* قصة تحريم الخمر:

* قصة تحريم الخمر:


* قصة تحريم الخمر:

كل ذلك يتبين في المثال التالي الذي جرى في حياتهم، وفي قضية كانت قبل الإسلام راسخة بتقاليدها الجاهلية وعاداتها المتأصلة القديمة الموروثة، مما يعتبر مسلكا عاما شاملا ومحمودا في مألوفات جاهليتهم ومن مفاخرها.

وما كان لهم القيام بالإقلاع عنه- وبهذا النوع العجيب- لولا هذا الدين. ذلك هو قصة تحريم الخمر وكيفية استجابة الصحابة الكرام له ونوعيتها، وذلك في أواخر السنة الثالثة للهجرة وبعد معركة أحد، التي جرت في منتصف شوال منها.

لقد كان تعاملهم مع الخمر واستعمالهم له وتناولهم إياه مسألة عامة يمارسها الجميع بشكل يفوق ممارسة العالم المتحضر اليوم له، شرقا وغربا. والذي للأسف قد سرت عدواه وتسربت إلى بلداننا الإسلامية، وبشكل مرعب ومخيف ومحزن، فنسأل الله العافية.

ويبدو أن شيوع استعمال الخمر- وغيرها من المنكرات، القديمة والجديدة سواء- سمة بارزة، وظاهرة مميزة، ومعلم لازم لكل جاهلية وعلى مدار التاريخ، قديمه وحديثه ومعاصره. وكل هذه الجاهليات تمارسه وهي في أوج جاهليتها، كالمجتمع الروماني والفارسي والجاهلية العربية والجاهلية العلمية المعاصرة.

وللمقارنة العابرة في موضوع الخمر في العصر الحاضر، وبعد أن تبين

بالعلم والواقع والرؤية آثاره المدمرة للإنسان نفسه ومجتمعه وأجياله، لم تفلح أية دولة ولا نظام ولا تربية حتى بالتخفيف أو التخفف منه، رغم الوسائل المتقدمة والإمكانيات الضخمة التي تحوزها والجهود الكبيرة. ليس ذلك فقط- ومع بذل المحاولات في بعضها وبشكل جاد- نرى هذه الظاهرة تتسع وتزداد، أفقا وعمقا. وتنتشر وعلى وضع مخيف ويزداد المعاقرون لها، بل وبين الناشئة والمراهقين والفتيان بل والصغار من الذكور والإناث.

ولقد حاولت الحد منها أو منعها عدة دول غربية في أوربا وأمريكا وغيرها، كالسويد والولايات المتحدة والهند كذلك، ففشلت تمام الفشل.

كانت هذه بدافع دنيوي طبعا، ولما لمست من آثاره المدمرة، ليس على الجيل المعاقر له بل على نسله، فضلا عن الأمراض والآثار الاجتماعية والخلقية والإنتاجية. لقد حاولت أمريكا وفشلت، بعد أن سنّت قانونا سنة (1919 م) ، واستمرت تعمل به طوال أربعة عشر عاما، ثم اضطرت إلى إلغائه والتخلي عنه، أمام الفشل الذريع المريع المذهل، الذي ربما أتى بعكس الرجاء منه، وبعد أن أنفقت مئات الملايين من الدولارات والجنيهات وأعدم بسببه المئات من الرجال وسجن مئات الآلاف منهم. كان الفشل الغريب- وليس بغريب- هو الحصيلة الواضحة من ورائه. وهذا في كل الأمور يتكرر وفي كل محاولات الإصلاح الجادة ينظر. وفي عالم المخدرات وتجاراتها نرى كم من محاولات بذلت في كثير من دول العالم، في مصر والغرب وأمريكا اللاتينية ولكن لا فائدة. وحتى لو أمكن تحقيق شيء فهو بالحديد والنار، وليس عن اقتناع أو استجابة، من المعاقرين له والمتاجرين به ومن معهم. وذلك لأنهم أخطؤوا الطريق، ربما اختيارا أو إصرارا أو جهلا أو تجاهلا وازدراء. وهذا الغرب أمامنا ومحاولاته في علاج أنواع الفساد الذي يستشري فيه. وكل يوم يزداد هذا كما يزداد فشله في علاجها، وفي تقابل مطّرد.

ويعتبر هذا في الميزان الإسلامي ساذجا وفجا وعبيطا، ليس فقط لأنه

عالج القضية أجزاء وتفاريق ومن السطح، مقطوعة عن كلياتها وأمهاتها وارتباطاتها، بل يعتبر أسلوبا تائها لا يوقع الإنسان ولا يرفعه ولا يورثه إلا مزيدا من السقوط في التّيه، حين يكون بعيدا عن الله تعالى. وهو مظهر بوضوح عبث محاولات الإصلاح بغير منهج الله تعالى.

وقل مثل ذلك في كل المحاولات بأنواع أساليبها وتعدد ميادينها. بل هو طبيعي لا تنتظر غير ذلك منه، مثلما هو طبيعي بالنسبة للإسلام، لا تنتظر منه إلا ذلك التفرد العجيب المميز.

خذ كذلك الظواهر المتنوعة المعاصرة، حتى في البلدان التي بلغت شأوا بعيدا في مضمار التقدم المدني والعلمي والتقني ومعالجاتها التي ظنت- وللأسف ظننا معهم- رقيها وسبقها وتفردها، فما حصدت إلا الذّبول والنّكول والتّدني في جميع القضايا الإنسانية، وما يخص المرأة وما يخص الظواهر الجديدة كالإيدز، بسبب البعد عن منهج الله تعالى.

إن الخمر- كالميسر، كبقية الملاهي- ثم كالجنون بما يسمونه (الألعاب الرياضية) والإسراف في الاهتمام بمشاهدها ... كالجنون بالسرعة ... كالجنون بالسينما ... كالجنون بالمودات والتقاليع ...

كالجنون بالمصارعة والملاكمة ... كالجنون بمصارعة الثيران ...

كالجنون ببقية التفاهات التي تغشى البشرية، حتى لتكاد أن تصبح كالقطعان بل قل كالأنعام في بعض الأحيان في مواقع وبلدان في الجاهلية الحديثة اليوم، جاهلية الحضارة الصناعية والتقنية والعلمية المترهّلة.

إن هذه كلها ليست إلا تعبيرا عن الخواء الروحي من التربية الحقة والعجز والهزيمة أمام تحقيق أي لون من الإصلاح والوصول لعلاج الفاسدات والمفسدات، لتفلس أمامها، الأمر الذي ينقلب أحيانا إلى مماشاتها بل والأخذ بها. بل وأحيانا- تلك وهناك- الفقر المدقع من الإيمان أولا ومن الاهتمامات الكبيرة- نتيجة لذلك- التي تستنفد الطاقة ثانيا. وهي ليست إلا إعلانا عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقة أو الحاجة أو الرغبة الفطرية

بطريقة سويّة. ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ، كما يقودان إلى كل أنواع ذلك الجنون وغيره. وهما الخواء والإفلاس وما يتبعهما، بذاتهما- اللذان يقودان، كما يتم، والعياذ بالله ونسأل الله العافية، إلى الجنون المعروف، وإلى المرض النفسي والعصبي والشذوذ. بل يذكر أن للخمر (والتدخين) علاقة بالعقم!!!

لكن انظر الذي حققه الإسلام في هذا الشأن وفي غيره من كل شؤون الحياة، حققه ويحققه بكلمات الله تعالى المعجزة، بلاغة وأثرا وتفردا.

إنها لم تكن مجرد كلمات- كما قد يظن- إنها كلمات الله سبحانه وتعالى، وهي التي حققت تلك المعجزة الفريدة. إنه كان بالمنهج الرباني، منهج هذه الكلمات، متنه وأصله، منهج من صنع رب الناس لا من صنع الناس. وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج لا تؤدي إلى كثير أو كبير أو جدير، بل إلى الهزيل لا بل إلى التأذي والتردي والتدني البعيد، لا بل إلى التدمير المحقق والخطير.

إنه ليست المسألة أن يقال كلام، فالكلام كثير. وقد يكتب فلان أو غيره من الفلاسفة والمفلسفين أو من الشعراء أو من المفكرين أو حتى من السلاطين! قد يكتب كلاما ملفقا أو مزوقا أو ملقنا- استعارة أو تجارة أو شطارة، من يده أو يد غيره- قد يكتب كلاما مهما أو منمقا جميلا يبدو أنه يؤلف منهجا أو مذهبا أو فلسفة «1» ... ولكن ضمائر الناس تتلقاه بلا سلطان

__________

(1) لقد توفرت كل هذه الأنواع وغيرها، مما قد لا يؤمن بها حتى مدّعيها أو مستأجريها، من الأقاويل المصنعة أو المصطنعة. نراه في عصرنا وحوالينا خاصة، لمواجهة الإسلام ومحاربته ورده. يريدون غلبته بما ملكوا من القهر والنهر والنحر، وبما أعدوا من أسباب القوة الغشوم، مما يشير إلى رعبهم من الإسلام، حين يأتي فارسه وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: 21] . ولكن حين ذاك لا ينفع ما لديهم، فيهربون باحثين عن ملجأ ويتمنون النجاة، لعلهم يعثرون على مخبأ ما، ولات ساعة مهرب.

لأنه ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ. ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:

40] «1» .

فمصدر الكلمة هنا هو الذي يمنحها السلطان، سلطان العليم الرحمن الرحيم الحكيم القادر الكريم المتفرد. وهي كلمة- فوق ذلك- تستكمن في ذاتها أسرارا من القوة والفاعلية والبركة المؤثرة، بجعل أثرها معجزا، لا يدرك بحال.

بينما مناهج البشر جميعا تفتقد كل هذا فلا تقود إلا إلى التردي، وذلك فوق ما في طبيعة المنهج البشري ذاته من ضعف ومن هوى ومن جهل ومن قصور ومحدودية وغموض وعجز.

فمتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة من يحاولون أن يضعوا لحياة الناس مناهج، غير منهج العليم الخبير؟ وأن يشرّعوا للناس قواعد غير التي شرعها الحكيم البصير؟ وأن يقيموا للناس معالم لم يقمها الخلّاق القدير؟

متى ومتى؟ متى ينتهون عن هذا الغرور؟؟!

لكني أقول: إنه لا يتم شيء من ذلك إلا يوم يتم- بقدر الله تعالى- لأهل هذه الدعوة الكريمة أن يقيموا منهج الله في الأرض، فيراه الآخرون حقيقة واقعة، يرون آثارها ويألفون منارها ويتذوقون ثمارها. وهو ما جرى واضحا في السيرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام. حيث أقبلوا عليها واستظلوا بظلها وتفيّؤوا أشجارها واجتنوا ثمارها الطيبة، عبقت بألوان الطّعوم.

رغم أنهم حاربوه طويلا بكل سبيل دون هوادة، وبأكثر من ذلك. ولكن حين رأوه في الحياة قائما، هرعوا إليه مؤمنين به، يتسابقون ويتنافسون في

__________

(1) انظر: التفسير، (2/ 667) .

خدمته غير مدخرين لطاقة. فأصبح أشدّ الأعداء من أبر الأبناء، وهذا من معجزات الإسلام لا يستطيعه غيره بحال «1» .

ومن الملاحظ أن كثيرا من هذه الأنظمة الوضعية الأرضية البشرية- شرقا وغربا، التي تحاول عمل شيء في هذا المضمار، وهي لا تزيدها إلا سوآ فوق سوئها وترديا إلى جانب ترديها وعبئا مع ثقلها- لم تحقق شيئا في أي من هذه المضامير والضمائر والمضامين، وحتى التي رفعت لها الرايات وادّعت سبقها وتفردها متّهمة غيرها. وكانت أفشل من غيرها- كل الأنظمة الوضعية ومن تلك التي قامت على أنقاضها ووصفتها بأشنع الاتهامات، بل حتى صار الناس يترحمون على تلك والتي هم أنفسهم كانوا يتمنون زوالها:

ربّ يوم بكيت منه فلما ... تولى بكيت عليه

ومن العجيب- أو ليس بعجيب- أن كل هذه الأنظمة والأوضاع الجاهلية تحارب دين الله تعالى- بزعامة الصهيونية والصليبية والعلمانية- وتتحد عليه، وهي متعادية متحاربة متوالية، جمعها الهدف والمهمة والمركبة الواحدة، التي اصطنعتها من أجل ذلك، فصارت عليه إلبا واحدا، لحسابها أو لحساب غيرها. بل إن بعض الأوضاع ادّعت تقدمها وقوتها وتفردها في المناهج الإصلاحية وتحت هذه الشعارات- ليس فقط حاولت وفشلت ولا أهملت فحسب، بل كأنها تدعو إلى الفساد والإفساد والخروج عن طاعة الله تعالى، وإن تزيت به- لكنها تتعامل في الواقع بمقولة تستنكرها في الظاهر، هي: (إثابة المسيء وعقوبة المحسن) .

__________

(1) يبدو أن كثيرا من الأوضاع في العالم اليوم تفرض القوى العالمية- الصهيونية والصليبية والعلمانية (اللادينية) - عليها توجيهات معينة وتملي إرادتها المحددة. وهذا يجري في بقاع كثيرة من العالم، شرقا وغربا. حتى ليظهر- أحيانا- أنه لا تكاد تفلت منها- إن فلتت بحال- إلا القلة، وأن هذه القوى تريد الإطباق على الجميع. ونحن نسأل الله العافية من ذلك وأمثاله، بالاعتصام بمنهج الله القويم.

أمور لو تدبّرها حكيم ... إذا لنهى وهيّب ما استطاعا «1»

وهذا كله مما يجعل النداء إلى دين الله قائما ولازما على أهله، معلنين الدعوة إلى هذا الخير والاستقامة والصلاح، الذي لا يتم إلا بهذا الدين وحده، ولا طريق له إلا من هذا الدين فهو وحده الطريق. وهو أقصر الطرق وأصدقها وأنجاها، فضلا عن كونه أجودها وأبركها وأحلاها. فإن تقوى الله وحدها والأخذ بمنهجه- عقيدة وعبادة وشريعة- هي دوما وحدها الكفيلة بإصلاح القلوب وإنارة النفوس وتعمير الحياة. وهذه التقوى لله تعالى والأخذ بشرعه تقوم على الأساس الأمين والركن الركين وهو لا إله إلا الله، بشمول معناها وعمق مبناها ودليل محتواها. وهي دعوة جميع الرسل، عليهم الصلاة والسلام. والرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم دعا إليها طول عمر النبوة المنيرة الخيّرة المباركة.

وخلال الدعوة المكية كانت الدعوة إليها باعتبارها الأساس الذي يقوم عليها البناء الإسلامي كله. وكانت خلالها هي القضية الوحيدة التي يعمل لها، ويجاهد لأجلها وينادي داعيا إليها «2» .

من ذلك ما رواه الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد، وكان جاهليا فأسلم، قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بصر عيني بسوق ذي المجاز (يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله) يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «3» .

__________

(1) هذا البيت من قصيدة في الحكمة للقطامي (نحو 130 هـ) . «تدبرها» : نظر في عواقبها. «نهى» : انتهى عن فعلها. «هيّب» : خوّف الآخرين منها وحذّرهم إيّاها.

(2) انظر: التفسير، (2/ 973، 987) .

(3) المسند، (3/ 492) ، (4/ 341) . المعجم الكبير، الطبراني، (5/ 61) ، رقم الحديث (4582) . سير أعلام النبلاء، (3/ 516) ، رقم (124) . حياة الصحابة، (1/ 107) . سيرة ابن هشام، (1/ 423) . (ويذكر منى بدلا من المجاز، لقربها منها. ولعل رؤية ربيعة للرسول صلّى الله عليه وسلّم تكررت في عدة أماكن لقرب منازلهم من هذه الأمكنة المرتادة، للحج أو التجارة والمشاركة في هذه الأسواق) . سيرة ابن كثير،

ولا بد قبل بيان سرعة استجابة الصحابة الكرام والمسلمين والهروع لتنفيذه، أن يعرف موقع شيوع الخمرة في الجاهلية العربية. أقول: لقد كان تعلق العرب بالخمر- قبل الإسلام، لا سيما في المدن مكة (وقريش) والمدينة وغيرها- ربما أكثر من تعلق المدمنين اليوم في الحضارة المعاصرة أو الجاهلية المعاصرة. وربما استعاض أولئك العرب بها عن الماء لأيام.

ويلحظ أن هذه الأمور- كالخمر- هي من معالم الجاهلية وعلاماتها وعاداتها- وكل جاهلية- كما نشهده اليوم في الحضارة (الغربية) المعاصرة، شرقا وغربا. والبلاد الإسلامية كثيرا ما تقلدهم في ذلك وفي غيره، وكأنها زاد تقدّم وحضارة حقّة.

كما لا بد من ملاحظة أن الذين أدركوا في الغرب خطورة الخمرة وأثرها السيىء وأضرارها المتنوعة، البدنية والعقلية والنفسية، وعلى النسل، وكذلك الاجتماعية والخلقية والحضارية. رغم ذلك فهم يعاقرونها صبوحا

__________

(1/ 462) . وذكر مثل هذا المشهد أو الموقف آخرون مثلما ذكره ربيعة بن عباد. زاد المعاد، (3/ 39، 566- 567) . أسد الغابة، (3/ 49) . السيرة النبوية، الذهبي، (151) . (والذهبي يروي دعوة التوحيد: «لا إله إلا الله تفلحوا» مكررة) . ذو المجاز: من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، يقع شمال عرفة. وكات تأتي أهميته بعد سوق مجنّة، وهذا بعد عكاظ. «وكانت العرب إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوال ثم تنتقل إلى سوق مجنة فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة، ثم تنتقل إلى سوق ذي المجاز فتقيم فيه إلى أيام الحج» . مراصد الاطلاع، (2/ 953) . والظاهر أن سوق ذي المجاز كان أقرب هذه الأسواق لمكة، حيث هو آخر الأسواق، لتواجدهم فيها، وفيها كانت إجازة الحاج، ولعله كان أقرب الأسواق لمنازل ربيعة بن عباد. وقد كان بلال الحبشي لدى أوائل الهجرة إلى المدينة يتشوق إلى هذه الأماكن ويقول:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل

رواه البخاري، رقم (1790) . ومسلم، رقم (1376) . سير أعلام النبلاء، (1/ 354) .

وغبوقا «1» ، بل وحتى الأطباء الذين يعرفونها أكثر من غيرهم وينصحون الناس بالكف عن تناولها. وهذا يعني أنه لا المعرفة وحدها ولا القناعة بحالها ولا التقنيات بمفردها تكفي للإقبال أو الإدبار، ولا تصلح للبناء والتربية والاستقامة، لانقطاعها عن النفس، بانقطاعها عن منهج الله تعالى.

ومن هنا كان لا بد أن تفشل كل المبادئ الوضعية وفلسفاتها وأنظمتها ونظرياتها، التي يضعها البشر للبشر، والذي يمثل صيغة من صيغ الخروج عن الفطرة، بخروجها من العبودية لله تعالى والاستبداد بسلطان ليس لهم، هو سلطان الله تعالى، الذي اعتدوا عليه. ولا نذهب بعيدا، والحاضر على ذلك دليل، أي دليل. خذ مثلا وشاهدا وما أكثرها. فما أكثر النظريات الحديثة في مختلف الميادين، التي لو صدقت فلا تصلح لذلك. وقد بدا ليس فقط فشلها بل كذبها وسقوطها وبطلانها.

فهي تنهزم أمام الواقع والحقائق والعلم. وتلحظ هذه الهزائم حتى في مواطنها، فيما قاله العديد من العلماء الذين ما يزالون- لا سيما عندنا- يحتلون منصات التقدم العلمي، من أمثال: دارون وفرويد ودوركايم وهكسلي ونيتشه وكنت وبرجسون وغيرهم كثير.

وسيأتي يوم- إن شاء الله- تبدو فيه كل هذه الفلسفات والنظريات والمذاهب جاهلية، ننظر إليها كما ننظر إلى الجاهليات السابقة ومعبوداتها، إلى حد تثير الدهشة، كيف قبلها الناس في جيل وارتضوها وعاشوها؟ وكما أن الظّلمة لا تعرف لتهجر وتنبذ إلا حين يشع النور، أعني نور الله تعالى، يعرف به الإنسان الطريق صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: 138] .

وكما حدث أيام الرسول صلّى الله عليه وسلّم حين أسلم من أسلم، وقد حمد الله تعالى

__________

(1) «الصبوح» : ما يشرب (أو يحلب) صباحا. «الغبوق» : مثل ذلك مساء.

على الإسلام بعد الجاهلية: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50] .

لقد حدثت الاستجابة لتحريم الخمر لدى الجيل الخيّر، والانتهاء منه، مثلما حدث في موضوع الحجاب، الذي تستبين من خلاله طاعة النساء كلهن، وهن جزء من المجتمع الإسلامي والجماعة المسلمة ونصفه. وكيف أيضا فرح الرجال بتنفيذه. وفي تحريم الخمر كذلك كانت نفس الاستجابة.

والحق أننا لا ننتظر إلا هذه الصورة الفريدة. لأن الإسلام هو الذي يصلح القلوب التي منها يأتي كل الصلاح «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» «1» .

ومع ما كان للخمر من مكانة في نفوس أولئك القوم ومن تعلّق شديد ومعاقرة متسعة. انظر كيف كانت استجابتهم- بعد أن تربوا على الإسلام- للإقلاع عنها وعدم التعامل معها أو التداول بها أو التمثل بالأقاويل فيها، بأي شكل وحال. ما كان أحد يتصور- بدون الإسلام- أن يقلع أحد منهم عنها، فضلا عن أن يكون بالشكل الذي تم به، بعد ذلك التعلق الشامل والمعايشة الدائمة والإدمان الشنيع، إلى حدّ كانت من مفاخرهم في نواديهم ومجالسهم وشعرهم كذلك.

فالآيات الكريمة والأمثلة الواضحة والروايات المتعددة كلها تبين وتؤكد وتؤيد بشكل شامل، على تغلغل هذه الظاهرة- معاقرة الخمرة- في المجتمع الجاهلي. وكانت هي والميسر الظاهرتين البارزتين المتداخلتين في تقاليد هذا المجتمع.

فماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة؟ ماذا صنع

__________

(1) رواه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (52) . ومسلم، رقم (1599) . انظر: أعلاه، ص 75 وبعدها.

لمكافحة هذه الآفة، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقم واع أبدا؟

ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصيلة قديمة، تتعلق بها تقاليد اجتماعية، كما تتعلق بها مصالح اقتصادية؟

لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن! وعلى مراحل، وفي رفق وتؤدة. وكسب المعركة، دون حرب ودون تضحيات ودون إراقة دماء. والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها، وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين- حين سمعوا آية التحريم- فمجّوها من أفواههم ولم يبلعوها!!

لقد اتبع الإسلام- وهو دين الله تعالى- أسلوب التدرج أمام هذه القضية. علما أن هذا مرتبط بنوع البناء والتربية الربانية للجماعة المسلمة، وما كان يثمر أبدا، لا هذا ولا غيره بدون هذه القاعدة الإسلامية الصّلبة.

ولقد كان للتحريم مراحل سبقت ومهدت له، حتى بات المسلمون هم أنفسهم يطلبون البيان الشافي في هذا ويستعدون، بل ويتمنون تحريمها.

وهذه السّمة والعلامة والاتجاه هو ما أسميه الاستعداد المسبق المتقابل الذي يجعل النفس المسلمة ذاتها- بتربيتها- تطلب الوقوف عند الصيغ الإسلامية قبل الأمر بها، فإذا ما جاء ذلك الأمر كان التنفيذ سريعا. وهذا ما يجعله ترنو إليه بما تربت عليه قبل الأمر به، وعند ذلك يكون سبّاقا في قبوله وانطلاقه له، بل وفرحا بالأخذ به حريصا عليه، ومن فوق هذا الأفق الكريم المتسامي في امتثاله.

جرى لتحريم الخمر ثلاث أو أربع مراحل، وذلك بعد بناء هذه النفس المسلمة ومجتمعها على كلمة التوحيد الخالص لله تعالى في العقيدة والعبادة والشريعة، وهو معنى ومحتوى ومقتضى كلمة «لا إله إلا الله» ، الكلمة التي لا يقدّم عليها شيء ولا يفوقها ولا يقوم قبلها. وكل أمر يا بنى عليها، بعد قيامها في النفس.

1- آية في سورة النحل وهي مكية: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: 67] «1» .

وهذه الآية لا تحرّم الخمر ولكنها تشير إلى أن الخمر (السّكر) ليس رزقا حسنا والرزق الحسن غيره. والآية تصف الواقع في ذلك الوقت من أنّ الخمر تؤخذ من ثمرات النخيل والأعناب، وليس فيها نص بحلّها. ولكن ذلك ممكن أن يعتبر إشارة إلى اتجاه تحريمها والتمهيد له.

2- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: 219] «2» .

وهذه الآية الكريمة تبين أن إثم الخمر- كالميسر (القمار) - أكبر من النفع فيه. وليس في هذا حل لها، وهو ما لا يوجد في القرآن مثله. وهذا يعتبر تلميحا- أكبر من الآية السابقة- إلى التقليل من التعامل بها. وهو تمهيد أكبر لتحريمها، وهو تدرج لتحريمها.

3- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: 43] «3» .

وهذه الآية الكريمة تعتبر حلقة أخرى في خطوات تحريم الخمر. حيث تضيّق أوقات شربها وتحدده، فلا يشربها قبل الصلاة لخمسة أوقات، حتى يعرف المسلم ماذا يقول في صلاته. فلم يبق إلا وقت قليل لمعاقرتها. وبعد نزول هذه الآية الكريمة كان منادي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أقيمت الصلاة ينادي:

«ألا لا يقربنّ الصلاة سكران» .

4- ثم يأتي الأمر الجازم بتحريمها (مع الميسر) ، نصا قاطعا أقوى من

__________

(1) تفسير القرطبي، (10/ 127) . التفسير (4/ 2181) .

(2) تفسير القرطبي، (3/ 51) . التفسير، (1/ 229) .

(3) تفسير القرطبي، (5/ 200) . التفسير، (2/ 662- 668) .

لفظ التحريم، حيث قرنها بتحريم الأنصاب والأزلام، أي الشرك بالله تعالى، نعوذ بالله منه.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 90- 91] «1» .

كان هذا الأمر الإلهي- بالانتهاء عن الخمر- تحريما قاطعا حازما شديدا، ومع ذلك فقد استجاب المسلمون له أروع استجابة، مستريحة وفرحة متلهفة. تم ذلك وكأنه كان أملهم ومأربهم ومطلبهم. ذلك هو ثمر هذا البناء الرباني الكريم على منهج الله تعالى. وهذا هو الفرق بينه وفي علاجه للنفس الإنسانية والمجتمع والحياة وبين كل ما عداه من المناهج الوضعية الأرضية الجاهلية غابرا وحاضرا ومستقبلا.

انظر كيف تمت هذه المعجزة المتفردة، التي لا نظير لها في تاريخ البشرية، ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والتقنيات والتنظيمات والتنظيرات والإجراآت والإصلاحات، في أي مكان ولا في أي زمان ولا لدى أي إنسان؟

لقد تمت المعجزة؛ لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته

__________

(1) تفسير القرطبي، (5/ 200) ، (6/ 285) . التفسير، (2/ 973- 979) . «الأنصاب» : جمع مفردها: النّصب النّصب: ما ينصب ليعبد من دون الله. أو هي الأصنام أو حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح. «الأزلام» : جمع مفردها الزّلم: وهي السهام التي كانوا يستقسمون بها، إذا أرادوا أمرا فيأتمرون بها. تفسير القرطبي، (6/ 57) . أو هي القداح (الأقداح) مفردها القدح. يستعمل لنفس الغرض، أو هي قداح الميسر. تفسير القرطبي، (6/ 58) . البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة: 90] . التفسير، (4/ 1687) . رجس: نجس مستقذر أو إثم فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟: هي حرمة مشددة، وهي صيغة الاستفهام الإنكاري. وهو من أبلغ ما ينهى به ووعيد شديد زائد على معنى انتهوا. لذلك فهم قالوا في الامتثال: انتهينا. تفسير القرطبي، (6/ 292) . فهو تحريم قاطع مؤكد نهائيا تماما.

الخاصة، أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله- سبحانه وتبارك وتعالى- فيها حضورا لا تملك الغافلة عنه لحظة من زمان. أخذها جملة لا تفاريق وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة.

لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغا تملؤه بنشوة الخمر وخيالات السكر وما يصاحبهما من مفاخرات وخيلاء وادعاء، تذهب في الهواء. ملأ فراغها باهتمامات، منها: نقل هذه البشرية الشاردة كلها من تيه الجاهلية الأجرد وهجيرها المتلظي وظلامها الدامس وعبوديتها المذلة وضيقها الخانق إلى رياض الإسلام البديعة وظلاله الندية ونوره الوضئ وحريته الكريمة وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة!

ملأ فراغها بالإيمان، وبهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج.

فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر، تحلق بها في خيالات كاذبة وسراب خادع وأوهام مضحكة، تتراءى متوثبة متأهبة. فأين هي من تلك الأحاسيس الرضية، ترفّ بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضئ وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله وتذوق طعم هذا القرب، فتمج طعم الخمر ونشوتها وترفض خمارها (آلامها وآثارها) وصداعها وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية!

لقد استنقذ هذا الإيمان بكل إحساساته وموراته وتدفقاته الفطرة من ركام الجاهلية. وفتحها بمفاتيحها الذي لا تفتح بغيره، وتمشي في حناياها وأوصالها وفي مسالكها ودروبها، ينشر النور والحياة والنظافة والطهر واليقظة والهمة والاندفاع للخير الكثير والعمل الكبير والخلافة في الأرض؛ بأصولها التي قررها العليم الحكيم الخبير، وعلى عهد الله وشرطه وعلى هدى ونور منه.

تم هذا بكل يسر وسهولة وشمول، رغم ما مر بنا من تعلقهم الزائد بالخمر قبل الإسلام- وفي الإسلام- حتى كان تحريمها. كانوا يعاقرونها بهذه الممارسة الشرهة الشاملة، إلى حدّ كانت الخمرة مادة فخرهم وأدبهم وشعرهم، مثلما هي مادة نواديهم ومجالسهم وأسمارهم. كما كان أدواتها

وتقاليدها ومصطلحاتها، وأصبح الخمر أحد أهم أغراضهم الشعرية.

وإنك لتجد ذلك في العديد من معلقاتهم، التي هي مستجاد شعرهم، ومستجاد الشاعر عندهم. وكانت- فوق ذلك كله- تقليدا اجتماعيا مرتبطا بجذور حياتهم الاقتصادية والتجارية، فهي قوام تجارتهم «1» .

وقل مثل ذلك في الميسر الذي بلغ من ولوعهم به وتعلقهم بممارسته حدّا «كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حريبا سليبا ينظر إلى ماله في يدي غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاء، فنهى الله عن ذلك وقدّم فيه، والله أعلم بالذي يصلح خلقه» «2» .

لقد بلغ من شيوع تجارة الخمرة ورواجها وإلفتهم لها أن كلمة التجارة غدت مرادفة لتجارة الخمر وبيعه. وفي ذلك يقول شاعرهم لبيد بن ربيعة بن مالك- قبل إسلامه طبعا- في معلقته «3» :

قد بتّ سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذ رفعت وعزّ مدامها

__________

(1) كانت الخمر تصنع في المدينة- طبعا قبل تحريمها- من خمسة أشربة، من التمر (والعنب) والعسل والحنطة والشعير والذرة، وليس فيها شراب العنب. البخاري، رقم (4340) . التفسير: (4/ 1689) .

(2) تفسير الطبري، (7/ 35) . «حريبا» : مسلوب المال الذي يعيش به. وهذا يشير أيضا إلى هبوط قيمة الإنسان عندهم، والمرأة طبعا أكثر.

(3) لبيد بن ربيعة بن مالك العامري: شاعر مخضرم، أسلم سنة (9 هـ) . وهو من فحول الشعراء والفرسان الشجعان المخضرمين المعمرين، وأحد أصحاب المعلقات السبع. كان هو المقصود بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد، ألا كلّ ما خلا الله باطل..» البخاري، رقم (3628) . «سامرها» : سامرا فيها. «غاية تاجر» : راية تاجر يبيع الخمر، ينصبها علامة عليها وعلى جودتها. «رفعت» : رفعت الراية أو ثمن الخمر. «عز مدامها» : غلا ثمنها وهي معتقة. يريد أنه سهر تلك الليلة، فإذا تاجر (بائع خمر) رفع راية (غاية) ، علامة بائع الخمر الجيد، فاشتراها، رغم ارتفاع ثمنها.

ويقول المنخّل اليشكري «1» (نحو 20 ق. هـ) :

ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير

فإذا سكرت فإنني ... ربّ الخورنق والسّدير

وإذا صحوت فإنني ... ربّ الشّويهة والبعير

وشعراء آخرون كثيرون تناولوا هذا الاتجاه بشعرهم «2» .

ومع كل ذلك كانت استجابتهم في الإقلاع عنها عجيبة من عجائب هذا الدين، وكله عجائب، عجبا مستمدا من هذا المنهج الإلهي وقائما على هذه التربية الربانية الفريدة ومتيقظا بالصدق الأمين في الله تعالى.

وانتهى المسلمون كافة، وأريقت زقاق الخمر وكسرت دنانها في كل مكان، بمجرد سماع الأمر. ومج الذين كانت في أفواههم جرعات من الخمر ما في أفواههم- حين سمعوا الأمر- ولم يبلعوها وهي في أفواههم وهم شاربون. ولم يتم ذلك عن طريق سيطرة الدولة وتقنيناتها وتقنياتها وإشرافها ورقابتها، بل تم بسلطان القرآن الكريم، وما أعظمه من سلطان «3» .

الظاهر أن كثرة من الصحابة الكرام كانوا يعاقرون الخمر، قبل تحريمها، مما يدل على شيوعها وتمكن هذه العادة وتأصل هذا التقليد.

فعمر بن الخطاب- مثلا- ممن كان يعاقرها، منذ جاهليته. وهو الذي يقول في قصة إسلامه: (كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أصبها وأشربها. وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزوّرة ...

فقلت في نفسي: فلو أني جئت فلانا الخمّار، وكان بمكة يبيع الخمر، لعلي

__________

(1) التفسير، (2/ 664) .

(2) انظر في ذلك: التفسير، (2/ 663) وبعدها.

(3) التفسير، (2/ 666) .

أجد عنده خمرا فأشرب منها، فخرجت ... ) «1» .

ولكنه ظل يشربها في الإسلام- مثل غيره- فلما نزلت آية البقرة (219) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. ولما نزلت آية النساء (43) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ. قال: اللهم بيّن لنا بيانا شافيا في الخمر. حتى إذا نزلت آية التحريم التي في المائدة (90- 91) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «2» . قال: - وقال المسلمون جميعا- انتهينا انتهينا «3» ! وانتهى وانتهوا منها جميعا، وإلى غير رجعة.

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا ... » » .

وهكذا رويت أخبار عن عديد من خيار الصحابة من المهاجرين والأنصار، أنهم كانوا يعاقرونها، مثل سعد بن أبي وقاص «5» .

وروي عن الصحابي الجليل أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: (فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟

فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرّمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل) «6» . ولقد ورد الخبر

__________

(1) سبل الهدى، (7/ 33) . التفسير، (2/ 664) .

(2) تفسير الطبري، (7/ 33) . التفسير، (2/ 664) .

(3) تفسير الطبري، (7/ 33) وحولها.

(4) التفسير، (2/ 665) . كذلك: تفسير الطبري، (5/ 95) .

(5) تفسير الطبري، (7/ 34) .

(6) رواه البخاري: كتاب التفسير (المائدة) ، رقم (4341) . «أهرق» : اسكب.

بكلمات أخرى عن أنس أيضا، يقول: (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مناديا ينادي:

«ألا إنّ الخمر قد حرّمت» . قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها.

فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة ... ) «1» .

إن امتثال الصحابة الكرام في الانتهاء عن تناول الخمر- وبهذا الشكل القوي- لهو معجزة من معجزات الإسلام، إذ استجابوا بشكل كامل وجماعي، وأراقوا ما لديهم منه، ولم يؤجلوا ولم يبيعوا ما لديهم منه لغيرهم، حتى لغير المسلمين، بل ولم يعطوه لأحد «2» . فما أن سمعوا بالخبر- مجرد الخبر- من رجل مسلم حتى نفذوه قبل أن يستفسروا، حتى قالوا انتهينا يا رب «3» .

وانظر هذه الصورة التي يذكرها الإمام ابن جرير الطبري (310 هـ) في تفسيره (جامع البيان عن تأويل القرآن) . فيروي عن الصحابي الجليل

__________

«القلال» : جمع قلّة، وهي الجرة التي يقلها- أي: يحملها- القوي من الرجال. «عنها» : عن تحريم الخمر. «راجعوها» : أي لم يرجعوا إلى شرب الخمر، «أو» : لم يرجعوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ليتأكدوا منه خبر التحريم (ويبدو هذا أرجح) . وهذا يدل على صدق المسلمين فيما ينقلون وثقتهم بعضهم ببعض، وأنهم أتقياء في هذا وغيره. وهذا أمر طبيعي.

(1) رواه البخاري: كتاب المظالم، باب: صب الخمر في الطريق، رقم (2332) . ومسلم، رقم (1980) . أبو طلحة بن سهل الخزرجي النجاري (51 هـ) زوج أم سليم (الرّميصاء) الأنصارية النجارية الخزرجية (1/ 304) . أسد الغابة، (7/ 345) .

(2) حرم الإسلام التعامل به بأي حال وعدم المشاركة بأي أمر يتعلق به. انظر: الأساس في التفسير، (3/ 1507- 1508) . روى الإمام أحمد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها» . المسند، (2/ 97) . التفسير، (1/ 316) . الأساس في التفسير، (3/ 1506) .

(3) تفسير الطبري، 7/ 33) .

بريدة بن الحصيب الأسلمي (63 هـ) «1» . أنه قال: (بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية لنا ونحن نشرب الخمر حلّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلّم عليه وقد نزل تحريم الخمر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة: 90] ، إلى آخر الآيتين فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال: وبعض القوم شربته في يده، وقد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام. ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا! انتهينا ربنا! «2» .

وما عرف عن أحد من الصحابة أنه شرب خمرا أبدا، بعد ذلك بحال.

فالحمد لله رب العالمين.

وهكذا اندثرت هذه الممارسات والتقاليد الغائرة في جاهليتهم، وحتى في إسلامهم قبل التحريم، وفي لمح البصر. انتهت تلك من حياتهم، بعد ما أحبوها، وبعد التحريم أحبوها تحريمها وما أحبوها. وأصبحت من المنكر حتى ذكرها في أحاديثهم، مجرد ذكرها في مدح أو تمنّ أو تسلّ.

وظني أن هذا هو سبب سجن عمر بن الخطاب للشاعر أبي محجن الثقفي (30 هـ) «3» ، لا لأنه شرب الخمر بل لأنه قال الشعر فيها وحسب.

وهناك حادثة مشابهة، ذلك أن النّعمان بن عديّ بن نضلة القرشي العدوي (نحو 30 هـ) ، صحابي من مهاجرة الحبشة، ومن الولاة، وهو شاعر. ولّاه عمر على ميسان (كورة واسعة بين البصرة وواسط) . وهو الوحيد الذي ولّاه عمر من قومه (بنو عديّ) ، لما يعرف من صلاحه. ولمّا

__________

(1) انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء، (2/ 469) . وأعلاه، ص 142- 143.

(2) تفسير الطبري، (7/ 34) وبعدها.

(3) انظر ترجمته في العديد من كتب الصحابة.

أبت زوجته الخروج معه كتب إليها بأبيات، منها:

إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلّم

لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم

ولما بلغ ذلك عمر كتب إليه:

(بسم الله الرّحمن الرّحيم. حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: 1- 3] .

أما بعد فقد بلغني قولك:

لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم

وايم الله إنه ليسوؤني، فأقدم فقد عزلتك) .

فلما قدم عليه قال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قطّ، وإنما هو شعر طفح على لساني (وما كان إلا فضل شعر وجدته) وإني لشاعر.

فقال عمر: إني لأظنّك صادقا، ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا.

فنزل البصرة فلم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات «1» ، رضي الله عنهما.

جرى ذلك في تحريم الخمر الذي كان من مفاخرهم المعدودة في المعاقرة لها صباح مساء، ما إن تقارب بطونهم أن تخلوا منها حتى يترعوها من جديد. وبلغ الأمر حدا أنّ مدار الكثير من أشعارهم (ديوانهم) لأكبر شعرائهم من أصحاب المعلقات وغيرهم «2» ، كانت في المفاخرة والمعاقرة هذه المشاربة، والتي غدت- بعد الفخر بها- بهذا الدين وبنائه القوي الأمين الرباني الرصين، من أكبر العيوب والآثام لديهم، وهي أم الخبائث «3» .

__________

(1) أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر، (157- 158) .

(2) سبق ذكر ذلك.

(3) كما جاء وصفها في حديث شريف.

وإذا نظرنا بعض أشعارهم في ذلك نستدل على أن الإسلام صنع إنسانا جديدا وحياة جديدة ومجتمعا فريدا، في كل مبانيه الحياتية والإنسانية والحضارية في الأنفس والحياة والآفاق.

إن أخذنا الجدي العملي المتمكن بالإسلام يرينا بشكل أدق وأوفق وأبعد حقيقته، ويعمق أكثر فهمنا له، ويبصرنا زيادة بأسراره التي أودعها الله إياه مليئة، يدلنا على طريق الخير السليم القويم، وهو وحده يفعل ذلك. ولكن هذه ثمرة طبيعية مؤكدة، لا يرد غيرها. ولكنه الأساس لأنه يحقق غاية الوجود الإنساني في العبودية الحقة لله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] . وهي قوام كل إصلاح وبداية الاستقامة فيها وموئل الإنسانية الكريمة.

والمرجو أن يرى المسلم- مسلم اليوم قبل غيره- ذلك، ليدرك بوضوح عظمة هذا الدين. وهو المستوى اللازم للقيام به والانتماء إليه والسير في موكبه الكريم، ليحقق في نفسه وفي ما حوله وفي الحياة ما يراد منه. ويدرك هو وغيره المنقذ والموجه والمسعد دنيا وأخرى، الذي يتناسب مع الإنسان الذي خلقه الله تعالى وجعله خليفة في أرضه وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] . وهو هذا الدين وحده. وسيبقى هذا الإنسان ضائعا بدونه أبدا. فلا يفلح في إصلاح الإنسان إلا الدين الذي أنزله الله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14] .

فالحياة كلها- قديما وحديثا، لا سيما عصرنا- خير دليل على ذلك.

وإن هذا الدين يقود إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن يقود إلى خيريهما غيره.

إنه هو الذي أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون كذلك. وبه وحده تعرف حقّ الله تعالى والاستئناس بالعبودية له سبحانه. ثم إنه به يعرف معنى الألوهية والربوبية والحاكمية، وهو ما على الإنسان أن يعرفه ويؤديه ويقوم به؛ ولذلك أرسل الله تعالى الأنبياء، وآخرهم محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ الذي بعثه الله تعالى بالرسالة الخاتمة الشاملة. فما من حجّة بعد ذلك لأحد

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء: 165] «1» . وبيّن لهم وأراهم الصيغ الحقة التي لا بد أن تصطبغ بها أعمالهم، خلوصا لله تعالى، إيمانا واحتسابا صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِب



كلمات دليلية: