سرية عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى ذات السلاسل

 سرية عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى ذات السلاسل


الفصل الأول: سرية عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى ذات السلاسل

,

المبحث الأول: مسمى السرية ومكانها

,

المطلب الأول: مسمى السرية

...

المطلب الأوّل: مُسَمَّى السّرية:

اختلف أهل المغازي، واللغويّون، البلدانيون، في سبب تسمية السّرية، وضبط الاسم. قال ابن إسحاق في روايته:

[1] : "حتى إذا كان على ماء بأرض جذام، يقال له: السلسل، وبذلك سُمِّيَت تلك الغزوة، غزوة ذات السلاسل"1.

وتابعه في ذلك ابن سيد الناس2، والسهيلي3.

وقيل: السلاسل بسينين مهملتين، الأولى مفتوحة، وجزم به أبو عبيد

__________

1الحديث أخرجه (البيهقي: دلائل 4/399-400) ، عن ابن إسحاق بسندٍ صرَّح فيه بالتحديث عن محمّدٍ بن عبد الرحمن التميمي، وثّقه ابن حبان. (الثقات 7/413) ، وقال عنه البخاري: "كان صوّاماً قوّاماً". (التاريخ 1/105) ، وقال أبو حاتم: "روى عن عائشة، وعوف بن الحارث، وعروة بن الزبير. وروى عنه ابن إسحاق: سمعت أبي يقول ذلك". (الجرح والتعديل 7/317) .

قلت: ولكنه مرسل حيث لم يُصرح محمّد التميمي عمَّن حدّثه.

وذكره ابن هشام (سيرة 4/623) ، عن ابن إسحاق بلا سند، كما أخرجه الطبري (تاريخ 3/32) ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، وسنده ضعيف، لضعف ابن حميد شيخ الطبري، كما في (التقريب 475) ، كما أنّ فيه عنعنة ابن إسحاق، ولإرساله، عبد الله بن أبي بكر لم يدرك الوقعة.

2 قال ابن سيد الناس:"سُمِّيَت بماء بأرض جذام، يقال لها السلسل". (عيون2/204) .

3 نقلاً عن ابن سيد الناس (عيون 2/204) ، ولم أجد قول السيهلي في كتابه الروض.

البكري1، وياقوت2، وصاحب القاموس3، والثانية مكسورة، اللام مخففة، وقال ابن الأثير: "بضم السين الأولى4، وقال في زاد المعاد: بضم السين وفتحها لغتان"5.

قال الشامي: "وصاحب القاموس مع اطلاعه لم يحك في الغزوة إلاّ الفتح6، وعبارته: السلسل، كجعفر وخلخال، الماء العذب أو البارد كالسلاسل بالضمّ. ثُمَّ قال: وتسلسل الماء جرى في حدور، والسلسلة اتّصال الشيء بالشيء، والقطعة الطويلة من السنام، ويُكسر، وبالكسر دائر من حديد ونحوه، والسلاسل رمل يتعقّد بعضه على بعض وينقاد، وثوب مسلسل فيه وشيء مخطّط، وعزوة ذات السلاسل"7.

__________

1 لفظ أبي عبيد: ذات السلاسل - بفتح أوّله - على لفظ جمع سلسلة، رمل بالبادية. (معجم ما استعجم 3/744) .

2 معجم البلدان 3/233) .

3 القاموس المحيط، باب اللام، فصل السين.

4 قال ابن الأثير: بضم السين الأولى، وكسر الثانية. (النهاية 2/389) .

5 ابن القيم: زاد المعاد 3/386.

6 قال الزرقاني مُعَلِّقاً على قول الشامي هكذا: "وقوله: وصاحب القاموس مع سعة اطلاعه لم يحك إلاّ الفتح. غير قادح، فمن حفظ حجّة. كيف وقد صرّح البرهان بأنّ غير واحد ذكر اللغتين الضم والفتح، وهو المشهور. والمجد وإن اتّسع اطلاعه فلم يُحِط باللغة ولم يستوعبها". (شرح المواهب 2/278) .

7 الشامي: سبل 6/296.

وقال ابن حجر: "قيل: سُمِّيَ المكان بذلك لأنّه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة1، وضبطها ابن الأثير بالضمّ، وقال: هو بمعنى السلسال أي: السهل2، وقيل: لأنّ بها ماء يقال له السلسل3، وقيل: سُمِّيَت ذات السلاسل لأنّ المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفرّوا"4.

قال الحلبي:

[2] "ولخالد بن الوليد رضي الله عنه في زمن الصّديق غزاة مع أهل فارس، يُقال لها: ذات السلاسل، لكثرة من تسلسل فيها من الشجعان خوف الفرار، فقتلوا عن آخرهم، لأنّ السلاسل منعتهم الهزيمة، وبعث خالد بن الوليد بالسلاسل إلى الصِّدّيق رضي الله عنه والله أعلم"5.

__________

1 قال بذلك البكري. (معجم ما استعجم 3/744) .

2 قال الشامي: "قال النووي في التهذيب: أظن أنّ ابن الأثير استنبطه من صحاح الجوهري من غير نقلٍ عنه فيه، ولا دلالة في كلامه. قلت: وعبارة الجوهري: وماء سلسل وسلسال سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسُّلاسل بالضمّ مثله، ويقال معنى يتسلسل أنّه إذا جرى أو ضربته الريح يصير كالسلسلة". (سبل الهدى والرشاد6/269) .وانظر: صحاح الجوهري2/199،والنووي على مسلم15/153) .

3 قال ذلك ابن إسحاق، كما مرّ سابقاً.

4 ابن حجر: فتح 7/26، 8/74.

5 الحلبي: سيرة 3/199، ونقل ياقوت (معجم 3/333) ، عن أبي حاتم بن حبان في كتابه الأنواع، قال: "غزوة السلاسل كانت في أيام معاوية، وغزوة ذات السلاسل كانت في أيام النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: ولا أعلم ما هذه السلاسل".

قلت: ولعلّ سبب تسميتها بذلك أظهر، فإنّ تسلسل الروم والفرس في معاركهم ضدّ المسلمين تكرّر في أكثر من معركة، لعلّ أشهرها في التاريخ معركتان فاصلتان في كلّ جانب، ففي الجانب الرومي تذكر الروايات التاريخية أنّه تسلسل عددٌ كبيرٌ منهم في معركة اليرموك الشهيرة الفاصلة، سقطوا جميعاً في لهب الياقوصة1، كما تسلسل عددٌ ضخمٌ من الفرس في معركة نهاوند الفاصلة والمسمّاة بفتح الفتوح - قُتِلُوا جميعاً في ميدان المعركة - وإن كانت الأرقام التي أوردتها الروايات عن عددهم قد يكون فيها نوعٌ من المبالغة2، ولكن ذلك يعطينا دلالة واضحة على أنّ تلك كانت عادة متبعة في الجيوش البيزنطية، والفارسية3، كما توضح بجلاء أنّ أعداء المسلمين في ذلك الوقت كانوا يبحثون جادّين عن وسيلة قويّة تربط جأشهم، وتقوي عزيمتهم في مواجهة المسلمين الشجعان

__________

1 هو حافة وادي الرقاد المحيط بالهضبة التي دار عليها القتال، حيث سقط فيه المقترنون بالسلاسل من الروم، فسُميَ بالياقوصة لأنّهم وُقِصُوا فيه، أي: سقطوا فيه، وهم لا يشعرون لشدّة ضغط المسلمين عليهم.

2 ذكرت الروايات أنّهم كانوا حوالي ثلاثون ألف في جانب الفرس، وثمانون ألف في جانب الروم. انظر: (الطبري: تاريخ 3/400) .

3 والجيش الذي قابله المسلمون في ذات السلاسل لم يكن من الروم، ولكنه كان من حلفائهم العرب المنتصرة، ولعلّهم أخذوا عادة التسلسل من حلفائهم، أو ربما شاركهم بعض الروم وتسلسلوا، والله تعالى أعلم.

في ميادين المعارك الذين كانوا أبطالاً لا يهابون الموت وبسبب تأييد الله عز وجل لهم، ونصره إيّاهم، بالرعب الذي يلقيه في قلوب أعدائهم، ثُمَّ بتحرُّقهم جميعاً في ميادين القتال للشهادة في سبيل الله، وتسابقهم عليها، ولِمَا يعرفون من فضلها العظيم1.

__________

1 أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحد يدخل الجنّة يُحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقْتَل عشر مرات لِمَا يرى من الكرامة". وفي رواية: "لِمَا يرى من فضل الشهادة". (الصحيح 6/25) ، و (مسلم 1877) .

المطلب الثّاني: مكانها، أو الجهة التي توجَّهت إليها السّرية:

اختلفوا كذلك في مكانها، قال ابن سعد:

[3] هي وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيّام1.

[4] وهي أرض بني عذرة، كما ذكر ابن إسحاق2، وفي روايته عند البيهقي:

[5] ذات السلاسل من أرض بليّ3، وعذرة4.

وذكر البخاري عن ابن إسحاق، عن يزيد عن عروة قال:

[6] هي بلاد بليّ، وعذرة، وبني القين56.

وكذلك ذكره الواقدي نحوه7، ونقل البخاري، والبكري عن ابن

__________

1 من رواية محمّد بن سعد عن شيوخه (الطبقات 2/131)

2 من رواية ابن إسحاق بلا سند. (ابن هشام: سيرة 4/623) .

3 بلىّ - بفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب - قبيلة كبيرة من قضاعة، يُنسبون إلى بلى بن عمرو بن قضاعة، ومن بلى جماعة من الصحابة. (قلائد الجمان 45، وفتح الباري 8/74) .

4 سبق تخريجها برقم: [1] .

5 بني القين: قبيلة كبيرة أيضاً من قضاعة، يُنسبون إلى القين بن جسر، ووهم ابن التين فقال: بنو القين قبيلة من تميم. (ابن حجر: فتح 8/74) .

6 أخرجه البخاري تعليقاً عن ابن إسحاق. (الصحيح 5/113) .

وفي رواية عروة عند البيهقي من طريق ابن لهيعة قال: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بلي وهم أخوال العاص بن وائل، وبعثه فيمن يليهم من قضاعة. (دلائل النبوة4/398) .

7 الواقدي: مغازي 2/770.

أبي1 خالد في كتابه: (صحيح التاريخ) قال:

[7] : "هي غزوة لخم وجذام"2.

أمّا موسى بن عقبة فيذكر أنّ:

[8] "ذات السلاسل من مشارف الشام في بليّ، وسعد الله3، ومن يليهم من قضاعة"4.

وشذّ الزهري فذكرهما:

[9] "بعثين إلى كلب5، وغسَّان6، وكُفَّار العرب الذين كانوا

__________

1 إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، مولاهم البجلي. (ثقة، ثبت) من الرابعة، مات سنة ستٍّ وأربعين. (تقريب 107) .

2 الصحيح 5/113، ومعجم ما استعجم 3/744، ونقل الدياربكري (الخميس 2/75) ، عن بعضهم أنّها موضع معروف في الشام في أرض بني عُذرة.

3 سعد الله بطن من بطون قبيلة بليّ. (السويدي: سبائك الذهب 78) .

4 من مراسيل عروة، وموسى بن عقبة، عند البيهقي. (دلائل: 4/398) .

5 هم بنو كلب بن وبرة بن تغلب، من قضاعة، وكانوا ينْزلون في الجاهلية دومة الجندل وتبوك، وجاء الإسلام وَالمُلْك عليهم لأكيدر، وبقيت كلب في خلقٍ عظيم على الخليج القسطنطيني، ومنهم مسلمون ونصارى. (القلقشندي: قلائد الجمان 46-47) .

قلت: ولكلب مشاركة قوية في أحداث التاريخ الإسلامي، حيث كانوا من المناصرين الأقوياء للدولة الأموية.

6 غسَّان: "قبيلة كبيرة من الأزد، وهم بنو جفنة، والحارث، وحارثة، ومالك، وكعب، وخارجة، وعوف، ونبو عمرو مزيقياء، وإنما سُمُّوا غسَّاناً لماء اسمه غسَّان بين زبيد ورمع، نزلوا عليه عند خروجهم من اليمن فعُرِفُوا به، وكان لهم ملك بالشام، وذلك قبل الإسلام بما يزيد على أربعمائة سنة، وبقي بأيديهم إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأسلم ثُمَّ ارتدّ بعد ذلك زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبالبلقاء طائفة من غسَّان، وباليروموك منهم الجمّ الغفير. وكانوا حلفاء أقوياء للدولة البيزنطية. بتصرّف" من (قلائد الجمان 94، 95، 97) .

بمشارف الشام"1.

وذكر الشعبي أن المسلمين أُمروا:

[10] "أن يغيروا على بكر2، فانطلق عمرو، فأغاروا على قضاعة، لأنّ بكراً أخواله"3 4.

__________

1 من مراسيل الزهري، عند (عبد الرزاق: المصنف 5/452) .

كما أخرجه ابن عساكر: تاريخ دمشق (السيرة النبوية، القسم الأوّل ص 405) ، من طريق ابن لهيعة، ومراسيل الزهري ضعيفة، كما ذكر أهل العلم. انظر: (الذهبي: الموقظة 28) .

2 بكر بن وائل: بطن كبير من ربيعة، يُنسبون إلى بكر بن وائل بن قاسط. وكانت مساكنهم من اليمامة إلى البصرة. وذكر الحمداني أنّ بلادهم الجزيرة من بلاد حلب. وكان لهم دولة بعراق العجم، وبحمص، وبلادها من أرض الشام قوم منهم. (قلائد الجمان 130-131) .

3 ذلك وهم. فالمحفوظ من أقوال أهل المغازي أنّ أخواله هم بليّ من قضاعة. والله أعلم.

4 أخرجه أحمد (المسند 1/196) ، وقال البنا (الفتح الرباني 21/140) ،: "لم أقف عليه لغير الإمام إحمد".

وأورده الهيثمي وقال: "رواه أحمد، وهو مرسل، ورجاله رجال الصحيح".

قلت: "لأنّ عامر بن شراحيل لم يدرك أبا عبيدة وحكى القصة فأرسلها إرسالاً. وكذا قال محقِّق زاد المعاد. وأنّ عامراً لم يدرك عمراً، ففيه انقطاع".

كما ذكره ابن سيد الناس (عيون2/205-206) ، من حديث عبد الله بن أحمد، عن أبيه به نحوه.

كذلك شذّ الطبراني في روايته عن رافع بن عمرو الطائي1، فذكر:

[11] "أنّ أهل السّرية نزلوا جبل طيء"2.

وذكر البلادي أنّه لم يستطع أحد تحديد مكان هذه السّرية، ورجّح أن تكون في بلاد بني عذرة، لقربها من بلان جران العود التي ذكرها في شعره، كما أنّه حدّد ديار بين عُذرة بين وادي القرى "وادي العُلا اليوم" إلى تبوك، إلى تيماء، وتقرب من خيبر"3.

__________

1 رافع بن عمرو بن جابر بن حارثة بن عمرو بن محصن، أبو الحسن الطائي السنبسي، ويقال: ابن عميرة. وقيل: هو رافع بن أبي رافع. قال مسلم والحاكم: له صحبة، وقال ابن سعد: كان يُقال له: رافع الخير. توفي في آخر خلافة عمر. (ابن حجر: إصابة 1/497) .

2 أخرجه الطبراني من حديث طارق بن شهاب، عن رافع (المعجم 5/21) ، وقال عنه الهيثمي: "رجاله ثقات". (مجمع 5/202) .

قلت: غير إبراهيم بن المهاجر، فإنّه صدوق، وفي حفظه لين. (التقريب 94) .

3 البلادي: معجم معالم السيرة 159.

قلت: وهذه القبائل التي ذكرها أهل المغازي، هي قبائل متجاورة، كونها من بطون من قبيلة واحدة هي قبيلة قضاعة، وربّما تحالفت هذه القبائل فيمابينها، واجتمعت لمحاربة المسلمين في تلك المنطقة. والله تعالى أعلم.

المبحث الثّاني: سبب السّرية:

اختلف الواقدي، وابن اسحاق - وهما مَن تحدَّثا عن سبب سرية ذات السلاسل - فيها، فبينما يذكر ابن إسحاق:

[12] أنها كانت لاستنفار العرب إلى الشام، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى بليّ باعتبار "أنّ أُمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بليّ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم بذلك"1.

يذكر الواقدي، وتابعه ابن سعد:

[13] أنّ السّرية كانت بسبب المعلومات الهامّة التي وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحرّكات العدوانية النشطة لقبائل بليّ وقضاعة، واستعداداتهم للهجوم على أطراف الدولة الإسلامية2.

بينما يذكر بعض الباحثين المعاصرين لها أسباباً أُخَر، فهي كانت لتأديب الأعراب في تلك الناحية3، والأخذ بثأر المسلمين من القبائل التي اشتركت في غزوة مؤتة ضدّهم4.

__________

1 من رواية ابن إسحاق عند الطبري وقد سبق تخريجها برقم: [1] .

2 مغازي 2/770، الطبقات 2/131.

3 انظر: الغزالي: فقه السيرة 370، والدكتور سيد طنطاوي: السرايا الحربية 136.

4 انظر: اللواء خطاب: الرسول القائد صلى الله عليه وسلم 309.

كما ذكر بعضهم أنّه بناءً على نتيجة غزوة مؤتة، كان لزاماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستردّ هيبة المسلمين، ويُعِيد إليهم كرامتهم في تلك البلاد1.

وسواء قَصَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تأديب الأعراب، وصدّ عدوانهم على أطراف الدولة الإسلامية عندما بلغته أخبار حشودهم وتحرُّكاتهم، فتحرّك بسرعة لضربهم قبل استكمال استعداداتهم القتالية، كما هي عادته صلى الله عليه وسلم دائماً مع أعدائه، أم أراد الثأر من القبائل العربية المنتصرة الحليفة للرومان، والتي شاركت إلى جانبهم في مؤتة، أو غير ذلك من الأسباب التي ذُكِرَت قديماً وحديثاً، فإنّ السبب الحقيقي وراء ذلك كُلِّه هو إعلاء كلمة الله عز وجل في تلك البقاع، ونشر الدعوة الإسلامية، بعد إزاحة القوى السياسية والعسكرية التي كانت تقف حجر عثرة في وجه نشر الإسلام في المنطقة.

والقبائل العربية المنتصرة والحليفة للدولة البيزنطية كانت من تلك القوى، وكانت تقوم بتحرّكات مشبوهة ونشاطات معادية للمسلمين في المنطقة الشمالية من الجزيرة على أطراف الدولة الإسلامية، وبخاصّة بعد مؤتة، فكان لا بُدَّ من ردعها وإخضاعها لسيطرة المسلمين، لأنّ المسلمين - أيضاً - كانوا في وضع استعدادي متناسق ومتدرِّج لمنازلة الدولة البيزنطية، إحدى القوَّتين العظميين في ذلك الوقت، لوضع حدٍّ لسلطانهم، والقضاء على قوّتهم العسكرية والسياسية المناهضة لنشر الإسلام في المنطقة. والله تعالى أعلم.

__________

1 انظر: الشريف: مكّة والمدينة 537، وهيكل: حياة محمّد صلى الله عليه وسلم 415.

المبحث الثّالث: تاريخ السّرية:

قال الشامي: "ذكر الجمهور1، ومنهم: ابن سعد أنّها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان"2.

وقال ابن حجر: "وقيل: سنة سبع"3. وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب: (صحيح التاريخ) ، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنّها كانت بعد غزوة مؤتة4، إلاّ ابن إسحاق فقال: "قبلها". قلت: وهو قضية ما ذُكِر عن ابن سعد وابن أبي خالد"5.

قال الشامي: "أمّا قضية ما ذُكِرَ عن ابن سعد فغير واضح، فإنّ ابن سعد قال: كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وذَكَر في غزوة مؤتة أنّها كانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وأمّا ما نقل ابن إسحاق فالذي في رواية زياد البكائي، تهذيب ابن هشام، عن ابن إسحاق، تأخُّر غزوة ذات

__________

1 الجمهور الذي قصدهم الشامي معظمهم ناقل عن ابن سعد، وهم: "الطبري: تاريخ 3/31، وابن سيد الناس: عيون 2/204، وابن القيم: زاد 2/157، والقسطلاني: المواهب 1/554"، وغيرهم.

2 سبل 6/270.

3 ذكرها ابن خياط ضمن السرايا التي كانت سنة سبع (تاريخ 85) ، وذكر الزرقاني أنّ ابن سعد حكى ذلك (شرح المواهب 2/278) ، ولم أجد هذا القول في الطبقات فلعلّه من الجزء الساقط من ترجمة عمرو بن العاص عنده.

4 تاريخ دمشق (السيرة النبوية، القسم الأوّل ص 402) .

5 فتح الباري 8/74.

السلاسل عن مؤتة بِعِدَّة غزوات وسرايا، ولم يذكر أنّها كانت قبل مؤتة فيحتمل أنّه نصَّ على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد"1.

قلت: ما ورد في رواية زياد البكائي عن ابن إسحاق، عند ابن هشام، لا يُعَدُّ في التقديم والتأخير، لأنّه ذكر السّرية في جملة المغازي والسرايا آخر كتاب المغازي2. ولم يُسلسلها تاريخاً، كما فعل في بقية المغازي والسرايا الأخر.

أمّا رواية غير زياد التي أشار إليها الشامي فهي رواية يونس بن بكير التي أخرجها كُلٌّ من ابن عساكر والبيهقي بسنديهما عنه، فإنّه لم يذكر فيها تاريخاً لها3. والله تعالى أعلم.

ولم يؤرِّخ لها الواقدي أيضاً، وذلك خلاف عادته، بل ذكرها مباشرة بعد مؤتة4.

وقال ابن كثير: "ذكرها الحافظ البيهقي قبل غزوة الفتح"5.

__________

1 سبل 6/270.

2 ابن هشام (سيرة: بشرح أبي ذرّ 4/359) .

3 انظر: (البيهقي: دلائل 4/399، وابن عساكر: تاريخ، السيرة النبوية، القسم الأول ص 404) .

4 مغازي 2/769، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (هامش الإصابة 2/510) ، في ترجمة عمرو بن العاص أنّ الواقدي أرَّخ لها بشهر جمادى الآخرة سنة ثمان، فلعلّه اطلّع على نسخة أُخرى من المغازي. والله تعالى أعلم.

5 بداية 4/272، وانظر: الدلائل 4/397.

[14] وذكر الزهري في روايته: أنّ البعثين كانا بعد رجوع أهل الحبشة1. هذا بالنسبة لأهل المغازي.

أمَّا ما يفهم من الأحاديث التي وردت عن السرية، ففي حديث عليّ بن رباح2، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال فيه:

[15] "قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ". الحديث3.

__________

1 سبق تخريجها برقم: [9] .

2 عليّ بن رباح بن قصير - ضدّ الطويل، اللخمي، أبو عبد الله المصري (ثقة) . من كبار الثالثة. مات سنة بضع عشرة ومائة. (تقريب 401) .

3 أخرجه أحمد (المسند، حديث: 17730) ، والبخاري، (الأدب المفرد ص 97) ، والحاكم، (المستدرك 2/3) ، جميعهم من حديث موسى بن عليّ بن رباح عن أبيه، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر (فتح الباري 8/57) : رواه أحمد والبخاري في الأدب، وصححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، وقال الهيثمي (المجمع 9/353) : رجال أحمد رجال الصحيح، وحسَّن ابن حجر في (الإصابة) سند أحمد.

قلت: لعلَّ ذلك من أجل أنَّ فيه موسى بن عليّ، قال عنه في (التقريب ص 553) : صدوق ربما أخطأ. ولكنه وقع مع ذلك من رجال مسلم. فسنده صحيح. كما صحّحه النقاد من أهل الحديث. والله تعالى أعلم.

يُفْهَم منه أنّه صلى الله عليه وسلم بعثه بعد إسلامه مباشرة، قال ابن حجر: "وهذا فيه إشعار بأنّ بعثه عقب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبع من الهجرة"1.

أمّا حديث الحارث2 بن حسَّان الذي فيه:

[16] "خرجت أشكو العلاء3 بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " الحديث. إلى أن قال: "فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله4، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلِّد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً ... ". الحديث5.

__________

1 فتح الباري 8/75.

2 الحارث بن حسَّان البكري، ويُقال اسمه: حُريث. (صحابي) له وفادة، ونزل البادية، وكان يقدم الكوفة. (تقريب 145) .

3 العلاء بن الحضرمي، واسم أبيه عبد الله بن عماد، وكان حليف بني أُمية. (صحابي جليل) عمل على البحرين للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، ومات سنة أربع عشرة. وقيل: بعذ ذلك. (تقريب 434) .

4 أي: ممتلئ بالناس.

5 أخرجه أحمد بهذا السياق مطوَّلاً في قصة عاد من قصص الأنبياء (المسند 3/482) .

وأخرجه النسائي (السنن الكبرى 5/181) مختصراً.

كلاهما من طريق أبي المنذر سلام بن سليمان النحوي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري رضي الله عنه.

قلت: وسنده حسن. لأنَّ فيه عاصم بن بهدلة. صدوق له أوهام. (التقريب ص 285) . كما أخرجه أحمد (المسند 3/481) ، وابن ماجه (السنن 2/207) ، وابن أبي شيبة (المصنَّف 12/512) ، جميعهم من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث رضي الله عنه.

قلت: وهذا السند صورته منقطع، عاصم بن أبي النجود لم يدرك الحارث فيروي عنه والصحيح: عنه عن أبي وائل عن الحارث، كما ذكر ابن حجر (التهذيب 1/407) . وكما هو واضح في السند السابق. والله تعالى أعلم.

فهذا الحديث يُفْهَم منه أنّ بعث عمرو بن العاص رضي الله عنه كان في أثناء فترة ولاية العلاء بن الحضرمي على البحرين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكّة، كما يذكر ابن إسحاق1.

ويُفهم من قول أبي رافع الطائي - في آخر حديثه الذي أخرجه الطبراني:

[17] "فمكثت سنة، ثُمَّ إنّ أبا بكر استخلف ... " الحديث2. أنّ تاريخ بعث السرية كان متأخراً جداً. والله تعالى أعلم.

قال الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية، مُعَلِّقاً على الأقوال التي ذُكرت حول إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه، ثُمَّ تأميره على ذات السلاسل: "فيكون تأمير عمرو عقب إسلامه بنحو أربعة أشهر على ما صدّر به

__________

1 ابن هشام: سيرة، بشرح أبي ذرّ 4/294.

2 سبق تخريجه برقم: [1] .

المصنّف1 فيما مرَّ أنّه كان في صفر سنة ثمان، وفي الشامية أنّ بعثه كان بعد سنة من إسلامه2 وهم إنّما يأتي على قول الحاكم: أسلم سنة سبع"3.

قلت: اختلف أهل العلم في وقت إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقيل: إنّه أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان4، وقيل: بين الحديبية وخيبر5. وقيل: بل أسلم قبل ذلك في الحبشة على يدي النجاشي، ولكنه كتم إسلامه حتى وفد على النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبيل الفتح مع خالد بن الوليد رضي الله عنه6. ورجّح ابن عبد البرّ، وابن حجر القول الأوّل7.

__________

1 يقصد القسطلاني مُصَنِّف المواهب الدنية.

2 انظر: (الشامي: سبل 6/262، 270) .

3 شرح المواهب 2/278.

4 انظر: "الواقدي: مغازي 2/745، 749، ابن عبد البر: الاستيعاب، هامش الإصابة 2/510-511، ابن الأثير: أسد الغابة 4/245، الحاكم: المستدرك 3/513-514، ترجمة عمرو بن العاص".

5 انظر: (ابن حجر: فتح الباري 8/75) ، ولم أجد قول الحاكم الذي نقله عنه الواقدي، وأنّ عمرو أسلم سنة سبع، بل الذي وجدته في ترجمة عمرو عنده أنّه أسلم سنة ثمان من الهجرة.

6 ذكر ذلك الواقدي: مغازي 2/743-744، وعزاه ابن حجر (إصابة 3/2) ، للزبير ابن بكار. وذكر أنّ البغوي أخرجه بسندٍ جيدٍ عن عمرو بن إسحاق أحد التابعين، وأخرجه أحمد (المسند 4/198-199) ، والحاكم (المستدرك 3/337، 514) ، والأوّل سكت عنه الذهبي، والثاني حذفه من التلخيص.

7 الاستيعاب بهامش الإصابة 2/510، فتح الباري 7/101.

قلت: وبذلك يترجّح ما ذكره ابن سعد، وغيره من أنّ تاريخ السرية كان في جمادى الآخرة سنة ثمان. والله تعالى أعلم.

ويفهم من الأحاديث التي ذكرت أنّ أصحاب السرية أصابهم برد شديد، وأنّهم أرادوا إشعال نارٍ لتدفئتهم، ولكنّ عمرو بن العاص رضي الله عنه منعهم من ذلك خوفاً أن يرى العدوّ قِلَّتهم.

وكذلك الأحاديث التي ذكرت أنّ القائد عمر بن العاص رضي الله عنه أصابته جنابة في إحدى الليالي، ثُمَّ صلّى بأصحاب السرية دون أن يغتسل خوفاً على نفسه من شِدَّة البرد1.

كلّ ذلك يعطينا دلالة واضحة على أنّ بعث السرية كان في فصل الشتاء، وشهر جمادى الآخرة الذي ذكره أصحاب المغازي تاريخاً لخروج السرية هو من أشهر فصل الشتاء في الأغلب. والله تعالى أعلم.

__________

1 الاستيعاب بهامش الإصابة 2/510، فتح الباري 7/101.

المبحث الرّابع: عدد الجيش، وقائده:

لَم يُحَدِّد عدد الجيش غير الواقدي، وكاتبه ابن سعد في روايته: حيث قالوا:

[18] وبعثه في ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعه ثلاثون فرساً وأمره أن يستعين بمن يمرّ به من بليّ وعذرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار، فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعاً كثيراً، فبعث رافع1 بن مكيث الجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجرَّاح في مائتين، وعقد له لواءً وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر"2.

[19] وذكر الواقدي مثله، إلاّ أنه سمَّى بعض أفراد الجيش، فمن المهاجرين: عامر3 بن ربيعة، وصهيب4 بن سنان، وسعيد5 بن

__________

1 رافع بن مكيث - بفتح الميم وكسر الكاف - (صحابي) شهد الحديبية والفتح ومعه لواء جهينة. (تقريب 205) .

2 سبق تخريجها برقم: [3] .

3 عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنْزي - بسكون النون - حليف آل الخطاب (صحابي مشهور) أسلم قديماًوهاجروشهدبدراً. مات ليالي قتل عثمان. (تقريب287) .

4 صُهيب بن سنان أبو يحيى الرومي، أصله من النمر، يُقال كان اسمه عبد الملك، وصهيب لقب (صحابي شهير) مات بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين في خلافة عليّ. وقيل: قبل ذلك. (تقريب 278) .

5 سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي (أحد العشرة) مات سنة خمسين أو بعدها بسنة أو سنتين. (تقريب 236) .

زيد بن عمرو بن نفيل، وسعد1 بن أبي وقاص، ومن الأنصار: أُسيد2 بن حضير، وعبَّادة3 بن بشر، وسلمة4 بن سلامة، وسعد5 بن عبادة.

وورد عنده اسم رافع الطائي، وعوف بن مالك الأشجعي، ورافع ابن مَكِيث الجهني، من خلال سياق الأحداث، بينما لم تحدِّد بقية الروايات عدد الجيش، وإنّما تردَّد فيها أسماء بعض المشاركين في السّرية، مثل أبي

__________

1 سعد بن أبي وقاص، مالك بن وهيب الزهري، أبو إسحاق. (أحد العشرة) . وأوّل مَن رمي بسهمٍ في سبيل الله. ومناقبه كثيرة، مات بالعقيق سنة خمسٍ وخمسين على المشهور. وهو آخر العشرة وفاة. (تقريب 232) .

2 أُسيد بن حُضَير - بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة - ابن سماك الأنصاري الأشهلي، أبو يحيى (صحابي جليل) مات سنة عشرين، أو إحدى وعشرين. (تقريب 112) .

3 عبّادة بن بشر بن وَقَش - بفتح الواو والقاف - الأنصاري (من قدماء الصحابة) ، أسلم قبل الهجرة، وشهد بدراً وأبلى يوم اليمامة فاستشهد بها. (تقريب 289) .

4 سلمة بن سلامة بن وَقَش بن زغبة الأنصاري الأشهلي، ذكره ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما في (أهل العقبة وبدر) مات سنة أربع وثلاثين. وقيل: بل تأخر إلى سنة خمسٍ وأربعين، ومات بالمدينة. (إصابة 2/65) .

5 سعد بن عبادة بن دُلَيم الأنصاري الخزرجي، (أحد النقباء، وسيد الخزرج، وأحد الأجواد) ، وقع في صحيح مسلم أنّه شهد بدراً، والمعروف عند أهل المغازي أنّه تهيّأ للخروج فنُهِشَ فأقام، مات بأرض الشام سنة خمس عشرة. وقيل: غير ذلك. (تقريب 231) .

بكر الصّديق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، والمغيرة1 بن شعبة، ورافع الطائي، وعوف بن مالك، - رضي الله عنهم أجمعين.

أمّا قائد الجيش، فقد ورد في رواية الزهري السابقة:

[20] أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثين إلى كلب، وغسَّان، "وأمّر على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجرّاح، وأمّر على البعث الآخر عمراً ابن العاص، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبا بكر وعمر، فلمّا كان عند خروج البعث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة وعمراً، فقال: لا تعاصيا، فلمّا فصلا من المدينة خلا أبو عبيدة بعمرو، فقال له: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليَّ وإليك أن لا تعاصيا، فإمّا أن تطيعني، وإمّا أن أطيعك. فقال: لا بل أطعني، فأطاع أبو عبيدة، وكان عمرو أميراً على البعثين كليهما"2.

وذكر الشعبي في روايته:

[21] أنّه بعثٌُ واحدٌ مقسومٌ قسمين: مهاجرين، وأعراب، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل "أبا عبيدة على المهاجرين، واستعمل عمر بن العاص على الأعراب"3.

__________

1 المغيرة بن شعبة بن مسعود الثقفي (صحابي مشهور) أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة والكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح. (تقريب 543) .

2 سبق تخريجها برقم: [9] .

3 سبق تخريجها برقم: [10] .

وذلك وهمٌ غير محفوظ، فالمعروف من روايات أهل المغازي الآخرين، كعروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، وابن سعد، والواقدي، وغيرهم، أنّ قائد السرية ابتداءً كان عمرو بن العاص رضي الله عنه، وأنّ أبا عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه أُرْسِلَ مدداً له فيم بعد على رأس المهاجرين، وفيهم أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنّ أبا عبيدة سلّم القيادة بعد ذلك لعمرو خشية الفرقة بين المسلمين، تنفيذاً لأمر القائد الأعلى للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وربّما دخل الوهم على أحد رواة الحديثين السابقين1، لأنّه لم يتصوّر أن يتأمّر عمرو بن العاص وهو أقلّ سابقة على المهاجرين الأوّلين، أمثال أبي بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، - رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فاختلط عليه الأمر فجعلهما جيشين بقائدين أُرْسِلا معاً في وقتٍ واحدٍ.

وما عُرِفَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدِّقّة في التنظيم والحرص الشديد دائماً على عملية الضبط العسكري والانضباط بين جنوده في جيوشه وبعوثه وسراياه، وعدم تركه المجال للاختلافات المؤدية للفوضى والفشل واحتمالات الخطأ والصواب، كلّ ذلك يجعلنا نستبعد فرضية حدوث مثل ذلك الأمر. والله تعالى أعلم.

__________

1 ربّما كان الوهم في رواية الزهري من ابن لهيعة، الذي اختلط بعد احتراق كتبه، أو من يونس بن يزيد حيث إنّ في روايته عن الزهري وهم قليل، وربّما دخل الوهم في رواية الشعبي من داود بن أبي هند القشيري مولاهم (ثقة متقن) كان يهم بآخره. (تقريب 200) . والله تعالى أعلم بالصواب.

وكونه صلى الله عليه وسلم يولي قيادة الجيش مَن هو أقلّ سابقة وفضلاً من الصحابة، فذلك لا يدلّ على أنّه أفضل منهم، ولكنّه ربّما رأى عليه السلام بثاقب بصر العسكري المُحَنَّك أنّه أعلم منهم في الحرب ومكائدها.

أخرج الحاكم بسنده عن بريدة الأسلمي1 رضي الله عنه قال:

[22] "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن العاص في غزوة ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر، وعمر - رضي الله عنهما، فلمّا انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا ناراً، فغضب عمر، وهمّ أن ينال منه، فنهاه أبو بكر رضي الله عنه وأخبره أنّه لم يستعمله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليك إلاّ لعلمه بالحرب ... " الحديث2.

__________

1 بريدة بن الحُصَيْب - بمهملتين مصغّراً - أبو سهل الأسلمي (صحابي) أسلم قبل بدر ومات سنة ثلاثٍ وستّين. (تقريب 121) .

2 أخرجه الحاكم (المستدرك 3/45) ، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص".

قلت: سنده فيه محمّد بن عبد الجبار العطاردي، ضعيف. وسماعه للسيرة صحيح. (تقريب 81) ، ويونس بن بكير، صدوق يخطئ (تقريب 613) . كذلك فيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلّس، فكيف يُحْكَم عليه بالصّحّة؟ ‍‍‍‍‍!.

كما أخرجه البيهقي (سنن 9/41) ، من حديث يونس بن بكير، عن المنذر بن ثعلبة، عن عبد الله بن يزيد رضي الله عنه به نحوه.

قلت: الناظر في سنده هكذا يظن أنّ الحديث موصول، لكن المنذر بن ثعلبة من الطبقة السادسة (تقريب 546) ، فكيف يدرك الصحابي عبد الله بن يزيد رضي الله عنه، حيث يذكر ابن حجر أنّ أهل الطبقة السادسة لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. (تقريب 42) . وأعتقد أنّه قد تصحّف اسم (عبد الله بن بريدة) إلى (عبد الله بن يزيد) على أحد نُسَّاخ السنن فوهم فيه فجعله عن الصحابي، بينما هو عن التابعي، خاصّة وأنّ البيهقي أخرجه في (الدلائل 4/400) ، من طريق المنذر، عن عبد الله بن بريدة موقوفاً عليه. وطبعة السنن المتداولة تفتقر إلى الضبط والإتقان، وفيها تصحيفات كثيرة. والله تعالى أعلم. والحديث عزاه الزرقاني (شرح2/279) إلى إسحاق بن راهوية.

كما أخرج البيهقي من حديث يونس، عن أبي معشر1، عن بعض مشيختهم:

[23] "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّي لأُؤَمِّر الرجل على القوم فيهم مَن هو خير منه، لأنّه أيقظ عيناً، وأبصر بالحرب"2.

وأخرج البيهقي - أيضاً - عن أبي عثمان النهدي3 قال: سمعت عمر بن العاص يقول:

[24] : "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدّثت نفسي أنّه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلاّ لمنْزلةٍ لي عند. فأتيته حتى قعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله!

1 نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، أبو معشر، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته (ضعيف) من السادسة، أسنَّ واختلط، مات سنة سبعين ومائة. (تقريب 559) .

2 أخرجه البيهقي (دلائل4/400) ،وسنده فيه ضعف، وجهالة، وانقطاع. والله تعالى أعلم.

3 عبد الرحمن بن مُلّ - بلام ثقيلة والميم مثلثة - أبو عثمان النّهدي - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته (مخضرم) من كبار الثانية (ثقة، ثبت، عابد) مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائةوثلاثين سنة. وقيل: أكثر. (تقريب351) .

مَن أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قلت: إنّي لست أسألك عن أهلك. قال: فأبوها. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ حتى عدّد رهطاً. قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا"1.

__________

1 أخرجه البيهقي (دلائل 4/400-401) ، وقال: أخرجاه في الصحيح.

قلت: أخرجه البخاري (الصحيح 4/192، 5/113) ، ومسلم (الصحيح 5/9) .

,

المبحث الخامس: سير الأحداث

:

في شتاءٍ باردٍ عام ثمانٍ من الهجرة النبوية المباركة، وفي شهر جمادى الآخرة منه - كما حدّده أكثر أهل المغازي1 - بَعَثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه.

[25] "فقال: خُذ عليك ثيابك وسلاحك ثُمَّ ائتني"2.

قال عمرو رضي الله عنه:

[26] "فأتيته وهو يتوضّأ، فصعّد فيَ النظر، ثُمَّ طَأطأ، فقال: إنّي أُريد أن أبعثك في جيشٍ فيُسَلِّمك الله ويُغَنِّمك، وأرغب لك من المال رغبةً صالحة، قال: قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال. ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا عمرو! نِعْمَ المال الصّالح للمرء الصالح"3.

وفي المسجد النبوي الشريف، كما هو المعتاد في مثل هذه الحالة، تَتِمُّ مراسم تولية عمرو بن العاص رضي الله عنه رسميّاً قائداً على الجيش.

يُحدَّثُنا الحارث بن حسَّان رضي الله عنه قال: قدمت المدينة:

__________

1 انظر: الأقوال في تاريخ السرية، في المبحث الثالث من هذا الفصل.

2 سبق تخريجها برقم: [15] .

3 سبق تخريجها برقم: [15] .

[27] "فإذا المسجد غاصّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلِّد السيف بين يدي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن النّاس؟ "1.

[28] "قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يبعث عمر بن العاص وجهاً"2.

وينفرد الواقدي، وابن سعد في تحديد عدد الجيش، فيذكران أنّهم كانوا: "ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرساً"3.

ويسرد الواقدي أسماء بعض المشاركين من المهاجرين والأنصار، وبينما وردت أسماء أخر من خلال سياق الأحداث في جميع الروايات4.

ويذكر ابن سعد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لعمرٍ لواءً أبيض، وجعل معه راية سوداء:

[29] "وأمره أن يستعين بمن يَمُرُّ به من بليّ، وعذرة، وبلقين"5.

[30] "وذلك أنّ أمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بليّ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم لذلك"6.

[31] "فسار الليل وكمن النهار. فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعاً كثيراً، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمدّه"7.

__________

1 سبق تخريجها برقم: [16] .

2 سبق تخريجها برقم: [16] .

3 هذا لفظ ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [3] . (انظر: المبحث الرابع) .

4 انظر ص:

5 من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [3] .

6 من رواية ابن إسحاق عند الطبري. وقد سبق تخريجها برقم: [1] .

7 أي: يطلب المدد والعون. وقد سبق تخريجها برقم: [3] .

[32] "فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الأوّلين، فانتدب فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب في سراة المهاجرين، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح، فأمدّ بهم عمرو بن العاص"1. وقال لأبي عبيدة حين وجّهه: "لا تختلفا"2.

ويذكر الواقدي، وابن سعد: أنّهم كانوا مائتين من سراة المهاجرين والأنصار3.

[33] "فلمّا قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، وأنا أرسلت إلى رسول الله أستمده بكم. قال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أُمْدِدتُ به، فلمّا رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلاً حسن الخُلق، لَيِّن الشكيمة4، سعى لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وعهده. قال: يا عمرو إنّ آخر ما عهد إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنّك إن عصيتني لأطيعنّك. فسلّم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص" 5.

__________

1 من رواية موسى بن عقبة. وقد سبق تخريجها برقم: [8] .

2 من رواية ابن إسحاق عند الطبري. وقد سبق تخريجها برقم: [1] .

3 انظر: ص: 347.

4 أي: ليّن الخُلُق، سمحه.

5 من رواية موسى. وقد سبق تخريجها برقم: [8] .

[34] وتذكر بعض الروايات1 أنّ ذلك الأمر لم يرق لبعض المهاجرين باعتبار أسبقيتهم للإسلام، ورأوا أن عمرو رضي الله عنه استبدّ بالإمارة دون أبي عبيدة بن الجراّح رضي الله عنه، وأنّه دارت مناقشات حول هذا الموضوع، ولكنّ أبا عبيدة رضي الله عنه وبِمّا عُرِفَ عنه من الحكمة والكياسة، استطاع إقناعهم بالحُسنى بأنّه آثر الطاعة والامتثال لأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم خشية الفرقة والفتنة بين المسلمين2.

فأطاع الجيش كله لعمرو بن العاص رضي الله عنه، فكان عمرو يُصَلِّي بالناس، وكان الجوّ شاتياً شديد البرودة في تلك المناطق، ويوماً مّا:

[35] "أصابهم بردٌ شديدٌ، لَمْ يُرَ مثله، فخرج لصلاة الصّبْح فقال: والله لقد احتلمت البارحة، ولكنّي والله ما رأيت برداً مثل هذا، أهل مرَّ على وجوهكم مثله؟ قالوا: لا. فغسل مغابنه3 وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمَّ صلَّى بهم". وفي رواية: "فتيمَّم"4

__________

1 انظر رواية الشعبي عند أحمد (المسند 1/196، ورواية الزهري عند عبد الرّزّاق (المصنَّف 5/452-454) .

2 كان مِمَّا قال أبو عبيدة رضي الله عنه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليّ وإليه أن لا تتعاصيا، فخشيت إن لم أُطعه أن أعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل بيني وبينه الناس. وإني والله لأطيعنه حتى أقفل". (ابن عساكر: تاريخ: المجلدة الأولى (1/405-406) .

3 المغابن: الأرفاغ. وهي بواطن الأفخاذ عند الحوالب. (الجوهري: الصحاح، وابن الأثير: النهاية، مادة: غبن) .

4 أخرجه أبو داود (انظر: عون المعبود 1/532) ، والحاكم (المستدرك 1/285) وهذا لفظه.

.....................................................................................................

__________

كلاهما من حديث عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس، مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

وقال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية. قال: فيه فتيمم.

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والذي عنده أنهما عللاه بحديث جرير بن خازم عن يحيى بن أيوب عن يزيد عن عمران عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: "احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال. وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً". ووافقه الذهبي في التلخيص.

قلت: أصل الحديث أخرجه البخاري (الصحيح 1/90) ، مُعَلَّقاً، وقال ابن حجر (فتح الباري 1/454) : هذا التعليق وصله أبو داود. (انظر: عون المعبود 1/530-531) ، والحاكم (المستدر 1/285) ، من طريق يحيى بن أيوب عن يزيد ابن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص، ثُمَّ ذكره مثله. وذكر أنَّ سنده قوّي وأنَّ البخاري علَّقه بصيغة التمريض لكونه اختصره ثُمَّ ذكر عن البيهقي (السنن 1/226) أنه يمكن الجمع بين الروايات بأنه توضأ، ثُمَّ تيمم عن الباقي.

[36] وكان قبل ذلك قد أصدر أوامره بمنع إشعال النيران في المعسكر لمدّة ثلاثة أيام رغم حاجتهم للتدفئة1، فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال لأبي بكر:

[37] "لِمَ لَمْ يدَع عمرو الناس أن يوقدوا ناراً ألا ترى إلى هذا الذي منع الناس منافعهم؟.فقال أبو بكر: دعه قائماً، ولاّه رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا لعلمه بالحرب"2. "فهدأ عمر رضي الله عنه "3.

وتشير بعض الروايات بأنّ المسلمين:

[38] "لقوا العدوّ فهزموهم"4.

__________

1 ذكره الهيثمي (مجمع 5/319) وعزاه الطبراني، وقال: رواه بإسنادين، ورجال الأوّل رجال الصحيح.

قلت: لم أجده في المطبوع من المعجم فلعلّه من الجزء المفقود منه. والله تعالى أعلم.

2 أخرجه ابن أبي شيبه (المصنف 12/531) عن عبد الله بن بريدة الأسلمي، وهو ثقة. (تقريب297) ، وسند الحديث إليه صحيح. لكنّه مرسل. فعبد الله لم يدرك الواقعة.

3 من رواية بريدة عند الحاكم. وقد سبق تخريجها برقم: [22] .

4 أخرجه ابن حبان (انظر: الإحسان، حديث 4523) ، من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

وسنده حسن. لأنَّ فيه الحسن بن حماد الخضرمي صدوق. (التقريب ص 160) . وبقية رجاله ثقات. وذكر ابن حجر (فتح الباري 7/26) أنه أخرجه ابن خزيمة، ولم أجده في المطبوع من صحيح ابن خزيمة. فلعلّه من الجزء المفقود منه. والله تعالى أعلم.

بينما يُفصِّل الواقدي، وابن سعد الحديث عن ذلك، فيذكر أنّ عمرو بن العاص رضي الله عنه:

[39] "سار حتّى وطئ بلاد بليّ ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم، وبلاد عذرة وبلقين"1.

ويمكن تأويل روايةالطبراني عن رافع الطائيرضي الله عنهأنّ المسلمين انطلقوا:

[40] "حتّى نزلوا جبل طئ، فقال عمرو: انظروا إلى رجلٍ دليلٍ بالطريق، فقالوا: ما نعلمه إلاّ رافع بن عمرو، فإنّه كان ربيلاً في الجاهلية"23. - بإمعان المسلمين في طلب القوم حتّى وصلوا إلى تلك المنطقة البعيدة نسبياً عن المنطقة المحدَّدة سلفاً لعمليات السّرية، ويُشير إليه طلب القائد البحث عن دليل بالطريق - ثُمَّ إنّهم لقوا:

[41] "في آخر ذلك جمعاً فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرّقوا"4.

فنهاهم عمرو رضي الله عنه.

[42] "أن يتبعوا العدوّ مخافة أن يكون لهم كمين من وراء الجبل"5.

__________

1 لفظ ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم: [3] . وانظر: مغازي الواقدي 2/771.

2 أي: كان لِصّاً في الجاهلية.

3 سبق تخريجها برقم: [11] .

4 من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [3] .

5 أخرجه ابن أبي شيبه (المصنف 12/531) ، عن قيس بن أبي حازم، ثقة. مخضرم. (تقريب 456) . والسند إليه صحيح لكنّه مرسل. ومراسيل قيس من أقوى المراسيل. (الموقوظة 26) . وهو يروي عن عمرو بن العاص. (تهذيب 4/561) .

وتشير رواية الزهري أنّهم:

[43] "أسروا ناساً كثيرين من العرب"1.

ويبدو أنّ نتيجة ذلك الإمعان في طلب العدوّ وتقصّيهم حتّى آخر بلادهم، نفذ تموين الجيش، يقول عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه:

[44] "فأصابتنا مخمصة2 شديدة فانْطَلقتُ ألتمس المعيشة فالتَقَيتُ قوماً يريدون أن ينحروا جزوراً لهم، فقلت: إن شئتم كفيتكم نحرها وعملها وأعطوني منها، ففعلتُ فأعطوني منها شيئاً فصنعته، ثُمّ أتيت عمرو بن العاص فسألني مِن أين هو؟ فأخبرته. فقال: أسمعك قد تعجّلت أجرك، وأبى أن يأكله، ثُمّ أتيت أبا عبيدة بن الجرّاح فأخبرته، فقال لي مثلها، وأبى أن يأكله، فلمّا رأيت ذلك تركتها"3.

__________

1 سبق تخريجها برقم: [9] .

ويذكر البلاذري (أنساب 381) ن أنّ عمرو بن العاص رضي الله عنه لقي من العدوّ من قضاعة، وعاملة، ولخم، وجذام، وكانوا مجتمعين، ففضهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة.

2 أي: جوع شديد.

3 أخرجه البيهقي (الدلائل 4/405) . وهذا لفظه من حديث سعيد بن أبي أيوب وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط عن مالك بن هدم عن عوف بن مالك رضي الله عنه.

وسنده فيه ربيعة بن لقيط وثَّقه العجلي وابن حبان. وذكره ابن أبي حاتم ولم يقل شيئاً. (ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 3/475، وابن حبان: الثقات 4/230، وابن حجر: تعجيل المنفعة ص 88-89) .

ومالك بن هدم وثَّقه ابن حبان فقط. وذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يقولا عنه شيئاً. (البخاري: التاريخ 7/307، وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 8/217، وابن حبان: الثقات 5/385) .

وابن لهيعة، وحديثه مقرون. وبقية رجاله ثقات. وله متابعة ذكره ابن هشام (السيرة 4/625-626) ،والبيهقي (الدلائل4/404) ، وابن كثير (البداية والنهاية 4/274) ، جميعهم من طريق ابن إسحاق. أخبرني يزيد بن أبي حبيب أنّه حُدّث عن عوف بن مالك رضي الله عنه، فذكره نحوه.

قال ابن كثير: هكذا رواه ابن إسحاق عن يزيد بن حبيب عن عوف بن مالك، وهو منقطع، بل معضل.

وقال البيهقي: قصد بإسناده محمَّد بن إسحاق، رواه سعيد بن أبي أيوب وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط. أخبره عن مالك بن هدم، أظنه عن عوف بن مالك، ثُمّ ذكر الحديث.

وبعد أن أدّت السرية مهمّتها على أكمل وجهٍ، رجع عمرو بن العاص رضي الله عنه بالجيش قافلاً إلى المدينة، وكان قد:

[45] "بعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشّره بما فتح الله عليهم"1.

قال عوف:

[46] "فلمّا قفل الناس من ذلك السفر كنت أوّل قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته وهو يصلّي في بيته. فقلت: السلام عليك يا رسول الله

__________

1 من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [3] .

ورحمة الله وبركاته"1.

[47] "قال: صاحب الجزور، ولم يزد عليَّ شيئاً"2. وتلك معجزة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر له خبر الجزور، قبل أن يتكلم ويخبره عن خبرهم في تلك السّرية.

وأثناء عودة الجيش إلى المدينة، وفي الطريق أراد رافع الطائي رضي الله عنه - دليل المسلمين في السرية - أن يصحب رجلاً صالحاً من أفرادها ينفعه الله به، فتوسّم في أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه خيراً، فصحبه، يقول رافع:

[48] "فوفّق لي أبو بكر فكان يُنَيِّمني على فراشه، ويلبسني كساء له من أكسية فدك"3.

__________

1 رواه ابن إسحاق (ابن هشام: سيرة 4/625-626) . وأخرجه ابن كثير عن ابن إسحاق (البداية 4/274) . وقال: هكذا رواه محمّد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن عوف بن مالك، وهو منقطع، بل معضل. كما أخرجه البيهقي (دلائل 4/404) ، عند أيضاً. وقال: قصّر بإسناده محمّد بن إسحاق. ورواه سعيد بن أبي أيوب، وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط، أخبره عن مالك بن هرم، أظنه عن عوف بن مالك، ثُمّ ذكر الحديث.

قلت: ورجاله ثقات ما عدا مالك بن هرم، وثّقه ابن حبان فقط. (الثقات5/385) .

2 سبق تخريجها برقم: [44] .

3 أخرجه ابن خزيمة، كما ذكر ابن حجر (إصابة 1/497) . من طريق طلحة بن مصرّف عن سليمان، عن طارق بن شهاب، عن رافع الطائي.

قلت: وسنده رجاله ثقات. سليمان؛ هو: ابن ميسرة الأحمسي، وثّقه العجلي ويحيى ابن معين والنسائي وابن حبان.

[49] "فلمّا دنونا من المدينة قافلين قال: قلت: يا أبا بكر! إنّما صحبتك لينفعني الله بك، فانصحني وعلّمني. قال: لو لم تسألنِ ذلك لفعلت"1.

[50] "قال: أتحفظ أصابعك الخمس؟ قلت: نعم. قال: تشهد ألاّ إله إلاّ الله، وأن محمّداً عبده ورسوله، وتقيم الصلوات الخمس، وتؤتي الزكاة إن كان لك مال، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان. حفِظت؟ قلت: نعم. قال: وأخرى لا تُؤَمَّرَنَّ على اثنين. قلت: هل تكون الإمرة إلاّ فيكم أهل بدر؟ قال: يوشك أن تفشو حتّى تبلغك ومَن هُو دونك، إنّ الله لَمَّا بعثَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم دخل الناس في الإسلام، فمنهم من دخل فهداه الله، ومنهم مَن أكرهه السيف، فهم عوّاذ الله2، وجيران الله في خفارة الله3، إن الرجل إذا كان أميراً فتظالم الناس بينهم فلم يأخُذ لبعضهم من بعض، انتقمَ الله منه. إنّ الرجل لتُؤخذ شاة جاره فيظل ناتئ عضلته4 غضباً والله من وراء جاره"5.

__________

1 ذكره ابن هشام (سيرة 4/624-625) ، عن ابن إسحاق الذي رواه بلاغاً. وهو منقطع، ولكن يشهد له حديث ابن خزيمة السابق، وحديث الطبراني الذي سبق تخريجها برقم: [11] .

2 أي: في عصمة الله ومنعه.

3 أي: في حراسة الله تبارك وتعالى.

4 أي: بارزاً عصب وجهه وحلقه، كنّى بذلك عن شدّة الغضب فإنه يبلغ من الشخص هذا المبلغ. والعضلة: هي كلّ لحمة مكتنزة غليظة.

5 من رواية رافع عند الطبراني. وقد سبق تخريجها برقم: [11] .

[51] "قال: ففارقته على ذلك"1. فلمّا قدموا على النّبيّ صلى الله عليه وسلم:

[52] "سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف وجدتم عمراً وصحابته لكم، فأثنوا عليه خيراً، وقالوا: يا رسول الله! صلّى بنا وهو جنب، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو فسأله، فأخبره بذلك وبالذي لقي مِنَ البرد، فقال: يا رسول الله! إنّ الله قال: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم} . [سورة النساء، الآية: 29] . ولو اغتسلت مُت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو"2.

[53] كما ذكروا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ما صنعه عمرو بن العاص رضي الله عنه من منعه إيّاهم إشعال النيران في معسكرهم رغم البرد الشديد، وحاجتهم للنار في التدفئة، ومنافعهم الأخرى، وشكوا إليه - أيضاً - منعه إيّاهم إتباع العدوّ رغم هزيمته وفراره3.

[54] "فقال: يا رسول الله إنّي كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً فيرى عدوّهم قِلتّهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره. فقال: يا رسول الله!

__________

1 من رواية ابن إسحاق بلاغاً. وقد سبق تخريجها برقم: [49] .

2 من رواية أبي قيس مولى عمرو بن العاص عند الحاكم. وقدسبق تخريجهابرقم: [35] .

3 انظر: رواية الطبراني عند الهيثمي (مجمع 5/319) ، ورواية ابن أبي شيبه (المصنف 12/531) ، ورواية ابن حبان (كتاب السير، حديث 4523) ، والحاكم (المستدرك 3/45) ، وقد سبق تخريجها جميعاً.

من أحبّ الناس إليك؟ قال: لِمَ؟ قال: لأُحبَّ مَنْ تُحبّ. قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبو بكر"1.

قال عمرو رضي الله عنه:

[55] "قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. فعدّ رجالاً فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم"2.

__________

1 من رواية عمرو بن العاص رضي الله عنه عند ابن حبان. وقد سبق تخريجها برقم: [38] .

2 أخرجه البخاري (الصحيح 4/192، 5/113) ، بسنده عن أبي عثمان الهندي. قال ابن حجر: هذا صورته مرسل. بل جزم الإسماعيلي بأنه مرسل. لكن الحديث موصول لقوله بعد ذلك: "قال: فأتيته"، فإنّ المراد: قال عمرو بن العاص، وأبو عثمان سمع من عمرو بن العاص.

وقد أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، والإسماعيلي من رواية وهب بن بقية، ومعلي ابن منصور، كلهم عن خالد بن عبد الله بالإسناد الذي أخرجه البخاري (فتح الباري 8/75) .

قلت: وقد أخرجه مسلم (الصحيح 5/9) وأحمد (المسند، حديث: 1777) ، موصولاً عن أبي عثمان، عن عمرو بن العاص. وذكره بنحوه.

المبحث السّادس: الأحكام المستنبطة، والدّروس المستفادة:

قال ابن حجر: وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل، إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أنّ له فضلاً في الجملة1.

ونقل ابن حجر، والزرقاني عن رافع الطائي قال: وهذه الغزوة هي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام2.

وقال ابن حجر - أيضاً: وفي الحديث مزية أبي بكر على الرجال، وبنته عائشة على النساء3.

وقال النووي: وفيه دلالة تنبيه لأهل السُّنّة في تفضيل أبي بكر، ثُمَّ عمر على جميع الصحابة4.

قلت: كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يعرفون هذا الأمر جيِّداً، ومتداوَلٌ بينهم، حتّى إنّ الشّباب من صغار الصحابة كانوا يُفَاضلون بين الصحابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقدّمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلا يُنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري

__________

1 فتح الباري 8/75.

2 انظر: المصدر السّابق. والزرقاني: شرح 2/280.

3 فتح الباري 8/75.

4 صحيح مسلم بشرح النووي 15/153.

في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "كُنَّا نخيّر بين الناس في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فنخيّر أبا بكر، ثُمّ عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان - رضي الله عنهم "1.

ونقل البيهقي عن الشافعي أنّه قال: "أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثُمّ عمر، ثُمّ عثمان، ثُم عليّ"2.

وفي قصّة رافع الطائي رضي الله عنه يظهر جليّاً تميُّز الصّدّيق رضي الله عنه في هيئته، ومظهره، وتعامله مع الناس، ذلك التميّز الواضح القويّ لاحظه رافع، فاختاره صاحباً له من بين جميع أفراد السرية، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على المواهب العظيمة التي حباها الله عز وجل لذلك الرجل العظيم. حيث عرف الناس فضله وتميُّزه، سواء القريبون منه في مجتمع المدينة الذين كانوا يرون بأعينهم، ويسمعون بآذانهم، ويلاحظون بحواسهم، تقديم المصطفى صلى الله عليه وسلم له وتفضيله إيّاه، وحديثه الدائم عنه عن أعماله الخَيِّرة في خدمة الإسلام منذ اللحظة التي صدّق فيها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

أخرج البخاري في الصحيح حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الذي فيه: فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله ... " الحديث3.

__________

1 انظر: فتح الباري 7/16، 53.

2 ذكر ذلك ابن حجر: (فتح الباري 7/17) ، نقلاً عنه.

3

أو الذين يرافقونه في البعوث والسرايا من الإعراب، فيلاحظون ذلك التميُّز المُلْفِت للنظر لشخصية الصِّدِّيق رضي الله عنه من خلال ما يرونه ويتوسّمونه فيه من خلال الخير، وأعمال البِرِّ، وحُسن الخُلُق، وكرامة المظهر، وحُسن التعامل، كما حدث هذا في هذه السرية، والله تعالى أعلم.

وفي حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه وأنّه صلّى بأصحابه وهو جُنُب لخوفه من شدّة البر.

قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث جواز التيمّم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل البرد أم غيره1.

وقال الخطابي: "وفيه من الفقه أنّه جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء، وجعله بمنْزلة مَن خاف العطش ومعه ماء، فأبقاه لشقته وتيمّم خوف التلف، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فشدّد فيه عطاء ابن أبي رباح وقال: يغتسل وإن مات، واحتجّ بقوله: {وَإِنْ كُنْتُم جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} . [سورة المائدة، الآية: 5] . وقال الحسن نحواً من قول عطاء. وقال مالك وسفيان: يتيمّم، وهو بمنْزلة المريض وأجازه أبو حنيفة في الحضر وقال صاحباه: لا يجزيه في الحضر، وقال الشافعي: إذا خاف على نفسه مِن شدّة البرد تيمّم وصلّى وأعاد كلّ صلاةٍ صلاّها كذلك، ورأى أنّه من العُذْر النّادر، وإنما جاءت الرّخص التامّة في الأعذار العامّة"2.

__________

1 فتح الباري 1/454.

2 حاشية سنن أبي داود 1/238-239.

وقال ابن حجر أيضاً: "وفي الحديث جواز صلاة المتيمِّم بالمتوضّئين، وجواز الاجتهاد في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم"1.

قال ابن القيم: "وقد احتجّ بهذه القصّة مَن قال: إنّ التيمّم لا يرفع الحدث، لأن النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمّاه جُنُباً بعد تيمُّمه، وأجاب مَن نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة:

أحدها: أنّ الصحابة لمّا شكوه قالوا: صلّى الصُّبحَ وهو جُنُب، فسأله النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وقال: "صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ " استفهاماً واستعلاماً، فلمّا أخبره بعذره وأنّه تيمّم للحاجة، أقرّه على ذلك.

الثّاني: أنّ الرواية اختلفت عنه فُرِويَ عنه فيها أنّه غَسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمّ صلّى بهم، ولم يذكر التيمّم، وكأنّ هذه الرواية أقوى من رواية التيمّم، قال عبد الحقّ: "وقد ذكرها وذكر رواية التيمّم قبلها، ثُمّ قال: وهذا أوصل من الأوّل لأنّه عن عبد الرحمن ابن جبير المصري، عن أبي القيس مولى، عن عمرو، والأولى التي فيها التيمّم من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص لم يذكر بينهما أبا القيس".

الثالث: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أراد أن يستعلم فقه عمرو في تركه الاغتسال، فقال له: "صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ ". فلمّا أخبره أنّه تيمّم للحاجة، عَلِمَ فقهه فلم يُنكر عليه، ويدلّ عليه أنّ ما فعله عمرو من

__________

1 فتح الباري 1/454.

التيمّم - والله أعلم - خشية الهلاك بالبرد، كما أخبر به، والصلاة بالتيمّم في هذه الحال جائزة، غير منكرة على فاعلها، فعلم أنّه أراد استعلام فقهه وعلمه. والله تعالى أعلم1.

وفي حديث رافع الطائي-رحمه الله تعالى-،وقصته مع أبي بكر رضي الله عنه تنفيرٌ من التّعرُّض للرياسة، والوعيد لأهلها، وأمرهم بالاستقامة2. وقد وردت في معناه أحاديث كثيرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ رضي الله عنه: "يا أبا ذرّ! أراك ضعيفاً، وإني أُحِبّ لك ما أُحِبّ لنفسي، فلا تأمرنّ على اثنين، ولا تولينّ مال اليتيم". وعنه قال: "قلت: يا رسول الله! ألا استعملني؟ فضرب على منكبي فقال: يا أبا ذرّ! إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة حسرة وندامة إلاّ مَن أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها". رواهما مسلم3.

قال النووي: "هذا الحديث وما أشبهه أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولايات"4.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة". رواه البخاري5.

__________

1 ابن القيم: زاد المعاد 2/158.

2 العامري: بهجة المحافل 1/365. (بتصرف بسيط) .

3 مسلم (الصحيح 4/105) .

4 شرح صحيح مسلم.

5 البخاري (الصحيح 8/106) .



كلمات دليلية: