withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram withprophet youtube withprophet new withprophet pinterest


سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومة الجندل_429

 سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومة الجندل


المطلب الثاني: تاريخ السرية

:

أرَّخها الواقدي بسنة سبع من الهجرة، ولم يحدِّد الشهر الذي انطلقت فيه1.

وتابعه نقلاً عنه كُلٌّ من: الطبري2،والبيهقي، وابن كثير، والذهبي3.

أمَّا ابن سعد فحدَّدها بشهر شوَّال من نفس السنة4.

وتابعه في ذلك البلاذري، وابن سيد الناس، والقسطلاني، والشامي5.

وذكر ابن خياط - في سياقه لسرايا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سنة ست - بَعْث بشير بن سعد إلى خيبر6".

__________

1 مغازي 2/728.

2 تاريخ 3/23 وقال الطبري: "قال الواقدي: وفيها سرية بشير بن سعد إلى يمن وجناب، في شوال من سنة سبع".

قلت: فلا أدري هل اطَّلَع ابن جرير على نسخة أُخرى لمغازي الواقدي فيها هذا التحديد بشهر شوَّال، أم إنه اقتبسه من طبقات ابن سعد، والأوَّل أرجح.

والله تعالى أعلم.

3 انظر: البيهقي: دلائل 4/301، ابن كثير: بداية 4/223، الذهبي: تاريخ، قسم المغازي 451.

4 طبقات 2/120.

5 انظر: البلاذري: أنساب 379، ابن سيد الناس: عيون 2/191، القسطلاني: المواهب 1/539، الشامي: سبل 6/213.

6 تاريخ 79.

وأظنّه يقصد هذه السرية حيث لم يُذكر غيرها لبشير في نفس المنطقة سوى سريته السابقة إلى فدك، كما أنَّ يمن وجبار والجناب قريبة من خيبر، كما وضَّحنا سابقاً، والله تعالى أعلم".

أمَّا ابن القَيّم، فساق الحديث عن هذه السرية ضمن الجدول الذي وضعه لسرايا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بعد مقدِمِه من خيبر إلى شوَّال، حيث رتَّبها بعد سرية غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوّح بالكُدَيْد، وساق الخبر عنها دون أن ينسبه إلى أحَد، وإنْ كان لفظه هو لفظ الواقدي1".

وإذا استعرضنا بعض ما ورد في رواية الواقدي الأكثر تفصيلاً للأحداث من رواية ابن سعد، لوجدنا قرائن تُقوّي تحديد ابن سعد لها بشهر شوَّال من السَّنة السابعة أي بعد غزوة خيبر".

فقوله مثلاً في بداية روايته: "قدم رجل من أشجع، يُقال له حُسَيْل ابن نويرة2، وقد كان دليل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلى خيبر".".". الخ"3".

__________

1 زاد المعاد 3/359، 363.

2 حُسَيل - بالتصغير - ويقال بالتكبير، ابن خارجة، وقيل: ابن نويرة الأشجعي، وحكى ابن منده أنه يُقال فيه: حُسَيْن - بالنون أيضاً - والذي يظهر أنه آخر، وروى الطبراني وغيره من طريق إبراهيم بن خويصة الحارثي، عن خاله معن بن حَوِية - بفتح الحاء المهملة، وكسر الواو، وتشديد التحتانية - عن حُسَيل بن خارجة الأشجعي قال: قدمت المدينة في جلب أبيعه، فأُتي بي النَّبِيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا حُسَيْل! هل لك أن أُعطيك عشرين صاعاً تمراً على أنْ تَدُلَّ أصحابي على طريق خيبر؟ ففعلت. قال: فأعطاني. قال: فذكر القصة. قال: فأسلمت. (انظر: الطبراني: معجم 4/33، ابن حجر: إصابة 1/332) .

3 الواقدي: مغازي 2/728.

ثُمَّ قوله في آخر الرواية: "قال الحارث: "أيها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمراً بَيِّناً في بني النَّضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر: "أنَّهم كانوا أعزَّ يهود الحجاز كلّه، يقرُّون لهم بالشجاعة والسَّخاء، وهم أهل حصون منيعة وأهل نخل، والله إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سار حارثة بن الأوس حيث كانت بهم وبين قومهم ما كانوا، فامتنعوا بهم من النَّاس، ثُمَّ رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة، وكيف أُديل عليهم". قال عُيَيْنَة: "هو والله ذاك، ولكن نفسي لا تُقرّني" ... الخ1".

كُلُّ ذلك يُعدّ قرائن قوية على أنَّ هذه السرية كانت بعد خيبر". والله تعالى أعلم".

__________

1 الواقدي: مغازي 2/730.

,

المبحث الأول: سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومة الجندل

,

المطلب الأول: التعريف بدومة الجندل

...

المطلب الأول: التعريف بدومة الجندل:

قال في القاموس: "دومة الجندل، ويقال: "دوماء الجندل، كلاهما بالضم1".

وقال الجوهري: "أصحاب اللغة يقولونه بضم الدال، وأصحاب الحديث يفتحونها2".

وقال ابن الأثير: "تُضَمُّ دالُها وتُفْتَح3".

وقال ياقوت: "وقد أنكر ابن دريد الفتح، وعدَّه من أغلاط

المحدثين4".

قال الهجري: "كُلُّ العرب على فتح الراء من رضوى، وضم الدال من دومة الجندل5".

قال في المقتطف: "والصواب في كُلِّ ذلك أنَّها تقال بالضم أو بالفتح على السواء، والسبب هو أنَّ اللفظة أعجمية، وهي تُلْفَظ فيها بحركة بين الضم والفتح، فلمَّا عرَّبها العرب مال بعضهم إلى ضمها وآخرون إلى فتحها، واللغويون في مثل هذا المثال يضمون الحرف، والنقلة يميلون إلى

__________

1 القاموس، مادة (دام) .

2 الصحاح، مادة (دوم) .

3 النهاية 2/141.

4 معجم البلدان 2/487.

5 هامش معجم ما استعجم للبكري 2/564.

الفتح، والمحققون يروون اللفظ على أصله، ونظن أنَّ هذه الطريقة الأخيرة هي المخيرة في عصرنا لأنها هي الصحيحة لقربها من الأصل المأخوذة عنه1".

واختلف العلماء واللغويون والمحدّثون في معنى هذا الاسم:

قال ابن الفقيه: "دومة الجندل من أعمال المدينة، سُمِّيَت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم2".

وقال الزجاجي، والبكري: "سُمِّيَت بدومان بن إسماعيل، كان ينْزلها3".

وقال ابن الكلبي: "دوماء بن إسماعيل، قال: "لمَّا كثر ولد إسماعيل - عليه السلام - بتهامة، خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة وبنى بها حصناً، فقيل: "دوماء، ونُسِبَ الحصن إليه4".

وقيل: "كان لإسماعيل ولد اسمه دُما أو دوما أو دمة، والظاهر أنَّ الحكاية ملفقة لفَّقها بعضهم إثباتاً لمدَّعاه، وأمَّا الذي عرفه النسابة بهذا الاسم دوم بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، إلاَّ السيد مرتضى صاحب التاج قال عنه: "لم أره عند النسابة5".

__________

1 مجلة المقتطف، مجلد 59/ جزء 2/15.

2 انظر: الحموي: معجم 2/487.

3 انظر: البكري: معجم 2/565، والحموي: معجم 2/487.

4 انظر: الحموي: معجم 2/487.

5 مجلة المقتطف: مجلد 59 / جزء 2 / 113.

ومعنى اسمها الحقيقي: "أنَّها كلمة يونانية معناها (الحصن) ، وعند الرومان دوما: "السطح". والظاهر أنَّ العرب الأولين الذين اقتبسوا اللفظة عن اليونان كانوا يعرفون أنَّ معنى دوما: "الحصن، ثُمَّ تُنُوسِيَ مع الزمن، والدليل أنَّنا نجد في معجم البلدان لياقوت الحموي ما نصه: "قال أبو سعد: "دومة الجندل في غائط من الأرض خمسة فراسخ، قال: "ومن قبل مغربه عين تثجّ فتسقي ما به من النَّخل والزرع، وحصنها مارد، وسُمِّيَت دومة الجندل، لأنَّ حصنها مبني بالجندل"1، فكأنه قال: "الدومة: "الحصن، وأضيفت إلى الجندل لأنه مبني به".

وقال أبو عبيد السكوني: "دومة الجندل: "حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طئ كانت به بنو كنانة من كلب، قال: "ودومة من القريات من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال، والقريات: "دومة، وسكاكة، وذو القارة، فأما دومة فعليها سور يتحصن به، وفي داخل السور حصنٌ منيعٌ يقال له مارد، وهو حصن أكيدر الملك" ... 2. وهذا - أيضاً - كلام يشعر منه بأنَّ العرب الأقدمين كانوا يعرفون معنى الدومة، وأنها الحصن الحصين أو المنيع، ومن الأدلة على أنَّ الدومة بمعنى الحصن أنها أُضيفت إلى عِدَّة مواضع بُنِيَت فيها حصون، منها دومة الكوفة، أو دومة النجف، ودومة الحيرة، ودومة خبت، ودومة دمشق وغيرها3".

__________

1 معجم البلدان 2/487 – 488.

2 المصدر السابق.

3 المقتطف، مجلد 59 / جزء 2 /114-115.

وذكر البلاذري في فتوح البلدان عن الواقدي قال: "سمعت بعض أهل الحيرة يذكر أنَّ أُكيدر وإخوته كانوا ينْزلون دومة الحيرة، وكانوا يزورون أخوالهم من كلب فيتغربون عندهم، فإنَّهم لمعهم وقد خرجوا للصيد إذ رفعت لهم مدينة متهدمة لم يبق إلاَّ بعض حيطانها، وكانت مبنية بالجندل، فأعادوا بنائها، وغرسوا فيها الزيتون وغيره، وسموُّها دومة الجندل تفرقةً بينها وبين دومة الحيرة1".

أمَّا موقعها، فقال البكري: "ودومة هذه على عشرة مراحل من المدينة، وعشر من الكوفة، وثمان من دمشق، واثنتي عشرة من مصر2".

وقال ياقوت: "هي على سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم3".

وقال الحميري: "ودومة الجندل حصنٌ منيعٌ، ومعقلٌ حصينٌ، وبه عمارة وتَتَّصِل به عين التمر4".

وقال الواقدي: "كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غزا دومة الجندل في سنة خمس، فلم يلق كيداً، ووجَّه خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر في شوَّال سنة تسع بعد إسلام خالد بن الوليد بعشرين شهراً، وهي أرض نخل وزرع يسقون على

__________

2 معجم ما استعجم 2/565.

3 معجم البلدان 2/487.

4 الروض المعطار 245.

النواضح، وحولها عيون قليلة، وزرعهم الشعير، وهي مدينة عليها سور ولها حصن عال مشهور في العرب يُدْعَى مارد1".

قلت: "وكذلك بعث إليها عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - على رأس هذه السرية".

قال البكري: "وكان افتتاح دومة صلحاً، وهي من بلاد الصُّلْح التي أدَّت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية2".

وقد تعرَّض أصحاب معلمة الإسلام، وهم جماعة من المستشرقين لذكر دومة الجندل، فقالوا: "جوف السرحان أرض ديار العرب، واقعة في شمال نجد وأنت تتجه إلى سورية على وادي سرحان، وجوف السرحان وتيماء هما الروضتان الكبريان من ديار جزيرة العرب، وأكبر مدينة من مدن جوف السرحان كانت دومة الجندل (ويسميها بطليموس دوميثا) مع حصنها المارد، وقد أقام برخرد في جوف السرحان سنة 1812م، وزارها أوتنك بعده بسبعين سنة، وهي اليوم عبارة عن طائفة قرى ضخمة تطوف بها بساتين وحدائق وغيطان نخل يسمونها (أسواقاً) فيها من 80 إلى 120 بيتاً، وجملة سُكَّانها نحو 12000، والقرى على اختلاف أنواعها تنقاد لأمور شيوخ خاصَّة بهم، وفي عهد إقامة برخرد في الجوف كان أغلب

__________

1 انظر قول الواقدي في: البلاذري: فتوح البلدان 84، وابن عساكر: (تاريخ دمشق، المجلدة الأولى ص385) .

2 معجم ما استعجم 2/565.

قطَّانها تُجَّاراً صغاراً، وأصحاب مهن، منهم الخفَّاف، والحدَّاد، والنَّجَّار، وكانوا يبدلون أمتعتهم وتجاراتهم مع الأعراب بأباعر، أمَّا اليوم فالتِّجارة والاحتراف في سقوطٍ ليس وراءَه سقوط، وكان أصحاب تلك الربوع من الوهابيين، وكانت أرضهم داخلة في إحدى كور مملكة الوهابيين التي كان على رأسها اثنان من الأُمراء، وبعد انحلال الدولة الوهابية بقي أهلها مستقلين مدَّة مديدة، وفي سنة 1855م خضعوا لشمر الذين في حائل1" ومنطقة الجوف اليوم تعدّ من أكبر المناطق الزراعية المتميزة في المملكة، حيث تشتهر بزراعة الفواكه والخضروات، وتتميَّز بزراعة الزيتون الذي نجحت زراعته في المنطقة بكميات اقتصادية تُبَشّر بالخير".

ودومة الجندل تعتبر ثاني أكبر مدينة في المنطقة، وهي اليوم مدينة متطورة شملتها النهضة العمرانية الواسعة في العهد الميمون، ولكنَّها احتفظت أيضاً بتراثها التاريخي القديم".

__________

1 المقتطف: مجلد 59 / جزء 2/115 عام 1921 م.

قلت: ذلك يدل على تمكن الدولة السعودية الأولى والثانية من بسط نفوذها على أرض الجزيرة العربية منذ تلك الفترة المبكرة، وإنَّ البلاد كانت تشهد حالة من الركود الاقتصادي في مرحلة اضمحلال نفوذ الدولة، وهي فترة قصيرة لا تقاس بفترة الاستقرار الأمني، والرخاء الاقتصادي الغالِب على المنطقة في ظِلِّ حكم هذه الدولة العظيمة التي حباها الله من فضله وأسبغ عليها نعمه، كونها كانت ولا تزال الرائدة في نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة بين النَّاس، وتُحَكِّم شرع الله القويم في أرضها المباركة.

,

المطلب الثاني: تاريخ السرية

:

تفرَّد الواقدي، وعنه ابن سعد، في ذكر تاريخ هذه السرية، وأنَّها كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم1.

وتابعهما في ذ لك كل من الطبري، والبلاذري، والبيهقي، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن كثير، والقسطلاني، والشامي، والمقريزي، والذهبي2.

ولم يذكر لها ابن إسحاق تاريخاً، وإنَّما ذكرها في جملة السرايا والبعوث، بعد سرية ابن أبي حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجُشمي، وقبل سرية أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنه - إلى سيف البحر3.

وذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت سنة ست من الهجرة، دون أن يحدِّد الشهر4.

ولا يمكن القطع بصحة التاريخ الذي ذكره الواقدي وتلميذه ابن سعد، لأنَّ غالب ما يذكران من تواريخ للسرايا والبعوث تخالف كثيراً من الأحداث والوقائع في السيرة.

__________

1 الواقدي: مغازي 2/560، وابن سعد: طبقات 2/89.

2 تاريخ 2/612، أنساب الأشراف 378، الدلائل 4/85، عيون الأثر 2/143، زاد المعاد 3/284، البداية والنهاية 4/181، سبُل الهدى 6/149، إمتاع الأسماع 1/267، تاريخ الإسلام، قسم المغازي 355.

3 ابن هشام: سيرة 4/631.

4 تاريخ 79.

ولو نظرنا إلى بعض أحداث هذه السرية التي وردت عنهما لاستنتجنا تأخرها عن التاريخ الذي جعلاه لها.

فمثلاً ذكرا أنَّ عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - قائد هذه السرية تزوَّج ابنة ملك الدومة في ذلك الوقت الأصبغ بن عمرو الكلبي بناءً على مشورة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وذكرا أنَّها هي أُم (أبي سلمة بن عبد الرحمن) الفقيه المشهور.

وبالنَّظر في ترجمة أبي سلمة وجدت أنَّ ميلاده كان سنة بضعٍ وعشرين، وأنه توفي سنة أربعٍ وتسعين على الراجح، وله اثنتان وسبعون سنة1، وبإجراء عملية حسابية بسيطة تبيَّن أنه وُلِدَ سنة اثنين وعشرين تقريباً".

فإذا أخذنا بروايتي الواقدي، وابن سعد، حول تاريخ السرية وأنَّها كانت سنة ست، يكون أبو سلمة لم يولد إلاَّ بعد ستَّة عشر عاماً من زواج أبويه، وإذا علمنا أنه كان وحيد أبويه - حيث لم تنجب أُمه من عبد الرحمن سواه - كما ذكر الواقدي2 - ترجَّح ما ذكرته سابقاً.

__________

1 انظر: ابن سعد: طبقات 5/155، الذهبي: سير 4/287 - 289، ابن حجر: تهذيب 6/370.

2 نقل ذلك عنه الزرقاني (شرح 2/162) .

أيضاً ذكر الذهبي عن ابن سعد، وابن حجر في ترجمة أبي سلمة أنَّ أُمه تماضر بنت الأصبغ أدركت حياة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ أباه توفي وهو صغير، فلم يستطع أن يروي عنه، فكل ذلك يعطينا إشارات ولو غير مباشرة على تأخُّر هذه السرية.

والله تعالى أعلم".

,

المطلب الرابع: الدروس والعظات المستفادة

:

تضمنَّت هذه السرية بعض الدروس والعظات المستفادة وهي:

تحذير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُمَّته من الوقوع في أسباب المهلكات الموجبة لعذاب الله - عزَّ وجلَّ، واجتناب المحظورات".

بيان خشيته صلى الله عليه وسلم، ورفقه بأُمَّته وخوفه عليهم مِمَّا يهلكهم في الدُّنيا والآخرة".

بلاغة وقوَّة الخطاب التحذيري الذي وجَّهه المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأُمَّته مُحَذِّراً إياهم من المهلكات الخمس بأسلوب سنن الله الكونية التي لابدَّ من وقوعها إذا ما توفرت شروطها، وتهيأت أسبابها، فظهور الفاحشة والإعلان بها بين الناس مَدْعاة لظهور الأمراض الخطيرة، وانتشار الأوبئة المستعصية وغير المعروفة من قبل".

والغش في الكيل والوزن والنقص فيهما، عقوبته تكون بالجدب والغلاء وظلم السلطان".

وتعطيل الزكاة ومنعها يؤدي إلى منع سقوط الأمطار، وبالتالي الجفاف والجدب".

ونقض العهد والميثاق والخيانة والغدر، مدعاة لتسلُّط الأعداء واستبدادهم وظلمهم وغصبهم للحقوق".

وترك الحكم بكتاب الله والحكم بغيره من القوانين والأنظمة الوضعية، عقوبته وقوع الفتنة، وسفك الدماء، واشتعال الحرب الأهلية".

بيان أنَّ العقوبة تكون من جنس العمل".

إنَّ ما ذكره وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك العقوبات المستحقة لمن تلبَّس بأسبابها، ووقع في محظوراتها، نؤمن به، ونتيقن وقوعه، لصدق المُخْبِر به الذي لا ينطق عن الهوى، ولكننا نذكر وعلى سبيل الاستئناس بعض ما وقع في هذا الزمان من أمور، ربما تدخُل ضِمن إطار هذا الحديث، فقد شاع قبل مُدَّة وذاع خبر انتشار مرض خطير، وداء عضال، ووباء معدٍ، حار الأطباء - رغم البحث المتواصل والدراسات المتعددة والمكثفة - في التوصُّل إلى علاجٍ ناجع له، أو حتى مصل واقٍ منه".

هذا الداء العضال نشأ أول الأمر في الدول الغربية الإباحية - رغم محاولاتهم اليائسة وادّعاءاتهم الكاذبة بأنَّ منشأَهُ كان بعيداً عنهم في أدغال أفريقية، متناسين البيئة الخصبة التي نشأ فيها المرض وترعرع، وهي بيئة الشذوذ الجنسي والإباحية المطلقة التي كانوا يشجعونها - ثُمَّ انتشر انتشار النار في الهشيم بطول الأرض وعرضها، وبخاصّة في الدول التي تشجع الإباحية في مجتمعاتها بطريقٍ مباشرٍ، وغير مباشر".

هذا المرض الخطير الذي أصبح مجرَّد النُّطْقُ باسمه يثير الفزع، ويبث الرعب في النفوس، هو مرض نقص المناعة المكتسبة، المسمَّى طبياً (بالإيدز) ، وهو مرض ثبت طبياً أنَّ سببه المباشر كان من انتشار الشذوذ الجنسي (عمل قوم لوط) في تلك المجتمعات، وتفشيه بينهم

حتَّى أعلنوا به إعلاناً عظيماً، لدرجة تبني بعض الحكومات والهيئات والشخصيات المؤثرة في تلك المجتمعات الدفاع عن حقوق الشاذّين جنسياً1 في ممارسة عملهم القذر بحريَّةٍ تامَّة، وسن قوانين اجتماعية رسمية تبيح زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، ودعم المحاولات المستميتة منهم لوضع هذه الأُمور موضع التنفيذ على شكل مراسيم حكومية رسمية حتَّى تصبح ممارساتهم الشاذَّة ذات صبغة رسمية شعبية".

لقد كان انتشار هذا القذر في تلك المجتمعات بعد أن ملُّوا وسئموا الممارسات الجنسية الطبيعية - بالطبع غير الشرعية – بين الرجال والنساء التي كثرت، وأصبحت أمراً حتمياً لا مفرَّ منه نتيجة الاختلاط والإباحية والتبرُّج والسُّفُور، والدعايات المركَّزة بشكل مباشر وغير مباشر لممارسة الجنس في كُلِّ وسائل الإعلام بأنواعها، وانتشار النوادي الليلية الحمراء، ونوادي العراة، والمنتجعات الساحلية السياحية، وغير ذلك من دواعي الإباحة ونشر الفاحشة والإعلان بها، ومع توالي الأمراض الوبائية الخطيرة عليهم، التي بدأت بمرض السيلان، ثُمَّ الزهري، إلاَّ أنَّهم لم يرتدعوا، واستمروا

__________

1 في الحقيقة تسميتهم بهذا الاسم فيه نوعٌ من التعمية والتدليس، ومحاولة تلطيف حقيقة ممارساتهم البشعة والقذرة المنافية للدين والأخلاق والقيم الإنسانية، بل فيه منافاة شديدة للفطرة الإنسانية السليمة.

في غيهم، حتى بَعَثَ الله عليهم هذا الفيروس القاتل الذي يهاجم الجهاز المناعي في جسم الإنسان فيحطمه ويقضي عليه، فيصبح عندها الجسم نهبة لمختلف الأمراض التي تفتك بالإنسان دون أن تجد ما يقاومها".

ورغم ذلك كله، ورغم النداءات المتوالية من عُقَلاء القوم، والمؤتمرات المتعدِّدة للتحذير من ازدياد انتشار وشيوع هذا الوباء الفتَّاك في المجتمعات، إلاَّ أنَّنا نرى ونسمع في المقابل مؤتمرات أُخرى مشبوهة تُقَام بين حين وآخر بأسماء وشعارات زائفة، ودعايات برَّاقة، تدعو بشكلٍ مبطنٍ وغير مباشر لمزيد من الإباحية، والحرِّية المطلقة، وتشجيع ارتكاب الفواحش بعلاج نتائجها بالإجهاض، وغير ذلك من دَسِّ السُّمّ في العَسَلِ مِمَّن يُحبون شيوع الفاحشة وانتشارها بين النَّاسلإشباع غرائز بهيمية في نفوسهم، غير مدركين أو متعامِين عن الخطر الدَّاهِم، بتعدُّد الأمراض الوبائية وتجدُّدها، والتي كان آخرها ذلك المرض القاتل السريع الذي ظهر في بعض بلدان أفريقيا قبل أشهر، والمسمَّى (بفيروس أيبولا القاتل) الذي لا يمهل ضحاياه إلاَّ أياماً معدودة ليقضي عليهم، حمى الله أُمَّتنا وبلادنا من شرور الأمراض والأوبئة الفتَّاكة، ومن أسبابها التي حذَّرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم".

بيان هديه صلى الله عليه وسلم في لبس العمامة، والاعتمام.

معرفة صفة مجالس العلم التي كانت تعقد في مسجد النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، التي كان فيها صلى الله عليه وسلم المعلِّم الأوَّل، والموجِّه النَّاصح، والمُفْتِي الفقيه.

لقد كان المسجد النَّبَويُّ في ذلك الوقت بمثابة جامعة بمعلِّمٍ واحدٍ يتلقَّى فيه الصحابة العلم والوعظ والفتوى والتوجيه والإرشاد، من مُعَلِّم البشرية النَّبِيّ محمَّد صلى الله عليه وسلم، كما كان - أيضاً - بمثابة القاعدة العسكرية التي تنطلق منها الجيوش والسرايا والبعوث.

لقد كانت مراسم بَعْث السرايا، وتولية الأُمراء عليها، تتم في المسجد بشكلٍ مبسَّطٍ، لكنَّه متقن ومنظَّم، وبانضباطية مدهشة".

كان من أهم مراسم تولية القادة والأمراء على السرايا والبعوث، الوصايا التي كان القائد الأعلى للقوَّات الإسلامية صلى الله عليه وسلم يُزَوِّدُ بها القادةَ والأُمراءَ كُلَّما بعثهم في بَعْثٍ، أو أرسلهم في سريةٍ، وصايا الحرب تلك كانت بمثابة تشريعات للحرب المقدَّسة التي كان يخوضها المسلمون ضد أعدائهم، والتي توضِّح بجلاء أي نوع من الحرب كان المسلمون يمارسونها ضد الأعداء باختلاف مشاربهم، وتعدُّد عداواتهم". لقد كانت بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء - حرباً فروسيةً بمعنى الكلمة، لم يشهد، ولن يشهد التاريخ لها مثيلاً -، إنَّ التأكيد في تلك الوصايا بالالتزام بالأخلاق الإسلامية السامية في التعامل مع الأعداء لأمر يثير الدهشة حقاً.

فالنهي عن الغدر، والتمثيل بالأعداء، والنهي عن التعدي على الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وحُسْن التعامل مع أهل

,

المطلب الثاني: تاريخ السرية

:

أرَّخها الواقدي، وابن سعد، بشهر ربيع الأوَّل سنة ثمانٍ من الهجرة1.

وتبعهما في ذلك نقلاً عنهما كُلٌّ من: "ابن سيد الناس، والذهبي، والشامي2".

وذكرها الطبري نقلاً عن الواقدي في أحداث السنة الثامنة، ولكن دون تحديد الشهر3".

وذكرها ابن كثير - أيضاً - عن الواقدي دون تحديد تاريخها، ولكنَّه ذكرها قبل غزوة مؤتة مباشرةً4".

أمَّا البلاذري، والقسطلاني، فتبعا الواقدي، وابن سعد، ولكن دون الإشارة إلى مصدر معلوماتهما5، وإن كانت في الغالب نقلاً عنهما.

والله تعالى أعلم.

__________

1 مغازي 2/752، طبقات 2/127.

2 عيون 3/197، تاريخ - قسم المغازي 477، سبل 6/227.

3 تاريخ 3/29.

4 بداية 4/240 – 241.

5 أنساب 380، المواهب 1/548.

ولم يذكر عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق لها تاريخاً، كونهم ذكروها عرضاً في سياق أخبار السرايا والبعوث، ورتَّبها ابن إسحاق بعد غزوة مؤتة مباشرةً1.

وشذَّ خليفة بن خياط مِن بين أهل المغازي، فذكرها ضمن السرايا والبعوث التي كانت في سنة ستٍ من الهجرة2.

__________

1 انظر: ابن هشام: سيرة 4/621، البيهقي: دلائل 5/468.

2 تاريخ 79.




كلمات دليلية: