[حمراء الأسد] :

[حمراء الأسد] :


[حمراء الأسد] :

على أنّ المسلمين دفنوا موجدتهم في أفئدتهم، ولم يستسلموا لأحزان المصاب الذي حلّ بهم، وكان تكاثر خصومهم حولهم سببا في أن يقاوموا عوامل الخور، وأن يبدوا للناس بقية من قوة تردّ عنهم كيد المتربّصين، على نحو ما قال الشاعر:

وتجلّدي للشامتين أريهم ... أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع

وقد كانت الهزيمة في أحد فرصة انتهزها المنافقون واليهود، وكل ذي غمر على محمّد عليه الصلاة والسلام ودينه وأصحابه، ففارت المدينة كالمرجل المتّقد، وكشف عن عداوته من كان قبلا يواريها، وتحدّث الكافرون بالإسلام عن خذلان السماء للنبيّ المرسل من عند الله.

فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعيد تنظيم رجاله على عجل، وأن يتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد، يخرج في أعقاب قريش ليطاردها، ويمنع ما قد يجد من تكرار عدوانها!!.

كانت معركة أحد في يوم السبت لخمسة عشر من شوال، وكان خروج هذا الجيش في الأحد لستة عشر منه.

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا (حمراء الأسد) «2» ، واقتربوا من جيش أبي سفيان، وكان رجال قريش- بعد أن ضمّهم الفضاء الرحب قد عادوا إلى التفكير فيما حدث، وأخذوا يتلاومون، يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم، ثم تركتموهم ولم تبتروهم، وقد بقيت منهم رؤوس يجمعون لكم!.

__________

(1) حديث صحيح، أخرجه البخاري: 3/ 164، 7/ 279- 280، 302؛ ومسلم: 7/ 67؛ وأحمد: 4/ 149، 153، 154؛ والبيهقي: 4/ 14.

(2) رواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير مرسلا كما في البداية، وذكره ابن هشام عن ابن إسحاق بدون سند.

إلا أنّ هذا التفكير تزلزل إثر ما عرفت قريش أنّ المسلمين عبّؤوا قواهم، وخرجوا يستأنفون القتال.

وحار المشركون في أمرهم: أيعودون لحرب لا يأمنون مغبتها، وربما أفقدتهم ثمار النصر الذي أحرزوه؟ أم يمضون- لتوهم- إلى مكة؟ وفي هذه الحال يتحسن مركز المسلمين، وتخفّ مرارة الهزيمة التي لحقتهم.

وقد رأى أبو سفيان أن يغنم الأوبة الرابحة، وأن يبعث إلى المسلمين من يقذف بالرعب في قلوبهم، ويخبرهم أن قريشا عادت لاستئصال شأفتهم بعد أن تبيّن لها خطؤها في تركهم.

وعسكر المسلمون ب (حمراء الأسد) ثم جاءهم دسيس أبي سفيان يغريهم بالعودة إلى يثرب نجاة بأنفسهم من كرّة المشركين عليهم، وهم لا يقدرون على ملاقاتهم!.

بيد أنّ المسلمين قبلوا التحدّي، وظلوا في معسكرهم يوقدون النار طيلة ثلاث ليال، في انتظار قريش التي ترجّح لديها أنّ النجاة بنفسها أولى، فعادت إلى مكة، وعاد المسلمون إلى المدينة ليدخلوها مرة أخرى، أرفع رؤوسا، وأعزّ جانبا.

وفي هذه المظاهرة الناجحة، وفيمن اشتركوا فيها على ألم الجراح وإرهاق التعب، وفي ثباتهم على التثبيط واطمئنانهم إلى جانب الله، نزلت الايات الكريمة:

الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) [ال عمران] .



كلمات دليلية: