سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الأكيدر

 سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الأكيدر


الفصل الثاني: سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الأكيدر

,

المبحث الأول: تاريخ السرية

...

المبحث الأوّل: تاريخ السّرية:

ذكرها عروة بن الزبير بعد غزوة تبوك قائلاً:

[1] "ولمّا توجَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً إلى المدينة بعَثَ خالد بن الوليد ... " الخ1.

وذكر عروة في نهاية روايته أنّه لمّا سمع عظيم أيلة2 يحنة بن رؤبة بقضية أكيدر دومة، أقبل قادماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحه، فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك3.

[2] بينما خالفه ابن إسحاق فذكر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعَثَ إلى أكيدر، حينما انتهى إلى تبوك، وبعد مجيء صاحب إيلة، وأهل جربا، وأذرح4

__________

1 أخرجه البيهقي (دلائل 5/252) ، مطوّلاً من حديث ابن لهيعة عن الأسود عن عروة، وهو مرسل.

2 بالفتح، مدينة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) مِمّا يلي الشام، وقد ذكر أبو زيد أنّها هي مدينة اليهود الذين حرّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فخالفوا فمُسِخُوا قردة وخنازير. وتقع إيلة على خليج العقبة، وهي مقسومة اليوم بين الأردن، ويُسَمّى الجزء فيه بمدينة العقبة. أمّا الجزء الآخر فيقع في إسرائيل ويُسَمَّى بمدينة إيلات. (ياقوت: معجم1/292) .

3 سبق تخريجها برقم: [1] .

4 أذرح - بالفتح ثُمّ السكون وضم الراء، وهو جمع ذريح، وهو اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة، ثُمّ من نواحي البلقاء وعمّان، مجاورة للحجاز، وجربا، كأنّه الأجرب موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام قُرب جبال السراة من ناحية الحجاز، وهي قريبة من أذرح وبينهما كان أمر الحكمين بين عمرو ابن العاص، وأبي موسى الأشعري، وهما اليوم قريتان في المملكة الأردنية، تقعان شمال غربي مدينة معان على قرابة 22 كيلا. انظر: (ياقوت: معجم 1/128، 2/118، البلادي: معجم المعالم الجغرافية 81) .

ودفعهم الجزية1.

[3] أمّا الواقدي، وابن سعد، فقد أرّخا لها في رجب سنة تسع، وذكراها في سياق خبر غزوة تبوك2.

[4] وذكرها خليفة بعد غزوة تبوك في حوادث السنة التاسعة3.

قلت: ولا تعارض بين ما ذكره عروة، وابن إسحاق، فإنّ المدّة التي تفصل بين القولين ليست بالطويلة، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يلق حرباً في تبوك، فرُبمّا أرسل إلى الأكيدر بعد وصوله إليها، وتأكُّده أن ليس ثَمَّ عدوّاً فيها يحاربه. والله تعالى أعلم.

__________

1 ذكره ابن هشام (سيرة 4/525-526) ، عن ابن إسحاق الذي رواه معضلاً بلا سند.

2 الواقدي: (مغازي 3/1025، وابن سعد (الطبقات 2/166) .

3 خليفة بن خياط (التاريخ 92) .

المبحث الثّاني: قُوَّة السّريّة، وقَائدُها:

اتّفق عروة بن الزبير، والواقدي، وابن سعد - وهم الذين ذكروا قوة السريّة - على أنّها كانت بقوّة أربعمائة وعشرين فارساً1.

بينما لم يذكر ابن إسحاق في روايته شيئاً عن قوّة السرية. وقد اتّفق الجميع أنّ القيادة المطلقة لهذه السرية كانت بيد خالد بن الوليد رضي الله عنه 2.

ولكن البيهقي ذكر في رواية من طريق يونس بن بكير، عن سعد بن أوس القيسي، عن بلال بن يحيى العبسي قال:

[5] "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبعث خالد بن الوليد رضي الله عنه على الأعراب معه"3.

__________

1 انظر: (البيهقي: دلائل 5/252، الواقدي: مغازي 3/1025، ابن سعد: الطبقات 2/166) .

2 المصدر السّابق، و (ابن هشام: سيرة 4/96) .

3 أخرجه البيهقي (دلائل 5/253) ، ورواه ابن حجر في زيادات المغازي، كما ذكر في الإصابة (1/125) ، وسنده حسن لكنه منقطع. وقد ذكر السيوطي في الخصائص (2/114) ، أنّ ابن منده أخرجه في الصحابة من طريق بلال بن يحيى، عن حذيفة موصولاً.

قلت: وقد ثبت سماع بلال من حذيفة رضي الله عنه كما في التهذيب (1/317) ، فيكون الحديث بذلك حسناً إن شاء الله تعالى. ولكن ذكر أبي بكر فيها غريب جداً. لا يعرف إلاّ من هذا الوجه، كما قال الشامي. والله تعالى أعلم.

وهذه الرواية شاذّة عمّا ذكر أهل المغازي من قيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه المطلقة للسريّة.

قال الشامي: "وَذِكْرُ أبي بكر في هذه السريّة غريبٌ جداً، لم يتعرّض له أحد من أئمة المغازي التي وقفت عليها. فالله أعلم"1.

هذا وقد تردّدت أسماء بعض المشاركين في أحداث السريّة من الصّحابة - رضي الله عنهم - في ثنايا الرّوايات التي نقلت أخبار السّرية، وهم: أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وعمرو بن أميّة الضمري رضي الله عنه، وكعب بن عجرة رضي الله عنه، وواثلة بن الأسقع الليثي رضي الله عنه، وبلال بن الحارث المزني رضي الله عنه، وبجير بن بجرة الطّائي رضي الله عنه، وعبد الله بن عمرو المزني رضي الله عنه 2.

__________

1 سبل الهدى 6/342.

2 وردت معظم هذه الأسماء في رواية الواقدي.

,

المبحث الثالث: سير الأحداث

:

وعندما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك على رأس جيش العسرة، فلم يلق كيداً، وكعادته - عليه السلام - في حربه مع أعدائه، أراد أن يستثمر حملته تلك التي نجحت في بث الرعب في نفوس الروم وحلفائهم من العرب المتنصرة، وذلك لإخضاع المنطقة ومن فيها من القبائل العربيّة، والدويلات الموالية للروم التي باتت تشكل حرباً وتهديداً للمسلمين بتحالفها السياسي والعسكري مع البيزنطيين، الذي أثمر بوقوفهم جنباً إلى جنب ضد المسلمين في مؤتة.

لذلك جهّز النّبيّ صلى الله عليه وسلم جيشاً من الفرسان، أسند قيادته لفارسٍ مغوارٍ حقّق لتوه نجاحاً منقطع النظير في معركة مؤتة التي دارت أحداثها في محيط المنطقة، ومع نفس العدوّ.

ذلكم هو سيف الله المسلول، خالد بن الوليد رضي الله عنه، وصدرت الأوامر النّبويّة العليا لقائد الجيش بأن يتوجّه تلقاء دومة الجندل1.تلك الدويلة الصّغيرة التي كانت تتمتّع باستقلال ذاتي بوسط بلاد كلب، ويملكها الأكيدر بن عبد الملك الكندي الذي كان نصرانياً يدين بالولاء للدولة البيزنطية.

__________

1 سبق التعريف بها.

[6] "قال خالد: يا رسول الله! كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابة1 من المسلمين"2.

[7] "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد حتى إذاكان من حصنه منظر العين في ليلةٍ مقمرةٍ صافيةٍ"3.

__________

1 عصابة: جماعة ليست بالكثيرة العدد.

2 من مرسل عروة، وقد سبق تخريجه برقم [1] .

3 أخرخه البيهقي (دلائل5/250) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، حدّثنا يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر.

قال السندي: (مرويات غزوة تبوك 242) : "هذا الإسناد حسن، مع إرساله. وقد صرّح فيه محمّد بن إسحاق بالسماع من شيخيه".

قلت: وقد أخرجه ابن منده من طريق ابن إسحاق به نحوه، وقال: هذا مرسل، وقد وقع لنا مسنداً. ثم أخرج من طريق أبي المعارك الشماخ بن معارك بن مرة بن صخر ابن بجير بن بجرة الطائي، حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبيه بجير بن بجرة، قال: "كنت في جيش خالد بن الوليد حين بعثه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى أكيدر ملك دومة الجندل ... ". ثُمّ ذكره نحوه.

ذكر ذلك ابن حجر (إصابة1/138) ، وقال: "وأخرجه ابن السكن، وأبو نعيم، من هذا الوجه، وأبو المعارك وآباؤه لا ذكر لهم في كتب الرجال.

قلت: وذكره أيضاً السيوطي في الخصائص (2/113) ، وعزاه إلى أبي نعيم، وابن منده، وابن السكن.

والحديث رواه ابن إسحاق في مكان آخر موصولاً لكن مختصراً. قال الحافظ في الإصابة (1/413) في ترجمة خالد بن الوليد ومن طريق ابن إسحاق، عن عاصم،

.......................................................................................................

__________

عن أنس. وعن عمرو بن أبي سلمة: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث خالداً إلى أكيدر دومة، فأخذوه فأتوا به، فحقن له دمه وصالحه على الجزية".

قال عبد القادر حبيب الله السندي في (مرويات غزوة تبوك 241-242) : "وهذا الطريق من أجود الطرق في المغازي، وقد ثبت سماع عاصم المذكور عن أنس بن مالك، كما قال الحافظ في التقريب، وبقي شيء واحد وهو أنّ ابن إسحاق لم يصرّح عن شيخه عاصم المذكور، ولو صرّح لكان هذا الإسناد حسناً. وأمّا طريق عمرو بن أبي سلمة فلا علم لي بها. لأنّ الطريق لم يذكره الحافظ كاملاً. وأمّا عمرو ابن أبي سلمة، فهو عمرو بن أبي سلمة التنيسي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة 213هـ أو بعدها.

قلت: أمّا قوله: "إنّ ابن إسحاق لم يُصرّح بالسماع عن شيخه عاصم، فقد صرّح بالسماع منه في المغازي، وذلك في تكملة الحديث حيث قال: "فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك قال: "رأيت قباء أكيدر حيث قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجّبون منه ... ". وذكر الحديث. (ابن هشام: سيرة 4/232) .

وهذا السند متصل، صرّح فيه ابن إسحاق بالسماع وهو حسن إن شاء الله تعالى.

وأمّا قوله: "وأمّا طريق عمرو بن أبي سلمة فلا علم لي بها ... " الخ. فقد وقع تصحيف في اسم الراوي الذي روى عنه عاصم، كما وقع في الإصابة، فهو ليس (عمرو بن أبي سلمة) بل (عثمان بن أبي سليمان) كما وقع صحيحاً عن أبي داود (كتاب الخراج، باب في أخذ الجزية، حديث 3021) الذي روى بسنده من طريق ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس بن مالك، وعنه عثمان بن أبي سليمان به نحوه، وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، وقال عنه الألباني: (صحيح سنن أبي داود2/589) : "حسن". وقال المزي: "الحديث أخرجه أبو داود متصلاً من طريق عاصم بن عمر، عن أنس، ومرسلاً من طريق عاصم، عن عثمان. (انظر: عون المعبود 8/286) .

قلت: وهذا هو الأصوب، فعاصم بن عمر من الرابعة، فكيف يروي عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي، وهو من كبار العاشرة؟! وتلك قرينة على وقوع التصحيف في اسم مَن روى عنه عاصم، وكتاب الإصابة المطبوع تكثر فيه التصحيفات والتحريفات من فعل النُّسَّاخ. والله تعالى أعلم.

يرسل الله - تبارك وتعالى - البقر إلى حصن الأكيدر لتخرجه من بين أهله وقومه، وعزه ومنعته، إلى خالد وأصحابه، لتتحقّق المعجزة النّبويّة، ويتحقق صدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

[8] "فبينما خالد وأصحابه في منْزلهم ليلاً، إذ أقبلت البقر حتّى جعلت تحتك1 بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنى في حصنه بين امرأتيه، فاطّلعت إحدى امرأتيه2 فرأت البقر تحتك بالباب والحائط، فقالت امرأته: لم أر كالليلة في اللحم. قال: وما ذاك؟ فقالت: هذه البقر تحتك بالباب والحائط"3.

[9] "هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد. فنَزل فأمرَ بفرسه فأُسْرِجَ له وركب معه نفرٌ

__________

1 احتك به، وحكّ نفسه عليه.

2 ذكر الواقدي (مغازي 3/1025) أنّ اسمها الرباب بنت أنيف بن عامر بن كندة.

3 من مرسل عروة. وقد سبق تخريجها برقم: [1] .

من أهل بيته فيهم أخٌ له، يُقال له: حسَّان، فخرجوا بمطاردهم"12.

ليصيد البقر الذي جاء بنفسه إليهم هذه الليلة خلاف العادة، ولم يَدُر بخَلَد الأكيدر وامرأته، ومَن ركب معه من أهله أنّ ذلك قدراً إلهياً، وأمراً عُلويّاً، ومُعجزة نبويّة أكرم الله بها نبيّه صلى الله عليه وسلم، وأمدّه بها تأييداً له وتمكيناً على أعدائه.

[10] "فلمّا فصلوا من الحصن، وخيل خالد تنظرهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرّك"3. فلمّا التقوا:

[11] "شدّت عليهم خيل خالد بن الوليد، فاستأسر أكيدر وامتنع أخوه حسان، وقاتل حتّى قُتِلَ وهرب مَن كان معهما، فدخل الحصن"4.

[12] "وقال خالد لأكيدر: أرأيتك إن أجرتك تفتح لي دومة؟ قال: نعم. فانطلق حتّى دنا منها"5. "ونادى أكيدر أهله: افتحوا

__________

1 جمع مطرد، وهو رمح قصير يُطعَن به. وقيل: يطرد به الوحش. (اللسان 4/257) .

2 من رواية ابن إسحاق عن شيخيه، يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر. وقد سبق تخريجها.

3 من رواية الواقدي (مغازي 3/1026) .

4 من رواية ابن سعد (طبقات 2/166) ، عن شيوخه.

5 من رواية عروة، وقد سبق تخريجها برقم: [1] .

باب الحصن. فرأوا ذلك، فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر"1.

[13] "فلمّا رأى ذلك قال خالد: "أيها الرجل! خلّني فلك الله لأفتحنّها لك، إنّ أخي لا يفتحها لي ما علم أنّي في وثاقك. فأرسله خالد، ففتحها له، فلمّا دخل أوثق أخاه وفتحها لخالد. ثُمَّ قال: اصنع ما شئت. فدخل خالد وأصحابه، فذكر خالد رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أمره، فقال له أكيدر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلاّ البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمّر لها2، إذا أردت أخذها فأركب لها اليوم واليومين، ولكن هذا القَدَر. ثُمَّ قال: يا خالد! إن شئت حكَّمتك، وإن شئت حكّمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت! فأعطاهم ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح"3. "ثُمَّ إنّ خالداً قدم بالأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله، فرجع إلى قريته" 4. ثُمّ

[14] "إنّ أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلّة حرير"5.

__________

1 من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم: [3] .

2 ضمّر الخيل تضميراً، علّفها القوت بعد السّمَن. (القاموس: الضمر) .

3 من رواية عروة. وقد سبق تخريجها برقم: [1] .

4 من رواية ابن إسحاق عن شيخيه. وقد سبق تخريجها برقم: [7] .

5 أخرجه مسلم (الصحيح5/69) ، من رواية قتادة عن أنس رضي الله عنه.

[15] "فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها. فقال: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة، خير منها وألين"1.

__________

1 أخرجه مسلم (الصحيح 5/68) ، من رواية أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنه. هذا وقد ذكر أهل المغازي أنّ ذلك كان قُباء حسَّان أخو الأكيدر أرسل به خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مقتل حسَّان. ولقد اخترت رواية الصحيح على رايات أهل المغازي لأنّ ما في الصحيح أصحّ. والله تعالى أعلم.

المبحث الرّابع: الخِلاف في إسلام الأكيدر:

اختلف أهل العلم في إسلام الأكيدر، فذكره أبو نعيم، وابن منده في الصحابة:

[16] "وذكر أنّه أسلم وأهدى إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم حُلّة سيراء1، فوهبها لعمر"2.

قال ابن حجر: "وعمدة ابن منده في أنّه أسلم، ما أخرجه من طريق بلال بن يحيى عن حذيفة، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلى دومة الجندل، فقال: إنّكم ستجدون أكيدر دومة خارجاً، ثُمَّ ذكر حديث إسلامه، كذا وقع فيه. وقد رويناه في زيادات المغازي من طريق يونس بن بكير، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى قال:

[17] "بَعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبَعَثَ خالد بن الوليد على الأعراب معه. وقال: انطلقوا فإنّكم ستجدون أكيدر دومة يقتنص الوحش، فخذوه أخذاً فابعثوا به إليَّ ولا تقتلوه، فمضوا، وحاصروا أهلها، فأخذوه فبعثوابه إليه"3.

__________

1 الحُلّة السيراء: نوعٌ من البُرُد فيه خطوطٌ صُفر، أو يخالطه حرير. (القاموس: السير) .

2 ذكر ذلك عنهما (ابن الأثير: أسد الغابة 1/135، وابن حجر: إصابة 1/126) .

3 سبق تخريجه برقم: [5] .

ولم يذكر في هذه القصة أنّه أسلم. وروى أبو يعلى، وابن شاهين، من طريق عبيد الله بن إياد بن لقيط، سمعت أبا إياد يحدّث عن قيس بن النعمان السكوني، قال:

[18] "خَرَجَت خيلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع بها أكيدر دومة الجندل، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! بلغني أنّ خيلكَ انطلقت، وإنّي خفت على أرضي ومالي، فاكتبوا لي كتاباً لا يعرضون في شيءٍ هو لي، فإنّي أقرّ بالذي هو عليَّ مِنَ الحقّ، فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثُمَّ إنّ أكيدر أخرج قباء من ديباج منسوج بالذهب، مِمَّا كان كسرى يكسوهم. فقال: يا رسول الله! اقبل هذا مني هذا فإنّي أهديته لك. فقال: ارجع بقبائك فإنّه ليس أحد يلبس هذا في الدنيا إلاّ حُرِمَه في الآخرة، فرجع به إلى رحله حتّى منْزله، ثُمَّ إنّه وجد في نفسه أن يرُدَّ عليه هديته. فرجع، فقال: يا رسول الله! إنّا أهل بيت يشقّ علينا أن تُرَدَّ هديتنا، فاقبل مني هديتي. فقال: ادفعه إلى عمر. فذكر القصة"1.

__________

1 الحديث قوَّى إسناده ابن حجر (فتح الباري 5/231) .

قلت: الجزء المذكور من سنده رجاله رجال مسلم والبخاري في الأدب، ولم أتمكّن من معرفة بقية سنده، لأنّي لم أجده في مسند أبي يعلى المطبوع، وهو الصغير، فلعلّه من الكبير المفقود. والله تعالى أعلم.

فلعلّ مستند من قال إنّه أسلم، قوله في هذاالحديث:"يارسول الله"1.

ثُمَّ قال ابن حجر: "فتمسَّك ابن منده لكونه أسلم بروايته، وفيها نظر، وقد ذكر ابن إسحاق قصّته في المغازي، قال:

[19] "حدّثنا يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك - رجل من كندة - وكان على دومة، وكان نصرانياً، فقال: إنّك ستجده يصيد البقر. فذكر القصّة مطوّلة وفيها: فقتل خالد حسّاناً أخا أكيدر، وقدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن دمه وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله، فرجع إلى مدينته "2.

وكذلك ذكر القصّة نحو هذا عروة في المغازي في رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، فعلى هذا فقدومه المدينة في رواية قيس بن النعمان كان بعد ذلك3.

قلت: قال ابن حجرفي سياق ترجمة قيس بن النعمان: وقد أخرج البخاري، والحاكم في المستدرك من طريق عبيد الله بن إياد عن لقيط، عن أبيه قال: حدّثناقيس بن النعمان، وكان قدقرأ القرآن على عهدعمر، قال:

__________

1 ابن حجر: إصابة 1/126.

2 وقد رواها ابن إسحاق من طريق أخرى موصولة. وقد سبق تخريجها برقم: [7] .

3 ابن حجر: إصابة 1/126.

[20] "أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأهديت له، فأبى ذلك، فقلت: إنّا قوم يشقّ علينا أن نردّ الهدية"1.

وهذه الرواية وإن كانت مختصرة، ففيها إشارات وقرائن على كونها قد تكون اختصاراً للحديث السابق، من ذلك مثلاً: السند المتطابق تماماً، وتطابق قول الأكيدر، وقول قيس حول الهدية، وقد ذكر محمّد حميد الله نصّ الحديث مصحّصاً اسم الذي انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّه قيس بن النعمان2، وهو المصدر الذي أخذ عنه محمّد حميد الله، فلا أدري مِن أين جاء بهذا التصحيح، وهل له علاقة برواية قيس السابقة أم لا؟ فبذلك يتّضح أنّ ذكر الأكيدر في الرواية وَهَمٌ. والله تعالى أعلم.

والعجب أنّ ابن حجر لم يُعَلِّق على هذا التشابه في الروايتين رغم ذكره لهما في كتابٍ واحدٍ، وهو الإصابة.

ومِمَّن وقع في كلامه ما يدل على أنّ الأكيدر أسلم: الواقدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، فقد انفردا بذكر تفاصيل كتاب ذكرا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كتبه للأكيدر، قال الواقدي: حدّثني شيخ من أهل دومة الجندل أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب هذا الكتاب:

__________

1 ابن حجر: إصابة 3/216، وقد وجدت الرواية في كتاب البخاري (التاريخ 7/144-145) ، ولم أجدها في المستدرك.

2 ابن حجر: المطالب العالية، حديث 4379.

[21] "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من مُحَمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها، وأنّ لنا الضاحية1 من الضّحل2،

__________

1 الضاحية: أطراف الأرض.

2 الضّحل: الذي فيه الماء القليل.

والبور1، والمعامي2، وأغفال الأرض3، والحلقة، والسلاح، والحافر4، والحصن، ولكم الضامن من النخل5، والمعين6 من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم، ولا تعد فاردتكم7، ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات8. تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقّها، عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصّدق والوفاء، شهد الله ومَن حضر من المسلمين"9.

ورواه أبو عبيد بنصّه في كتابه: (الأموال) وقال:

[22] "أمّا هذا الكتاب فأنا قرأت نسخته وأتاني به شيخ هناك مكتوباً في قضيم10، صحيفة بيضاء، فنسخته حرفاً بحرف"11.

__________

1 البور: ما ليس فيه زرع.

2 المعامي: ما ليست له حدود معلومة.

3 أغفال الأرض: التي لا آثار فيها.

4 الحلقة: الدروع. والحافر: الخيل.

5 الضامنة من النخل: النبات من النخل التي نبتت عروقها في الأرض.

6 المعين: الماء الطاهر. والمعمور: بلادهم التي يسكنونها.

7 أي: لا يعد ما يبلغ أربعين شاة.

8 لا يحظر عليكم النبات: ولا تمنعوا أن تزروعوه. والبتات: المتاع ليس عليه زكاة.

9 الواقدي: مغازي 3/1026-12027، كما رواه ابن سعد (طبقات 1/288-289) ، عن الواقدي مثله.

10 القضيم: الجلد الأبيض.

11 أبو عبيد القاسم بن سلام: الأموال 188.

قال الحلبي تعليقاً على هذا الكتاب: "وهذا كما لا يخفى يدل على أنّ أكيدر أسلم، أي: وهو الموافق لقول أبي نعيم، وابن منده، بإسلامه وأنّه معدودٌ من الصحابة1.

قلت: أبو عبيد ثقة، وهو والواقدي متعاصران2، ويلاحظ التشابه الكبير بين نصّي الكتاب عندهما، فربّما يكون مصدرهما واحداً، وهو ذلك الشيخ الجندلي، وهو شيخٌ مجهولٌ لم يصرح كلّ منهما باسمه أو تعديله، فلا يمكن القطع بصحّة الكتاب الذي أراهما إيّاه وأنّه هو كتاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم للأكيدر. والله تعالى أعلم.

قال ابن حجر: "وقال أبو السعادات بن الأثير أخو مصنّف أُسد الغابة: مِنَ الناس مَنْ يقول: إنّ أكيدر أسلم، وليس بصحيح"3.

قلت: وقال أخوه أبو الحسن - مُصنِّف أُسد الغابة: "أما سرية خالد فصحيح، وإنما أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لا اختلاف بين أهل السير فيه، ومَن قال إنّه أسلم، فقد أخطأ ظاهراً وكان أكيدر نصرانياً، ولمّا صالحه النّبيّ صلى الله عليه وسلم عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثُمَّ إنّ خالداً أسره لمّا حصر دومة أيّام أبي بكر رضي الله عنه، فقتله مشركاً نصرانياً، وقد ذكر البلاذري أنّ أكيدر لمّا قدم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع خالد أسلم ودعا إلىدومة، فلمّا مات النّبيّ صلى الله عليه وسلم ارتدّ مَعَ مَن ارتدّ ومنع ما قبله، فلمّا

__________

1 الحلبي: سيرة 3/226.

2 توفي الواقدي سنة 207هـ على الرارجح، وتوفي أبو عبيد سنة 224هـ.

3 الإصابة 1/127.

سار خالد من العراق إلى الشام قتله، وعلى هذا القول - أيضاً، فلا ينبغي أن يُذكر في الصحابة، وإلاّ فيُذكَر كلّ مَن أسلم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ ارتدّ1.

قلت: حديث البلاذري - الذي أشار إليه ابن الأثير - رواه عن ابن الكلبي قال: وحدّثني العباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جدّه قال:

[23] "وجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر، فقدم به عليه فأسلم، فكتب له كتاباً، فلمّا قُبِضَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم منع الصدقة، ونقض العهد، وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة، وابتنى بها بناءً سمّاه دومة، بدومة الجندل، وأسلم حريث بن عبد الملك أخوه على ما في يده، فسلّم ذلك له، فقال سويد بن شبيب:

لا يأمَنَنَّ قومٌ عِثَارٌ جُدُودُهم ... كَمَا مِنْ خُبْثٍ ظَعَائِنُ أكدرا

قال: وتزوّج يزيد بن معاوية ابنة حريث أخي أكيدر.

[24] "قال العبّاس: وأخبرني أبي، عن عوانة بن الحكم، أنّ أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد وهو بعين التمر، يأمره أن يسير إلى أكيدر فسار إليه فقتله، وفتح دومة، وكان قد خرج منها بعد

__________

1 أسد الغابة 1/135.

وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ عاد إليها، فلمّا قتله خالد مضى إلى الشام"1.

قال ابن حجر جامعاً بين الروايات: "فالذي يظهر أنّ أكيدر صالح على الجزية، كما قال ابن إسحاق، ويحتمل أن يكون أسلم بعد ذلك، كما قال الواقدي، ثُمّ ارتدّ بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم مَعَ مَن ارتدّ كما قال البلاذري، ومات على ذلك. والله أعلم"2.

قلت: الأدلة التي ساقها مَن قال بإسلام الأكيدر، ومَن قال بإسلامه ثُمّ ارتداده بعد ذلك جميعها لا تخلو من مقال، ولا تنهض في مخالفة الروايات التي ذكرت أنه لم يُسلم، وإنّما صالحه النّبيّ صلى الله عليه وسلم على الجزية. والله تعالى أعلم.

__________

1 البلاذري: فتوح البلدان 83-84. وانظر: خبر مقتل الأكيدر في الطبري (تاريخ 3/378) .

2 الإصابة 1/127.

,

المبحث الخامس: الدروس المستفادة

...

المبحث الخامس: الدّورس المستفادة:

يتبيّن من إسناد النّبي صلى الله عليه وسلم قيادة هذه السرية لسيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه، مدى ما كان يتمتع به عليه السلام من حنكة عسكرية فذّة، وذكاءٍ منقطع النظير، فخالد بن الوليد رضي الله عنه هو القائد المظَفَّر، وبطل مؤتة المُتَوَّج، ولا بُدّ أنّه أصبح معروفاً معرفةً تامّةً لدى القبائل العربية المنتصرة التي واجهته في مؤتة، وعرفت مدى ما كان يتمتّع به مِن ذكاءٍِ قياديّ، وحنكةٍ عسكريةٍ، فأراد النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستثمر هذا النجاح لخالد ضدَّهم، ويرميهم به ليتحصَّل على أفضل النتائج المرجوة بأقل قدرٍ ممكنٍ من الخسائر، وتلك استراتيجية الرسول القائد صلى الله عليه وسلم دائماً مع أعدائه.

قال الأكيدر لخالد: "والله ما رأيتها قط جاءتنا إلاّ البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمّر لها إذا أردت أخذها، فأركب لها اليوم واليومين".

ويحقُّ للأكيدر وأهله أن يتعجّبوا من فِعل البَقَر تلك الليلة، لأنّه أمر خلاف العادة، وهكذا المعجزات النّبويّة دائماً تكون خارقة للعادات، ولقد كانت تلك قدرة إلهية، ومعجزة نبويّة، هيأها الله - تبارك وتعالى - لنبيّه صلى الله عليه وسلم تأييداً له وتمكيناً على أعدائه، فما كانت البقر لتأتي لحتفها بنفسها لولا أنّ خالقها أمرها بذلك، وساقها بلا سائق إلى ذلك المصير، فالبقر وإن كانت حيواناً لا يعقل، ولكنها بفطرتها التي فطرها الله عليها تُدرك مكامن

الخطر ومدارك الهلكة، فتبتعد عنها كثيراً، وهو الأمر الذي تعوَّده الأكيدر عنها حيث كان يضمّر لها الخيل، ويستعد لها ثُمّ يركب في طبلها اليوم واليومين حتّى يجدها في مكامنها البعيدة عن الخطر، ولكن قدر الله عز وجل، وقدرته العلية، وأمره الذي لا يُردّ، سخّر ذلك البقر لنبيّه صلى الله عليه وسلم وجعله في خدمة أهدافه وطوّعه جندياً مجنّداً من جنوده، يستدرج به أعداءه بعيداً عن دار عِزه وسلطانه ليقع فريسة سهلة المنال في يد الجندي الآخر خالد بن الوليد رضي الله عنه، الذي خرج في طاعة قائده وإمامه صلى الله عليه وسلم، ومنطلقاً دونما جدال ولا مناقشة، مِمَّا يدل على ما كان يتمتع به سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم - مِنَ الإيمان المُطلق بنبيّهم صلى الله عليه وسلم، وتصديقه فيما يقول، وطاعتهم لولي الأمر، وتأدّبهم الجم مع مقامه الشريف عليه السلام، ومعرفتهم حقّ الإمام من الطاعة فيما يأمر بمعروف.

قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه حينما رآهم يتعجّبون من الجُبَّة التي أهداها له الأكيدر: "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من هذا". هذه الحادثة على بساطتها توضح لنا أمرين على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية:

الأمر الأوّل: معرفة مدى ما كان عليه الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من البساطة، والتواضع، والزهد، وترك بهرج الدنيا، ربّاهم على ذلك المربِّي الأوّل، رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي مات وهو لم يشبع من خُبز الشعير بأبي هو وأُمي، وهو الذي لو أراد لَحِيزَت له الدُّنيا بأسرها.

الأمر الثّاني: معرفة مدى تفاهة متاع الدنيا وملذاتها، مقارنةً بنعيم الآخرة، وما أعدّه الله - تبارك وتعالى - للمتّقين في جنّات النعيم، فحُلَّة الديباج المنسوجة بالذهب لا تساوي شيئاً إذا قيست بمناديل الجنّة التي هي ليست من اللباس، بل دونه، فما بالك بلباسها؟!.

وهكذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يُرَبِّي أصحابه مُوَضحاً لهم أنّ الدُّنيا بملذّاتها ونعيمها، وبما فيها من ذهبٍ وفضّةٍ وحريرٍ وديباجٍ، لا تساوي شيئاً يُذكر بِمَا أعدّه الله تبارك وتعالى لعباده في جنّاتٍ فيها ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر.

وحينما يعرف الإنسان المؤمن التقيّ هذه الحقيقة الناصعة، فإنّه يكون أدعى لترك ما في الدنيا من ملذّات وشهوات، وأقرب للزهد فيها، والتّطلّع لِما ادّخره الله عز وجل لعباده المتّقين بالعمل الصالح، والجدّ في الطاعة، والتّقى والعفاف {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُون} . [سورة المطفِّفين، الآية:26] .

وقد آتت هذه التربية العظيمة أكلها وأينعت ثمارها مع سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم - وهكذا رأيناهم حينما فتحت لهم الدّنيا، وانساقت إليهم بحذافيرها، لم يغرّهم بهرجها، ولم ينخدعوا بنعيمها، ولم ينساقوا وراءها، بل كانوا أزهد الناس فيها، فملكوها ولم تملكهم، وساقوها بزمام التقى، والعفاف، وغنى النفس، والورع، والزهد، ولم تسقهم بزمام الشهوات، والملذّات، والنعيم الزائل، والمعاصي الموبقة، روَّضوها لطاعة الله وجعلوها دار عبور وممرّ، وطريقاً إلى الجنّة، ولم تروّضهم لشهواتها وملذاتها، فتجعلها طريقاً لهم إلى النار، ولم يتّخذوها دار بقاء وقرار.

إنّه عندما عرف السلف حقيقة هذه الدّنيا الفانية، دانت لهم فدانت لهم أممها من أقطارها، وعندما ضيَّع الخلف هذه المفاهيم الصحيحة، ولم يعرفوا الدّنيا على حقيقتها، دانوا لها، فتداعت عليهم أُممها من أقطارها: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفِسِهِم} . [سورة الرعد، الآية: 11] .



كلمات دليلية: