وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم_6518

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم


المبحث الحادي عشر: موت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهيدا

ً

عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في مرضه الذي مات فيه: ((يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام (1) الذي أكلت بخيبر (2) , فهذا أوان وجدت انقطاع أبْهَري (3) من ذلك السم)) (4).

وقد عاش - صلى الله عليه وسلم - بعد أكله من الشاة المسمومة بخيبر ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي قُبض فيه (5)، وقد ذُكِرَ أن المرأة التي أعطته الشاة المسمومة أسلمت حينما قالت: من أخبرك؛ فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الشاة المسمومة أخبرته, وأسلمت وعفا عنها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أولاً، ثم قتلها

بعد ذلك قصاصاً ببشر بن البراء بعد أن مات - رضي الله عنه - (6)، وقد ثبت

_________

(1) ما أزال أجد ألم الطعام: أي أحس الألم في جوفي بسبب الطعام. الفتح، 8/ 131.

(2) وذلك أنه عندما فتح خيبر أُهديت له - صلى الله عليه وسلم - شاة مشوية فيها سم, وكانت المرأة اليهودية قد سألت: أي عضو من الشاة أحب إليه؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم, فلما تناول الذراع لاك منها مضغة، ولم يسغها, وأكل معه بشر بن البراء فأساع لقمته, ومات منها, وقال لأصحابه: أمسكوا عنها، فإنها مسمومة, وقال لها: ما حملك على ذلك؟ فقالت: أردت إن كنت نبيّاً فيطلعك اللَّه, وإن كنت كاذباً فأريح الناس منك ... )). انظر: فتح الباري، 7/ 197, والقصة في البخاري، برقم 3169, و4249, و5777, والبداية والنهاية لابن كثير، 4/ 208.

(3) الأبهر عرق مستبطن بالظهر، متصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه. الفتح، 8/ 131.

(4) البخاري مع الفتح، 8/ 131، برقم 4428 وقد وصله الحاكم والإسماعيلي. انظر: الفتح، 8/ 131.

(5) انظر: الفتح، 8/ 131، فقد ساق آثاراً موصولة عند الحاكم، وابن سعد. الفتح، 8/ 131.

(6) انظر: التفصيل في: فتح الباري، 7/ 497, والبداية والنهاية لابن كثير، 4/ 208 - 212.

الحديث متصلاً أن سبب موته - صلى الله عليه وسلم - هو السم, فعن أبي سلمة قال: كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فأهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية سمَّتها (1) , فأكل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - منها، وأكل القوم، فقال: ((ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني أنها مسمومة))، فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري, فأرسل إلى اليهودية: ((ما حملك على الذي صنعت))؟ قالت: إن كنت نبيّاً لم يضرّك الذي صنعت, وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك ((فأمر بها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقتلت))، ثم قال في وجعه الذي مات فيه: ((ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري)) (2)، وقالت أم بشر للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه: ما يتهم بك يا رسول اللَّه؟ فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المسمومة التي أكل معك بخيبر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((وأنا لا أتهم بنفسي إلا ذلك، فهذا أوان انقطاع أبهري)) (3).

وقد جزم ابن كثير رحمه اللَّه تعالى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات شهيداً (4) , ونقل: ((وإن كان المسلمون ليرون أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - مات شهيداً مع

_________

(1) سمتها: جعلت فيها سماً.

(2) أبو داود، برقم 4512, وقال الألباني: حسن صحيح. انظر: صحيح سنن أبي داود، 3/ 855.

(3) أبو داود، برقم 4513، وصحح إسناده الألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود، 3/ 855.

(4) انظر: البداية والنهاية، 4/ 210، و211، و4/ 210 - 212، و5/ 223 - 244.

ما أكرمه اللَّه به من النبوة)) (1)، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ((لئن أحلف تسعاً أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قتل قتلاً أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل, وذلك؛ لأن اللَّه اتخذه نبيّاً، واتخذه شهيداً)) (2).

وعن أنس - رضي الله عنه - أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يصلي بهم في وجع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف [في صلاة الفجر]، ففجأهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد كشف سِترَ حجرةِ عائشة - رضي الله عنها -[وهم في صفوف الصلاة]، وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف (3)، ثم تبسَّم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يضحك، [وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحاً] [برؤية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -]، [فنكص (4) أبو بكر - رضي الله عنه - على عقبيه ليصل الصف, وظنَّ أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - خارج إلى الصلاة]، [فأشار إليهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -[بيده] أن أتموا صلاتكم، [ثم دخل رسول اللَّه

- صلى الله عليه وسلم -] [الحجرة]، وأرخى الستر، فتوفي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من يومه ذلك<.

وفي رواية: [وتوفي من آخر ذلك اليوم] (5)، وفي رواية: [لم

_________

(1) انظر: المرجع السابق، 4/ 211.

(2) ذكره ابن كثير، وعزاه بإسناده إلى البيهقي. انظر: البداية والنهاية، 5/ 227.

(3) كأن وجهه ورقة مصحف: عبارة وكناية عن الجمال البارع، وحسن البشرة، وصفاء الوجه، واستنارته. شرح الأبي على صحيح مسلم، 2/ 310.

(4) فنكص على عقبيه: أي رجع القهقرى فتأخر, لظنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ليصلي بالناس, الفتح، 2/ 165.

(5) وقد ذكر ابن إسحاق أنه - صلى الله عليه وسلم - مات حين اشتد الضحى, ويجمع بينهما بأن إطلاق الأخير بمعنى: ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار، وذلك عند الزوال، واشتداد الضحى يقع قبل الزوال، ويستمر حتى يتحقق زوال الشمس, وقد جزم موسى بن عقبة عن ابن شهاب بأنه - صلى الله عليه وسلم - مات حين زاغت الشمس. الفتح، 8/ 143 - 144.

يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً] (1)، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدَّم, فقال نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بالحجاب فرفعه، فلمّا وضح وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وضح لنا, فأومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى أبي بكر أن يتقدَّم، وأرخى النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجاب فلم يُقدر عليه حتى مات (2).

وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة, ومنها:

,

1 - موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وانتقاله إلى الرفيق الأعلى شهيدا

ً؛ لأن اللَّه اتخذه نبيّاً، واتخذه شهيداً - صلى الله عليه وسلم -.

2 - عداوة اليهود للإسلام وأهله ظاهرة من قديم الزمان، فهم

أعداء اللَّه ورسله.

3 - عدم انتقام النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه, بل يعفو ويصفح؛ ولهذا لم يعاقب من سمَّت الشاة المصلية, ولكنها قُتِلتْ بعد ذلك قصاصاً

_________

(1) ابتداء من صلاته بهم قاعداً يوم الخميس كما تقدم. انظر: فتح الباري، 2/ 165, والبداية، 5/ 235.

(2) البخاري، برقم 608, و681, و754, و1205, و4448, ومسلم، برقم 419، والألفاظ مقتبسة من جميع المواضع, وانظر: مختصر صحيح الإمام البخاري للألباني، 1/ 174، برقم 374.

ببشر بن البراء بعد أن مات بِصُنعها.



كلمات دليلية: