يوم من حياة الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب رحمة الله للعالمين

يوم من حياة الحبيب صلى الله عليه وسلم  من كتاب رحمة الله للعالمين

اسم الكتاب:
رحمة الله للعالمين
المؤلف:
محمدحسن عبدالله

من سيرته صلى الله عليه وسلم

]

وكان صلى الله عليه وسلم يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبُّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك (5) وكان يُحِبُّ السِّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة

_________

(1) مختصر الشمائل للترمذي، اختصره وصححه الألباني، برقم 34، 35.

(2) ثياب من نوع بُرُود اليمن، والبُرد: ثوب مخطط، ومحبّرة مزينة.

(3) مختصر شمائل الترمذي، برقم 97، وصححه الألباني.

(4) مختصر شمائل الترمذي برقم 188، وصححه الألباني.

(5) أحمد، 3/ 134.

الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبُّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبُّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكِّلين، قال أنس رضي الله عنه: «خَدَمْتُ النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: لو قُضِيَ لكان، أو: لو قُدِّر لكان» (1) ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام (2) ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاَّ رعاها (3) وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة (4).

وله صلى الله عليه وسلم أسماء، قال صلى الله عليه وسلم: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا

_________

(1) أحمد، 1/ 352 وهو صحيح.

(2) البخاري، برقم 3829، وأحمد 4/ 222.

(3) البخاري، برقم 2262، ورقم 3406.

(4) مسلم، برقم 2277.

الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي (1) وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي» (2).

وقال صلى الله عليه وسلم: «أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي (3) والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (4) وكنيته أبو القاسم (5) بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق (6).

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]، وقال سبحانه: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ

_________

(1) أي يحشر الناس على أثره، النهاية.

(2) البخاري، برقم 3532، ومسلم برقم 2354.

(3) المقفّي: الذي قفى آثار من سبقه من الأنبياء {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا ... }. [انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 1/ 94].

(4) مسلم، برقم 2355، وشمائل الترمذي برقم 316 ((مختصر الألباني)).

(5) البخاري، برقم 3537، ومسلم، 3/ 1682.

(6) أحمد، 2/ 381، برقم 8939.

وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، وقال عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 2]، وقال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29]، وقال جل وعلا في قول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه (1) قال جرير رضي الله عنه: «ما حجبني

_________

(1) النواجذ: الأنياب، وقيل: [هي الضواحك التي تبدو عند الضحك] النهاية، 5/ 20.

رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: اللهم ثبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا» (1) ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثُّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا

_________

(1) البخاري، برقم 3035، ورقم 3822، ورقم 6090.

اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس (1) قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته.

ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، «وخدمه أنس رضي الله عنه عشر سنين، قال: فما

_________

(1) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلةً للنوم والاستراحة. انظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 206.

قال لي أُفٍّ قط، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم» (1). ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا (2) ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

[كمال الأخلاق ومحاسن الشيم]

وقد جمع الله له


ملف pdf

كلمات دليلية: