق ومن حسن رأي، وأنه لم يقتل أحد من رسل محمد ولم يسجن، بل عادوا إليه كلّهم بما حملوا من رسالات في أكثرها رقة وعطف، وفي بعضها غلظة وشدّة. فكيف تلقى أولئك الملوك رسالة الدين الجديد من غير أن يتألبوا على صاحب الدعوة، ومن غير أن يتضافروا على سحقه؟ ذلك أن عالم يومئذ كان كعالمنا الحاضر، قد طغت فيه المادّة على الروح، وأصبح فيه التّرف غاية الحياة، وأصبحت الأمم تقتل حبّا في الظفر، وإرضاء لمطامع ملوكها وسادتها، وشفاء لغرور أنفسهم، أو طمعا في مزيد من الترف تبلغه وتستمتع به. ومثل هذا العالم تهوى فيه العقيدة إلى شعائر تقام في العلن ولا تؤمن النفوس التي تؤديها بشيء مما وراءها، ولا تعنى إلا بأن تكون في حكم صاحب السلطان الذي يطعمها ويكسوها ويكفل لها رخاء العيش وعرض الجاه وكثرة المال. ولا تستمسك بهذه الشعائر إلا بمقدار ما تدرّ عليها من خير مادي. فإذا فاتها هذا الخير، خارت عزيمتها، وتضعضعت همّتها، ووهنت فيها قوّة المقاومة. ولذلك لم يلبث الناس حين سمعوا دعوة جديدة للإيمان فيها بساطة وفيها قوّة، وفيها مساواة أمام ربّ واحد، إيّاه نعبد وإياه نستعين، هو وحده الذي يملك ضرّ النفوس ونفعها، شعاع من رضاه يبدّد غضب ملوك الأرض جميعا، ومخافة غضبه تزعزع النفس وإن أغرقها الملوك كلهم في النعمة والرضا، والرجاء في مغفرته متّصل لمن تاب وآمن وعمل صالحا- لم يلبث الناس حين سمعوا هذه الدعوة، ورأوا صاحبها يقوى بها على الاضطهاد، وعلى الظلم، وعلى التعذيب، وعلى كل ما في الحياة الماديّة من قوى، ويمتدّ بها سلطانه، وهو اليتيم الفقير المحروم، إلى ما لم يحلم به أحد من قبله في بلده ولا بلاد العرب كلها، حتى اشرأبت الأعناق، وأرهفت الآذان، وشعرت النفوس بظمئها، وتطلّعت الأرواح لمورد ريّها، لولا بقية من الخوف والشك تقوم بينها وبين الحقيقة، حجابا. لذلك رد من الملوك في رفق ورقة. وبذلك ازداد المسلمون إيمانا على إيمانهم وقوّة في يقينهم.



كلمات دليلية: