وفاة جده_2780

وفاة جده


الباب الثالث في وفاة عبد الله بن عبد المطلب

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب إن توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به.

هذا ما جزم به ابن إسحاق ورجحه الواقدي وابن سعد والبلاذري، وصححه الذهبي وقال ابن كثير إنه المشهور. وقال ابن الجوزي: إنه الذي عليه معظم أهل السّير، ورواه الحاكم وصححه، وأقره الذهبي عن قيس بن مخرمة رضي الله تعالى عنه.

قال غير ابن إسحاق: وذلك حين تمّ لها شهران. وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المهد حين توفي أبوه. وعليه فقيل وله شهران. وقيل ثمانية وعشرون شهراً. وقيل تسعة أشهر، ونقل السّهيليّ عن الدّولابيّ أنه قول الأكثرين قلت: والحق أنه قول كثيرين لا أكثرين.

وروى ابن سعد عن محمد بن كعب، وعن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة رحمهما الله تعالى قالا: خرج عبد الله إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم، ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار. فأقام عندهم مريضا شهراً ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن ابنه فقالوا: خلّفناه عند أخواله بني عدي بن النجار مريضاً، فبعث عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة فرجع فأخبره فوجد عليه عبد المطلب وعماته. وإخوته وأخواته وجداً شديداً. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل، ولعبد الله بن عبد المطلب يوم توفي خمس وعشرون سنة.

قال الواقديّ: وهذا أثبت الأقاويل في وفاة عبد الله وسنّه. وقال الحافظ العلائي وابن حجر إن عمره كان يوم توفي ثماني عشرة سنة قال الواقدي: ولم يتزوج عبد الله قط غير آمنة.

وآمنة لم تتزوج قط غير عبد الله.

أخذ الإله أبا الرسول ولم يزل ... برسوله الفرد اليتيم رحيما

نفسي الفداء لمفردٍ في يتمه ... والدّرّ أحسن ما يكون يتيما

لطيفة: نقل أبو حيان في بحره وغيره عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه قال: إنما يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يكون عليه حقّ لمخلوق.

وقال ابن العماد في كشف الأسرار: إنما ربّاه يتيماً لأن أساس كل كبير صغير وعقبى كل حقير خطير. وأيضاً لينظر صلى الله عليه وسلم إذا وصل إلى مدارج عزّه إلى أوائل أمره ليعلم أن العزيز من

أعزّه الله تعالى وإن قوّته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال بل قوّته من الله تعالى. وأيضاً ليرحم الفقير والأيتام.

وقالت آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ترثي زوجها. كما ذكر ذلك ابن إسحاق في المبتدأ وابن سعد في الطبقات. رحمهما الله تعالى.

عفا جانب البطحاء من ابن هاشم ... وجاور لحداً خارجاً في الغماغم

دعته المنايا بغتةً فأجابها ... وما تركت في الناس مثل ابن هاشم

عشيّة راحوا يحملون سريره ... يعاوره أصحابه في التّزاحم

فإن يك غالته المنايا وريبها ... فقد كان معطاءً كثير التراحم

وقالت أيضاً، أورده القاسم الوزيري المغربي رحمه الله تعالى ورضي عنه ترثي عبد الله زوجها والد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أضحى ابن هاشم في مهماء مظلمةٍ ... في حفرةٍ بين أحجارٍ لدى الحصر

سقى جوانب قبرٍ أنت ساكنه ... غيثٌ أحمّ الذّرى ملآن ذو درر

,

الباب الخامس في وفاة عبد المطلب ووصيته لأبي طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظهر في ذلك من الآيات

اختلف في سن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين مات جده فقيل: وله ثمان سنين وقدمه في الإشارة. وقيل بزيادة شهر وعشرة أيام. وقيل تسع وقيل عشر وقيل ست.

ولعبد المطلب عشر ومائة سنة. وقدمه في الإشارة. وقيل اثنتان وثمانون سنة ويقال بلغ مائة وأربعة وأربعين سنة. ويقال خمسا وتسعين سنة. ويقال مائة وعشرين.

قال الواقدي: وليس ذلك بثبت.

وروى محمد بن عمر الأسلمي عن أم أيمن أنها حدثت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يبكي خلف سرير عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين ودفن بالحجون.

وروى ابن سعد عن الواقدي عن شيوخه أنه قيل لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذ ابن ثمان سنين.

قال ابن إسحاق وغيره: ولما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وحياطته والقيام عليه، وأوصى به إلى أبي طالب، لأن عبد الله وأبا طالب كانا لأم واحدة، فلما مات عبد المطلب كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد جده.

وروى ابن سعد والحسن بن عرفة وابن عساكر عن ابن عباس وغيره قالوا: لما توفي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فكان يكون معه، وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده وكان لا ينام إلا إلى جنبه وصب به صبابة لم يصب مثلها قط، وكان يخصه بالطعام وكان عيال أبي طالب إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شبعوا. وكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني. فيأتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعهم، وإن كان لبنا شرب أولهم ثم يتناول العيال القعب فيشربون منه فيروون عن آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعباً وحده فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. وكان الصبيان يصيحون رمصاً شعثاً ويصبح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دهينا كحيلا.

وروى أبو نعيم عن أم أيمن قالت: ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شكا جوعا ولا عطشا لا في كبره ولا في صغره، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا شبعان.

وروى الحسن بن سفيان عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كان أبو طالب يقرب للصبيان تصبيحهم فيضعون أيديهم فينتهبون ويكف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يده فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه.



كلمات دليلية: