وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم_19817

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم


الفصل الحادي والثلاثون دفن الرسول

اختلاف المسلمين هل مات محمد- عمر يخطب الناس بانه لم يمت- أبو بكر يعود فيخطبهم بانه مات ويتلو عليهم القرآن- اقتناع المسلمين بقول أبي بكر- خوف الاختلاف فيمن يقوم بامر المسلمين- بيعة السقيفة، ثم البيعة العامة لأبي بكر- تجهيز النبي وغسله- مرور الناس به رجالا فنساء فصبيانا- دفنه حيث قبض- إنفاذ جيش أسامة إلى الشام وانتصاره- آخر ما قال الرسول صلى الله عليه وسلّم

,

ذهول المسلمين لخبر الوفاة وعمر يكذب الخبر

اختار النبيّ عليه السلام الرفيق الأعلى في بيت عائشة ورأسه في حجرها، فوضعت رأسه على وسادة وقامت تلتدم وتضرب وجهها مع النساء اللاتي اسرعن اليها لأوّل ما بلغهن الخبر.

وفوجئ المسلمون بالمسجد بهذه الضجة؛ لأنهم رأوا النبيّ في الصباح وكل شيء يدلّ على أنه عوفي، مما جعل أبا بكر يذهب إلى زوجه بنت خارجة بالسنح. لذلك أسرع عمر إلى حيث كان جثمان النبيّ وهو لا يصدّق أنه مات. ذهب فكشف عن وجهه فألفاه لا حراك به: فحسبه في غيبوبة لا بدّ أن يفيق منها. وعبثا حاول المغيرة إقناعه بالحقيقة الأليمة؛ فقد ظلّ مؤمنا بأن محمدا لم يمت فلما ألحّ المغيرة قال له: كذبت. وخرج معه إلى المسجد وهو يصيح «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم توفي؛ وإنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران؛ فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات. والله ليرجعنّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات» . واستمع المسلمون بالمسجد إلى هذه الصيحات من جانب عمر يرسل الواحدة تلو الآخرى وهم في حال أشبه شيء بالذهول، ألا إن كان محمد قد مات حقّا فواحر قلباه؟ وياللهمّ الناصب لأولئك الذين رأوه وسمعوا له، وآمنوا بالله الذي بعثه بالهدى ودين الحق، همّ يذهل القلب ويذهب باللبّ. وإن كان محمد قد ذهب إلى ربه، كما يقول عمر، فذلك أدعى للذهول؛ وانتظار أوبته حتى يرجع كما رجع موسى أشدّ إمعانا في العجب.

لذلك أحاطت جموعهم بعمر وهم أدنى إلى تصديقه وإلى الإيمان بأن رسول الله لم يمت. وكيف يموت وقد كان معهم منذ ساعات يرونه ويسمعون إلى صوته الجهوري وإلى دعائه واستغفاره!. وكيف يموت وهو خليل الله الذي اصطفى لتبليغ رسالته، وقد دانت له العرب كلها، وبقي أن يدين له كسرى وأن يدين له هرقل بالإسلام!. وكيف يموت وهو هذه القوة التي هزّت العالم مدى عشرين سنة متوالية، وأحدثت فيه أعنف ثورة

روحية عرف التاريخ!. لكن النساء هناك ما زلن يلتدمن ويضربن وجوههنّ علامة أنه مات. ولكنّ عمرها هنا في المسجد ما فتئ ينادي بأنه لم يمت، وبأنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، وبأن الذين يقولون بموته إنما هم المنافقون؛ هؤلاء المنافقون الذين سيضرب محمد أيديهم وأعناقهم بعد رجعته. أي الأمرين يصدّق المسلمون؟ لقد أخذهم الفزع أول الأمر، ثم ما زالت بهم أقوال عمر تبعث إلى نفوسهم الأمل برجعة النبي حتى كادوا يصدّقون أمانيهم، ويصوّرون منها لأنفسهم حقائق يكادون يستريحون إليها.

,

مجيء أبي بكر من السنح

وإنهم لكذلك إذ أقبل أبو بكر آتيا من السنح وقد بلغه الخبر الفادح. وبصر بالمسلمين وبعمر يخطبهم، فلم يقف طويلا ولم يلتفت إلى شيء، بل قصد إلى بيت عائشة فاستأذن ليدخل، فقيل له: لا حاجة لأحد اليوم بإذن. فدخل فألفى النبيّ مسجّى في ناحية من البيت عليه برد حبرة «1» ، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه يقبله وقال: ما أطيبك حيّا وما أطيبك ميتا!. ثم إنه أخذ رأس النبي بين يديه وحدّق في معارف وجهه التي بقيت لم ينكرها عدوان الموت عليها، وقال: بأبي أنت وأمي! أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم أعاد الرأس إلى الوسادة وردّ البرد على وجهه وخرج وعمر ما يزال يكلم الناس ويقنعهم بأن محمدا لم يمت. وفسح الناس لأبي بكر طريقا. فلما دنا من عمر ناداه: على رسلك يا عمر! أنصت!. لكن عمر أبى أن يسكت أو ينصت واستمر يتكلم. فأقبل أبو بكر على الناس وأشار إليهم بأنه يكلمهم. ومن كأبي بكر في هذا المقام؟! أليس هو الصّدّيق صفيّ النبيّ ومن لو اتخذ خليلا لاتخذه خليلا؟! لذلك أسرع الناس إلى تلبية دعوته وانصرفوا إليه عن عمر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. ثم تلا قوله تعالى: (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) «2» .

وكان عمر قد أنصت حين رأى انصراف الناس إلى أبي بكر؛ فلمّا سمع أبا بكر يتلو هذه الآية خرّ إلى الأرض ما تحمله رجلاه موقنا أنّ رسول الله قد مات. وأمّا الناس فقد أخذوا من قبل بأقوال عمر، حتى لقد ألفوا أنفسهم إذ سمعوا هذه الآية يتلوها أبو بكر وكأنهم لم يكونوا يعلمون أنها نزلت. وكذلك زايل القلوب كل شك في أن محمدا قد اختار جوار الرفيق الأعلى، وأن الله قد ضمّه إليه.

أفكان عمر غاليا حين اقتنع بأن محمّدا لم يمت، وحين دعا الناس إلى مثل اقتناعه؟ كلا! وإن العلماء ليحدّثوننا اليوم بأن الشمس ستظل تتناثر على حقب الدهور حتى يجيء يوم تفنى فيه. أفيصدق أحد هذا الكلام من غير أن تساوره الشكوك في إمكانه؟ هذه الشمس التي ترسل من ضيائها ومن حرارتها ما يحيا العالم به، كيف تفنى وكيف تنطفئ ثم يبقى العالم بعدها يوما؟ ومحمد لم يكن أقلّ من الشمس ضياء، ولا حرارة، ولا قوة.

وكما أن الشمس محسنة، فقد كان محمد محسنا. وكما أن الشمس تتصل بالكائنات كلها، فقد كان روح محمد يتصل بالكائنات جميعا، وما زال ذكره صلى الله عليه وسلّم يعطّر الكون كله. فلا عجب إذا اقتنع عمر بأن محمدا لا يمكن أن يموت. وهو حقّا لم يمت ولن يموت.

__________

(1) برد حبرة (بالوصف وبالإضافة) : برد يمان موشى مخطط.

(2) سورة آل عمران آية 144.

,

رجوع الجيش إلى المدينة

وكان أسامة بن زيد قد رأى النبيّ صباح ذلك اليوم حين خرج إلى المسجد وظن كما ظن المسلمون جميعا أنه تعافى، فذهب ومن كان قد عاد إلى المدينة من الجيش المسافر إلى الشام ولحق بالمعسكر بالجرف، وأمر الجيش بالتجهز للمسير. وإنه لكذلك إذ لحق به الناعي نذيرا بوفاة النبي، فعاد أدراجه وأمر الجيش فرجع كله إلى المدينة؛ ثم ذهب هو فركز علمه عند باب عائشة، وانتظر ما سيكون من أمر المسلمين من بعد.

وفي الحقّ أنّ المسلمين كانوا من أمرهم في حيرة. فهم لم يلبثوا حين سمعوا أبا بكر وحين أيقنوا أن محمدا قد مات، أن تفرّقوا، فإنحاز حيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل إلى أبي بكر. وإن أبا بكر وعمر لكذلك إذ أتى آت ينبئهما بنبأ الأنصار الذين انحازوا إلى سعد بن عبادة، ثم يردف النبأ بقوله: فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر موجها حديثه إلى أبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. وإنهم لفي طريقهم إذ لقيهم من الأنصار رجلان صالحان، فذكرا للمهاجرين ما تمالأ عليه القوم وسألاهم: أين يريدون؟ فلمّا علما أنهم يريدون الأنصار قالا؛ لا عليكم ألّا تقرّبوهم؛ يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم. قال عمر: والله لنأتينّهم. وانطلقوا حتى نزلوا بهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل. قال عمر بن الخطاب: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، به وجع. فلما جلس المهاجرون قام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفّت دافّة من قومكم وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر.

,

مقالة أبي بكر للأنصار

وكانت هذه روح الأنصار أثناء حياة النبيّ. لذلك لم يكد عمر يسمع هذا الكلام حتى أراد أن يدفعه:

فأمسك به أبو بكر مخافة شدّته وقال: على رسلك يا عمر! ثم قال موجها كلامه للأنصار: «أيها الناس! نحن المهاجرين أوّل الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثرهم ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله: أسلمنا قبلكم، وقدّمنا في القرآن عليكم، فقال تبارك وتعالى:

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ) «1» .

فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار؛ إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ. وأما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، وأنتم أجدر بالثناء من أهل الأرض جميعا. فأما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش. فمنّا الأمراء ومنكم الوزراء» . هناك استشاط أحد الأنصار غضبا وقام فقال:

«أنا جذيلها «2» المحكّك، وعذيقها المرجّب. منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش» . قال أبو بكر: بل منا الأمراء ومنكم الوزراء، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم؛ وأخذ بيد عمر بن

__________

(1) سورة التوبة آية 100.

(2) الجذيل: تصغير الجذل وهو أصل الشجرة. والمحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربى. والعذيق: تصغير العذق (بفتح العين) وهو النخلة. والمرجب: الذي جعل له رجبة وهي دعامة تبنى حوله من الحجارة، وذلك إذا كانت النخلة كريمة وطالت تخوفوا عليها أن تنقعر من الرياح العواصف. يريد أنه قد جربته الأمور وله رأي وعلم يشتفي بهما، كما تشتفي الإبل الجربى باحتكاكها بالجذل.

الخطاب وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح وهو جالس بينهما. هنالك كثر اللغط وارتفعت الأصوات وخيف الاختلاف؛ فنادى عمر بصوته الجهوريّ: أبسط يدك يا أبا بكر. فبسط أبو بكر يده فبايعه وهو يقول: «ألم يأمرك النبي بأن تصلي أنت يا أبا بكر بالمسلمين! فأنت خليفته؛ ونحن نبايعك فنبايع خير من أحبّ رسول الله منا جميعا» . ومست هذه الكلمات قلوب الحاضرين من المسلمين أن كانت معبّرة حقّا عما ظهر من إرادة النبي حتى هذا اليوم الأخير الذي رآه الناس فيه؛ فقضى ذلك على ما بينهم من خلاف، وأقبلوا فبايع المهاجرون ثم بايع الأنصار.

وإذ كان الغد من ذلك اليوم، جلس أبو بكر على المنبر، وتقدّم ابن الخطاب فتكلّم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إنّي قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إليّ رسول الله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبّر أمرنا ويبقى ليكون آخرنا. وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله. فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له. وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه» . فبايع الناس أبا بكر البيعة العامّة بعد بيعة السقيفة.

,

خطاب أول الخلفاء الراشدين

وقام أبو بكر بعد أن تمّت البيعة فألقى في الناس هذا الخطاب الذي يعتبر آية من آيات الحكمة وفصل الخطاب. قال رضي الله عنه بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد، أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله» .

,

أين يدفن جثمان الرسول؟

وبينما المسلمون يختلفون ثم يتفقون على بيعة أبي بكر بيعة السقيفة ثم البيعة العامّة، كان جثمان النبي حيث كان على سرير موته يحيط به الأقربون من أهله. فلما تمّت البيعة لأبي بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله كي يدفنوه. وقد اختلفوا فيما بينهم أين يدفن. قال جماعة من المهاجرين: يدفن في مكة مسقط رأسه وبين أهله. وقال غيرهم: بل يدفن في بيت المقدس حيث دفن الأنبياء قبله. وما أدري كيف قال أصحاب هذا الرأي، وبيت المقدس كان ما يزال بأيدي الروم، وكان بين الروم والمسلمين عداوة منذ مؤتة وتبوك حتى جهز رسول الله جيش أسامة للثأر. ولم يرض المسلمون هذا الرأي ولا هم رضوا أن يدفن النبيّ بمكة، ورأوا أن يدفن بالمدينة التي آوته ونصرته والتي استظلت قبل غيرها بلواء الإسلام. وتحدثوا أين يدفن؟ قال فريق منهم:

يدفن بالمسجد حيث كان يخطب الناس ويعظهم ويصلي بهم؛ ورأى هؤلاء أن يدفن حيث يقوم المنبر أو إلى جانبه. لكن هذا الرأي لم يلبث أن رفض؛ لما روي عن عائشة أن النبيّ كان عليه رداء أسود حين اشد به وجعه، فكان يضعه مرّة على وجهه ويكشفه عنه مرة وهو يقول: قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! ثم قضى أبو بكر بين الناس إذ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول ما قبض نبيّ إلا دفن حيث يقبض. ثم تقرر أن يحفر له مكان الفراش الذي قبض فوقه.

,

غسل النبي ووداع الجثمان الطاهر

وتولى غسل النبيّ أهله الأقربون، وفي مقدمتهم عليّ بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وولداه الفضل وقثم وأسامة بن زيد. وكان أسامة بن زيد وشقران مولى النبيّ هما اللذان يصبّان الماء عليه وعليّ يغسله وعليه قميصه؛ فقد أبوا أن ينزعوا عنه القميص. وكانوا أثناء ذلك يجدون به طيبا حتى كان عليّ يقول: بأبي أنت وأمي! ما أطيبك حيّا وميّتا!. ويذهب بعض المستشرقين إلى أن هذه الرائحة الذكية ترجع إلى ما اعتاد النبيّ طوال حياته من التطيّب حتى كان يرى الطيب بعض ما حبّب إليه من هذه الحياة الدنيا. فلمّا فرغوا من غسله وعليه قميصه كفن في ثلاث أثواب: ثوبين صحاريّين «1» وبرد حبرة أدرج فيه إدراجا. ولمّا تمّ الجهاز على هذا النحو ترك الجثمان حيث كان، وفتحت الأبواب للمسلمين يدخلون من ناحية المسجد يطوفون، يلقون على نبيهم نظرة الوداع، ويصلّون على النبيّ، ثم يخرجون وقد هوى الحزن بنفوسهم إلى قرار سحيق.

وامتلأت الحجرة حين دخل أبو بكر وعمر يصليان مع المسلمين لا يؤمّهم في صلاتهم هذه أحد. فلما استوى الناس بالمكان وقد علاهم الصمت قال أبو بكر: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلّغ رسالة ربّه وجاهد في سبيله حتى أتمّ الله النصر لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ألّا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. وكان المسلمون يجيبون عند كل جملة من كلام أبي بكر في هيبة وخشوع: آمين آمين. فلما فرغ الرجال من صلاتهم وخرجوا أدخل النساء، ثم أدخل الصبيان من بعدهم. وهؤلاء وأولئك جميعا كلّ واجف قلبه محزون فؤاده يفرى الأسى كبده لفراق رسول الله خاتم النبيين، وتساوره على دين الله أشد الخشية من بعده.

,

من ساعات التاريخ الرهيبة

وإني لأستعيد الساعة، بعد أكثر من ألف وثلثمائة سنة من ذلك اليوم، صورة هذا المشهد الرهيب المهوب فتمتلئ نفسي هيبة وخشوعا ورهبة. هذا الجثمان المسجّى في ناحية من الحجرة التي ستصبح غدا قبرا والتي كانت إلى أمس بساكنها حياة ورحمة ونورا؛ وهذا الجثمان الطاهر لذلك الذي دعا الناس إلى الهدى والحق، وكان لهم المثل الأعلى في البر والرحمة والإقدام والإباء وإنصاف المظلوم والانتصاف من كل رجل وكل امرأة وكل صبيّ يذكر في هذا الرجل الذي اختار جوار ربه أباه وأخاه وصاحبه ووفيه ونبيّ الله ورسوله! أيّ شعور تمتلئ به تلك القلوب العامرة بالإيمان الممتلئة إشفاقا مما يخبئ الغد بعد موت الرسول- أستعيد الساعة صورة هذا المشهد الرهيب، فأراني شاخصا له مأخوذا به ممتلئ القلب من جلال هيبته، أكاد لا أجد إلى الإنصراف عنه سبيلا.

,

تبلبل عقائد المستضعفين

وكان من حق المسلمين أن تساورهم الخشية. فمنذ ذاع النّبأ بموت النبيّ في المدينة وترامى إلى قبائل العرب المحيطة بها، اشرأبّت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وتبلبلت عقائد المستضعفين من العرب.

وهمّ أهل مكة بالرجوع عن الإسلام، بل أرادوا ذلك، حتى خافهم عتّاب بن أسيد عامل النبي على أمّ القرى فتوارى منهم. ولولا أن قام سهيل بن عمرو بينهم، فقال بعد أن ذكر وفاة النبي: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه؛ ثم قال: يا أهل مكة، كنتم آخر من أسلم فلا تكونوا أوّل من ارتدّ، والله ليتمّنّ

__________

(1) صحارى: نسبة إلى صحار قرية باليمن، وقيل: هو من الصحرة وهي حمرة خفيفة كالغبرة، يقال: ثوب أصحر وصحارى.

الله عليكم هذا الأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لما رجعوا عن ردّتهم؟

,

دفن النبي

وقد كان للعرب في حفر قبورهم طريقتان: إحداهما لأهل مكة يحفرون القبر مسطّح القاع، والآخرى لأهل المدينة يحفرونه مقوّسا. وكان أبو عبيدة بن الجرّاح يضرح كحفر أهل مكة، وأبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة. وحار أهل النبي أيّ الطريقتين يسلكون في حفر قبره. فبعث عمه العباس رجلين يدعو أحدهما أبا عبيدة ويدعو الآخر أبا طلحة. فأمّا المبعوث إلى أبي عبيدة فلم يعد به وجاء المبعوث إلى أبي طلحة به، فلحّد لرسول الله على طريقة أهل المدينة فلمّا كان المساء وبعد أن مرّ المسلمون بالجثمان الطاهر وودّعوه الوداع الأخير، اعتزم أهل النبيّ دفنه، فانتظروا حتى مضى هزيع من الليل، وفرشوا القبر برداء أحمر كان النبيّ يلبسه، ثم أنزله الذين تولّوا غسله إلى المقرّ الأخير لرفاته، وبنوا فوقه باللبن وأهالوا التراب فوق القبر. قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى سمعنا صوت المساحى من جوف الليل، وقالت فاطمة مثل هذا القول. وكان دفنه ليلة الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الأول، أي بعد يومين من اختياره الرفيق الأعلى.

,

عائشة وحجرة القبر

وظلّت عائشة من بعد ذلك تعيش بمنزلها في الحجرة المجاورة لحجرة القبر سعيدة بهذا الجوار الكريم.

ولمّا مات أبو بكر دفن إلى جوار النبيّ، كما دفن عمر إلى جواره من بعد. ويروى أن عائشة كانت تزور حجرة القبر سافرة إلى أن دفن عمر بها إذ لم يكن بها يومئذ غير أبيها وزوجها. فلما دفن عمر كانت لا تدخل إلا محتجبة لابسة كامل ثيابها.

ولم يكد المسلمون يفرغون من جهاز رسول الله ودفنه حتى أمر أبو بكر أن ينفذ جيش أسامة لغزو الشام تنفيذا لما كان قد أمر رسول الله به. وقد أبدى بعض المسلمين من الاعتراض على ذلك ما أبدوا أيّام مرض النبيّ. وانضم عمر إلى المعترضين ورأى ألا يشتّت المسلمون، وأن يحتفظ بهم في المدينة مخافة أمر قد يدعو إليهم. لكن أبا بكر لم يتردّد لحظة في تنفيذ أمر الرسول، ورفض أن يستمع إلى قول الذين أشاروا بتعيين قائد أسنّ من أسامة وأكثر منه في الحرب دربة. وتجهّز الجيش عند الجرف وأسامة على رأسه، وخرج أبو بكر يودّعه. هنالك طلب إلى أسامة أن يعفى ابن الخطاب من الذهاب معه ليبقى بالمدينة يشير على أبي بكر. ولم تمض عشرون يوما على مسيرة الجيش حتى أغار المسلمون على البلقاء، وحتى انتقم أسامة للمسلمين ولأبيه الذي قتل بمؤتة أشدّ انتقام. وقد كانت صيحة الحرب في تلك الأيام المظفّرة: «يا منصور أمت» . وكذلك نفّذ أبو بكر ونفّذ أسامة أمر النبي، وعاد بالجيش إلى المدينة ممتطيا الجواد الذي قتل أبوه بمؤتة عليه، يتقدمه اللواء الذي عقده رسول الله بيده.



كلمات دليلية: