وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم_17958

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم


مطلب في ذكر من تولى غسله ودفنه وما كفن فيه

]

وكان الذي تولى غسله صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه والعباس والفضل وقثم ابنا العباس وأسامة بن زيد وشقران مولياه وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري ونفضه علىّ حين الغسل فلم يخرج منه شيء ولا تغيرت له رائحة على طول المكث وكان غسله من بئر لسعد بن خيثمة يقال لها بئر الغرس كلها صحاح (عزاء) بالنصب اسم ان والعزاء لغة الصبر (وخلفا) بالمعجمة والفاء أي عوضا (ودركا) أى ثوابا مدروكا (فثقوا) أمر من الوثوق (فان المصاب) حقيقة (من حرم الثواب) الموعود على المصائب بترك الصبر الجميل واتباع دواعي الجزع بترك الانقياد والاستسلام لأمر الله (فائدة) روى الحاكم في المستدرك أيضا باسناد صحيح عن جابر بن عبد الله قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عزتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص فقالت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ان في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل فائت فبالله ثقوا واياه فارجوا فانما المحروم من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وفي الحديث الاول فضيلة لابي بكر وعلى رضى الله عنهما حيث عرفا الخضر دون غيرهما وفيه وفي الحديث الثاني ندب التعزية وذلك مجمع عليه فقد عزي النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بابن له توفي كما رواه الحاكم في المستدرك بسند حسن غريب وأبو بكر بن مردويه عن معاذ وروي الترمذي عن أبى بردة من عزي ثكلى كسي بردا في الجنة وروي أيضا وابن ماجه عن ابن مسعود من عزى مصابا فله مثل أجره وصفة التعزية ومن ينبغي تعزيته وما يحصل به مستوفاة في كتب الفقه (وكان الذي تولي غسله على) كان غاسلا حقيقة وكذا الفضل بن عباس (و) أما (العباس) وكان واقفا ثم كما أخرجه ابن ماجه وغيره (وقثم) بضم القاف وفتح المثلثة كان ربما ناب عن الفضل (واسامة بن زيد) كان يناول الماء كما أخرجه أبو داود وابن ماجه (وشقران) بالمعجمة والقاف بوزن عثمان كان ربما ناب عن اسامة في المناولة (أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو ثم مهملة (ابن خولى) بفتح المعجمة وسكون الواو وكسر اللام وتشديد التحتية (ونفضه على) كما رواه ابن اسحاق وغيره والنفض بالفاء والمعجمة وهو اخراج ما في البطن قال المطرزي ويكنى به عن الاستنجاء (من بئر لسعد بن خيثمة) كما رواه أحمد عن على قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا على اذا أنامت فاغسلني من بئر غرس بسبع قرب لم تحلل أو كيتهن (يقال لها بئر الغرس) بفتح المعجمة وسكون الراء آخره مهملة هذا هو الصواب ويقال بضم العين أيضا وهي بئر بقباء شامي مسجد الفضيح الذي يقال له اليوم مسجد الشمس ينزل الى مائها بدر حنين شامي وغربي وعندها دكة يغسل أهل المدينة موتاهم عليها تأسيا به صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم يأتيها ويشرب منها ويتوضأ وقد صب ماء وضوئه فيها وبصق فيها أيضا كما رواه أحمد وغيره وأخرج ابن سعد عن عمران بن

وثبت في الصحيح أنه كفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة وكان في حنوطه المسك وخبأ منه علي شيء لنفسه وخرج ابن ماجه باسناد جيد عن ابن عباس انهم لما فرغوا من جهاز النبي صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وضع على سرير في بيته ثم دخل الناس ارسالا يصلون عليه حتى اذا فرغوا أدخلوا النساء حتى اذا فرغوا أدخلوا الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد وفي سبب ذلك أقوال لا تحقيق فيها الا ان مثل هذا لا يكون الا عن توفيق والله أعلم* واختلف أصحابه في قبره فقال قوم يدفنه في البقيع الحكم مرسلا نعم البئر بئر غرس هي من عيون الجنة وماؤها أطيب المياه (وثبت في) الحديث (الصحيح) في البخاري ومسلم وسنن أبي داود وغيرهما (في ثلاثة أثواب) زاد أبو داود بحراسة الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه ولابن سعد في الطبقات عن الشعبي ازار ورداء ولفافة (بيض) زاد البيهقي جدد (سحولية) بمهملتين أولاهما مضمومة وقيل مفتوحة كما هو الاشهر نسبة الى سحول بفتح السين وحكي ابن الاثير الضم أيضا قرية باليمن أو جمع سحل وهو الثوب الابيض النقى فيكون بالضم لا غير زاد في رواية في الصحيح من كرسف وهو بضم الكاف والمهملة بينهما راء ساكنة وهو القطن (ليس فيها) أي الثلاثة (قميص) ان قلت قد مر أن أبا داود قال وقميصه الذي مات فيه فالجواب انه حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به لابن يزيد ابن أبى زياد أحد رواته مجمع على ضعفه سيما وقد خالف بروايته الثقاة قاله النووى رحمه الله وفي الحديث وجوب التكفين وهو اجماع وفيه ندب كون الكفن أبيض ففي الحديث الصحيح البسوا الثياب البيض فانها أظهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم رواه أحمد والترمذي والنسائى وابن ماجه والحاكم عن سمرة ومن القطن ويجوز غيره لكن في الحرير كما قال ابن المنذر وغيره يحرم للذكر كما قاله أصحابنا وفيه استحباب كون الاكفان ثلاثة للذكر وأن لا يزاد عليها كما قاله أصحابنا لظاهر قوله ليس فيها قميص ولا عمامة وتأول مالك وأبو حنفية الحديث على ان معناه ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة وانما هما زائدان عليها ولا يخفي ضعف هذا التأويل سيما ولم يثبت انه صلى الله عليه وسلم كفن في قميص ولا عمامة الا ما مضي من رواية أبى داود بما فيها (في حنوطه) بفتح المهملة وضم النون واهمال الطاء طيب مجموع قال الازهري يستعمل على الكافور والصندل الاحمر وذريرة القصب (المسك) بالضم اسم كان (وخبأ منه) بالمعجمة والموحدة والهمز أي سرا وانما فعل على ذلك تبركا (وخرج ابن ماجه) ومالك بلاغا (ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد) كما رواه البيهقي وغيره (وفي سبب ذلك أقوال) قال الشافعى لعظم تنافسهم في ان لا يتولى الامامة عليه أحد في الصلاة وقال غيره لعدم تعين امام يؤم القوم فلو تقدم واحد في الصلاة لصار مقدما في كل شيء وتعين للخلافة وقيل لعدم اتساع المكان للجماعة (قلت) أو لانه صلى الله عليه وسلم حي فجعلوا ذلك فرقا بين الصلاة على الحي والصلاة على الميت (عن توقيف) بتقديم القاف على الفاء أى بامر من الشارع صلى الله عليه وسلم بذلك ووصيته به وقد أخرج الوصية بذلك البزار من طريق قرة بن مسعود

وقال آخرون في المسجد وقال قوم يحبس حتى يحمل الى أبيه ابراهيم فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما دفن نبي الا حيث يموت أخرجه ابن ماجه ومالك في الموطأ وغيرهما واختلفوا هل يلحد له أم لا وكان بالمدينة حافران أحدهما يلحد وهو أبو طلحة والآخر لا يلحد وهو أبو عبيدة فأرسلوا اليهما وقالوا اللهم اختر لنبيك واتفقوا على ان من جاء منهما أولا عمل عمله فجاء أبو طلحة ثم روي عنه صلى الله عليه وسلم قال اللحد لنا والشق لغيرنا فحفر له صلى الله عليه وسلم حول فراشه في بيت منزل عائشة ودخل قبره علي والعباس وابناه الفضل وقثم وشقران قيل وأدخلوا معه عبد الرحمن بن عوف وقيل ان أوس ابن خولي الانصاري ناشد عليا بالله كما ناشده عند الغسل فادخله معهم وفرش شقران في القبر الكريم قطيفة قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فدفنها معه وقال والله لا يلبسها أحد بعدك وكان المغيرة بن شعبة يزعم انه أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله وأخرجه الطبري أيضا (في المسجد) أي عند المنبر كما في رواية مالك (ما دفن نبى الا حيث يموت) فمن ثم دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها لانه مات فيها فائدة أخرج ابن سعد والبيهقى في الدلائل عن عائشة قالت رأيت في حجرتى ثلاثة أقمار فاتيت أبا بكر فقال ما أولها قلت أولها ولدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت أبو بكر حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خير أقمارك ذهب به ثم كان أبو بكر وعمر دفنا جميعا في بيتها (اللحد لنا والشق لغيرنا) رواه أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه بسند ضعيف عن ابن عباس ورواه أحمد عن جرير وزاد من أهل الكتاب ففي الحديث تفضيل اللحد على الشق بشرطه وهو كون الارض صلبة واللحد بفتح اللام وضمها ان يحفر حائط القبر من أسفل مائلا عن استوائه قدر ما يوضع فيه الميت في جهة القبلة والشق بفتح الشين ان يحفر في وسط القبر كالنهر ويبني حافتاه بنحو لبن ويوضع الميت بينهما ويسقف عليه بنحو اللبن (ودخل قبره على والعباس وابناه الفضل وقثم وشقران) كما رواه ابن حبان وصححه أو على والفضل (وعبد الرحمن بن عوف واسامة) ونزل معهم خامس كما رواه أبو داود أو على والعباس واسامة كما في رواية للبيهقي أو على والفضل (وقثم) بن عباس (وشقران) مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل معهم خامس كما في أخرى للبيهقى أيضا (وقيل ان أوس بن خولي الانصاري ناشد عليا بالله كما ناشده حين الغسل فادخله معهم) ولعله الرجل المبهم في الروايتين (وفرش شقران في القبر) الكريم (قطيفة) حمراء كما أخرجه الترمذى والنسائي عن ابن عباس إلا ذكران الذى فرش شقران فرواه الترمذي عن محمد بن على بن الحسين ومع ذلك فقد قال أصحابنا يكره ان يوضع تحت الميت نحو فراش وأجابوا عن هذا الحديث بان فعل شقران لم يكن بعلم الصحابة ولا برضاهم هذا وقد قال ابن عبد البر ان القطيفة أخرجت

عليه وسلم وذلك انه أسقط خاتما من يده في القبر فنزل يلتمسه وأنكر علي رضي الله عنه ذلك وقال أحدث الناس عهدا به قثم بن العباس وأطبق عليه صلى الله عليه وسلم تسع لبنات ودفن صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وقيل ليلة الأربعاء وذلك في شهر إيلول روي ابن اسحاق وغيره مسندا عن عائشة قالت ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل فقيل لم أخر دفنه صلى الله عليه وسلم وقد كان ينهى عن ذلك قيل لعدم اتفاقهم على موته فقد قال فريق منهم انما أخذه ما كان يأخذه حال الوحي وسيفيق وقيل لاختلافهم في موضع قبره كما سبق وقيل لانهم اشتغلوا بما وقع بين المهاجرين والانصار من الخلاف وخشوا تفاقم الأمر فنظروا فيها حتى اتسق الأمر وانتظم الشمل واستقرت الخلافة في نصابها فبايع أبا بكر بعضهم ثم بايعوه من الغد على ملأ منهم ورضاء وكشف الله الكربة وطفئت نار الخلاف وهذا ما استحضرته من الاخبار المتلقية بالقبول في الابانة عن موت الرسول صلى الله عليه وسلم ومعظمها من الصحاح وقد لفق بعض جهلة القصاص في ذلك أخبارا ركيكة قدر كراسة وجاء فيها بما يعلم ببديهة العقل وضعه والله أعلم.

[فصل عن الدارمي في خبر الملائكة الذين حفوا بقبره صلى الله عليه وسلّم]

(فصل) خرج الدارمي أن كعبا دخل على عائشة فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبي صلى الله عليه وسلم يضربون باجنحتهم ويصلون عليه حتى اذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى اذا انشقت الارض خرج في سبعين الفا من الملائكة يزفونه قبل اهالة التراب ولو سلم انها لم تخرج فهذا خاص به صلى الله عليه وسلم كما نقله الدار قطنى عن وكيع (اسقط) بفتح الهمزة والقاف (وأطبق عليه صلى الله عليه وسلم بتسع لبنات) كما نقله ابن عبد البر وغيره (ودفن يوم الثلاثاء) كما رواه مالك بلاغا (ايلول) بفتح الهمزة وسكون التحتية وضم اللام من أشهر الروم (المساحي) بفتح الميم جمع مسحاة بكسرها سميت بذلك لانها يمسح بها الارض قال الجوهرى ولا يكون الا من حديد أي فهي أخص من المجرفة لانها ربما كانت من غيره (تفاقم الأمر) بتقديم الفاء على القاف أي اشتداده وامتداده في الشر وعدم جريانه على الاستوى (اتسق الامر) أى اجتمع (الشمل) بفتح المعجمة ما يجتمع من الانسان ويتفرق (نصابها) أي محلها اللائق بها (عن ملأ) أي جماعة (الابانة) مصدرا بان يبين وهي نقيض الاخفاء (لفق) أي جمع شيئا الى شيء (القصاص) جمع قاص بالمد وتشديد المهملة المخبر بالقصص

(فصل) (خرج الدارمي) اسمه عبد الله بن عبد الرحمن منسوب الى دارم جد قبيلة قال المجد ذكره في باب ما أكرم الله به نبيه بعد موته عن نيشة بن وهب (يحفوا) أى يحدقوا ويحيطوا

وفيه ايضا ان اهل المدينة قحطوا قحطا شديدا فشكوا الى عائشة فقالت انظروا قبر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوى الى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا مطرا شديدا حتى نبت العشب واسمنت الابل حتى تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق.

[فصل في ميراثه صلى الله عليه وسلّم وأمواله]

(فصل) في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت امواله من ثلاثة اوجه الصفي والهدية تهدي اليه في غير غزو وخمس خيبر وما افاء الله عليه بالمدينة وفدك روينا في صحيح البخاري عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا الا بغلته البيضاء وسلاحه وارضا جعلها صدقة ونحوه في صحيح مسلم عن عائشة قالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء وفي المتفق عليه عنها ان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان الى أبي بكر في ميراثهن فقالت عائشة أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث (قحطوا) بضم القاف وفتحها كما مر في الاستسقاء (كوي) بضم الكاف وتخفيف الواو مع القصر والتنوين جمع كوة (العشب) بضم المهملة وسكون المعجمة الرطب من الكلأ (تفتقت) أي تكسرت عكنها بعضها على بعض من السمن.

(فصل) في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصفي) بفتح المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتية اسم لمكان يصطفيه أي يختاره صلى الله عليه وسلم من الغنيمة قبل القسمة فعيل بمعنى المفعول (والهدية تهدى اليه في غير غزو) منها حوائط سبعة في بنى النضير أوصى له بها مخيريق اليهودي عند اسلامه ومنها ما أعطاه الانصار من أرضهم وهو ما لا يبلغه الماء (وخمس خيبر) وكذا ما افتتح منها عنوة (وما أفاء الله على رسوله بالمدينة) كارض بني النضير حين أجلاهم (و) كذلك نصف أرض (فدك) التي صالح أهلها عليها بعد فتح الجهة وكذا ثلث وادي القرى أخذها صلحا وكذا الوطيح والسلالم من حصون خيبر (وروينا في صحيح البخارى) وسنن النسائى (ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى صهره وهو أخو ميمونة رضى الله عنها لم يخرج البخارى له سوى هذا الحديث قال ابن عبد البر وكانت وفاته بعد الخمسين قال الشمنى له ولابيه صحبة (ولا أمة) أخذ منه العلماء أخذ عتق المستولدة بموت المستولد وفي الحديث ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهد في الدنيا والتقلل منها واجتبائه الفقر (ونحوه في صحيح مسلم) وسنن أبى داود والنسائى (وفي المتفق عليه عنها) كما أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي (لا نورث) بالنون يعنى نفسه

ما خلفناه صدقة وروينا في كتاب الشمائل لأبي عيسي الترمذي وغيره عن أبي هريرة قال جاءت فاطمة الى أبي بكر فقالت من يرثك فقال أهلي وولدي فقالت مالى لا أرث أبى فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نورث ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله وأنفق على من كان رسول الله ينفق عليه وروينا في صحيح البخاري عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة وروينا فيه أيضا عن عائشة قالت توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد الاشطر شعير في رف لى فأكلت منه حتى طال علىّ فكلته ففنى وروينا في الصحيحين عن عائشة قالت كانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة وسائر الانبياء بدليل رواية النسائي انا معاشر الانبياء لا نورث (ما تركنا) موصول وصلته مبتدأ أى الذي نتركه بعد موتنا فهو (صدقة) بالرفع خبر ما تركنا وصحفه بعض الشيعة ويؤخذ من قوله صدقة زوال الملك عنه وهو المشهور من وجهين حكاهما الامام وصوب في الروضة الجزم به وقيل ان ما تركه باق على ملكه لان الانبياء احياء وصححه الامام* فائدة الحكمة في ان الانبياء لا يورثون انهم خزان الله والخازن لا يملك الا قوتا وغيرهم مرتزقون فمن اعطي رزقا ملكه فاذا مات الخازن لم ترثه ورثته واذا مات المرتزق ورثوه لان المرتزق أعطى ليتصرف تصرف المالك لمنافع نفسه والخازن أعطى ليصرفه في نوائب الخلق فاذا مات لم تخلفه ورثته لعدم قيامهم مقامه الا أن يكون الذي خلفه نبي فهو أمين الله بعده ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم انما أنا خازن والله يعطي قاله الحكيم الترمذي ونقل النووي عن العلماء ان الحكمة في ذلك انه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوراثهم فيهلك الظان وينفر الناس عنهم (وروينا في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وغيرهما (لا تقسم ورثتى) هذا خبر لا نهى ففيه معجزة له صلى الله عليه وسلم (ما تركت بعد نفقة نسائى) قال الخطابى كان سفيان بن عيينة يقول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في معنى المعتدات لانهن لا يجوز لهن النكاح أبدا فجرت عليهن النفقة وتركت حجرهن لهن وذلك أيضا لعظم حقهن في بيت المال لفضلهن وقدم هجرتهن وكونهن أمهات المؤمنين (ومؤنة عاملي) المراد به القائم على هذه الصدقات والناظر فيها وقيل المراد كل عامل للمسلمين من خليفة وغيره لانه عامل النبي صلى الله عليه وسلم والنائب عنه في أمته (وروينا في صحيح البخارى) وصحيح مسلم وغيرهما (شطر شعير) قال الترمذي الاشى من شعير وقيل هو نصف مكوك وقيل نصف وسق وقيل شطر وشطير كنصف ونصيف (في رف) بفتح الراء وتشديد الفاء وهو شبه الطاق قاله في الصحاح (فكلته ففني) أى فرغ والحكمة في ذلك ستر السر النبوي وعدم بقاء معجزة محسوسة بعده صلى الله عليه وسلم سوى القرآن (وروينا في الصحيحين عن عائشة) ورواه عنها أيضا أبو داود والنسائي (كانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها) وذلك لان الحديث لم

فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به الاعملت به انى أخشى ان تركت شيئا من أمره ان أزيغ فأما صدقته فدفعها عمر الى علىّ والعباس وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما الى من ولىّ الأمر قال فهما على ذلك الى اليوم* وروينا فيهما أيضا من رواية مالك بن أوس بن الحدثان ان عليا والعباس استأذنا على عمر وعنده عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص فقال العباس يا أمير المؤمنين اقضي بينى وبين هذا وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير فقال الرهط عثمان وأصحابه يا عمر اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر قال عمر تئدكم أنشدكم الله الذي باذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركناه صدقة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه قال الرهط قد قال ذلك قال يبلغها أو بلغها وتأولته كما نقله عياض عن بعضهم قال وفي ذلك تركت فاطمة منازعة أبى بكر بعد احتجاجه بالحديث عليها التسليم للاجماع على القضية وانها لما بلغها الحديث وتبين لها التأويل تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب وجاء في تتمة الحديث ان فاطمة هجرت أبا بكر فلم تكلمه حتى توفيت قال النووي المراد أنها لم تكلمه في هذا الامر أى لم تطلب منه حاجة ولا اضطرت الى لقائه فتكلمه ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته (ان أزيغ) أى أميل عن الحق (قال فهما على ذلك الى اليوم) هذا من كلام الزهرى (ابن الحدثان) بفتح المهملتين (اقض بيني وبين هذا) زاد مسلم الكاذب ومعناه الكاذب ان لم ينصف قاله جماعة وقال المازري هذا اللفظ الذى وقع لا يليق ظاهره بالعباس وحاشي لعلي أن يكون فيه بعض هذه الاوصاف ولسنا نقطع بالعصمة الا للنبى صلى الله عليه وسلم أى لجميع الانبياء اسكنا مأمورون بحسن الظن بالصحابة ونفي كل رذيلة عنهم قال وقد حمل هذا بعض الناس على ان أزال هذا اللفظ من نسخته تورعا ولعله حمل الوهم على رواته قال واذا كان لا بد من أتيانه فاجود ما حمل عليه انه صدر من العباس على وجه الادلال على ابن أخيه لانه بمنزلة أبيه (تئدكم) بفتح التاء الفوقية وكسر التحتية المهموزة وفتح الدال من التؤدة وهي الرفق وللاصيلي في صحيح البخاري بكسر أوله وضم الدال اسم فعل كرويد أي على رسلكم ولمسلم إتئدا بكسر الهمزة والتحتية وفتح الفوقية أى أصبر أو امهل (هل يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الى آخره) هذا تقرير من عمر عليهما انهما يعلمان ذلك كغيرهما من الحاضرين وأن ذلك حديث مشهور سمعه منه صلى الله عليه وسلم كثيرون من الصحابة وانما سألا ذلك ومع علمهما بالحديث لما سيأتي انهما انما طلبا القيام عليه لا الارث الذي منعه الشارع صلى الله عليه وسلم

عمر فانى أحدثكم عن هذا الأمر ان الله خص رسوله من هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ثم قرأ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ الى قوله قَدِيرٌ فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما اختارها دونكم ولا استأثرها عليكم قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقى منها هذا المال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقى فيجعله مجعل مال الله فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حياته أنشدكم الله هل تعلمون ذلك قالوا نعم ثم قال لعلي والعباس أنشدكما الله هل تعلمان ذلك قال عمر ثم توفي الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر أنا ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يعلم انه فيها لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفي ابو بكر فكنت انا ولى ابو بكر فقبضتها سنتين من امارتى أعمل فيها بما عمل رسول الله وبما عمل فيها ابو بكر والله يعلم اني لصادق بارّ راشد تابع للحق ثم جئتمانى تكلمانى وكلمتكما واحدة وامركما واحد جئتني يا عباس تسئلنى نصيبك من ابن أخيك وجاءنى هذا يعنى عليا يريد نصيب امرأته من أبيها فقلت لكما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال معاشر الأنبياء لا نورث ما خلفناه صدقة فلما بدالى ان أدفعه اليكما قلت ان شئتما دفعتها اليكما ان عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما عمل فيها ابو بكر وبما عملت فيها منذ وليتها فقلتما ادفعها (والله ما أختارها) بمهملة وزاي وللكشميهنى في صحيح البخارى بمعجمة وراء (وبثها) بالموحدة فالمثلثة أى نشرها ثم قرأ (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ الآية) قال عياض في معنى ذلك احتمالان أحدهما تحليل الغنيمة له ولامته الثاني تخصيصه بالفيء كله أو بعضه حسب اختلاف العلماء قال وهذا الثاني أظهر لاستشهاد عمر عليه بالآية (فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم) أى خاصة له (ينفق على أهله نفقة سنتهم) أي يعدل لهم نفقتها ثم نفقته قبل انقضاء السنة في وجوه الخير ولا يتم السنة فمن ثم توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة في شعير استدانه لاهله قال البغوي وفيه جواز ادخار قوت سنة وجواز الادخار للعيال وان هذا لا يقدح في التوكل (مجعل مال الله) ولمسلم في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله والكراع بضم الكاف الخيل (فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم) زاد مسلم فرأيتماه كاذبا غادرا خائنا وكذلك في عمر فرأيتماني كاذبا غادرا خائنا قال المازري المراد أنكما تعتقدان ان الواجب أن يفعل في هذه القصة خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر فنحن على مقتضى رأيكما لو أتينا ما أتينا ونحن معتقدان ما تعتقدانه لكنا بهذه الاوصاف أو نكون معناه ان الامام انما يخالف اذا كان على هذه الاوصاف ومتهم في قضاياه فكأن مخالفتكما لنا تشعر من رأها أنكما تعتقدان ذلك فينا (بدالي) بغير همز أى ظهر (عهد الله وميثاقه) بفتحهما (وليتهما) بفتح الواو وتخفيف

الينا فبذلك دفعتها اليكما فأنشدكم بالله هل دفعتها اليهما بذلك فقال الرهط نعم ثم أقبل على علي والعباس فقال أنشدكما بالله هل دفعتها اليكما بذلك قالا نعم قال افتلتمسان مني قضاء غير ذلك فو الله الذي باذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك فان عجزتما عنها فادفعاها الى فانى أكفيكماها هذا لفظ البخاري فيها* فائدة قال ابو داود ما معناه انما سئل العباس وعلي من عمر ان يصيره بينهما نصفان وينفرد كل بنصيبه لأنهما جهلا الحكم فكره عمر أن يجري عليهما اسم القسم فيتوهم الملك قال الخطابى وما أحسن ما قاله ابو داود في هذا وما تأوله وقد زاد البرقانى من طريق معمر قال فغلب علي عليها فكانت بيده ثم بيد ابنه الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم الحسن بن الحسين ثم زيد بن الحسن قال معمر ثم بيد عبد الله بن الحسن ثم وليها بنو العباس والله أعلم.

[فصل في رؤية النبي صلى الله عليه وسلّم في النوم]

(فصل) في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في النوم روينا في صحيح البخاري ومسلم عن أبى هريرة قال سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول من رآنى في المنام فسيرانى في اليقظة اللام (وينفرد كل بنصيبه) يتفقان بها على حسب ما ينفعهما به الامام (لا أنهما جهلا الحكم) وهو كونه صلى الله عليه وسلم لا يورث (فكره عمر أن يجرى عليها اسم القسم فيتوهم الملك) أرى مع تطاول الزمان وأنهما ورثاه وقسمه الميراث بين البنت والعم نصفان فيلتبس ذلك ويظن أنه ملك بالارث قال أبو داود ولما صارت الخلافة لعلي لم يغيرها عن كونها صدقة وبنحو هذا احتج السفاح فانه لما خطب أول خطبة قام بها قام اليه رجل معلق في عنقه المصحف فقال أنا شدك الله ألا ما حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف فقال من هو خصمك فقال أبو بكر في منعه فدك قال أظلمك قال نعم قال فمن بعده قال عمر قال أظلمك قال نعم وقال في عثمان كذلك قال فعلي ظلمك فسكت الرجل فاغلظ له السفاح (البرقاني) بضم الموحدة وسكون الراء ثم قاف (ثم على بن الحسين) زين العابدين (ثم الحسن) المثني (بن الحسن) بن على (ثم زيد بن الحسن) المثني (ثم بيد عبد الله بن الحسن) المثنى

(فصل) في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم (روينا في صحيح البخاري ومسلم) وسنن أبى داود (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) بفتح القاف قيل والمراد بهذا الحديث أهل عصره والمعنى من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفق للهجرة ورؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة عيانا وقيل معناه انه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وقيل معناه سيراني في الدار الآخرة أى رؤية خاصة من القرب منه وحصول شفاعته وبحق ذلك مما يمتاز به عن رؤية جميع أمته له يومئذ ذكر هذه الاقوال النووي قال في الديباج وحمله ابن أبي جمرة وطائفة على انه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه وأن ذلك كرامة من كرامات الاولياء ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مناما ثم رأوه بعد ذلك يقظة وسألوه عن أشياء كانو منها متخوفين فأرشدهم الى طريق تفريجها قال والحديث عام في أهل التوفيق وأما

أو كأنما رآنى في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي وفي صحيح البخاري عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من رآنى في المنام فقد رآني فان الشيطان لا يتمثل بى ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وفيه أيضا عن ابى سعيد الخدرى انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول من رآنى فقد رأى الحق فان الشيطان لا يتكونني وروينا في صحيح غيرهم فعلى الاحتمال فان خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الاملاء والاغواء كما تقع للصديق بطريق الكرامة والاكرام وانما تحصل التفرقة بينهما بالاتباع انتهي واستشكل الحافظ ابن حجر ما قاله ابن أبي جمرة بانه يلزم من ذلك كون هؤلاء صحابة وتبقى الصحابة الى يوم القيامة وان جمعا ممن رآه في المنام لم يروه في اليقظة وخبره لا يتخلف انتهى وأجيب عن الاول بمنع الملازمة اذ شرط الصحبة رؤيته صلى الله عليه وسلم وهو في عالم الدنيا لا في عالم البرزخ وعن الثانى بان الظاهر ان من لم يبلغ درجة الكرامة ومات من المؤمنين تحصل له رؤيته قرب موته عند طلوع روحه فلا يتخلف الحديث وقد وقع ذلك لجماعة قال في الديباج أما أصل رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة فقد نص على امكانها ووقوعها جماعة من الائمة منهم حجة الاسلام الغزالي والقاضى أبو بكر بن العربى والشيخ عز الدين بن عبد السلام وابن أبي جمرة وابن الحاج واليافعي في آخرين (أو كانما رآني في اليقظة) أى للعلة الذى ذكرها وهو أن الشيطان لا يتمثل أى لا يتشبه به والمعني أن رؤيته صلى الله عليه وسلم حق قطعا ثم قال عياض ان هذا خاص برؤياه في صورته التى كان عليها والا كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة وضعفه النووي وقال بل الصحيح انه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري انتهي وأيده الحافظ ابن حجر بما أخرجه ابن أبى عاصم بسند ضعيف عن أبي هريرة مرفوعا من رآنى في المنام فقد رآني فانى في كل صورة قلت فلعله يحال ما رأي فيه صلى الله عليه وسلم من خلاف صفته على ضبط النائم وعدم تكيفه كما ذكروه فيما لو رآه يأمر عن منهي أو ينهى عن مأمور في شريعته وربما كانت رؤياه له بحسب ثباته في دينه فمن كان ذادين كامل واتباع وافر رآه في صورته المعروفة بعين القلب السالمة من عوارض الغشاء ونحوه والا كانت رؤيته له بحسب ضعف نظره (فائدة) قال عياض اتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى مناما وصحتها وان رآه على صفة لا تليق بجلاله من صفات الاجسام لان ذلك المريء غير ذات الله تعالى اذ لا يجوز عليه التجسيم ولا اختلاف الاحوال وقال ابن الباقلاني رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلوب وهي دلالات للرائى على أمور مما كان أو يكون كسائر المرئيات (ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة) سبق الكلام عليه في بدأ الوحي (وفيه أيضا) أي في صحيح البخارى (عن أبي سعيد) وفي رواية له أخري عن أبي قتادة وقد رواه عن أبي قتادة أيضا أحمد والترمذى (فان الشيطان لا يتكونني) لا يكون على هيئتي وشكلى قال النووي قال بعض العلماء خص الله سبحانه النبى صلى الله عليه وسلم بان رؤيا الناس إياه صحيحة وكلها صدق ومنع الشيطان ان يتصور في خلقه لئلا يتدرع بالكذب على لسانه في النوم كما خرق الله تعالى العادة للانبياء بالمعجزة دليلا على صحة حالهم وكما استحال تصور الشيطان في صورته في اليقظة اذ لو وقع لاشتبه الحق بالباطل ولم يوثق

مسلم عن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رآنى في المنام فقد رآنى فانه لا ينبغى للشيطان ان يتمثل في صورتى وقال اذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدا بتلعب الشيطان به في المنام قال ابن الباقلانى معنى هذه الاحاديث ان رؤياه صلى الله عليه وسلم صحيحة ليست باضغاث بما جاء من جهة النبوة مخافة من هذا التصور فحماها الله من الشيطان ونزغه ووسوسته والقائه وكيده على الانبياء وكذا حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبي للشيء عن تمثل الشيطان بذلك لتصح رؤياه في الوجهين ويكون طريقا الى علم صحيح لا ريب فيه (وقال اذا حلم أحدكم الى آخره) رواه مسلم وابن ماجه عن جابر وحلم بفتح المهملة واللام والميم أي رأي رؤيا مكروهة (فلا يخبر أحدا بتلعب الشيطان به في المنام) في رواية أخرى للشيخين وأبى داود والترمذي عن أبي قتادة الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فاذا رأي أحدكم شيأ يكرهه فلينفث حين يستيقظ عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من شرها زاد في رواية وليصل ركعتين فانها لا تضره ولمسلم عن أبي قتادة أيضا الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان فمن رأي رؤيا فكره منها شيأ فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فانها لا تضره ولا يحدث بها أحدا فان رأي حسنة فليسر ولا يحدث بها الا من يحب ففي مجموع هذه الاحاديث سنن ينبغي أن يعمل بها كلها فاذا رأي ما يكره نفث عن يساره ثلاثا قائلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شرها وليتحول الى جنبه الآخر وليصل ركعتين قال النووي فان اقتصر على بعضها أجزاه في دفع ضررها باذن الله كما صرحت به الاحاديث الصحيحة ولا يحدث بها أحدا لانه ربما عبرها عبرا مكروها على ظاهر صورتها وكان ذلك محتملا فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى وأما قوله في الرؤيا الحسنة ولا يخبر بها الا من يحب فسببه كما قال النووى وغيره انه اذا أخبر بها من لا يحب قد يحمله البغض والحسد على عبرها بمكروه فقد يقع كذلك والا فيحصل له النكد والحزن من سوء عبرها (فائدة) قال الامام المازري مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا ان الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة فاذا خلق هذه الاعتقادات فكانه جعلها علما على أمور اخر فحققها في ثاني الحال لو كان قد خلقها فاذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر فاكثر ما فيه انه اعتقد أمرا على خلاف ما هو فيه فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما خلق الله تعالى الغيم علما علي المطر والجميع خلق الله تعالي ولكن خلق الرؤيا التى جعلها علما علي غير ما يسر بغير حضرة الشيطان وما هو علم على ما تضر بحضرته فنسبت الى الشيطان مجازا لحضوره عندها وان كان لا فعل له حقيقة انتهي قال النووى وقال غير المازري أضاف الرؤيا المختارة الى الله تشريفا بخلاف المكروهة وان كانتا جميعا من خلق الله تعالي وتدبيره وارادته ولا فعل للشيطان فيها انتهى وروى الطبراني في الكبير والضياء عن عبادة بن الصامت مرفوعا رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام ورواه في نوادر الاصول عن عبادة أيضا لكن بسند ضعيف (قال ابن الباقلانى) كما نقله عنه النووى في شرح

أحلام ولا من تشبهات الشيطان وقيل المراد ان من رآه فقد ادركه حقيقة فلا مانع يمنع من ذلك والعقل لا يحيله فيضطر الى صرفه عن ظاهره قالوا وقد نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف صفته أو في مكانين معا وذلك غلط في صفاته وتخيل لها على خلاف ما هي عليه فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية فالادراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة ولا كون المرئي مدفونا في الأرض ولا ظاهرا عليها وانما يشترط كونه موجودا ولا يقيم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم بل جاء في الأحاديث الصحيحة ما يقتضي بقاءه مع جميع الأنبياء وورد أيضا أنهم يصلون في قبورهم وتجري لهم أعمال البر كحياتهم وزاد أيضا أن سعيد بن المسيب في أيام الحرة حين هجر المسجد النبوي كان لا يعرف وقت الصلاة الا بهمهمة كان يسمعها من داخل الحجرة المقدسة ولا يبعد أن يكون ذلك خاصا لهم ولمن شاء الله من خواص عباده والله أعلم* قال العلماء ولو رأى صلى الله عليه وسلم يأمر أو ينهى بخلاف ما تقرر في شرعه ورواه عنه الاثبات الثقات يقظة لم يعمل به وليس ذلك لشك في الرؤيا وانما هو لانحطاط درجة النائم عن حالة الضبط والتيقظ المشترط في رواية الحديث والله أعلم

مسلم (ولا من تشبيهات الشيطان) لقوله فقد رأي الحق أى الرؤية الحقيقية قال وان كان قد يراه الرائى بخلاف صفته المعروفة كما يراه أبيض اللحية وقد يراه الشخصان في زمن واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب ويراه كل واحد منهما في مكانه (وقيل المراد من رآه الى آخره) نقل ذلك الماذرى عن جماعة (والعقل لا يحيله) أي لا يجعله مستحيلا لا يتصور (فيضطر) بالنصب جواب النفي (تحديق الابصار) أي النظر بالحدقتين (بل جاء في الاحاديث الصحيحة ما يقتضي بقاء من جميع الانبياء) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس ولفظهم ان من أفضل أيامكم يوم الجمعة فاكثروا علي من الصلاة فان صلاتكم معروضة على قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت يقولون بليت قال ان الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء (وورد انهم يصلون في قبورهم) رواه أبو يعلى عن أنس (وورد أيضا ان سعيد بن المسيب في أيام الحرة الى آخره) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (بهمهمة) أى صوت (ان يكون ذلك خاصا لهم) مستثني من عموم حديث اذا مات العبد انقطع عمله (ولمن شاء الله من خواص عباده) كرامة لهم فقد حكى ان بعض أهل الكشف اطلع على الشيخ الولى الكبير محمد بن أبي بكر الحكمي أحد العشرة المشار اليهم في رؤيا الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي وهو يصلى في

[الباب الخامس في ذكر بنيه صلى الله عليه وسلّم وأزواجه وأعمامه وعمّاته إلى آخره]

(الباب الخامس) في ذكر بنيه صلى الله عليه وسلم وبناته وازواجه وأعمامه وعماته ومرضعاته وأخواته من الرضاعة واخوته وذكر مواليه وخدمه من الاحرار ومن كان يحرسه ورسله الى الملوك وكتّابه ورفقائه العشرة النجباء وأصحابه النقباء وأهل الفتوى في حياته: وفيه فصول حسبما تضمن من التراجم.

[



كلمات دليلية: