withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram withprophet youtube withprophet new withprophet pinterest


سرية على بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بني مرة بفدك_416

 سرية على بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بني مرة بفدك


المبحث الأول: سرية على بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بني مرة بفدك

,

المطلب الأول: تعريف بفدك

...

المطلب الأول: التعريف بفدك:

فدك - بفتح أوَّله، وثانيه، وقيل: "بالفتح". وقيل: "بالتحريك، وآخره كاف، قال ابن دريد: "فدَّكت القطن تفديكاً إذا نفشته، وفدك: "قرية بالحجاز". قال عياض: "هي على يومين، وقيل: "ثلاثة من المدينة، وأقرب الطُّرُق من المدينة إليها من النَّقرة مسيرة يوم على جبل، يُقَال له الحِبَالَة والقذال، ثُمَّ جبل يُقَال له: "جُبار، ثُمَّ يَرْبغ، وهي قرية لولد الرِّضا، وهي كثيرة الفاكهة والعيون، ثُمَّ تركب الحرَّة عشرة أميال، فتهبط إلى فدك، قال الأصمعي: "حرَّة النَّار فدك". وطريق أُخرى، وهي طري مُصَدِّق بني ذبيان وبني محارب من المدينة إلى القصة، وهناك تُصدّق بنو عوال من بني ثعلبة بن سعد، ثُمَّ ينْزل نخلاً، فتصدّق الخضر خضر محارب، ثُمَّ ينْزل المغيثة فتصدّق سائر بني محارب، ثُمَّ الثَّامِلِيَّة لأشجع، ثُمَّ الرقمتين لبني الصَّادر، ثُمَّ مرتفقاً لبني قتَّال بن يربوع، ثُمَّ فدك، ثُمَّ الخُراضة، ثُمَّ خيبر، وفي فدك عين فوَّارة ونخيل كثيرة، وحصن فدك يُقال له: "الشمروخ، وقيل: "سُمِّيَت بفدك بن حام لأنه أوَّل من نزلها". وذكر البكري أنَّ أكثر أهلها أشجع".

وقال ياقوت: "كان أهلها يهود1، فلمَّا فتحت خيبر طلبوا من النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يتركوا له البلد، فكانت له خاصّةً، لأنَّها مِمَّا لم يُوجف

__________

1 ربَّما كان يسكنها اليهود، وقبيلة أشجع، معاً، أو أنَّ اليهود كانوا هم سُكَّان المدينة، وقبيلة أشجع كانوا يسكنون حول المدينة ويشتركون مع يهودها بحلف مثل بقية القبائل الغطفانية الأخرى.

عليه بخيل ولا ركاب، فكان يصرف ما يأتيه منها في أبناء السبيل، وفي رواية: "أنَّهم صالحوه على النصف، ولم يزل أهلها بها حتى أجلى عمر - رضي الله عنه - اليهود فوجَّه إليهم من قوّم النصف، وعوَّضهم عنه، وأجلاهم إلى الشام".

ولمَّا قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة - رضي الله تعالى عنها: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحلنيها1، فقال أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه: "أريد لذلك شهوداً، ولها قِصّة، ثُمَّ أدَّى اجتهاد عمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه - بعده لمَّا فُتِحَت الفُتُوح واتَّسعت على المسلمين أن يرُدَّها إلى ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عليُّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، والعبَّاسُ بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنه - يتنازعان فيها، ويتخاصمان إلى عمر - رضي الله تعالى عنه، فيأبى أن يحكُم بينهما، ويقول: "أنتُما أعرف بشأنكما، ولمَّا ولي معاوية - رضي الله تعالى عنه - أقطعها مروان بن الحكم، ووهبها مروان لابنيه عبد الملك، وعبد العزيز، ثُمَّ صارت للوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ولمَّا ولي الوليد استوهبا منه عمر بن عبد العزيز، فكانت له خالِصَةً تغُل له عشرة آلاف دينار، وكانت مِن أحبّ ماله إليه، ولكنَّه حينما ولي الخلافة، كتَبَ إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدك إلى ولد فاطمة - رضي الله تعالى عنها، فلمَّا ولي يزيد بن عبد الملك قبضها، فلم تزل في أيدي بني أُمَيَّة حتى ولي السَّفَّاح

__________

1 النَّحْلُ: هو العَطَاءُ بِلا عِوَض.

الخلافة فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكان هو القَيِّم عليها يُفَرِّقُها في بني علي بن أبي طالب، فلمَّا ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم، فلمَّا ولي المهدي أعادها عليهم، ثُمَّ موسى الهادي ومَن بعده إلى أيام المأمون، فجاءه رسول بني علي بن أبي طالب فطالب بها، فأمر أن يُسجل لهم بها، فكُتِبَ السجل وقُرِئَ على المأمون، فقام دعبل الشاعر وأنشد:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا برد مأمون هاشم فدكا

ولمَّا استخلف جعفر المتوكل ردَّها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه ".

وفدك: "قرية مشهورة، وقد استغرب مجد الدين الفيروزآبادي الذي عاش في القرن الثامن، والسمهودي في القرن التاسع، عدم معرفة أهل المدينة لها في ذلك الوقت على شهرتها، فربَّما كان ذلك بسبب خرابها، فقد ذكر الحلبي الذي عاش في القرن العاشر أنَّها كانت خراباً في عهده، أو ربَّما لتغيُّر اسمها ففدك اليوم تُعْرَف بالحائط، وتقع ضمن نطاق منطقة حائل الإدارية بين محافظة الحليفة ومحافظة خيبر، وجُلّ أهلها اليوم هم من قبيلة الرشايدة1".

__________

1 انظر: البكري: معجم 3/1015 - 1016 - ياقوت الحموي: معجم 4/238 - 240، الحميري: الروض 438، السمهودي: وفاء 4/1280 - 1281، الحلبي: سيرة 3/185، البلادي: معجم 235.

هذا ومن الملاحظ أنَّ منطقة عمليات السرايا لم تكن قرية فدك ذاتها، وإنَّما المنطقة المحيطة بها، والتي كانت تسكنها قبيلة بني مرّة، وقبيلة بني سعد بن بكر، ولكن باعتبار قربها من فدك تجوَّز أهل المغازي بنسبتها إليها".

قال الحلبي، والزرقاني، تعليقاً على أنَّ بشير بن سعد - رضي الله تعالى عنه - قائد السرية، تحامل على نفسه - حينما أُصيب هو ومَن معه - حتَّى أتى فدك فأقام بها أيّاماً حتَّى ارتفع من الجراح، قالا: "وهذا يدل على أنَّ بني مرّة الذين توجَّه إليهم بشير لم يكونوا بفدك، بل بالقرب منها، فتسمَّحوا في قولهم إلى بني مرّة بفدك لمجاورتها وكونها من أعمالها1". وكذلك الأمر بالنسبة لسرية علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - إلى بني سعد".

__________

1 الحلبي: سيرة 3/192، الزرقاني: شرح 2/350.

,

المطلب الثاني: تاريخ السرية، وسببها

1:

أولاً: تاريخ السرية:

ذكر ابن إسحاق خبر السرية مقتضباً في جملة السرايا، لذلك لم يذكر لها تاريخاً محدَّداً، وإنَّما ذكرها بعد سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح2".

وانفرد الواقدي، وابن سعد، بالإسهاب في الحديث عن خبر السرية كعادتهما، نقلاً عن شيوخهما، فكان من الطبعي أن يذكرا لها تاريخاً محدَّداً حيث ذكرا أنها كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم3".

وذكرها خليفة بن خياط كذلك ضمن السرايا التي كانت سنة ست من الهجرة، دون أن يحدِّد الشهر الذي أُرسِلَت فيه4".

ونقل الطبري5، وابن القيم6، وابن كثير7، حديث الواقدي

__________

1 نظراً لما أشارت إليه الروايات من العلاقة الوثيقة بين تاريخ السرية، وسببها، لأجل ذلك أدمجت الاثنين في مطلبٍ واحدٍ حتَّى لا يتكرَّر الكلام، وحتَّى يكون التعليق عليهما منسجماً ومتوافقاً.

2 ابن هشام: سيرة 4/344.

3 المغازي 2/562 - 563، الطبقات 2/89 – 90.

4 تاريخ 79.

5 تاريخ 2/642.

6 زاد المعاد 2/284.

7 البداية والنهاية 4/181.

عنها في أحداث السنة السادسة، دون تعليق منهم على ذلك".

وكذلك ابن سيد النَّاس نقلاً عن ابن سعد1.

واقتصر الشامي على رواية الواقدي، لكنَّه لم يذكر شيئاً في شرحه عن تاريخ السرية2".

أمَّا القسطلاني3، والمقريزي4، فإنَّهما تابعا الواقدي، وابن سعد في روايتيهما".

ثانياً: "سبب السرية:

ذكر خليفة بن خياط أنَّ السرية كانت إلى فدك، وأنَّ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أخذها5".

بينما ذكر الواقدي، وابن سعد، وهما مَن حَدَّدا تاريخ السرية بدقة أنَّها كانت بسبب المعلومات التي بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بني سعد بن بكر بأنَّ لهم تحرُّكات وحشوداً استعدادية لإمداد يهود خيبر6".

__________

1 عيون 2/144.

2 سبل 6/154 – 156.

3 المواهب 1/480.

4 امتاع 1/268.

5 تاريخ 79.

6 المغازي 2/562، الطبقات 2/89

قال الحلبي (سيرة 3/186) معلقاً على ذلك: قوله يريدون أن يمدوا يهود خيبر يقتضي بظاهره أنَّ ذلك كان عند محاصرة خيبر أو عند إرادة ذلك، وفيه ما لا يخفى لما تقدَّم، والله تعالى أعلم.

قلت: الذي لا يخفى ولم يذكره الحلبي هو أنَّ خيبر كانت في شهر جمادى الأولى سنة سبع كما يذكر ابن سعد (طبقات 2/106) ، وفي شهر صفر أو بداية شهر ربيع الأول كما يذكر الواقدي (مغازي 2/633) ، وما ذكراه من تاريخ هذه السرية وأنه شعبان سنة ست يتنافى مع سياق الأحداث، حيث أنَّ بين الغزوة والسرية ثمانية أشهر أو تسعة أشهر بحسب ما ذكراه، وذلك وقت طويل جداً حدثت فيه أحداث مهمة من غزوات وسرايا وبعوث، وغير ذلك، فهل يمكن بعد ذلك القول بأنَّ سبب هذه السرية هو منع أولئك الأعراب من بني سعد بن بكر من التحشد لنصرة أو إمداد يهود خيبر ضد المسلمين في ذلك الوقت المبكر؟! والذي ربما لم يعقد فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم العزم بعد لغزو خيبر، لأنَّ الاستراتيجية العسكرية في ذلك الوقت كانت موجهة وبتركيز أكبر نحو قريش وحلفائها، ولم تتغير تلك الاستراتيجية وتتحول نحو اليهود وحلفائهم في خيبر وما حولها إلاَّ بعد الحديبية وعقد الهدنة مع قريش وحلفائها.

وإذا فرضنا جدلاً وسلَّمنا بصحة هذا التوجه، وأنَّ ذلك فعلاً هو سبب هذه السرية، فلا يمكن حينها التسليم بصحة التاريخ المذكور للسرية لعدم التوافق والانسجام بينهما كما ذكرنا سلفاً. فلابدَّ أن يكون تاريخها متأخرٌ عمَّا ذكره الواقدي وابن سعد.

فيمكن أن تكون هذه السرية قبيل خيبر، وذلك ضمن الجهود المبذولة من النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لتحطيم الحلف الخيبري الذي كان قائماً بين يهودها والقبائل المحيطة بخيبر، والذين كان لهم دورٌ بارزٌ في غزوة الأحزاب، وذلك

ضمن الاستراتيجية العسكرية التي وضحها بعد هزيمة الأحزاب بقوله: " (الآن نغزوهم ولا يغزونا".

وما قيل في سبب السرية يؤكِّد أنَّها قبل خيبر بقليل، أو في أثناء توجُّه النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إليها، وهو الأرجح، ويؤيده قول الرجل لوبر بن عليم قائد بني سعد حينما رآه منهزماً مع قومه من أمام المسلمين:

[1] "إني أرى أمر محمَّدٍ أمراً قد أمن وغلظ، أوقع بقريشٍ فصنع بهم ما صنع، ثُمَّ أوقع بأهل الحصون بيثرب، قينقاع وبني النضير وقريظة، وهو سائرٌ إلى هؤلاء بخيبر1".

فذلك دليل قوي على أنَّ السرية كانت في أثناء مسير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، حيث وردت إليه معلومات استخبارتية أنَّ أولئك الأعراب من بني سعد في تحشُّدٍ سريعٍ لإمداد يهود خيبر، فسارع ببعث السرية إليهم قبل أن تستكمل استعداداتهم لذلك".

والغريب أنَّ الواقدي ساق هذه الرواية ولم يُعَلِّق عليها على الرغم من أنَّها تخالف ما ذكره من تاريخ السرية وأنه في شعبان سنة ست، فلعلَّه رحمه الله تعالى وَهِمَ في ذكر هذا التاريخ".

والله تعالى أعلم".

__________

1 أخرجه الواقدي (مغازي2/563) بسنده عن عيسى بن عليلة، عن أبيه، عن جده.

,

المطلب الرابع: الدروس والعبر المستقاة من أحداث السرية

:

أوضحت هذه السرية، والسرايا السابقة بعض الاستراتيجيات العسكرية التي كان يطبقها الرسول القائد صلى الله عليه وسلم مع أعدائه، وهي:

ما ورد أنَّ سبب السرية هو تلك الأخبار التي بلغت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عن تحرُّكات بني سعد بن بكر المعادية للمسلمين، ذلك يعطينا دلالة واضحة أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتتبع أخبار الأعداء أولاً بأول".

ومثل هذه الروايات تؤكِّد لنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لديه شبكة شبه منظَّمة من العيون، مبثوثة بين أعدائه، جعلته دائماً وأبداً في الصورة معهم، يعرف سكناتهم وحركاتهم أولاً بأول، مِمَّا مكَّنه كثيراً من القضاء على مخطَّطاتهم العدوانية ضد المسلمين ووئدها في مهدها قبل أن تستفحل، مِمَّا وفَّر على المسلمين الكثير من الجهد، وحقن الكثير من الدماء التي كانت ستسيل لو تمكَّن أولئك الأعداء من استكمال مخطَّطاتهم تلك وتنفيذها ضد المسلمين، وذلك ما كان يصبو إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم في جهاده مع أعدائه، لأنه عليه الصلاة والسلام كان حريصاً أشدَّ الحِرْصِ على بلوغ أهدافه السامية من ذلك الجهاد المُقَدَّس بأقلِّ قدرٍ ممكنٍ من الخسائر، ودونما إراقة دماء كثيرة".

إلاَّ ما كان من بعض أولئك الأعداء الذين كانوا يشكلون تهديداً قوياً ومستمراً للمسلمين بقواهم العسكرية والسياسية، والتي كانت تشكل حاجزاً قوياً أمام الناس لاعتناق ما يريدون بحرِّية، فكان لابُدَّ

من الإثخان في تلك القوى المسيطرة لإضعافها والقضاء على هيمنتها في المنطقة".

إنَّ نظام المخابرات تفتخر به اليوم الدول المتقدمة مادياً، وله أولوية كبيرة في جيوشها المتطورة، وتمارسه بأساليب غير حضارية ارتبطت بالظلم والعدوان والغدر".

ولكنَّ الرسول القائد صلى الله عليه وسلم كان له قصب السَّبْق فيه، كما أنه مارسه في نطاق الحرب الفروسية المشرفة، دون المساس بالأخلاقيات والمُثُل العُليا".

تحرَّكت هذه السرية كما ورد في رواية الواقدي، وابن سعد، في مسيرٍ ليلي إلى أرض العدو، وقد كانت تلك استراتيجية ذكية تزوَّد بها قائدالسرية من مُبْتَكِر الاستراتيجيات العسكرية، رسولِ الله صلى الله عليه وسلم التي استطاع بها تحقيق مبدأ الكتمان مع أعدائه، حرمهم من معرفة نواياه، واتجاه حركة قوَّاته".

لقد كانت معظم القبائل التي غزاها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وبعث إليها سراياه قبائل "قوية ولها حلفاء وأنصار، فلو أنها عرفت بمسيره لسارعت بالاستعداد للقائه ولاستعانت عليه بحلفائها وأنصارها لمعاونتها يوم اللقاء، ولكن عناية الله أولاً، ثُمَّ المسير الليلي حال بينها وبين ذلك كله، فاستطاع النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بقواته القليلة بالنسبة لقوات تلك القبائل، أن يتغلَّب عليها ويقضي على نياتها العدوانية، ويُلْقِي الرُّعْبَ في نفوسها ونفوس القبائل الأخر التي سمعت بانتصار المسلمين"1".

__________

1 خطّاب: الرسول صلى الله عليه وسلم القائد 216 - 217.

أيضاً ما ورد في هذه السرية والسرايا قبلها من شن الغارة على الأعداء ومباغتتهم في ديارهم في غفلةٍ منهم، وتلك استراتيجيةٌ اتَّبعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع نوعٍ معيَّنٍ من الأعداء، وهم الأعراب، حيث كان دائماً يترصَّد أخبارهم من خلال شبكة العيون المبثوثة في ديارهم، فكان دائماً يباغتهم في ديارهم قبل استكمال جاهزتهم واستعدادهم، فالأعراب أشداء إذا ما استعدوا جيداً للقتال، وانتظمت صفوفهم فيه، عندها تكون مقاومتهم أكبر، وقتالهم أشرس، كما أنَّهم يستطيعون وبسرعة فائقة حشد قوَّة إمدادات كبيرة يتمكنون بها من الإطباق على أعدائهم وحصرهم من كُلِّ الجهات، وقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من خلال تجارب سابقة معهم في الرجيع، وبئر معونة، وسرية زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - الأولى إلى بني فزارة، وغيرها".

لذلك فإنَّ في شَنِّ الغارة عليهم ومباغتتهم قبل ذلك، ولو من قوة مهاجمة صغيرة تُفْقِدهم اتزانهم، وتبُثُّ الرُّعْبَ في قلوبهم1، وتثير الاضطراب والفوضى في صفوفهم، فيسهل حين ذاك السيطرة عليهم وهزيمتهم، كما حدث في هذه السرية". والله تعالى أعلم".

وفي الاستيلاء على أموال الأعراب التي كانت في غالبها من الماشية والإبل، إضعافٌ لهم اقتصادياً، لأنَّها تعدّ عصب حياتهم اليومية، لاعتمادهم عليها كثيراً، كما أنَّ في ذلك تحفيزاً للمسلمين وتشجيعاً لهم للغزو في سبيل الله لإصابة الغنائم الدنيوية العاجلة، إضافةً لما رُصِدَ لهم من الأجر العظيم عند الله، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنَّ ذلك يعدّ دافعاً وهدفاً من أهداف الجهاد في سبيل الله بقدر ما هو ممارسة المسلمين لحقهم المشروع في الغنائم التي أحلَّها الله لهذه الأُمَّة واختصَّها به دون غيرها من الأُمم السابقة".

كما أنَّ ذلك يُعَدُّ تمشياً مع عادة قديمة متَّبعة لدى العرب في حروبهم في الجاهلية أبقى عليها الإسلام بعد تنظيمها وتقنينها وفق أنظمة الشريعة الإسلامية". والله تعالى أعلم".

__________

1 المباغتة أقوى العوامل وأبعدها أثراً في الحرب، وتأيرها المعنوي عظيم جداً، وتأثيرها من الناحية النفسية يكمن فيما تحدثه من شللٍ متوقّعٍ في تفكير القائد الخصم.

(خطّاب: الرسول القائد صلى الله عليه وسلم 451) .

وفي الاستيلاء على أموال الأعراب التي كانت في غالبها من الماشية والإبل، إضعافٌ لهم اقتصادياً، لأنَّها تعدّ عصب حياتهم اليومية، لاعتمادهم عليها كثيراً، كما أنَّ في ذلك تحفيزاً للمسلمين وتشجيعاً لهم للغزو في سبيل الله لإصابة الغنائم الدنيوية العاجلة، إضافةً لما رُصِدَ لهم من الأجر العظيم عند الله، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنَّ ذلك يعدّ دافعاً وهدفاً من أهداف الجهاد في سبيل الله بقدر ما هو ممارسة المسلمين لحقهم المشروع في الغنائم التي أحلَّها الله لهذه الأُمَّة واختصَّها به دون غيرها من الأُمم السابقة".

كما أنَّ ذلك يُعَدُّ تمشياً مع عادة قديمة متَّبعة لدى العرب في حروبهم في الجاهلية أبقى عليها الإسلام بعد تنظيمها وتقنينها وفق أنظمة الشريعة الإسلامية". والله تعالى أعلم".



كلمات دليلية: