سرية زيد بن الحارث رضى الله عنه إلى حسمى جذام

 سرية زيد بن الحارث رضى الله عنه إلى حسمى جذام


المطلب الرابع: سير الأحداث

:

في شهر شوَّال من السنة السابعة من مُهَاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[1] "قدم رجل من أشجع، يُقال له، حُسَيْل بن نويرة، وقد كان دليل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أين يا حُسيل؟ قال: "قدمت من الجناب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما وراءك؟ قال: "تركت جمعاً من غطفان بالجناب، وقد بعث إليهم عُيَيْنة يقول لهم: "إمَّا تسيروا إلينا وإمَّا نسير إليكم، فأرسلوا إليه أن سِرْ إلينا حتَّى نزحف إلى محمَّدٍ جميعاً، وهم يريدونك، أو بعض أطرافك"1".

وكعادته صلى الله عليه وسلم في استباق الأحداث، وسياسته المتبعة مع الأعداء عامَّة، والأعراب خاصَّة، بالتحرُّك سريعاً للقضاء على قُوَّة العدو، ووئدها في مهدها، قبل أن تستفحل وتنتشر، ولأنَّ لِعُيَيْنَة سابقة من هذا النوع من قبل، سارع النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم باستدعاء صاحبيه، ووزيريه (أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق رضي الله عنهما) ، وشاورهما في الأمر:

__________

1 أخرجه الواقدي (مغازي 2/728) ، عن يحيى بن عبد العزيز عن بشير بن محمّد عن عبد الله بن زيد، وسنده فيه رجال غير معروفين. كما أنّ فيه انقطاعاً بين بشير بن محمّد وبين قوله: قدم رجل من أشجع. فإنه لم يدرك النّبيّ صلى الله عليه وسلم. ورواه نقلاً عن الواقدي كُلّ من الطبري (التاريخ 3/23) ، والبيهقي (الدلائل 4/301) ، وابن كثير (البداية 4/223) ، والذهبي (التاريخ 451) .

[2] "فقالا جميعاً: "ابعَث بشير بن سعد! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيراً، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل، ويكمنوا النَّهار، وخرج معهم حُسيل بن نويرة دليلاً1".

[3] "فساروا الليل، وكمنوا النهار، حتَّى أتوا إلى يمن وجبار، وهي نحو الجناب، والجناب يعارض سلاح، وخيبر ووادي القرى، فنزلوا بسلاح2، ثُمَّ دنوا من القوم3".

__________

1 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

2 قال ياقوت: "سلاح كأنه على وزن قطام، موضع أسفل من خيبر، وسلاح - أيضاً، ماء لبني كلاب شبكة ملحة لا يشرب منه أحد إلاَّ سلح" (معجم 3/233) .

وقال العباسي: "أخرج أبو داود، والطبراني بسندٍ جيِّدٍ حديث ابن عمر "يوشك المسلمون أن يخلصوا إلى المدينة حتى يكون أدنى مسالحهم بسلاح".

قلت: أخرجه أبو داود (انظر: عون المعبود 11/321) . قال: "حدّتُ عن ابن وهب، قال: أخبرنا جرير بن حازم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: قال سول الله صلى الله عليه وسلم: ... ، ثُمَّ ذكره نحوه. قال المنذري: فيه مجهول؛ لأنَّ أبا داود قال: حُدِّثت، ولم يبيِّن مَنْ حدَّث به. ويقول البلادي: تقع سلاح إلى طرف قرية العشاش من الجنوب. وهي من قرى بلدة خيبر. وهي على ربوة ترتفع عن مجرى السيل. فُقْر عين سلاح القديمة مجصَّصة ظاهرة. وظلّت سلاح محطَّة للحُجَّاج حتّى تحوَّل الطريق الشامي إلى تبوك. فالعُلا، فاندثرت. ثُمَّ بنى بعض العنَزيين عشاشاً بجوار البلد القديم فسُمِّيَت العشاش. ولمَّا عُبِّدَ طريقُ الحجاز أخذت العشاش في الانتعاش وحفر أهلها آباراً على فُقُر عين سلاح القديمة. ولكنَّ الماء ليس غزيراً. وعليها اليوم زراعة وبها مقاهٍ ومحطَّات محروقات. (رحلات في بلاد العرب26-28) .

3 أخرجه ابن سعد (طبقات 2/120) مُعَلَّقاً بلفظ: قالوا، عن شيوخه.

[4] "فقال لهم الدَّليل: "بينكم وبين القوم ثُلُثا نهار أو نصفه، فإن أحببتم كمنتم1، وخرجت طليعة لكم حتى آتيكم بالخبر، وإن أحببتم سرنا جميعاً". قالوا: "بل نقدِّمك، فقدَّموه فغاب عنهم ساعة، ثُمَّ كرَّ2 عليهم، فقال: "هذا أوائل سرحهم، فهل لكم أن تغيروا عليهم؟ فاختلف أصحاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: "إنْ أغرنا الآن حذِرَنَا الرجال والعَطَن3". وقال آخرون: "نغنم ما ظهر لنا ثُمَّ نطلب القوم4".

ثُمَّ إنَّهم أغاروا على سرح القوم، فأصابوا نعماً كثيرة ملأوا منها أيديهم:

[5] "وتفرَّق الرعاء فحذَّروا الجمع، فتفرَّقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتَّى أتوا محالّهم فيجدها وليس فيها أحد"5".

[6] "فرجع بالنعم حتَّى إذا كانوا بسلاح راجعين لقوا عَيْناً6 لعُيينة فقتلوه، ثُمَّ لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم، فناوشوهم، ثُمَّ

__________

1 كمن له: استخفى، والكمين: القوم يكمنون في الحرب. (القاموس: كمن) .

2 كرَّ عليه: عطف. (القاموس: كرَّ) .

3 العَطَن - محرَّكة - وطن الإبل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء.

4 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

5 من رواية ابن سعد عن شيوخه، وقد سبق تخريجها برقم [3] .

6 العين: الجاسوس.

انكشف جمع عيينة، وتبعهم أصحاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فأصابوا منهم رجلاً أو رجلين فأسروهما أسراً1".

ونفَّذ عُيينة بجلده هارباً، بعد أن دخله الرعب من المسلمين، فانهزم

على فرس له عتيق يعدو به عدواً سريعاً، لا يلوي على شئ، حتَّى إنَّ حليفة الحارث بن عوف المري لمَّا استوقفه ليسأله عن شأنه، ردَّ عليه:

[7] "لا ما أقدرُ! الطلب خلفي! أصحاب محمَّد! وهو يركض". قال الحارث بن عوف: "أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟ إنَّ محمَّداً قد وطئ البلاد وأنت مُوضِعٌ في غير شيء". قال الحارث: "فتنحيت عن سَنن2 خيل محمَّد حتَّى أراهم ولا يروني، فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل، ما أرى أحداً - وما طلبوه إلاَّ الرعب الذي دخله". قال: "فلقيته بعد ذلك، فقال الحارث: "فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب". قال عيينة: "هو ذاك، إني خفتُ الإسار، وكان أثري عند محمَّدٍ ما تعلم في غير موطن". قال الحارث: "أيُّها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمراً بيِّناً في بني النضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنَّهم كانوا أعزّ يهود الحجاز كُلِّه، يُقِرُّون لهم بالشجاعة والسَّخاء، وهم أهل حُصون منيعة، وأهل نخل، واللهِ إن كانت

__________

1 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

2 سَنَنُ الطريق، مثلثة وبضمتين: نهجه وجهته. (القاموس: سن) .

العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سار حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من النَّاس، ثُمَّ قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة وكيف أُديل عليهم". فقال عيينة: "هو واللهِ ذاك، ولكنَّ نفسي لا تُقِرّني". قال الحارث: "فادخل مع محمَّد، قال: "أصير تابعاً! قد سبق قومٌ إليه فهم يزرُون1 بمن جاءَ بعدهم يقولون: "شهدنا بدراً وغيرها". قال الحارث: "وإنَّما هو على ما ترى، فلو تقدَّمنا إليه لكُنَّا من عِليَة أصحابه، قد بقي قومُه بعدهم منه في مُوادعَة وهو مُوقِعٌ بهم وقعةً، ما وُطِئَ له الأمْرُ". قال عُيينة: "أرى واللهِ! فاتَّعدا يُريدان الهجرة والقُدوم على النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إلى أن مرَّ بهما فروة بن هبيرة القُشَيْري يُريد العُمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما يُريدان". قال فروة: "لو استأنيتم حتى تنظروا ما يصنع قومه في هذه المُدَّة التي هُم فيها وآتيكم بخبرهم! فأخَّروا القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى فَرْوَة حتَّى قدم مكَّة فتحسَّب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبداً، فخبَّرهم بما أوقع محمَّد بأهل خيابر2". قال فروة:

__________

1 زرى عليه زرياً وزراية ومزرية ومزراة وزُرياناً بالضم: عابه، وعاتبه. (القاموس: زرى) .

2 خيبر.

"وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم عليه من العداوة لمُحَمَّد". قالت قريش: "فما الرأي، فأنت سيِّد أهل الوبر؟ قال: "نقضي هذه المدَّة التي بينكم وبينه، ونستجلب العرب، ثُمَّ نغزوه في عُقْرِ داره، وأقام أياماً يجول في مجالس قريش، ويسمع به نَوْفَل ابن معاوية الدِّيَلِيِّ، فنَزل من باديته فأخبره بما قال لقُرَيْش، فقال نَوْفَل: "إذاً لأجِدُ عندكم شيئاً! قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني، ولنا عدوٌّ قريبٌ دارُه، وهم عَيْبَة نُصْح محمَّد لا يغيبون عليه حرفاً من أُمورنا، قال: "من هُم؟ قال: "خُزاعة، قال: "قَبُحَت خزاعة؛ قعدت بها يمينها! قال فروَة: "فماذا؟ قال: "استنصرْ قُرَيْشاً أن يعينونا عليهم، قال فروة: "فأنا أكفيكم". فلقي رؤساءَهم، صفوان ابن أُمَيَّة، وعبد الله بن أبي ربيعة، وسُهَيْل بن عمرو، فقال: "ألا ترون ماذا نزل بكم! إنَّكم رضيتم أن تدافعوا مُحَمَّداً بالراح". قالوا: "فما نصنع؟ قال: "تُعينون نَوْفَل بن مُعاوية على عدوِّه وعدوِّكم". قالوا: "إذاً يغزونا محمَّدٌ فيما لا قِبَلَ لنا به فيوطئنا غَلَبَةً، وننْزِل على حُكْمِهِ، ونحن الآن في مُدَّة وعلى ديننا". فلقي نوفل ابن معاوية، فقال: "ليس عند القوم شيء، ورجع فلقي عيينة والحارث فأخبرهم، وقال: "رأيت قومه قد أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبَّروا الأمر، فقدَّموا رِجْلاً وأخَّروا أُخرى1".

__________

1 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

,

المطلب الرابع: سير الأحداث

:

[4] "قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي ثُمَّ الضبيبي"1 في وفد من قومه بني الضبيب ومعه أخاه بعجة2

[5] "وأنيف3، وحبان4، ابنا ملة في اثنى عشر

__________

1 أخرجه الطبري (تاريخ: 3/140) عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب مصرحاً بالتحديث عنه، لكنه مرسل، فيزيد من الخامسة.

كذلك ذكره ابن هشام (سيرة 4/596) عن ابن إسحاق الذي رواه بلا سند، فهو معضل، ورفاعة بن زيد الجذامي، ذكر ابن إسحاق أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية، قبل خيبر، فأسلم وحسن إسلامه، وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً يقال له مدعم. وذكره ابن منده في الصحابة.

(انظر: ابن هشام: سيرة 4/596، وابن حجر: إصابة: 1/518) .

2 بعجة بن زيد الجذامي. ذكره ابن إسحاق فيمن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره ابن حجر في القسم الأوّل حرف الباء من كتاب الصحابة، وروى عن ابن منده حديث خروجه مع رفاعة في اثني عشر رجلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: ابن هشام: سيرة:613، وابن حجر: إصابة:1/78،145،162.

3 أنيف بن ملة الجذامي، من بني الضبيب، له صحبة، سكن الرملة ومات ببيت جبرين من كورة فلسطين، ذكره ابن حبان في الصحابة، وقال ابن السكن: ذكره ابن إسحاق فيمن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم من جذام، وهو أخو حبان. (الإصابة: 1/78) .

4 حبان بن ملّة الجذامي، ثُمَّ الضبيبي. ذكره ابن حجر في ترجمة أخيه أنيف. قال: وهو أخو حبان الآتي ذكره في الحاء. وذكر أنه وفد مع أخيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أجده في حرف الحاء، فربما سقط اسمه سهواً من بعض النساخ، والله تعالى أعلم. انظر: الإصابة: 1/78.

رجلاً"1.

[6] "فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً يُقال له مدعم2"3. وأسلم وحَسُنَ إسلامه، وأسلم مَن كان معه، وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وكتب له كتاباً فيه:

[7] "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمَّد رسول الله، لرفاعة بن زيد. إني بعثته إلى قومه عامَّة، ومَن دخل فيهم، يدعوهم

__________

1 ذكره ابن حجر (إصابة: 1/78) عن ابن منده من طريق معروف بن طريف، حدَّثتني عمتي ظبية بنت عمرو بن حزابة عن نهيشة مولاة لهم، فذكرت الحديث.

ولم أعثر على تراجم هذا الإسناد.

2 مدعم الأسود، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مولَّداً من حسمى أهداه رفاعة بن زيد الجذامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثبت ذكره في الموطأ والصحيحين من طريق سالم بن مطيع عن أبي هريرة في فتح خيبر، فذكر الحديث وفيه إنَّ مدعماً أصابه سهم عائر فقتله. (إصابة: 3/394) .

قلت: الثابت من روايات الصحيح أنه قتل أثناء محاصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لوادي القرى وليس خيبر.

انظر: فتح الباري: 7/487 – 488.

3 أخرجه البخاري (انظر: فتح الباري 7:487-488، 11/593) ، كتاب المغازي غزوة خيبر، وكتاب الأيمان والنذور، باب هل يدخل الإيمان الأرض والغنم.

إلى الله وإلى رسوله، فمَن آمن ففي حزب الله، وفي حزب رسوله صلى الله عليه وسلم، ومَن أدبر فله أمان شهرين"1.

فلمَّا قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا2، وسألوا الوفد عن بعض ما أمرهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فقال أنيف ابن ملّة:

[8] "أمرنا أن نضجع الشاة على شقها الأيسر ثُمَّ نذبحها ونتوجه للقبلة ونُسمي الله"3. ثُمَّ ساروا إلى الحرَّة حرَّة الرجلاء4 فنَزلوها5.

__________

1 من رواية ابن إسحاق عند الطبراني (معجم:2/340) وقد سبق تخرجها برقم [1] .

2 من رواية ابن إسحاق عند الطبري، وابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

3 من رواية نهيشة عند ابن منده، وقد سبق تخريجها برقم [5] .

4 قال ابن الأعرابي: "الحرة الرجلاء الصلبة الشديدة. وقال غيره: هي التي أعلاها أسود وأسفلها أبيض، والرجلاء الصلبة الخشنة لا تعمل فيها خيل ولا إبل ولا يسلكها إلاَّ راجل، وهو علم لحرَّة في ديار بني القين بن جسر، بين المدينة والشام. قال الأخنس:

وكلبٌ لها خبت فرملة عالج

إلى الحرَّة الرجلاء حيث تحارب

قال البلادي: "والنص الذي في السيرة، ورواية ياقوت يجعلانها قريباً من حرة ليلى، ولعلَّها كانت جزءاً منها، لأنَّك إذا سرت في حرَّة ليلى من جهة المدينة باتجاه بلاد بلقين فإنَّك تسير في هذه الحرَّة، ولها عِدَّة نعوف وشماريخ، فإذا انقطعت من جهة الجناب انقطعت كل الحرار، فالحرَّة الرجلاء لا شك من تلك النعوف".

(الحموي: معجم: 2/246، 3/28، والبلادي: معجم: 97) .

5 من رواية ابن إسحاق عند الطبري، وابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

ثُمَّ إنَّ حبَّان بن ملة:

[9] "صحب دحية الكلبي لما مضى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر"1. فتعلَّم منه أُم الكتاب2.

[10] "ثُمَّ لم يلبث أن أقبل دحية الكلبي من عند قيصر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بوادٍ من أوديتهم، يُقال له شنان3 ومعه تجارة له"4 - وكان هرقل قد أجازه بمالٍ وكساه كسىً، كما يذكر الواقدي، وابن سعد - 5 أغار عليه الهنيد بن عارض الضُليعي، وابنه عارض في ناس من جذام، فقطعوا عليه الطريق، وأصابوا كل شيء معه:

[11] "فبلغ ذلك قوماً من الضبيب رهط رفاعة بن زيد مِمَّن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه فيهم من بني الضبيب النعمان بن أبي جعال"6.

__________

1 من رواية ابن إسحاق عند الأموي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

2 من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

3 أو شنار. وقد سبق الحديث عن الخلاف في اسم هذا الوادي ص70حاشية رقم (1) .

4 من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

5 الواقدي: مغازي: 2/56، وابن سعد: طبقات: 2/88.

6 من رواية ابن إسحاق، عند ابن هشام (سيرة: 4/613) وقد سبق تخريجها برقم [1] .

والنعمان بن أبي جعال الضبيبي من رهط رفاعة بن زيد، ذكره ابن إسحاق فيمن أسلم منهم ووفد على النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد أن غزاهم زيد بن حارثة حين غزا بني جذام من أرض حسمى. (إصابة: 3/560) .

[12] "في عشرة نفر، وكان نعمان رجل الوادي ذا الجلد والرماية"1 حتى لقوا الهنيد ومن معه فاقتتلوا، وكان قتالاً خاطفاً بالسهام والحجارة حيث:

[13] "رمى قرة بن أشقر الضليعي النعمان بن أبي جعال بحجر فأصاب كعبه وأدماه، وقال: أنا ابن أثالة، ثُمَّ رماه النعمان بن أبي جعال فأصاب ركبته"2 إصابة بالغة أثبتته.

[14] "فاستنقذوا ما في أيديهم فردوه إلى دحية، وساعده حبَّان بن ملَّة"3.

[15] "ثُمَّ إنَّ دحية قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم"4.

[16] "فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، وبعث معه جيشاً"5.

يذكر الواقدي، وابن سعد أنَّهم كانوا حوالي خمسمائة

__________

1 أخرجه الواقدي (مغازي: 2/556) .

2 من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

3 من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

4 من رواية ابن إسحاق عند الطبراني.

5 من رواية ابن إسحاق عند الطبراني.

رجل1، وردَّ معه دحية:

[17] "فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عُذْرة2، فأقبل بهم الدليل من ناحية الأولاج3، حتى هجم بهم مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم4ونسائهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان"5.

[18] "فلمَّا سمعت بذلك بنو الضُّبيب، والجيش بفيفاء مدان6، ركب نفر منهم، وكان فيمن ركب معهم: حبّان بن ملّة على فرسٍ لسويد بن زيد، يُقال لها العجاجة، وأنيف بن ملّة على فرسٍ لملّة يُقال لها رغال، وأبو زيد بن عمرو على فرس يُقال لها شمر،

__________

1 الواقدي: مغازي: 2/556، وابن سعد: طبقات: 2/88.

2 بنو عذرة - بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة - قبيلة كبيرة من قضاعة، ينسبون إلى عذرة بن سعد، وكانوا معروفين بشدَّة العشق، وغلبة الهوى.

(القلقشندي: قلائد الجمان: 49، ابن حجر: فتح: 8/74) .

3 الأولاج: جمع ولجة، وهي معطف الوادي. (القاموس: ولج) .

4 النعم: الإبل.

5 أخرجه ابن سعد (طبقات: 2/88) عن شيوخه.

6 فيفاء مدان: الفيف: المفازة التي لا ماء فيها من الاستواء والسعة، فإذا أُنِّث فهي الفيفاء. والمدان: وادٍ في بلاد قضاعة بناحية حرة الرجلاء يسيل مشرقاً من الحرَّة.

(الحموي: معجم البلدان: 4/285، 5/74) .

انطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش، قال أبو زيد، وحبان، لأنيف ابن ملّة: كُفَّ عنا وانصرِف فإنَّا نخشى لسانك، فوقف عنهما، فلم يَبْعُدا منه حتى جعلت فرسه تبحث بيديها وتوثب، فقال: لأنا أضنّ بالرجلين منك بالفرسين، فأرخى لها حتى أدركهما، فقالا له: أما إذا فعلت ما فعلت فكُفَّ عنَّا لسانك، ولا تشأمنا اليوم، فتواصوا ألاّ يتكلَّم منهم إلاَّ حبَّان بن ملّة، وكانت بينهم كلمة في الجاهلية قد عرفها بعضهم من بعض، إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: بُورِي أو ثُورِي؛ فلمَّا برزوا على الجيش، أقبل القوم يبتدرونهم، فقال لهم حبان: إنَّا قومٌ مُسلمون، وكان أوَّل مَن لقيهم رجل على فرسٍ أدهم، فأقبل يسوقهم، فقال أُنيف: بُوري، فقال حبَّان: مَهْلاً، فلمَّا وقفوا على زيد بن حارثة قال حبان: إنَّا قومٌ مسلمون، فقال له زيد: فاقرءوا أُمّ الكتاب، فقرأها حبَّان، فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجَيْش أنَّ الله قد حرَّم علينا ثُغْرَة1 القوم التي جاءوا منها إلاَّ مَن خَتَر2. وإذا أخت حبان بن ملَّة، وهي امرأة أبي وَبْر بن عدي ابن أُميَّة ابن الضبيب في الأُسارى، فقال له زيد: خُذْها، وأخَذَت بحقويه3، فقالت أُم الفِزر الضُّلعية: أتنطلقون ببناتكم وتَذَرون

__________

1 ثغرة القوم: ناحيتهم التي يحمونها.

2 خَتَرَ: نقضَ العهد.

3 بحقويه: بخصريه.

أُمَّهاتكم؟ فقال أحد بني الخصيب: إنَّها بنو الضبيب وسحر ألسنتهم سائرَ اليوم، فسمعها بعض الجيش، فأخبر بها زيد بن حارثة، فأمر بأُخت حبَّان ففُكَّت يداها من حِقْوَيه، وقال لها: اجلسي مع بنات عمك حتَّى يحكم الله فيكُنَّ حُكْمَه، فرجعوا، ونَهَى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه، فأمسوا في أهليهم، واستعتموا ذوداً1 لسويد بن زيد، فلمَّا شربوا عتمتهم2، ركبوا إلى رفاعة بن زيد، وكان مِمَّن ركب إلى رفاعة بن زيد تلك الليلة: أبو زيد بن عمرو، وأبو شماس بن عمرو، وسويد بن زيد، وبعجة بن زيد، وبرذع بن زيد، وثعلبة ابن زيد، ومُخْرَبة بن عدي، وأُنَيْف بن ملَّة، وحبان بن ملة، حتَّى صبَّحوا رفاعة بن زيد بكراع رَبة3، بظهر الحرَّة، على بئر هنالك من حرَّة ليلى4؛ فقال له حبَّان بن ملَّة: إنَّك لجالس

__________

1 الذود: ما بين الثلاث إلى العشرمن الإبل. واستمتعواذوداً: انتظروه إلىعتمة من الليل.

2 عتمتهم: لبنهم الذي انتظروه إلى ذلك الوقت.

3 كراع ربة - بالراء وتشديد الباء - بلفظ ربَّة البيت أو ربَّة المال، أي صاحبته، في ديار جذام. والكراع هو: الجانب المستطيل من الحرَّة.

(انظر: الحموي: معجم: 4/443، وابن الأثير: نهاية: 4/15) .

4 حرَّة ليلى: لبني مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، يطؤها الحاج في طريقهم إلى المدينة. وعن بعضهم: أنَّ حرَّة ليلى من وراء وادي القرى من جهة المدينة فيها نخل وعيون.

قلت: قد تكون هي نفسها التي لبني مرّة، لأنَّ ديارهم تقع في نفس المنطقة. قال البلادي: تُعْرَف اليوم بحرَّة خيبر، وحرَّة هتيم، ومنها حرَّة أو اثنان في نهايتها الشمالية الشرقية، وهي تسايرك إذا تجاوزت خيبر على يمينك حتى تصير في الجناب (الجهراء اليوم) .

(ياقوت: معجم البلدان: 2/247-248، والسمهودي: وفاء الوفاء:2/288، والبلادي: معجم: 97) .

تحلب المعزى ونساء جذام أُسارى قد غَرَّها كتابك الذي جئت به، فدعا رفاعة بن زيد بجملٍ له، فجعل يَشُدّ عليه رحله وهو يقول:

هل أنت حي أو تنادي حيّا

ثُمَّ غدا وهم معه، مبكرين من ظهر الحرَّة، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال؛ فلمَّا دخلوا المدينة، وانتهوا إلى المسجد، نظر إليهم رجلٌ من الناس، فقال: لا تنيخوا إبلكم، فتُقَطَّع أيديهنَّ، فنزلوا عنهنَّ وهُنَّ قيام؛ فلمَّا دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم ألاح1 إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس؛ فلمَّا استفتح رفاعة بن زيد المَنْطِق، قام رجلٌ من الناس فقال: يا رسول الله، إنَّ هؤلاء قوم سحرة، فردَّدَها مرَّتين، فقال رفاعة بن زيد: رحم الله مَن لم يحذُنا2 في يومه هذا إلاَّ خيراً، ثُمَّ دفع رفاعة بن زيد

__________

1 ألاح: أشار.

2 لم يحذنا: لم يُعطِنا. وتُرْوَى: (لم يجدنا) : لم ينفعنا.

كتابَه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان كتبه له. فقال: دونك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأه يا غلام، وأعْلِنْ؛ فلمَّا قرأ كتابه استخبره، فأخبروهم الخبر، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع بالقتلى؟ - ثلاث مرَّات -. فقال رفاعة: أنت يا رسول الله أعلم، لا نحرِّم عليك حلالاً، ولا نُحَلّل لك حراماً، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلِق لنا يا رسول الله مَنْ كان حيّاً، ومَا قُتِلَ فهو تحت قَدَمي هذه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق أبو زيد، اركب معهم يا عليّ. فقال له عليٌّ - رضي الله عنه: إنَّ زيداً لن يُطِيعني يا رسول الله، قال: فخُذ سيفي هذا، فأعطاه سيفه. فقال عليٌّ: ليس لي يا رسول الله راحلة أركبها، فحملوه على بعير لثعلبة بن عمرو، يُقال له مِكْحَال، فخرجوا، فإذا رسولٌ لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وبر، يُقال لها الشمر، فأنزلوه عنها، فقال: يا عليّ! ما شأني؟ فقال: ما لهم عرفوه فأخذوه، ثُمَّ ساروا فلقوا الجيش بفيفاء الفحلتين"1.

فقال علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - لزيد بن حارثة:

[19] "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تردَّ على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسير أو سبي أو مال. فقال زيد: علامة من رسول الله! قال علي: هذا! فعرف زيد السيف، فنَزل فصاح بالنَّاس، فاجتمعوا

__________

1 من رواية ابن إسحاق عند ابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

فقال: مَن كان بيده شيء من سبي أو مال فليرده، فهذا رسول رسول الله، فردَّ إلى النَّاس كُلَّ ما أُخِذَ منهم، حتَّى إن كانوا ليأخذون المرأة من تحت فخذ الرجل"1.

__________

1 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [12] .

,

المطلب الرابع: سير الأحداث

:

قبل معركة مؤتة الشهيرة، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حِبَّه ومولاه زيد ابن حارثة - رضي الله تعالى عنه - إلى منطقة مَدْيَن، وبالتحديد إلى بلدة مقنا على ساحل البحر الأحمر، في سرية لم تذكر الروايات قوَّتها".

واستطاع زيد - رضي الله تعالى عنه - التوغُّل في تلك المنطقة البعيدة عن قاعدة المسلمين، ومناطق نفوذهم، ونجح - رضي الله تعالى عنه - في الإغارة عليهم:

[7] "فأصاب منهم سبايا، منهم ضميرة"1 وأخوه، وأُمُّه، وأبوه، فجاء بهم زيد - رضي الله تعالى عنه - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

[8] "فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعهم، فخرج إليهم وهم يبكون، فقال لهم: "مِمَّ تبكون؟ قالوا: "فرّقنا بينهم وهم إخوة". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفرِّقوا بينهم، بيعوهم جميعاً"2. كما

[9] "أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مرَّ بأُمّ ضميرة وهي تبكي، فقال: "ما يبكيكِ؟ قالت: "يُفَرَّق بيني وبين ابني". فقال: "لا يُفَرَّق بين الوالدة وولدها، ثُمَّ أرسل إلى الذي ضُمَيرة عنده فدعاه فابتاعه منه ببكر"3.

[10] "فوهبه بعد ذلك لعلي، قال: "فكان خازناً له، قال: "وولد له"4.

__________

1 من رواية ابن إسحاق عند سعيد بن منصور، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

2 من رواية ابن إسحاق عند سعيد بن منصور، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

3 من رواية البخاري في التاريخ، وقد سبق تخريجها برقم [6] .

4 من رواية عبد الرَّزَّاق في المصنَّف، وقد سبق تخريجها برقم [5] .

هذا وقد أخرج ابن سعد، وابن منده، والبغوي حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة حول:

[11] "الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضميرة، وفيه: "أنَّهم كانوا أهل بيت من العرب، وكان مِمَّن أفاء الله على رسوله (فأعتقهم) 1، ثُمَّ خيَّر أبا ضميرة إن أحب أن يلحق بقومه فقد أمَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّ أحبَّ أن يمكث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون مع أهل بيته، فاختار أبو ضميرة الله ورسوله، ودخل في الإسلام، فلا يعرض لهم أحد إلاَّ بخير، ومَن لقيهم من المسلمين، فليستوصِ بهم خيراً، وكتب2 أُبَيُّ بن كعب"3".

__________

1 في الإصابة: فاعتذر، وهو تصحيف، وما أثبته مناسب للسياق.

2 في الإصابة: وكتب (إلى) أُبَي بن كعب، وهي زائدة.

3 عزاه ابن حجر (إصابة 2/214) إلى ابن سعد، وابن منده، والبغوي، وقال: ((أخرجه ابن منده من طريق ورَّاد، قال ابن أبي ذئب: أقرأني حسين كتاباً فيه: مِن مُحَمَّد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعتقهم. قلت: وللحديث شاهد عند ابن إسحاق بسندٍ منقطعٍ، وقد تابع ابن أبي ذئب أيضاً إسماعيل بن أبي أويس، أخرجه محمَّد بن سعد، وأورده البغوي عنه عن إسماعيل بن أبي أويس، أخبرني حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة، أنَّ الكتاب الذي كتب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ضميرة فذكره كما تقدَّم".

قلت: الحديث مداره على الحسين بن عبد الله بن ضميرة، وهو ضعيف، متروك الحديث، كما تقدَّم. والله تعالى أعلم.

,

المبحث الثالث: سرية كعب بن عمير الغفاري رضي الله عنه إلى أطلاح

,

المطلب الأول: التعريف بذات أطلاح

...

المطلب الأوَّل: التعريف بذات أطلاح:

قال ياقوت: "أطلاح - بالحاء المهملة - موضع من وراء ذات القرى إلى المدينة1".

وقال البكري: "من أرض الشام2".

وقال ابن سعد: "وهي وراء وادي القرى3".

وقال الواقدي: "ذات أطلاح من أرض الشام4".

وذكر موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأبي الأسود، عن عروة

قالا: "ذات أطلاح من البلقاء5".

وأخرج البيهقي، عن موسى بن عقبة، وعن ابن شهاب، وعن عروة قالوا: "ذات أباطح من البلقاء6".

قال البلادي - تعليقاً على قولهم: "ذات أطلاح من أرض الشام": "كذا قال: "من أرض الشام"، وكان الأقدمون يرحمهم الله يلجأون إلى مثل هذا التحديد الواسع إذا غُمَّ عليهم المكان، وكانت أرض الشام عندهم ما تجاوز تيماء شمالاً، - أي على بعد نيِّف وستمائة - كيل شمال

__________

1 معجم البلدان 1/218.

2 معجم ما استعجم 3/893.

3 طبقات 2/127.

4 مغازي 2/752.

5 انظر: ابن حجر: إصابة 3/301.

6 الدلائل 5/462 – 464.

المدينة، وهي باتِّفاق الجغرافيين من أرض الحجاز لا من أرض الشام حيث عدَّ بعضهم معان من الحجاز، ولم أجد من يعرف ذات أطلاح اليوم1".

قلت: "كأنَّ البلادي لم يطَّلِع على رواية عروة، والزهري، موسى بن عقبة عند البيهقي، وعند ابن حجر، حيث حددوا مكانها بالبلقاء، والبلقاء كما هو معروف عند الجغرافيين والبلدانيين، ومنهم البلادي نفسه2، أنَّها من أرض الشام".

قال أحمد عادل كمال: "ذات أطلاح موقع بأطراف الشام من وراء وادي القرى لم نستطع تحديد مكانه بدقَّة على الخريطة، غير أنه بلا ريب كان في نواحي مؤتة كما يُفْهَم من الأحداث3".

قلت: "وهو كذلك، حيث ذكر بعض المؤرخين أنَّ هذه السرية كانت من الأسباب المباشرة لغزوة مؤتة، ورُبَّما كان المكان الذي التقى به أصحاب السرية بجمع قضاعة، وكانت عنده تلك الملحمة التي راح ضحيتها أولئك الدُّعاة الأبرار، أقول ربَّما كان المكان غير مأهول قديماً، أو رُبَّما تغيَّر اسمه مع الزمن، فأصبح لا يُعْرَف بالاسم القديم". والله تعالى أعلم.

__________

1 معجم 31.

2 يقول البلادي في (المعجم 49) : البلقاء، إقليم من أرض الشام في المملكة الأردنية الهاشمية، وهو الإقليم الذي تتوسطه مدينة عمان عاصمة الأردن، ومن أشهر مدن هذا الإقليم: عمان، والسَّلْط ومادبا والزرقاء والرصيفة، يتَّصِل به في الجنوب إقليم الشراة الذي قاعدته معان، وفي الشمال إقليم حوران.

3 الطريق إلى دمشق 144.

,

المطلب الرابع: سير الأحداث

:

[1] "في شهر ربيع الأوَّل سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم"1".

[2] "بعث النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري2، نحو ذات أطلاح من البلقاء"3 في بعثة دعوية، مكونة من:

[3] "خمسة عشر رجلاً، حتَّى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً"4".

[4] "وكانوا من قضاعة5، ورأسهم رجل يُقال له: "سدوس"6.

__________

1 من رواية ابن سعد (طبقات 2/127) عن شيخه الواقدي بسنده عن الزهري.

2 كعب بن عمير الغفاري. قال أبو عمر: من كبار الصحابة، بعثه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّة بعد مرَّة أميراً على السرايا. وذكر ابن إسحاق أنه أُصيب هو وأصحابه في سريته إلى ذات أطلاح. وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة.

(انظر: ابن عبد البر: استيعاب، هامش الإصابة3/292،وابن حجر: إصابة 3/301) .

3 من رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأبي الأسود عن عروة.

(انظر: ابن حجر، الإصابة 3/301) .

4 من رواية ابن سعد عن الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

5 قُضَاعة - بضم القاف وفتح الضاد المعجمة - قال الجوهري: هو قضاعة بن مالك ابن حمير، هذا هو المشهور في نسبه أنه من قحطان، وعليه جرى ابن الكلبي، وابن إسحاق، وغيرهما. وذهب بعض النَّسَّابين إلى أنَّ قُضَاعة من عدنان دون قحطان، وقال: هو قُضَاعة بن معد بن عدنان. قال ابن عبد البر: وعليه الأكثرون. وقُضَاعة قبيلة كبيرة البطون المشهورة من قبائل العرب. (القلقشندي: قلائد الجمان41-42) .

6 من رواية الواقدي عند الطبري (تاريخ 3/29) .

[5] "فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبال"1 استفزازاً لهم، واستدراجاً للقتال غير المتكافئ بين الطرفين، نظراً لكثرة القضاعيين، واستعدادهم المبكر2".

ولكن الصحابة - رضي الله عنهم - اضطروا في النهاية للدِّفاع عن أنفسهم، فقاتلوا قتالاً شديداً مريراً، ولكن كثرة القضاعيين لم تتح لهم الفرصة في قتالٍ متكافئٍ فسقطوا شهداء على أرض ذات الطلح بعد أن سطَّروا بدمائهم الزكية ملحمة جهادية رائعة".

[6] "وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلمَّا برد عليه الليل تحامل3 حتَّى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فشقَّ ذلك عليه، وهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنَّهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم4".

__________

1 من رواية الواقدي (مغازي 2/753) بسنده عن الزهري.

2 يذكر الواقدي في رواية أخرى، أنه حينما دنا كعب وأصحابُه من القوم، رآهم عيناً لهم، فأخبرهم بقلَّة أصحاب النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فجاءوا على الخيول فقاتلوهم (مغازي 2/753) .

3 تحامل: تكلَّف ما لا يطيق. (القاموس: حمل) .

4 من رواية ابن سعد عن الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [1] .

,

المطلب الخامس: الدروس المستفادة

:

لقد كشفت هذه السرية عمَّا تخبئه الوثنية مِن غِلٍّ وحقدٍ دفينٍ على الإسلام وأهله، غِلّ عصف بكُلِّ المبادئ، وحقد ألغى القِيَم الإنسانية.

فهؤلاء قوم هداة جاءوا لنشر الخير والسلام بين مَن قتلوهم، فكان جزاؤهم الغدر بهم، وقتلهم جميعاً بلا هوادة ولا رحمة.

وقد يقول القائل: "إذا كان الأمر كذلك، فلِمَ لمَ يتوقَّف النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن دعوة الأعراب إلى الإسلام، طالما أنَّهم لا يحترمون القيم والمبادئ، ولا يمكن الوثوق بهم؟ ".

قلنا: "الدعوة إلى الله لا يمكن أن تقف في أرضٍ ما، أو تتعثر بسبب

ما يعترض طريقها من بعض الحوادث التي تعيق تقدمها".

وهناك حقيقة يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا، وهي أنَّ طريق الدعوة

إلى الله تعالى منذ بدأت حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، لم يكن في يومٍ من الأيام مفروشاً بالورود، فكان لابدَّ من تقديم التضحيات في طريقها الطويل الشاق".

وقد وضَّح النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - حاثّاً إياهم على الصبر والتحمُّل، وتقديم التضحيات، وذلك منذ فترة مبكرة جداً، وبالتحديد في مكة حينما أثقلت قريش من وطئتها على المسلمين المستضعفين في مكة، فجاءوا يستنجدون بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم".

يقول خبَّاب بن الأرت - رضي الله تعالى عنه: "أتيت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بردَةً وهو في ظِلّ الكعبة - وقد لقينا من المشركين شِدَّة - فقلت:

يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ فقعد وهو محمَّرٌ وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاطِ الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق اثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمَّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلاَّ الله"1.

وقد عرف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فيما بعد هذا الأمر، وفقهوه جيداً، لذلك نجدهم كانوا يتسابقون للانخراط في البعثات الدعوية كما في الرجيع، وبئر معونة، وغيرها من البعثات والسرايا النبوية التي كانت أهدافها جميعاً نشر الدعوة إلى الله - عزَّ وجلَّ، وذلك دون خوف أو وجل من العواقب التي كانوا يتوقعونها، بل كانوا يتحرَّقون لملاقاتها باندفاعٍ أدهش الأعداء قبل الأصدقاء، مِمَّا كان له أكبر الأثر في نجاح مسيرة الدَّعوة وانتشارها بسرعةٍ مذهلة فاقت كُلّ التوقعات، وصدق الله القائل في مُحْكَمِ كتابه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون} . [سورة الصّف، الآية: 9] .

__________

1 أخرجه البخاري (انظر: فتح الباري 7/165) .

وهكذا فقد بيَّنت هذه السرية مقدار ضخامة التضحيات الجِسَام التي كان يُقَدِّمها سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم، في سبيل نشر الدعوة إلى الله - عزَّ وجلَّ، تلك التضحيات العظيمة تكرَّرت في أكثر من مناسبة، وعلى أكثر من موقع، فبالأمس فقدت الدَّعوة فرساناً لها أبراراً في الرجيع، وبئر معونة، واليوم في ذات أطلاح، وغداً في مكانٍ آخر".. وهكذا دواليك دون أن تتوقَّف الدَّعوة، إذ لابدَّ من تبليغ الدَّعوة إلى الله - عزَّ وجلَّ - مهما كانت التضحيات".

والله تعالى أعلم".

قال: بلى، ولكني استكثرته. قلت: لتردَّنه عليه، أو لأُعَرِّفَنَّكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يردَّ عليه"1.

وهكذا استطاع خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، بتوفيقٍ من الله، ثُمَّ بحنكته وتدبيره، أن يحتفظ بتوازن المعركة حتى الليل.

[71] "ثُمَّ أصبح غازياً، قد جعل مقدّمته ساقه، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فأنكروا ما جاء به من خلاف ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا: قد جاءهم مدد"2.

فرعبوا، ولسان حالهم يقول: "إذا كان المسلمون على قلَّتهم، قد فعلوا ما فعلوا بالأمس، فكيف وهم اليوم قد جاءهم المدد، وازداد العدد؟!.

لقد أحجم الروم عن الهجوم، وكذلك لم يهاجمهم خالد، فقد كان يريد أن يخرج من المعركة غير المتكافئة بجيشه سليماً، ويُرْعِب العدوَّ حتى لا يلاحقه في تراجعه، فلمَّا اطمأنَّ إلى نجاح خطته تراجع بقوَّاتِه، وبَعُدَ بها حتَّى صارت في مأمنٍ"3.

وهكذا:

[72] "انحاز الفريقان كُلٌّ عن كُلٍّ قافلاً عن غير هزيمة، فقفل المسلمون على طريقهم التي أبدوا منها، حتَّى مرُّوا بتلك القرية،

__________

1 من رواية عوف بن مالك الأشجعي، وقد سبق تخريجها برقم [60] .

2 أخرجه ابن عساكر: تاريخ (المجلد الأول ص 397) من رواية ابن عائذ بسندٍ صحيحٍ إلى العطَّاف بن خالد، لكنَّه منقطع.

3 الشريف: مكة والمدينة 537.

والحصن الذي كانوا شدوا على ساقهم، وقتلوا رجلاً منهم، فحاصروهم في حصنهم حتى فتحه الله عليهم عنوة، فقتل خالد مقاتلتهم في نقيعٍ1 إلى جانب حصنهم صبراً فيها، فَسُمِّى ذلك النقيع، نقيع الدم إلى اليوم، وهدموا حصناً هدماً لم يعمر بعده إلىاليوم"2. ثُمَّ رجع خالد رضي الله تعالى عنه بالمسلمين سالمين إلى المدينة.

وبذلك استطاع سيف الله بث الرُّعب في قلوب حلفاء الروم، وأعوانهم من العرب المتنصِّرة، الذين يمرّ المسلمون في طريق عودتهم عبر أراضيهم، فلم تذكر الروايات أنَّهم تعرَّضوا للمسلمين بأي أذى كما فعلوا بالأمس.

__________

1 النَّقيع: البئر الكثيرة الماء. (القاموس: نقيع) .

2 من رواية محمَّد بن عائذ، عن رجلٍ من بني سلامان. وقد سبق تخريجها برقم [4] .



كلمات دليلية: