[الهجرة الثانية إلى الحبشة] :

[الهجرة الثانية إلى الحبشة] :


[الهجرة الثانية إلى الحبشة] :

عاد من هاجر إلى الحبشة ليباغت بأن الاضطهاد الواقع على الإسلام أحدّ وأشدّ، فدخل بعضهم مكة مستجيرا بمن يعرف من كبرائها، وتوارى الاخرون، لكن قريشا أبت إلا أن تنكّل بالقادمين، وأن تغري سائر القبائل بمضاعفة الأذى للمسلمين، فلم ير الرسول صلى الله عليه وسلم بدّا من أن يشير على أصحابه بالهجرة مرة أخرى

__________

(1) أين الدليل النقلي على هذا الاعتذار، وأنّ المشركين هم الذين اختلفوا فريتهم هذه وحاولوا نشرها؟ مثل هذه الأمور لا بدّ لها من دليل منقول، وما المانع أن تكون هذه الفرية حدثت من بعد؟! وهذا هو الأقرب، فإنها- أعني هذه الفرية- لم ترو بسند معتبر عن صحابي، بل كل طرقها مرسلة لا يدرى من الذي حدّث بها ممن يمكن أن يدرك عصر النبوة والرسالة، وقد فصّلت القول في بطلان هذه القصة من الوجهة الحديثية في كتابي (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) .

إلى الحبشة، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقّظت لها قريش، وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، فخرج منهم في هذا الفوج ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأة، ويسّر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة. ووجدوا عنده ما يبغون من أمان وطيب جوار وكرم وفادة.

والظاهر أنّ هذا النجاشيّ كان رجلا راشدا، نظيف العقل، حسن المعرفة لله، سليم الاعتقاد في عيسى عبد الله ورسوله عليه السّلام، وكانت مرونة فكره سرّ المعاملة الجميلة التي وفّرها لأولئك اللاجئين إلى مملكته، فارّين بدينهم من الفتن.

عزّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا إلى النجاشيّ وفدا منهم، محمّلا بالهدايا والتّحف، كي يحرم المسلمين ودّه، ويطوي عنهم بشره.

وكان الوفد من عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة- قبل أن يسلما-.

واستعان الوفد على النجاشي برجال حاشيته، بعد أن ساقوا إليهم الهدايا، وزوّدوهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون! قالوا: إنّ ناسا من سفهائنا، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم ...

واتفقوا معهم أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم.

فلما فوتح النجاشي في الأمر، وأشير عليه بإبعاد القوم، رأى ألابد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعا.

ثم أرسل إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فحضروا، وقد أجمعوا على صدقه، فيما ساءه وسرّه.

وكان المتكلّم عنهم جعفر بن أبي طالب، فقال لهم النجاشي:

ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من الناس؟.

فقال جعفر: أيها الملك! كنّا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منا الضعيف.

حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله، وألانشرك به شيئا، ونخلع ما كنّا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام.. وعدّد عليه أمور الإسلام. قال جعفر: فامنا به، وصدقناه، وحرّمنا ما حرم علينا، وحللنا ما أحل لنا، فتعدّى علينا قومنا فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورجونا ألانظلم عندك ...

فقال النجاشيّ: هل معك ممّا جاء به عن الله شيء؟ قال: نعم. فقرأ عليه صدرا من سورة مريم، فبكى النجاشيّ وأساقفته، وقال النجاشيّ: «إنّ هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، والله لا أسلمهم إليكما أبدا» يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه- فخرجا، وقال عمرو لعبد الله بن أبي ربيعة: والله لاتينّه غدا بما يبيد خضراءهم.

فلما كان الغد قال للنجاشيّ: إنّ هؤلاء يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما. فأرسل النجاشيّ يسألهم عن قولهم في المسيح. فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: ما عدا عيسى ما قلت قدر هذا العود «1» ، فنخرت بطارقته! فقال: وإن نخرتم! وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم امنون، ما أحبّ أنّ لي جبلا من ذهب، وأنني اذيت رجلا منكم! وردّ هدية قريش، وقال: ما أخذ الله الرشوة مني حتى اخذها منكم، ولا أطاع الناس فيّ حتى أطيعهم فيه «2» ، وأقام المسلمون عنده بخير دار.

__________

(1) اختلف النصارى قديما في طبيعة المسيح على مذاهب شتى. وكان هناك مذهب يقوم على اعتباره بشرا مرسلا، وليس إلها ولا ندا لله. ولا يزال في الغرب المسيحي أناس يعتنقون هذا المذهب الموحّد، ونعتقد أنّ نجاشيّ الحبشة على هذا الرأي. وإن كان بطارقة الكنيسة يستنكرونه أشدّ الاستنكار.

(2) أخرج هذه القصة محمد بن إسحاق في المغازي: (1/ 211- 213، من ابن هشام) ؛-

أخفقت حيلة عمرو، وعاد الوفد إلى مكة، يجرّ أذيال الخيبة، وعرفت قريش أنها لن تشبع ضغينتها على الإسلام وأهله إلا في حدود سلطانها، فعزمت أن تشفي غيظها ممن يقع تحت أيديها.

__________

- وأحمد، رقم (1740) ، من طريق ابن إسحاق بسند صحيح، من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.



كلمات دليلية: