وفاة سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن 5هـ

وفاة سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن 5هـ

في هذا العام كان سَعْدٌ -رضي الله عنه- قد أُصيبَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَماهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ حِبَّانُ بن الْعَرِقَةِ، وكان قد رَماهُ في عرق في وسط ذراعه فقطع العرق فسال منه الدم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تُنصَب لسعد خَيمَةً في الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فلما انقضى أمر قريظة انفجر جُرح سعد بالدماء، فمات -رضي الله عنه- متأثرًا بجرحه [أخرجه البخاري، كتاب: المغازي].

وعن يوم دفنه يروي لنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- ما حدث لسعد من كرامات دالة على صلاحه وقبوله عند الله وشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم له بذلك.

قال أنس -رضي الله عنه-: «لَمَّا حُمِلَتْ جَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جَنَازَتَهُ؟! وَذَلِكَ لِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ» (رواه الترمذي).

يا الله! جاءت الملائكة لهذا العبد الصالح يحملونه، ويشهدون توديعه والصلاة عليه ودفنه. فيا لها من كرامات لهذا العبد الصالح!

وكانت أم سعد تبكيه حِينَ اُحْتُمِلَ نَعْشُهُ، فقال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ، إلَّا نَائِحَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ»

[رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى].

ويخبرنا أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- عند دفن سعد فيقول: (فطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فرغنا من حفرته، ووضعنا اللبن والماء عند القبر... فوضعه عند قبره، ثم صلَّى عليه، فلقد رأيتُ من الناس ما ملأ البقيع)[رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ]

ولما دُفن سعد سبَّح رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبَّح الناس معه طويلا، ثم كبَّر فكبَّر الناس، ثُمَّ سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب ذلك، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ» (رواه أحمد). وهي ليست ضمة عذاب، إنما هي ضغطة القبر وضمته التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» (رواه أحمد).

أما بعد دفنه -رضي الله عنه- فقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن هذا الشهيد، هذا العبد الصالح الذي فُتحَت له أبواب السماوات، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا الأرض قبل ذلك[انظر ابن سعد في الطبقات الكبرى]، حتى عرش الرحمن قد اهتز لموته من فوق سبع سماوات كرامة له، قال صلى الله عليه وسلم: «اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» (رواه البخاري).

إنه الفارس الجسور، والمؤمن الطهور، الذي حكم في بني قريظة -وكانوا حلفاءه ومواليه- بحكم الله من فوق سبع سموات، إنه سيد الأوس سعد بن معاذ الأنصاري الأوسي رضي الله عنه.