[زواجه بالسيدة زينب رضي الله عنها] :

[زواجه بالسيدة زينب رضي الله عنها] :


[زواجه بالسيدة زينب رضي الله عنها] :

خذ مثلا زواجه بزينب بنت جحش رضي الله عنها، كان هذا الزواج امتحانا قاسيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره الله به لإبطال تقليد شائع عند العرب، وأقدم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو شديد التحرج والحياء والأذى.

وزينب هذه من قريبات الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو يعرفها حق المعرفة من طفولتها، وقد رغب في أن يزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك ورفض أخوها اعتزازا بما لأسرة زينب من مكانة، فهي في ذؤابة الشرف، وما زيد؟! إنه كان عبدا، ولو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكرمه فيما بعد وألحقه بنسبه فصار يدعى زيد بن محمد!!.

إلا أن زينب لم تجد بدّا من الانصياع لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أراد أن يحطّم الاعتزاز بالأنساب، وأن ينكح زيدا زينب! فرضيت وفي نفسها غضاضة، وقبل أخوها وهو يؤدي حق السمع والطاعة فحسب، بعد ما نزل قوله تعالى:

وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (36) [الأحزاب] .

ودخل زيد بزينب، فوجد امرأة مصروفة الفؤاد عنه، تسلّمه جسدها وتحرمه العطف والتقدير، فثارت رجولته، وقرر ألا يبقى معها، وتدخّل النبي صلى الله عليه وسلم بين الحين والحين لإصلاح ذات البين دون جدوى.

في هذه الحال أوحى الله لنبيّه أن يدع زيدا يطلّق زوجته، وأن يتزوجها هو بعد انتهائها منه.

فاعترى الرسول صلى الله عليه وسلم همّ مقلق لهذا الأمر الغريب، وساوره التوجّس من

الإقدام عليه، بل أخفاه في نفسه خوفا من مغبته، فسيقول الناس: تزوّج امرأة ابنه ... وهي لا تحلّ له!!.

ولكن هذا الذي سيقوله الناس هو ما أراد الله هدمه، ويجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفذه دون تهيب.

وقد تريّث النبيّ صلى الله عليه وسلم في إنفاذ أمر الله، ولعلّه ارتقب من الله- لفرط تحرجه- أن يعفيه منه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فعند ما جاء زيد يشكو امرأته، ويعرض نيته في تطليقها، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك زوجك واتق الله» .

عند ذلك نزل الوحي يلوم الرّسول صلى الله عليه وسلم على توقّفه، ويعتب عليه تصرّفه، ويحضّه على إمضاء رغبة زيد في فراق امرأته، ويكلّفه بتزوجها، ولو قال الناس:

تزوّج امرأة ابنه، فإنّ ادّعاء البنوة لون من التزوير، تواضع عليه العرب مراغمة للحق، وينبغي أن يقلعوا عنه، وأن يهدروا نتائجه، وليكن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وبمن التصق به أول ما يهدم ماثر الجاهلية في العرف الشائع.

هذه هي القصة كما بدأ القران الكريم يرويها:

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: 37] .

على أنّ الغريب في هذه القصة ما أدخله المغفّلون عليها من دسائس الشهوة ومظاهر الحبّ الرخيص، فقد زعموا أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم أحبّ زينب، ثم كتم هذا الحب، ثم ظهر، فتزوجها بعد ما طلقت!.

ثم زعموا أنّ صدر الاية السابقة جاء عتابا له عن هذه العاطفة المكبوتة.

ونحن نتعجّب أشدّ العجب لهذا الخبط الهائل، ومحاولة تلبيس الحق بالباطل.

من كان يمنع محمدا صلى الله عليه وسلم من الزواج بزينب وهي قريبته- بنت عمته- وهو الذي ساقها إلى رجل لم تكن فيه راغبة، وطيّب خاطرها لترضى به؟!.

أفبعد أن يقدّمها لغيره يطمع فيها؟!.

ثم لننظر إلى الاية، وما يزعمون أنها تضمنته من عتاب.

إنهم يقولون: الذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه، ويخشى فيه الناس دون الله هو ميله لزينب، أي أنّ الله- بزعمهم- يعتب عليه عدم التصريح بهذا الميل!.

ونقول: هل الأصل الخلقي أنّ الرجل إذا أحب امرأة لغط بين الناس مشهّرا بنفسه وبمن أحبّ؟ وخصوصا إذا كان ذا عاطفة منحرفة، جعلته يحب امرأة رجل اخر؟.

هل يلوم الله رجلا لأنّه أحبّ امرأة اخر فكتم هذا الحبّ في نفسه، أكان يرفع درجته لو أنّه صاغ فيها قصائد غزل؟.

هذا والله هو السفه!.

وهذا السفه هو ما يريد بعض المغفّلين أن يفسّروا به القران!!.

إنّ الله لا يعاتب أحدا على كتمان حبّ طائش، وإنّما سياق الواقعة هو كما قصصنا عليك.

فالذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه تأذّيه من هذا الزواج المفروض، وتراخيه في إنفاذ أمر الله به، وخوفه من لغط الناس عند ما يجدون نظام التبني- كما ألفوه- قد انهار.

وقد أفهم الله نبيّه أنّ أمره لا يجوز أن يقفه توهّم شيء ما. وأنّه- بإزاء التكليف الأعلى- لا مفرّ له من السمع والطاعة، شأن من سبقه من المرسلين.

وإذا عدت إلى الاية التي تتضمّن القصة؛ وجدتها ختمت بقوله تعالى:

وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: 37] أي من حقه أن يقع حتما.

ثم أعقبها ما يؤكد هذا المعنى:

ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (39) [الأحزاب] .

إنّك عند ما تثبّت قلب رجل تقول له: لا تخش إلا الله.

إنّك لا تقول ذلك له وهو بصدد ارتكاب معصية، إنما تقول ذلك له وهو يبدأ القيام بعمل فاضل كبير، يخالف التقاليد المتوارثة.

وظاهر في هذه الايات كلّها أنّ الله لا يجرّئ نبيّه على التدلّه بحب امرأة،

إنما يجرئه على إبطال عادة سيئة يتمسّك الناس بها، ويراد منه كذلك أن ينزل على حكمها، لذلك يقول الله- بعد ذلك مباشرة- وهو يهدم نظام التبني:

ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (40) [الأحزاب] .



كلمات دليلية: