withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram


ذكر بيعة الرضوان

ذكر بيعة الرضوان


(ذكر بيعة الرضوان)

* ولما رجع الجواس دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه الى مكة فقال انى أخاف قريشا على نفسى وليس بمكة من بنى عدى ابن كعب أحد يمنعنى وقد عرفت قريش عداوتى اياها وغلظتى عليها ولكن أدلك على رجل هو أعز بها منى عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وبعثه الى أبى سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وانما جاء زائرا للبيت معظما لحرمته فخرج عثمان الى مكة فلقيه أبان ابن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله أبان بين يديه ثم أجاره حتى يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له فيما ذكر غير ابن اسحاق أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيدهم أعزة الحرم وانطلق عثمان حتى دخل مكة وأتى أبا سفيان وعظماء قريش وأشرافهم وبلغهم رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاقدوه ولما فرغ وأراد أن يرجع قالوا ان شئت أن تطوف بالبيت فطف قال ما كنت لا فعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضبت قريش وحبسته عندها ولما أبطأ عثمان قال المسلمون طوبى لعثمان دخل مكة وسيطوف وحده فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم ما كان ليطوف وحده ولما احتبس عثمان طارت الاراجيف بأنّ عثمان قد قتل أى بأنّ قريشا قتلوه بمكة قيل انّ الشيطان دخل جيش المسلمين ونادى بأعلى صوته ألا انّ أهل مكة قتلوا عثمان فحزن النبىّ صلى الله عليه وسلم والمسلمون من سماع هذا الخبر حزنا شديدا فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا النبىّ صلى الله عليه وسلم الناس الى البيعة فبايعهم على أن يقاتلوا قريشا ولا يفرّوا عنهم* وكان صلى الله عليه وسلم جالسا تحت سمرة أو سدرة وكان عدد المبايعين ألفا وثلثمائة قاله عبد الله بن أبى اوفى أو ألفا وأربعمائة على ما قاله معقل بن يسار قال لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبىّ صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة أو ألفا وخمسمائة على ما قاله جابر وسميت هذه البيعة بيعة الرضوان لان الله تعالى ذكر فى سورة الفتح المؤمنين الذين صدرت عنهم هذه البيعة بقوله لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فسميت بهذه الاية كذا فى المدارك قال سعيد بن المسيب حدّثنى أبى أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نفد عليها* روى أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه مرّ بذلك المكان بعد ذهاب الشجرة فقال أين كانت فجعل بعضهم يقول ها هنا وبعضهم يقول هنا فلما كثر اختلافهم قال سيروا قد ذهبت الشجرة قال أبو بكر بن الاشجع وسلمة بن الاكوع بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل على ما استطعتم وقال جابر ابن عبد الله ومعقل بن يسار ما بايعناه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفرّ وقال أبو عيسى معنى الحديثين صحيح فبايعه جماعة على الموت أى لا نزال نقاتل بين يديك ما لم نقتل وبايعه آخرون وقالوا لا نفرّ كذا فى معالم التنزيل وكان أول من بايعه بيعة الرضوان رجل من بنى أسد يقال له أبو سنان بن وهب ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين ممن حضرها الا الجدّ بن قبس الانصارىّ أخو بنى سلمة اختفى تحت ابط بعيره قال جابر وكأنى أنظر اليه لاصقا يابط ناقته مستترا بها عن الناس وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انّ عثمان فى حاجة الله وحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده اليسرى فقال هذه لعثمان وكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لانفسهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم خير أهل الارض وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة

ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بانّ ما ذكر من أمر عثمان باطل ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو وقالوا ائت محمدا فصالحه ولا يكون فى صلحه الا أن يرجع عنا عامه هذا فو الله لا تحدّث العرب أنه دخل علينا عنوة أبدا* وروى أنه بعد ما رجع الحليس قام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعونى آته فقالوا ائته فلما أشرف عليهم قال النبى صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبىّ صلى الله عليه وسلم* وفى رواية قال وهو رجل غادر فلا تقولوا له شيئا فجعل النبىّ صلى الله عليه وسلم بكلمه فبينما هو يكلمه اذ جاء سهيل بن عمرو فلما رآه النبىّ صلى الله عليه وسلم مقبلا قال قد سهل لكم من أموركم وقد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى اليه سهيل قال يا محمد انّ قريشا يصالحونك على ان تعتمر من العام المقبل* وفى الاكتفاء تكلم سهيل فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح* وفى المدارك بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبىّ صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلى له قريش مكة من العام المقبل ثلاثة أيام فقبل النبىّ صلى الله عليه وسلم فقال سهيل هات اكتب بيننا وبينكم كتاب صلح فدعا النبىّ صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال له اكتب* بسم الله الرحمن الرحيم قال سهيل وأصحابه أمّا الرحمن فو الله ما ندرى أو ما نعرف ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون لا نكتب الا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم اكتب باسمك اللهم فكتبها ثم قال اكتب هذا ما قضى أو صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو فقالوا والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمد ابن عبد الله فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم انى لرسول الله وان كذبتمونى اكتب محمد بن عبد الله* وفى رواية كان الكاتب على بن أبى طالب وكان قد كتب محمد رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى امح رسول الله واكتب مكانه محمد بن عبد الله فقال على لا والله لا أمحوك أبدا فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم فأرنيه فأراه اياه فأخذ الكتاب بيده الكريمة صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومحا رسول الله ولم يكن يحسن الكتابة فكتب مكانه ابن عبد الله وكانت هذه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كتب بيده ولم يكن يحسن الخط* وفى شواهد النبوّة وغيرها أنه صلى الله عليه وسلم بعد ما كتب فى كتاب الصلح محمد بن عبد الله أقبل بوجهه على علىّ فقال يا على سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة وهذا الكلام كان اشارة الى أنه لما وقعت المصالحة بين علىّ ومعاوية بعد حرب صفين وكتب الكاتب فى كتاب الصلح هذا ما صالح أمير المؤمنين علىّ قال معاوية لا تكتب أمير المؤمنين لو كنت أعلم انه أمير المؤمنين ما قاتلته ولكن اكتب على بن أبى طالب فلما سمع ذلك علىّ تذكر قول النبىّ صلى الله عليه وسلم له يوم الحديبية فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب على بن أبى طالب ثم قال النبىّ صلى الله عليه وسلم لسهيل على أن تخلوا بيننا وبين البيت لنطوف به قال سهيل والله لا تتحدّث العرب أنا أخذنا ضغطة واضطرارا ولكن ذلك من العام المقبل فكل شرط شرطه سهيل يوم الحديبية قبله النبىّ صلى الله عليه وسلم وكتبه علىّ وكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض وعلى انه من أتى محمدا من قريش بغير اذن وليه ردّه عليه وان كان مسلما وان جاء قريشا ممن مع محمد لم يردّوه عليه وانّ بيننا عيبة مكفوفة وانه لا اسلال ولا اغلال وانه من أحب أن يدخل فى عقد قريش

وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا نحن فى عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن فى عقد قريش وعهدهم وانك ترجع عنا عامك هذا فلا

تدخل علينا مكة وانه اذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها أنت وأصحابك فأقمت فيها ثلاثا مع سلاح الراكب السيوف فى القرب لا تدخلها بغيرها* وفى رواية ولا تدخلها الا بجلباب السلاح السيف والقوس ونحو ذلك كذا فى المنتقى* وفى رواية لما بلغ هذا الشرط ان من أتى محمدا من قريش ردّه عليهم وان كان مسلما ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردّوه عليه تعجب المسلمون من هذا الشرط فقالوا سبحان الله كيف نردّ من أتانا مسلما وقالوا يا رسول الله أنكتب هذا قال نعم انه من ذهب منا اليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا* وفى رواية قال عمر عند ذلك أترضى بهذا الشرط يا رسول الله فتبسم النبىّ صلى الله عليه وسلم وقال من جاءنا منهم فرددناه اليهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا ومن أعرض عنا وذهب اليهم لسنا منه فى شئ أو ليس منا بل هو أولى بهم فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو اذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف فى قيده وقد انفلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل يا محمد هذا أوّل ما أقاضيك عليه ان تردّه الىّ فقال انا لم نقض الكتاب بعد قال فو الله ما أصالحك على شىء أبدا قال النبىّ صلى الله عليه وسلم فأجره لى قال ما أنا بمجير لك قال بلى فافعل قال ما أنا بفاعل قال مكرز بلى قد أجرناه لك قال لا تعذبه وكان قد عذب فى الله عذابا شديدا فضمن له ذلك مكرز بن حفص فلما رأى سهيل أبا جندل قام اليه وضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وجرّه ليردّه الى قريش فجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته ويقول يا معشر المسلمين أردّ الى المشركين يفتنونى فى دينى فزاد الناس ذلك الى ما بهم* وفى رواية قام سهيل الى سمرة وجز منها غصنا وضرب به وجه أبى جندل ضربا رق عليه المسلمون وبكوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا جندل اصبر واحتسب فانّ الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا اننا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا واصطلحنا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وانا لا نغدر بهم فوثب عمر بن الخطاب يمشى الى جنب أبى جندل ويقول اصبر يا أبا جندل فانما هم المشركون وانما دم أحدهم كدم كلب ويدنى عمر وهو قائم السيف منه يقول رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضنّ الرجل بأبيه* وفى رواية قال أبو جندل يا عمر ما أنت بأحرى بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم منى* وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون فى الفتح لرؤيارآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع من غير فتح وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون* وروى عن عمر أنه قال والله ما شككت منذ أسلمت الا يومئذ فأتيت النبىّ صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبىّ الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل قال بلى قلت أليس قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار قال بلى قلت فلم نعطى الدنية فى ديننا قال انى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى قلت أو لست كنت تحدّثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به قال بلى أفأخبرتك انا نأتيه العام قلت لا قال فانك آتيه ومطوّف به قال فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبىّ الله حقا قال بلى قلت فلم نعطى الدنية فى ديننا قال أيها الرجل انه رسول الله ولن يعصيه فاستمسك بغرزه فو الله انه لعلى الحق المبين فكان عمر رضى الله عنه يقول ما زلت أتصدّق وأصوم وأصلى وأعتق من الذى صنعت يومئذ مخافة كلامى الذى تكلمت به حين رجوت أن يكون خيرا كذا فى الاكتفاء* وفى غيره قال عمر جعلت كثيرا من الاعمال الصالحة من الصوم والصلاة والصدقة والاعتاق كفارة لتلك الجراءة التى صدرت منى

يومئذ وما فى الاكتفاء مغاير لما ذكرنا حيث قال فلما التأم الامر ولم يبق الا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر أليس هذا برسول الله قال بلى قال

أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليس هؤلاء بالمشركين قال بلى قال فلم نعطى الدنية فى ديننا قال أبو بكر يا عمر الزم غرزه فانى أشهد انه رسول الله قال عمر وأنا أشهد انه رسول الله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألست برسول الله قال بلى قال أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطى الدنية فى ديننا قال أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعنى فلما فرغ من الكتاب أشهد رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين* وهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وعلىّ بن أبى طالب وهو كاتب الصحيفة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص* وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا فى الحل وكان يصلى فى الحرم فلما فرغ من الصلح قال لاصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا فو الله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرّات فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقى من الناس فقالت أم سلمة يا رسول الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلق لك فخرج ولم يكلم أحدا حتى نحر بدنه ودعا حالقه فحلق له قيل كان حالقه فى ذلك اليوم الجواس بن أمية بن فضل الخزاعى فلما رأوا ذلك قاموا ونحروا وجعل بعضهم يحلق لبعض حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما* وفى حياة الحيوان وكان الهدى مع النبىّ صلى الله عليه وسلم فى الحديبية ونحر مائة بدنة قال ابن عمرو ابن عباس حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر للمحلقين* وفى معالم التنزيل قال يرحم الله المجلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا والمقصرين وفى الثالثة أو الرابعة قال والمقصرين قالوا يا رسول الله لم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين قال لانهم لم يشكوا قال ابن عمر وذلك انه تربص قوم وقالوا لعلنا نطوف بالبيت* قال ابن عباس اهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فى هداياه جملا لابى جهل فى رأسه برة فضة قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غنمه يوم بدر ليغيظ المشركين بذلك* روى أن جمل أبى جهل ندّ من بين الهدايا وذهب الى مكة ودخل داره فتعاقبه جمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد سفهاء قريش أن لا يردّوه فمنعهم سهيل بن عمرو وهو المؤسس لبنيان الصلح وقال لهم ان تريدوه فاعرضوا على محمد مائة من الابل فان قبلها فأمسكوا هذا الجمل والا فلا تتعرّضوا له فقبلوا قول سهيل فعرضوا على النبىّ صلى الله عليه وسلم مائة من الابل فأبى وقال لو لم يكن هذا الجمل للهدى لقبلت المائة وأعطيت هذا الواحد أو كما قال فنحره أيضا وقسم لحوم الهدايا على الفقراء الذين حضروا الحديبية* وفى رواية بعث النبىّ صلى الله عليه وسلم الى مكة عشرين بدنة مع ناجية حتى نحروها بمروة وقسموا لحومها على فقراء مكة* روى انه لما تم النحر والحلق بعث الله ريحا شديدة حتى حملت شعرات المسلمين الى أرض الحرم ونشرتها هناك وفى بعض كتب السيران رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه ألقى شعره على سمرة بقربه فأجهد بعض الصحابة نفسه جهدا بليغا حتى أصاب شعرات منه وكانت عنده يغسلها للمرضى ويسقيهم للشفاء* وفى رواية انه صلى الله عليه وسلم كان بالحديبية اذ جاءته جماعة من النساء المؤمنات مهاجرات من مكة منهنّ أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وسبيعة ابنة الحارث الاسلمية فأقبل زوجها وهو مسافر المخزومى طالبا لها وأراد مشركو مكة أن يردّوهنّ الى مكة فنزل جبريل بهذه الاية يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ الى آخره فاستحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيعة فحلفت فأعطى زوجها مسافرا ما أنفق فتزوّجها عمر* وفى الاكتفاء وهاجرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مدّة الصلح

أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط فخرج أخواها عمارة والوليدا بنا عقبة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسئلانه ان يردّها عليهما بالعهد الذى بينه وبين قريش بالحديبية فلم يفعل وقال أبى الله ذلك وأنزل فيه على رسوله* يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ الاية فكأنّ الاية بيان انّ ذلك الرد فى الرجال لا فى النساء لانّ المسلمة لا تحلّ للكافر فلما تعذر ردّهنّ لورود النهى عنه لزم ردّ مهورهنّ فأمر النبىّ صلى الله عليه وسلم أن لا ترجع المؤمنات الى الكفار لشرف الاسلام وأن لا تكون كافرة فى نكاح مسلم لقوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر* العصم جمع عصمة وهى ما يعتصم به من عقد ونسب والكوافر جمع كافرة وهى التى بقيت فى دار الحرب أو لحقت بها مرتدة والمراد نهى المؤمنين عن البقاء على نكاح المشركات فطلق الاصحاب كل امرأة كافرة فى نكاحهم وطلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين له مشركتين بمكة فتزوّج احداهما معاوية بن أبى سفيان والآخرى صفوان بن أمية وعن ابن عباس يعنى من كانت له امرأة بمكة فلا يعدّها من نسائه لان اختلاف الدارين قطع عصمتها منه* قال أهل السير أقام النبىّ صلى الله عليه وسلم بالحديبية قريبا من عشرين يوما ثم رجع الى المدينة* روى انه صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية وكان بضجنان كسكران جبل بقرب مكة نزلت عليه ليلة سورة انا فتحنا لك فتحا مبينا والمراد من الفتح المبين عند بعض المفسرين فتح الحديبية وسمى فتحا لانه كان مقدمة لفتوح كثيرة كما ورد فى كتب التفاسير والسير من أن الذين أسلموا فى سنتى الصلح يعدلون الذين أسلموا قبلهما وبعض المفسرين على ان المراد بالفتح المبين فتح مكة أو فتح خيبر الذى وعده الله لرسوله وانما أدّى بصيغة الماضى لان اخبار الله فى التحقق بمنزلة الكائن الموجود والله أعلم* روى أن النبىّ صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة من الحديبية جاءه أبو بصير عتبة بن أسد بن حارثة رجل من قريش وهو مسلم وكان ممن حبس بمكة فكتب أزهر بن عبد بن عوف والاخنس بن شريق الثقفى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا وبعثا فى طلبه رجلا من بنى عامر بن لؤى ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بالكتاب وقالا العهد الذى جعلت لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بصير انا أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصح فى ديننا الغدر وان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ثم دفعه الى الرجلين فخرجا به وانطلق معهما حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا هناك فدخل أبو بصير المسجد وركع ركعتين ثم جلسوا يتغدّون ويأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لاحد الرجلين والله انى لارى سيفك هذا يا اخا بنى عامر صار ما جيدا فاستله الاخر فقال أجل انه والله لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير أرنى أنظر اليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد* وفى رواية استله أبو بصير فضربه به حتى برد وذكر ابن عقبة ان الرجل هو الذى سل سيفه ثم هزه وقال لا ضربن بسيفى هذا فى الاوس والخزرج يوما الى الليل فقال له أبو بصير فصارم سيفك هذا فقال نعم فقال ناولنيه لا نظر اليه فناوله اياه فلما قبض عليه ضربه به حتى برد ويقال بل تناول أبو بصير سيف الرجل بفيه فقطع أساره ثم ضربه به حتى برد وطلب الاخر فخرج مرعوبا حتى دخل المسجد* وفى رواية وفرّ الاخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعد وحتى لتطن الحصباء من شدّة سعيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد لقى هذا ذعرا فلما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ويلك مالك قال قتل صاحبكم صاحبى وانى لمقتول* وفى الاكتفاء قال ويحك مالك قال قد قتل صاحبكم صاحبى قال فو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبى الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتنى اليهم ثم أنجانى الله منهم فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم ويل أمه مسعر حرب لو

كان معه أحد* وفى الاكتفاء

محش حرب لو كان معه رجال وفى هذا الكلام ايماء لابى بصير الى الفرار ورمز للمؤمنين الذين كانوا بمكة أن يلحقوا به فلما سمع ذلك أبو بصير عرف أنه سيردّه الى قريش فخرج حتى نزل سيف البحر موضعا يقال له العيص من ناحية المروة على ساحل البحر بطريق قريش الذى كانوا يأخذونه الى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال فخرجوا الى أبى بصير بالعيص فاجتمع اليه قريب من سبعين رجلا منهم وذكر موسى ابن عقبة ان أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذى ردّ الى قريش بالحديبية مكرها يوم الصلح والقضية هو الذى انفلت فى سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبى بصير ونزلوا مع أبى بصير فى منزل كريه الى قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام وكان أبو بصير على ما زعموا وهو فى مكانه ذلك يصلى بأصحابه فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمّهم واجتمع الى أبى جندل أناس من غفار وأسلم وجهينة وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل وهم مسلمون فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير لا تمرّ بهم عير لقريش الا أخذوها وقتلوا أصحابها وقال فى ذلك أبو جندل فيما ذكره غير ابن عقبة شعرا

أبلغ قريشا عن أبى جندل ... أنا بذى المروة بالساحل

فى معشر تخفق أيمانهم ... بالبيض فيها والقنا الذابل

يأبون أن تبقى لهم رفقة ... من بعد اسلامهم الواصل

أو يجعل الله لهم مخرجا ... والحق لا يغلب بالباطل

فيسلم المرء باسلامه ... أو يقتل المرء ولا يأتل

فأرسل قريش أبا سفيان بن حرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ويتضرّعون اليه ويناشدونه بالله والرحم أن يرسل الى أبى بصير وأبى جندل بن سهيل ومن معهم فيقدموا عليه وقالوا انا أسقطنا هذا الواحد من الشروط فمن أتاه فهو آمن* وفى الاكتفاء قالوا من خرج منا اليك فأمسكه فى غير حرج فانّ هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح اقراره فلما كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع أبا جندل من أبيه يوم الصلح والقضية أنّ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فيما أحبوا وفيما كرهوا وانّ رأيه أفضل من رأيهم* وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أبى جندل وأبى بصير يأمرهم أن يقدموا عليه بالمدينة ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا الى بلادهم وأهليهم ولا يتعرّضوا لاحد مرّ بهم من قريش وعيرانها فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى جندل وأبى بصير وكان أبو بصير حينئذ مشرفا على الموت فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يده يقتريه فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أناس من أصحابه ورجع سائرهم الى أهليهم وأمنت عيران قريش ولم يزل أبو جندل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذاك وشهد الفتح ورجع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل معه بالمدينة حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أوّل امارة عمر بن الخطاب رضى الله عنه فمكث بها شهرا ثم خرج الى الشام يجاهد وخرج معه ولده أبو جندل فلم يزالا مجاهدين حتى ماتا جميعا هناك رحمهما الله وظاهر بعض روايات البخارى يدل على أنّ قوله تعالى وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة الاية نزلت فى قصة أبى بصير والله أعلم*



كلمات دليلية: