هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة_3218

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة


الباب الثاني في سبب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وكفاية الله تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا

روى ابن إسحاق وعبد الرزاق والإمام أحمد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس، وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة، والبيهقي عن ابن إسحاق أن قريشا لما رأت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا جوارا ومنعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة- وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها- يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين خافوه.

فاجتمعوا لذلك واتّعدوا، وكان ذلك اليوم يسمّى يوم الزّحمة فاعترضهم إبليس لعنه الله في هيئة شيخ جليل عليه بتّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشّيخ؟ قال:

شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ألا تعدموا منه رأيا ولا نصحا. قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش: من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب- وأسلم بعد ذلك-[ومن بني نوفل بن عبد مناف] : طعيمة بن عديّ، وجبير بن مطعم- وأسلم بعد ذلك- والحرث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبد الدار بن قصيّ] : النّضر بن الحرث بن كلدة [ومن بني أسد بن عبد العزّى] : أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود- وأسلم بعد ذلك- وحكيم بن حزام- وأسلم بعد ذلك، [ومن بني مخزوم] : أبو جهل بن هشام، [ومن بني سهم] : نبيه ومنبّه ابنا الحجّاج، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن كان معهم، وغيرهم ممّن لا يعدّ من قريش.

فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا. قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم- نقل السهيلي عن ابن سلّام أنه أبو البختريّ بن هشام- احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي- لعنه الله-: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.

فتشاوروا ثم قال قائل منهم- ذكر السهيلي أنه أبو الأسود ربيعة بن عمرو أحد [ (1) ] بني

__________

[ (1) ] في أ: أخو.

عامر بن لؤي- نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا [كما كانت] فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبّروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد.

قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابّا جلدا نسيبا وسيطا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. فقال الشيخ النجدي أخزاه الله: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا أرى غيره.

وذكر ابن الكلبي أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل لعنه الله قال:

الرّأي رأيان: رأي ليس يعرفه ... هاد ورأي كنصل السّيف معروف

يكون أوّله عزّ ومكرمة ... يوما وآخره جدّ وتشريف

وتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وأخبره بمكر القوم وإذن الله تعالى له بالخروج. فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه،

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرميّ الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» ،

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.

فلما اجتمعوا قال أبو جهل بن هشام: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن وإن أنتم لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها.

فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك وأنت أحدهم» .

وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذري ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: 1- 9] فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.

فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: «ما تنتظرون ههنا» ؟ قالوا: «محمدا» . قال: «خيّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم» ؟ قال: «فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب» ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجّيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي رضي الله عنه من الفراش.

فقالوا: «والله لقد صدقنا الذي كان حدّثناه» . وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور.

وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه» . وكان المشركون يرجون رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يرمون عليّا ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل عليّ يتوضأ فإذا هو علي، فقالوا: إنك للئيم، إنك لتتضوّر [ (1) ] وكان صاحبك لا يتضوّر وقد استنكرناه منك.

وروى الحاكم عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال: إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ، وقال في ذلك شعراً:

وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر

وبات رسول الله في الغار آمنا ... موقّى وفي حفظ الإله وفي ستر

وبتّ أراعيهم وما يتّهمونني ... وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر

قال ابن إسحاق: وكان مما أنزل الله عز وجل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ بالوثاق والحبس والإثخان بالجرح (أو يقتلوك) بسيوفهم (أو يخرجوك) - من مكة- (ويمكرون) - يحتالون في أمرك- (ويمكر الله) - يجازيهم جزاء مكرهم فسمّى الجزاء مكرا لأنه في مقابلته، والمعنى أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم والله تعالى منعه منهم وأظهره وقوّاه ونصره فضاع فعلهم وظهر فعل الله عز وجل- وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: 30]- لأن مكره حقّ، وإتيان هذا مما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقه ابتداء لما فيه من إيهام الذّمّ، وهذه السورة مدنية، وهذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. وقد ذكر الله تعالى النبيّه محمدا صلى الله عليه وسلم نعمته عليه.

قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى في ذلك فَذَكِّرْ- أي دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنهم لقولهم لك كاهن مجنون فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ- جزما- وَلا مَجْنُونٍ معطوف عليه- أَمْ- بل- يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ- أي حوادث

__________

[ (1) ] قال ابن الأثير: أي تتلوى وتضيع وتتقلّب ظهرا لبطن. انظر النهاية 3/ 105.

الدّهر فيهلك كغيره من الشعراء- قُلْ- لهم- تَرَبَّصُوا- هلاكي- فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور: 29، 31]- لهلاككم، فعذّبوا بالسيف يوم بدر، والتّربّص الانتظار.

,

الباب الرابع في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وما وقع في ذلك من الآيات

قال الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء 80] . روى الإمام أحمد والترمذي والحاكم والضياء وصحّحوه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة من مكة وأنزل عليه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء 80] الهجرة إلى المدينة وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً: كتاب الله عز وجل، وفرائضه وحدوده.

وروى الحاكم وصححه عن قتادة في الآية قال: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني المدينة وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني مكة. وروى الزبير بن بكّار عن زيد بن أسلم في الآية قال:

جعل الله تعالى مدخل صدق المدينة ومخرج صدق مكة، وسلطانا نصيرا الأنصار.

قال ابن سعد: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما خرج من بيته أتى بيت أبي بكر بمكة فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه» .

وروى موسى بن عقبة وابن إسحاق والإمام أحمد والبخاري وابن حبان عن عائشة رضي الله عنها، وابن إسحاق والطبراني عن أختها أسماء رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» . فقال أبو بكر:

وهل ترجو ذلك بأبي وأمي أنت؟ قال: «نعم» .

فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر [ (1) ] ، وهو الخبط [ (2) ] أربعة أشهر.

[قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير إن عائشة رضي الله عنها قالت:] «لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيّة» . قالت: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة [ (3) ] قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها» . فقال أبو بكر: «فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر» .

قالت: «فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل، فتأخّر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم» . فقال أبو بكر: «يا رسول الله ما جاء بك إلا أمر حدث» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

__________

[ (1) ] السّمر: هو ضرب من شجر الطّلح الواحدة سمرة، انتظر النهاية لابن الأثير 2/ 399.

[ (2) ] الخبط، ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط خبط بالتحريك، فعل بمعنى مفعول، وهو من علف الإبل. انظر النهاية لابن الأثير 2/ 7.

[ (3) ] نحر الظهيرة: هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع، كأنها وصلت إلى النحر، وهو أعلى الصدر. انظر النهاية لابن الأثير 5/ 27.

لأبي بكر: «أخرج من عندك» . فقال أبو بكر: لا عين عليك إنما هما ابنتاي، وفي لفظ: أهلك.

قال: «إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة» . فقال أبو بكر: «الصحبة يا رسول الله» . قال:

«نعم» . قالت عائشة: «فو الله ما أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ» .

قال أبو بكر: «يا رسول الله خذ إحدى راحلتيّ هاتين» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بالثّمن، لا أركب بعيرا ليس هو لي» . قال: فهو لك. قال: «لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به» . قال «أخذتها بكذا وكذا» . قال «أخذتها بذلك» . قال: هي لك. وعند البخاري في غزوة الرجيع أنها الجدعاء، وأفاد الواقدي أن الثمن ثمانمائة. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدّيل وهو من بني عبد بن عديّ هاديا خرّيتا- والخرّيت الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفّار قريش- وأسلم بعد ذلك- فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث.

قالت عائشة: فجهّزنا هما أحثّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب. وأفاد الواقدي أنه كان في السّفرة شاة مطبوخة. قالت عائشة: فشقّت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها- وفي لفظ قطعت نطاقها قطعتين فأوكت بقطعة منه الجراب وشدّت فم القربة بالباقي فسمّيت ذات النطاق وفي لفظ النّطاقين.

وعند البلاذري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لها نطاقين في الجنّة» [ (1) ]

فسميت ذات النطاقين.

قال ابن إسحاق: وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته» . قالت عائشة: «ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بغار في جبل ثور» . وفي حديث عمر عند البيهقي أنهما خرجا ليلا. وذكر ابن إسحاق والواقدي أنهما خرجا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر.

وروى أبو نعيم عن عائشة بنت قدامة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل فأعمى الله عز وجل بصره عنّي وعن أبي بكر حتى مضينا» .

قالت أسماء: «وخرج أبو بكر بماله خمسة آلاف درهم» . قال البلاذري: «وكان مال أبي بكر يوم أسلم أربعين ألف درهم، فخرج إلى المدينة للهجرة وماله خمسة آلاف أو أربعة، فبعث ابنة عبد الله فحملها إلى الغار» .

قالت: «فدخل علينا جدّي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: «والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه» . قالت: «قلت: كلّا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا» . قالت: «فأخذت أحجارا فوضعتها في كوّة في البيت، كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 6/ 150 (2979) .

فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه. فقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكّن الشيخ بذلك» .

وفي حديث عند البيهقي إن أبا بكر رضي الله عنه لما خرج هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، جعل أبو بكر يمشي مرّة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «يا رسول الله أذكر الرّصد فأكون أمامك وأذكر الطّلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لآمن عليك، فلما انتهينا إلى فم الغار قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك» .

فدخله فجعل يلتمس بيده، فجعل كلما دخل جحرا قام إلى ثوبه فشقّه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع: فبقي جحر» فوضع عقبيه عليه، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت الحيّات يلسعن أبا بكر رضي الله عنه وجعلت دموعه تنحدر.

وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي بكر أنهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فألقمه أبو بكر رجليه. قال: «يا رسول الله إن كان لدغة أو لسعة كانت بي» . وروى ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال: «لما انطلق أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله لا تدخل الغار حتى أستبرئه. فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن إصبعه ويقول

هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت

وفي حديث أنس عند أبي نعيم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح قال لأبي بكر «أين ثوبك» ؟ فأخبره بالذي صنع فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: «اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة» . فأوحى الله إليه: «قد استجاب الله تعالى لك» [ (1) ] .

وروى ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي وابن عساكر عن أبي مصعب المكي قال: «أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة يتحدثون إن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر شجرة- وفي رواية عند قاسم بن ثابت: أنبت الله شجرة الرّاءة، فنبتت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسترته، وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا في فم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيّهم وهراويهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم على أربعين ذراعا، جعل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه

__________

[ (1) ] أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 33 وذكره السيوطي في الجامع الكبير (9338) .

أحد، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فعرف أن الله قد درأ عنه بهما فبارك عليهما النبي صلى الله عليه وسلم وفرض جزاءهن وانحدرتا في الحرم فأفرخ ذلك الزوج كل شيء في الحرم. وروى الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن المشركين قصّوا أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمرّوا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فمكث فيه ثلاثة أيام.

وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن سعيد [ (1) ] القاضي شيخ النسائي في مسند الصديق عن الحسن البصري قال: «جاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخله أحد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب.

فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخف إن الله معنا»

وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصرنا تحت قدميه» فقال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» [ (2) ] .

وروى أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة قال: «نسجت العنكبوت مرّتين مرة على داود حين كان طالوت يطلبه ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم في الغار» .

وذكر البلاذري في تاريخه وأبو سعيد في الشرف أن المشركين استأجروا رجلا يقال له علقمة بن كرز بن هلال الخزاعي- وأسلم عام الفتح- فقفا لهم الأثر حتى انتهى إلي غار ثور [ (3) ] وهو بأسفل مكة فقال: ههنا انقطع أثره ولا أدري أخذ يمينا أم شمالا أم صعد الجبل. فلما انتهوا إلى فم الغار قال أمية بن خلف: ما أربكم في الغار؟ إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد. ثم جاء فبال.

وروى البيهقي عن عروة أن المشركين لما فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبوا في كل وجه يطلبونه وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به ويجعلون لهم الجعل العظيم وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر وبكى وأقبل عليه الهمّ والحزن والخوف، فعند ذلك

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة- 40]

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت السكينة من الله

__________

[ (1) ] أحمد بن سعد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي أبو جعفر بن أبي مريم المصري الحافظ عن أبيه وأبي اليمان وحبيب كاتب مالك وسأل ابن معين عن الرجال. وعنه وقال: لا بأس به. قال ابن يونس: توفي يوم عرفة سنة ثلاث وخمسين ومائتين. الخلاصة 1/ 14.

[ (2) ] أخرجه البخاري 5/ 4 ومسلم في فضائل الصحابة (1) وأحمد في المسند 1/ 4.

[ (3) ] انظر. مراصد الاطلاع 1/ 302.

تعالى. وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس في قوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، قال: على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه [ (1) ] [التوبة- 40] .

وروى أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن أبا بكر رأى رجلا مواجها الغار فقال: «يا رسول الله إنه يرانا» . «قال: كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها» . فلم ينشب أن قعد يبول مستقبلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا» .

ويرحم الله الشرف البوصيري حيث قال:

ويح قوم جفوا نبيّا بأرض ... ألفته ضبابها والظّباء

وسلوه وحنّ جذع إليه ... وقلوه وردّه الغرباء

أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء

وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحمامة الحصداء

وحيث قال:

أقسمت بالقمر المنشقّ أنّ له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم

وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكلّ طرف من الكفّار عنه عم

فالصّدق في الغار والصّدّيق لم يردا ... وهم يقولون ما بالغار من أرم

ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم

وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدّروع وعن عال من الأطم

لطيفة: سئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه صلى الله عليه وسلم في غار ثور دون غيره فأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل الحسن، وقد قيل إن الأرض مستقرة على قرن الثّور فناسب استقراره صلى الله عليه وسلم في غار ثور تفاؤلا بالطمأنينة والاستقرار فيما يقصده هو ورفيقه.

وروى ابن عدي وابن عساكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسّان: «هل قلت في أبي بكر شيئا» ؟ قال: نعم. قال: «قل وأنا أسمع» ، فقال:

والثّاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا

وكان حب رسول الله قد علموا ... من البريّة لم يعدل به رجلا

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «صدقت يا حسّان هو كما قلت [ (2) ] .

__________

[ (1) ] ذكره المتقي الهندي في الكنز (46281) .

[ (2) ] أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 77 وابن سعد في الطبقات 3/ 1/ 123 والطبراني 8/ 156.

قالت عائشة رضي الله عنها: «فكمنا في الغار ثلاث ليال وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما، وهو غلام ثقف [ (1) ] لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش [بمكة كبائت] ، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. وعند ابن إسحاق أن أسماء بنت أبي بكر كانت تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام. وكان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر في رعيان أهل مكة فإذا أمسى يريحهما عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما [ (2) ] [حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس] ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.

فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه فركبا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الدّيلي. وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه ليخدمهما في الطريق- وعند البخاري في غزوة الرّجيع كان عامر بن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطّفيل بن سخبرة أخو عائشة لأمها- وأخذ بهما الدليل طريق الساحل أسفل من عسفان [ (3) ] ثم أجاز بهما حتى عادا من الطريق على أمج.

وروى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج مهاجرا قال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعني على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلّلني، وعلى صالح خلقي فقوّمني، وإلى ربّي فحبّبني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض فكشفت به الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن يحلّ بي غضبك أو ينزل عليّ سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك وفجاءة نقمتك وتحوّل عاقبتك وجميع سخطك، لك العتبى خير ما استطعت، ولا حول ولا قوّة إلا بك» [ (4) ] .

وروى الإمام أحمد والشيخان ويعقوب بن سفيان عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن أباه قال لأبي بكر رضي الله عنه: كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: خرجنا

__________

[ (1) ] ثقف: أي ذو فطنة وذكاء. ورجل ثقف، وثقف، وثقف والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. انظر النهاية 1/ 216.

[ (2) ] الرضيف: اللبن المرضوف، وهو الذي طرح فيه الحجارة المحماة ليذهب وخمه. انظر النهاية 2/ 231.

[ (3) ] عسفان بضم أوله، وسكون ثانيه، ثم فاء، وآخره نون. قيل: منهلة من مناهل الطريق. بين الجحفة ومكة. وقيل: عسفان بين المسجدين، وهي من مكة على مرحلتين. وقيل: هو قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة، وهي حد تهامة.

وبين عسفان إلى ملل موضع يقال له الساحل. مراصد الاطلاع 2/ 940.

[ (4) ] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (9234) وذكره المتقي الهندي في الكنز (17615) وابن كثير في البداية والنهاية 3/ 178.

فأدلجنا فأحيينا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلا نأوي إليه فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقيّة ظلّها فسوّيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة ثم قلت: اضطجع يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، ثم خرجت هل أرى أحدا من الطّلب فإذا براع مقبل بغنمه يريد من الصخرة ما أردنا: فلقيته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال:

لرجل من أهل مكة، فسمّاه فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها. فقلت: انفض الضرع من التراب والقذي، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن ومعه إداوة أرتوى فيها للنبي صلى الله عليه وسلم يشرب منها ويتوضّأ، على فمها خرقة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتى استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله،

فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن. فشرب حتى رضيت. ثم قال: «ألم يأن الرحيل؟» قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس [ (1) ] .

,

قصة أم معبد رضي الله عنها

روى الطبراني والحاكم وصححه، وأبو نعيم وأبو بكر الشافعي عن حبيش بن خالد الأشعر الخزاعي القديدي [ (2) ] ، أخي أم معبد رضي الله عنهما، وأبو بكر الشافعي عن أبي سليط- بفتح السين المهملة وكسر اللام فمثناة تحتية فطاء مهملة- واسمه أسيرة- بضم أوله وفتح ثانيه وسكون المثناة التحتية- ابن عمرو الأنصاري رضي الله عنه، وابن سعد والبيهقي عن أبي معبد، وابن السّكن عن أم معبد رضي الله عنها، والبزّار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط، مروا على خيمة أم معبد الخزاعية، وهي لا تعرفه، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبّة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مرملون مسنتون. فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم.

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة- وفي لفظ في كفاء البيت- فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد» ؟ قالت:

شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: «هل بها من لبن» ؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين لي أن أحلبها» ؟ قالت: بأبي أنت وأمي نعم إن رأيت بها حلبا فاحلبها فوالله ما ضربها فحل قط

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 4/ 245 ومسلم في كتاب الزهد (75) .

[ (2) ] حبيش بن خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حبيش بن حزام بن حبشية بن كعب بن عمرو: وقيل: حبيش بن خالد بن حليف بن منقذ بن ربيعة. وقيل: حبيش بن خالد بن ربيعة لا يذكرون منقذا، الخزاعي الكعبي، أبو صخر، وأبوه خالد يقال له: الأشعر. وقال ابن الكلبي: حبيش هو الأشعر، وزاد في نسبه، فقال: حبيش بن خالد بن حليف بن منقذ بن أصرم، ووافقه ابن ماكولا إلا أنه جعل الأشعر خالدا. وقال إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: خنيس، بالخاء المعجمة والنون، والأول أصح، يكنى أبا صخر، وهو أخو أم معبد، وصاحب حديثها. أسد الغابة 1/ 451.

فشأنك بها. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وظهرها وسمّى الله عز وجل ودعا لها في شاتها فتفاجّت عليه ودرّت واجترّت، ودعا بإناء يربض الرّهط [ (1) ] فحلب فيه ثجاّ حتى علاه البهاء- وفي لفظ الثّمال- ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب صلى الله عليه وسلم آخرهم، وقال: «ساقي القوم آخرهم شربا» [ (2) ] . ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها. فبايعها وارتحلوا عنها.

وروى ابن سعد وأبو نعيم عن أم معبد قالت: «بقيت الشاة التي لمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير» . وقال هشام بن حبيش: «أنا رأيت الشاة وإنها لتأدم أمّ معبد وجميع صرمتها» ، أي أهل ذلك الماء.

فقلّ ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيالا [ (3) ] عجافا يتساوكن هزالا مخهن قليل.

فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب في البيت؟ قالت: «لا والله إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا» . قال: «فيه لي يا أم معبد» . قالت: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج وفي أسفاره وطف وفي صوته صحل- أو قالت صهل- وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود [ (4) ] محشود لا عابس ولا مفنّد» . فقال أبو معبد: «هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا» .

قالت أسماء رضي الله عنها: «لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش

__________

[ (1) ] يربض الرهط: أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض. من ربض في المكان يربض إذا لصق به وأقام ملازما له. انظر النهاية 2/ 184.

[ (2) ] أخرجه أبو داود (3725) والترمذي (1894) وابن ماجة (3434) وأحمد في المسند 4/ 354 والدارمي 2/ 122 والبيهقي في السنن 7/ 28.

[ (3) ] قال ابن الأثير: أي غير حوامل، حالت تحول حيالا وهي شاء حيال، وإبل حيال. والواحدة حائل، وجمعها حول أيضا بالضم. انظر النهاية 1/ 463.

[ (4) ] المحفود: الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون في طاعته. انظر النهاية 1/ 406.

فيهم أبو جهل بن هشام فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟» فقلت «والله لا أدري أين أبي» . فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدّي لطمة خرج منها قرطي، ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاثة أيام ما ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى رجل من الجن من أسفل مكة يتغنّى بأبيات من شعر غناء العرب وتبعه الناس يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:

جزى الله ربّ النّاس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد

هما نزلا بالبرّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمّد

فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسودد

ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنّكم إن تسألوا الشّاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... له بصريح ضرّة الشّاة مزبد

فغادرها رهنا لديها لحالب ... يردّدها في مصدر ثمّ مورد [ (1) ]

فلما سمع ذلك حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال يجاوب الهاتف:

لقد خاب قوم غاب عنهم نبيّهم ... وقدّس من يسري إليه ويغتدي

ترحّل عن قوم فضلّت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدّد

هداهم به بعد الضلالة ربّهم ... وأرشدهم من يتبع الحقّ يرشد

وهل يستوي ضلّال قوم تسفّهوا ... عمّى وهداة يهتدون بمهتد

لقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد

نبيّ يرى ما لا يرى النّاس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مسجد

وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد

ليهن أبا بكر سعادة جدّه ... بصحبته من يسعد الله يسعد [ (2) ]

وروى البيهقي بسند حسّنه والحافظ ابن كثير عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فانتهينا إلى حيّ من أحياء العرب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبدي الله إنما أنا امرأة وليس معي أحد فعليكما بعظيم الحيّ إن أردتم القرى. قال: فلم نجبها، وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها. فقالت له: يا بني انطلق بهذه العنزة والشفرة إلى هذين الرجلين

__________

[ (1) ] الأبيات في الروض الأنف 2/ 234 وديوان حسان ص 59.

[ (2) ] القصيدة في الروض الأنف 2/ 235 وانظر ديوان حسان ص 59، 60.

فقل لهما: تقول لكم أمّي: اذبحا هذه وأطعمانا. فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «انطلق بالشفرة وجئني بالقدح» . قال: إنها عازب وليس لها لبن. قال: «انطلق» . فانطلق فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ثم حلب ملء القدح ثم قال: انطلق به إلى أمّك. فشربت ثم رويت ثم جاء به. فقال: انطلق بهذه وجئني بأخرى ففعل بها كذلك. ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم.

«فلبثنا ليلتين ثم انطلقنا، وكانت تسميه المبارك، وكثرت غنمها حتى جلبت حلبا إلى المدينة فمر أبو بكر رضي الله عنه فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أمه إن هذا الرجل الذي كان مع المبارك، فقامت إليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الذي كان معك؟ قال: وما تدرين؟ قالت:

لا. قال: هو نبي الله صلّى الله عليه وسلم. قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها فأطعمها وأعطاها. وفي رواية:

فأهدت إليه شيئا من أقط ومتاع الأعراب، فكساها وأعطاها» ، قال- ولا أعلمه إلا قال:

«أسلمت» [ (1) ] .

قال البيهقي في الدلائل: «وهذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد وتزيد في بعضها، في قريبة منها ويشبه أن تكونا واحدة، وقد ذكر ابن إسحاق في قصة أم معبد شيئا يدل على أنها وهذه القصة واحدة.

ثم روى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: «فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد وهي التي تمرّد بها الجنّ بأعلا مكة. واسم أم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم [الخزاعية] ، فأراد القرى فقالت: والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده فدعا الله تعالى فحلب في العسّ حتى رغّى، وقال: «اشربي يا أم معبد» . قالت: اشرب أنت به أحق. فردّه عليها فشربت. ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك، فسقى دليله ثم دعا بحائل ففعل بها مثل ذلك فسقى عامر بن فهيرة، ثم استراح.

وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوها عنه فقالوا: «أرأيت محمدا من حليته كذا وكذا» ؟ فوصفوه لها، فقالت: «ما أدري ما تقولون فقد ضافني حالب الحائل» ؟

قالت قريش: «فذلك الذي أردنا» . قاله البيهقي: فيحتمل أولا أنه رأى التي في كسر الخيمة، كما روينا في حديث أم معبد، ثم رجع ابنها بأعنز كما روينا ثم لما أتى زوجها وصفته له، والله أعلم.

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 2/ 222 وذكره المتقي الهندي في الكنز (46287) وابن كثير في البداية والنهاية 3/ 191.

قصّة سراقة رضي الله عنه

روى الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان والشيخان عن سراقة بن مالك رضي الله عنه، والإمام أحمد والشيخان ويعقوب عن أبي بكر رضي الله عنه قال سراقة بن جعشم: جاءنا رسل كفّار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما مائة ناقة من الإبل لمن قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا [ونحن جلوس] فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل- وفي لفظ: ركبة ثلاثة- أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فأومأت إليه بعيني أن اسكت، فسكت، ثم قلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا يبتغون ضالّة لهم. ثم لبثت في المجلس ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجّه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرّب بي حتى رأيت أسودتهما، فلما دنوت منهم عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرّهم، أم لا أضرّهم، فخرج الذي أكره: أني لا أضرّهم، وكنت أرجو أن أردّه فآخذ المائة ناقة، فركبت فرسي وعصيت الأزلام فرفعتها تقرّب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الرّكبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدّخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره- ألا أضرّهم- قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني وأنه ظاهر، فناديتهم بالأمان وقلت:

أنظروني فوالله لا آذيتكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه.

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «قل له وما تبتغي منا» ؟ فقلت: إن قومك قد جعلوا فيكما الدّية وأخبرتهما أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني شيئا ولم يسألاني إلا أن قال: «أخف عنا» فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، قال: «اكتب له يا أبا بكر» - وفي رواية: فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ثم رجعت] فسكتّ فلم أذكر شيئاً مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرغ من حنين والطائف خرجت لألقاه ومعي الكتاب الذي كتب لي [فلقيته بالجعرانة] . قال: «فبينا أنا عامد له دخلت بين ظهري كتيبة من كتائب الأنصار، فطفقوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك حتى إذا دنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته،

والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه [ (1) ] كأنها جمّارة [ (2) ] . قال: فرفعت يدي بالكتاب. ثم قلت:

يا رسول الله هذا كتابك لي وأنا سراقة بن مالك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم وفاء وبرّ أدنه» ، فدنوت منه فأسلمت، ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله الضّالة من الإبل تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي هل لي من أجر [في أن أسقيها] ؟ قال: «نعم في كل ذات كبد حرّى أجر» قال: ثم رجعت إلى قومي فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي [ (3) ] .

وقال أبو بكر رضي الله عنه: «وتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض فقلت:

يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا. قال: «لا تحزن إن الله معنا» . فلما دنا منّا وكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب قد لحقنا وبكيت. [قال صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك» ؟] قلت: «أما والله ما على نفسي أبكي ولكني أبكي عليك» . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال:

«اللهم اكفناه بما شئت» . قال: فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها فوثب عنها، ثم قال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمرّ على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لنا في إبلك وغنمك» ، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلق راجعا إلى أصحابه لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما ههنا، ولا يلقى أحدا إلا ردّه، ووفى لنا.

وعند ابن سعد أن سراقة لما رجع قال لقريش: قد عرفتم بصري بالطريق وقد استبرأت لكم فلم أر شيئاً، فرجعوا. وقال ابن سعد والبلاذري: عارضهم سراقة بقديد يوم الثلاثاء.

وروى ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه- فيما يذكرون والله أعلم في دخوله الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مسيرهم وفي طلب سراقة إياهم:

قال النّبيّ ولم يجزع يوقّرني ... ونحن في شدّة من ظلمة الغار

لا تخش شيئا فإنّ الله ثالثنا ... وقد توكّل لي منه بإظهار

وإنّما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشّياطين كادته لكفّار

والله مهلكهم طرّا بما كسبوا ... وجاعل المنتهي منها إلى النّار

__________

[ (1) ] الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب وقيل: هو الكور مطلقا، مثل الركاب للسرج. انظر النهاية 3/ 359.

[ (2) ] الجمارة: قلب النخلة وشحمتها، شبه ساقه ببياضها. انظر النهاية 1/ 294 (جمر) .

[ (3) ] أخرجه الطبراني في الكبير 7/ 158 وذكره ابن كثير في البداية والنهاية 3/ 185.

وأنت مرتحل عنهم وتاركهم ... إمّا عدوّا وإمّا مدلج ساري

وهاجر رضمهم حتّى يكون لنا ... قوم عليهم ذوو عزّ وأنصار

حتّى إذا اللّيل وارتنا جوانبه ... وسدّ من دون من تخشى بأستار

سار الأريقط يهدينا وأينقه [ (1) ] ... ينعبن بالقوم نعبا تحت أكوار

يعسفن عرض الثّنايا بعد أطولها ... وكلّ سهب رقاق التّرب موّار [ (2) ]

حتّى إذا قلت قد أنجدن عارضها ... من مدلج فارس في منصب واري

يردي به مشرف الأقطار معتزم ... كالسيّد ذي اللّبدة المستأسد الضّاري

فقال: كرّوا فقلنا: إنّ كرّتنا ... من دونها لك نصر الخالق الباري

أن يخسف الأرض بالأحوى وفارسه ... فانظر إلى أربع في الأرض غوّار

فهيل لما رأى أرساغ مهرته ... قد سخن في الأرض لم تحفر بمحفار

فقال: هل لكم أن تطلقوا فرسي ... وتأخذوا موثقا في نصح أسرار

وأصرف الحيّ عنكم أن لقيتهم ... وأن أعوّر منهم عين عوّار

فادع الذي هو عنكم كفّ عورتنا ... يطلق جوادي وأنتم خير أبرار

فقال قولا رسول الله مبتهلا ... يا رب إن كان منه غير إخفار

فنجّه سالما من شرّ دعوتنا ... ومهره مطلقا من كلم آثار

فأظهر الله إذ يدعو حوافره ... وفاز فارسه من هول أخطار [ (3) ]

وروى البخاري عن عروة والحاكم عنه عن أبيه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجّارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابا بيضا. وروى البيهقي عن موسى بن عقبة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا من المدينة هو وأبو بكر وقدم طلحة بن عبيد الله من الشام خرج عامدا إلى مكة لما ذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، خرج إما متلقّيا لهما وإما عامدا عمرة بمكة ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلما لقيه أعطاه الثياب، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأبو بكر.

وروى أبو نعيم عن أنس بن مالك عن ... الأوسي الأسلمي عن أبيه قال: «لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مرّوا بإبل لنا بالجحفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمن هذه الإبل» ؟

__________

[ (1) ] الأينق: جمع قلّة لناقة، وأصله أنوق، فقلب وأبدل واوه ياء. وقيل: هو على حذف العين وزيادة الياء عوضا عنها، فوزنه على الأول: أعفل لأنه قدم العين، وعلى الثاني: أيفل، لأنه حذف العين. انظر النهاية 5/ 129.

[ (2) ] يقال: مار التراب إذا ثار.. ورياح موّارة: مثيرة للتراب. انظر المعجم الوسيط 2/ 898.

[ (3) ] انظر الروض الأنف 2/ 234.

فقالوا: لرجل من أسلم فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقال: «سلمنا إن شاء الله» . فأتاه أبي وحمله على فحل من إبله وبعث معه غلامه مسعود» . وروى أبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن قيس بن النعمان قال: «لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مرّوا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أوّل الشتاء وقد أخدجت وما بقي لها من لبن فقال: «ادع بها» ، فدعا بها، فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها حتى أنزلت. ودعا أبو بكر بمجن، فحلب وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط. قال: «أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم. قال: «فإني محمد رسول الله» . قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: «إنهم ليقولون ذلك» . قال: فأشهد أنك نبيّ الله وأشهد أن ما جئت به حقّ، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبيّ» .

وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر مدخله المدينة: «أله عنّي الناس فإنه لا ينبغي لنبي أن يكذب» .

فكان أبو بكر إذا سئل: من أنت؟ قال:

باغ، وإذا قيل: من الذي معك؟ قال: هاد يهديني» . وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:

«أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ، والنبي صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: هذا الذي يهديني السبيل فيحسب الحاسب إنما يعني الطريق وإنما يعني سبيل الخير» .

وروى الزبير بن بكار في الموفقيات، وأبو نعيم عن طريق شهر بن حوشب عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال: «لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، خرجت إلى حضرموت لبعض الحاجة فقضيت حاجتي ثم رجعت حتى إذا كنت ببعض الأرض نمت ففزعت من الليل فإذا بصائح يقول:

أبا عمرو تأوّبني السّهود ... وراح النّوم وانقطع الهجود

ثم صاح آخر: «يا خرعب، ذهب بك اللّعب، إن أعجب العجب بين مكّة ويثرب» . قال:

وما ذاك يا شاهب؟ قال: «نبيّ السلام، بعث بخير الكلام، إلى جميع الأنام، فأخرج من البلد الحرام، إلى نخيل وآطام» ثم طلع الفجر فذهبت أتفكر فإذا عظاية [ (1) ] وثعبان ميتان، فما علمت إن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلا بهذا الحديث» .

ولما شارف رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لقيه أبو عبد الله بريدة بن الحصيب الأسلمي في

__________

[ (1) ] العظاية السام الأبرص. انظر النهاية 3/ 260.

سبعين من قومه من بني سهم، فقال نبي الله صلّى الله عليه وسلم: «من أنت» ؟ قال: بريدة، فقال لأبي بكر:

«برد أمرنا وصلح» . ثم قال: «ممّن» ؟ قال: من أسلم. فقال لأبي بكر: «سلمنا» . ثم قال: «من بني من» ؟ قال: من بني سهم. قال: «خرج سهمك [يا أبا بكر] » . فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: «أنا محمد بن عبد الله رسول الله» . فقال بريدة: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا. قال بريدة: الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين، فلما أصبح قال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء» .

فحلّ عمامته ثم شدّها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة [ (1) ] .

,

شرح قصة أم معبد رضي الله عنها

«الخزاعية» : بضم الخاء المعجمة فزاي فعين مهملة.

«برزة» : يقال امرأة برزة إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشوابّ وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدّثهم، من البروز وهو الظهور.

«جلدة» : إما قوية وإما عاسية.

«الفناء» سعة أمام البيت، وقيل: ما امتد من جوانبه.

«تسقي» : تناولهم السّقي ليشربوا منه.

«مرملون» : بضم الميم وسكون الراء، نفذ زادهم وأصله من الرّمل كأنهم لصقوا بالرّمل كما قيل للفقير الترب بفتح التاء وكسر الراء.

«مسنتون» : بكسر النون والمثناة الفوقية، أي أجدبوا أي أصابتهم سنة وهي القحط يقال:

أسنت فهو مسنت إذا أجدب.

«أعوزناكم» : أحوجناكم.

«كسر الخيمة» [ (1) ] : بفتح الكاف وكسرها وسكون المهملة، أي جانبها، ولكل بيت كسران عن يمين وشمال.

«كفاء البيت» : قال في القاموس: الكفاء ككتاب سترة من أعلى البيت إلى أسفله من مؤخّره أو الشّقّة في مؤخّر الخباء أو كساء يلقى على الخباء حتى يبلغ الأرض وقد أكفأت البيت.

«الجهد» : بالفتح ويضمّ: الطّاقة، وقيل: بالفتح المشقة وبالضم الطاقة والمراد هنا الهزال.

«ضربها فحل» : ألقحها..

«شأنك» : منصوب، أي أصلح شأنك، أو نحو هذا، فهو مفعول بفعل مقدّر.

«ففاجّت» : بالمد وتشديد الجيم: فتحت ما بين رجليها للحلب.

«يربض» : بضم المثناة التحتية فراء ساكنة فموحدة مكسورة فضاد معجمة. قال في النهاية: أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض، من ربض في المكان يربض إذا لصق به وأقام ملازما له، يقال: أربضت الشمس إذا اشتدّ حرّها حتى تريض الوحش في كناسها، أي تجعلها تربض فيه ويروى بمثناة تحتية بعد الراء: يريض [ (2) ] الرّهط أي يرويهم من

__________

[ (1) ] الكسر بفتح الكاف وكسرها: الشقة السفلى من الخباء، والكسر أسفل الشقة التي تلي الأرض من الخباء، وكسر أكل كل شيء ناحيتاه حتى يقال لنا حيتي الصحراء كسرها لسان العرب 5/ 3873.

[ (2) ] من أراض الوادي واستراض أي استنقع فيه الماء، وكذلك أراض الحوض. ومنه قولهم: شربوا حتى أراضوا أي رووا فنقعوا بالري اللسان 3/ 1775.

أراض الحوض إذا صبّ فيه من الماء ما يواري أرضه. والرّوض نحو من نصف قربة.

«الرّهط» : بسكون الهاء وفتحها: ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة أو منها إلى الأربعين.

«ثجّا» : أي لبنا سائلا كثيرا.

«علاه البهاء» : أي علا الإناء بهاء اللبن وهو بريق رغوته، وفي رواية: الثّمال بضم المثلثة الرّغوة.

«العلل» : بفتح العين المهملة ولامين الأولى مفتوحة: الشّرب الثاني.

«النّهل» [ (1) ] بفتح النون والهاء وتسكّن وباللام: الشّرب الأول.

«غادره» : بالغين المعجمة: تركه.

«الصّبوح» . بفتح المهملة وبالموحدة: ما يشرب بالغداة فما دون القائلة.

«والغبوق» : بفتح الغين المعجمة: الشرب بالعشيّ.

«الحيال» [ (2) ] : جمع حائل وهي التي لم تحمل.

«عجافا» : بكسر العين المهملة: جمع عجفاء وهي المهزولة من الغنم وغيرها.

«الشّاء» جمع شاة.

«عازب» [ (3) ] : بعين مهملة فزاي فموحدة: أي بعيدة المرعى لا تأوي إلى المنزل في الليل.

«لا حلوب في البيت» : أي لا شاة تحلب.

«الوضاءة» : بفتح الواو وبالضاد المعجمة والهمزة: الحسن والبهجة.

«أبلج الوجه» : بالموحدة وبجيم: أي مشرقه مسفره، ومنه تبلّج الصبح وانبلج. فأما الأبلج فهو الذي قد وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، والاسم البلج بفتح اللام، ولم ترد هذا أم معبد لأنها قد وصفته في حديثها بالقرن.

«الأشفار» : جمع شفر بضم الشين المعجمة وقد تفتح: وهو طرف جفن العين الذي ينبت عليه الشّعر، والمراد هنا الشّعر النابت.

__________

[ (1) ] الوسيط 2/ 959.

[ (2) ] من حالت الناقة تحيل حيالا: لم تحمل والواو في ذلك أعرق قال الشاعر:

من سراة الهجان صلّبها العض- ض ... ورعي الحمى وطول الحيال

اللسان 2/ 1073.

[ (3) ] العازب: البعيد المطلب وأنشد وعازب نور في خلائه اللسان 4/ 2923.

«الوطف» [ (1) ] : بفتح الواو والطاء المهملة وبالفاء: الطول، فمعنى الكلام أن في شعر أجفانه طولا، قال في الإملاء: يروى الغطف والعطف بالغين المعجمة والعين المهملة، فمعناه بالمعجمة مثل معنى الوطف، وأما بالمهملة فلا معنى لها، وقد فسّره بعضهم فقال: هو أن تطول أشفار العين حتى تنعطف.

«الدّعج» : بفتح الدال والعين المهملتين وبالجيم والدّعجة بإسكان العين: السواد في العين يريد- والله أعلم- أن سواد عينه شديد السواد.

الصّحل» [ (2) ] : بفتح الصاد والحاء المهملتين وباللام: وهو كالبحّة وألا يكون حادّ الصوت، يقال منه صحل الرّجل بالكسر يصحل بالفتح صحلا بفتحتين إذا صار أبحّ فهو صحل وأصحل.

«ولا يشنؤه» : بالشين المعجمة والنون وقبل هاء الضمير همزة مضمومة: أي لا يبغضه لفرط طوله- ويروى لا يتشنّى من طول، أبدل الهمزة ياء، يقال شنئته أشنؤه شنا وشنآنا.

«ولا تقتحمه عين من قصر» : أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقارا له، وكل شيء ازدريته فقد اقتحمته.

«لم تعبه ثجلة» [ (3) ] : الثّجلة: بضم الثاء المثلثة ثم جيم ساكنة ثم لام مفتوحة: هي عظم البطن وسعته، ويروى بالحاء المهملة والنون أي نحول ودقّة.

«لم تزر به» : أي لم تقصّر.

«صعلة» : بفتح الصاد وإسكان العين المهملتين، والصّعلة [ (4) ] صغر الرأس وهي أيضا الدّقّة والنحول في البدن. وفي رواية: لم تزر صقلة بالقاف أي دقّة ونحول وقيل: أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدا ولا ناحلا جدّا، ويروى بالسين على الإبدال من الصاد. قال أبو ذر الخشني: الصّقلة جلدة الخاصرة تريد أنه ناعم الجسم ضامر الخاصرة وهو من الأوصاف الحسنة.

«الهاتف» : الصائح.

«أبو قبيس» : بضم القاف وفتح الموحدة فمثناة تحتية ساكنة: جبل بمكة معروف سمّي

__________

[ (1) ] كثرة شعر الحاجبين والعينين والأشفار مع استرخاء وطول، وقد يكون ذلك في الأذن، رجل أوطف بين الوطف وامرأة وطفاء إذا كانا كثيري شعر أهداب العين. لسان العرب 6/ 4868.

[ (2) ] انظر اللسان 4/ 2405.

[ (3) ] من ثجل ثجلا عظم بطنه واسترخى فهو أثجل وهي ثجلاء جمعها ثجل. انظر المعجم الوسيط 1/ 94.

[ (4) ] الصعل والأصعل: الدقيق الرأس، والعنق، والأنثى صعلة وصعلاء. انظر اللسان 4/ 2451.

باسم رجل من مذحج حدّاد لأنه أول من بنى فيه. وكان أبو قبيس الجبل هذا يسمى الأمين لأن الركن أي الحجر الأسود كان مستودعا فيه.

«قالا» : من القيلولة وهي نصف النهار.

الهدي» : بفتح الهاء وإسكان الدال المهملة: والهدي الطريق، ولا يصح ضمها للوزن، ويعني بالطريق الطريق الموصلة إلى الجنة.

«قصيّ» : بضم القاف وفتح الصاد المهملة وتشديد التحتية: تقدم الكلام عليه في النسب.

«ما زوى» [ (1) ] : بفتح الزاي والواو: أي جمع وقبض.

«من فعال» : الظاهر أنه بفتح الفاء وتخفيف العين وهو الكرم، ويجوز أن يكون بكسر الفاء جمعا.

«لا يجارى» : بالراء وفي رواية: يجازى بالزاي.

«السودد» : بضم السين وإسكان الواو، يقال ساد قومه سيادة وسوددا وهو مصدر.

«الصريح» : بالصاد والحاء المهملتين: وهو اللّبن الخالص الذي لم يمذق.

«الضّرّة» [ (2) ] : بفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء والمثناة الفوقية: أصل الضّرع.

«مزبد» : بضم الميم وإسكان الزاي فموحدة مكسورة فدال مهملة: أي علاه الزّبد.

«غادرها» : بالغين المعجمة والدال المهملة: تركها..

«في مصدر ثم مورد» : أي يحلبها مرة ثم أخرى.

,

ذكر رحيل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دفن أصحابه، رضي الله عنهم، ركب فرسه وخرج المسلمون حوله راجعين إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حمنة: احتسبي» ، قالت: من يا رسول الله؟ قال: «خالك حمزة بن عبد المطلب» . قالت:

إن لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: «احتسبي» ، قالت: من يا رسول الله؟ قال: «أخوك عبد الله بن جحش» ، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: «احتسبي» ، قالت: من يا رسول الله؟ قال: «زوجك مصعب بن عمير» ، قالت: وا حزناه، وفي لفظ: وا عقراه، وصاحت وولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن زوج المرأة

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 5/ 122 وأبو داود (2876) والترمذي (3853) وأحمد في المسند 5/ 112 والطبراني في الكبير 4/ 79.

منها لبمكان، لما رأى من تثبّتها على أخيها وخالها، وصياحها على زوجها» ، ثم قال لها: «لم قلت هذا؟» قالت: يا رسول الله، ذكرت يتم بنيه فراعني،

فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولولدها أن يحسن الله تعالى عليهم من الخلف.

وروى ابن ماجة عن إبراهيم بن أحمد بن عبيد الله بن جحش عن أبيه عن حمنة بنت جحش: أنّه قيل لها: قتل أخوك، فقالت: رحمه الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا: قتل زوجك، فقالت: وا حزناه!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للزّوج من المرأة لشغفة ما هي لشيء!» [ (1) ] .

وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لكنّ حمزة لا بواكي له!

فخرج النساء ينظرن إلى سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أمّ عامر الأشهلية: كل مصيبة بعدك جلل!.

ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بامرأة من بني دينار قد أصيب أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأحد، فلمّا نعوا إليها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أمّ فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه فأشير بها إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل!

وروى الطبراني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة، وقالوا: قتل محمد، حتى كثر الصراخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار محزمة، فاستقبلت بأبيها ابنها وزوجها وأخيها، لا أدري أيّهم استقبلت به أولا، فلما مرّت على آخرهم قالوا: أبوك، زوجك، أخوك، ابنك، فتقول: ما فعل رسول الله؟ يقولون:

أمامك، حتى دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت بناحية ثوبه، ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب! وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلا قال: لما أبطأ الخبر على النساء خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقتولان على دابة أو بعير، فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا:

فلان وفلان: أخوها وزوجها أو زوجها وابنها. فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: حيّ، قالت: فلا أبالي، يتّخذ الله من عباده شهداء، وأنزل الله تعالى على ما قالت: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ [آل عمران 140]

__________

[ (1) ] أخرجه ابن ماجة (1950) والبيهقي في السنن 4/ 66 والحاكم في المستدرك 4/ 61 وابن كثير في البداية والنهاية 4/ 47.

وجاءت أم سعد بن معاذ، وهي كبشة بنت رافع تعدو نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول الله! أمّي!، فقال: «مرحبا بها» ، فدنت حتى تأملت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: أما إذ رأيتك سالما فقد أشوت المصيبة، فعزّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرو بن معاذ ابنها، ثم قال: «يا أمّ سعد، أبشري وبشّري أهليهم: أنّ قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا، وقد شفّعوا في أهليهم» قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله ادع لمن خلّفوا فقال: «اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلّفوا» ، ثم قال: «خلّ يا أبا عمرو- يعني سعد بن معاذ- الدّابّة» ، فخلّى سعد الفرس، فتبعه النّاس، فقال: «أبا عمرو إنّ الجراح في أهل دارك فاشية، وليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان، اللّون لون الدّم، والرّيح ريح المسك، فمن كان مجروحا فليقرّ في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزيمة منّي» . فنادى فيهم سعد: عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألّا يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم جريح من بني عبد الأشهل، فتخلّف كلّ مجروح، فباتوا يوقدون النّيران، ويداوون الجرحى، ومضى سعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء بيته، فما نزل نبي الله صلّى الله عليه وسلم، عن فرسه إلا حملا، واتّكأ على سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، حتى دخل بيته، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: «اغسلي عن هذا دمه، فو الله لقد صدقني اليوم» ، وناولها علي بن أبي طالب سيفه، فقال: «وهذا، فاغسلي عنه دمه، فو الله لقد صدقني اليوم» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة» .

وروى الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء علي بسيفه يوم أحد وقد انحنى، فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا، فإنه قد شفاني اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن أجدت الضّرب بسيفك لقد أجاد سهل بن حنيف، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصّمّة» .

قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم أنّ ابن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم أحد:

لا سيف إلّا ذو الفقا ... ر ولا فتّى إلّا عليّ

يعني بذي الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي غنمه يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد.

ولما أذّن بلال بصلاة المغرب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على تلك الحال، يتوكّأ على السّعدين، فصلّى بهم، ثم عاد إلي بيته. ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه ونساء قومه، فساقهنّ حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبكين حمزة بين المغرب

والعشاء، والنّاس في المسجد يوقدون النيران، يتكمّدون بها من الجراح.

وأذّن بلال العشاء حتى غاب الشّفق الأحمر، فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصّلاة يا رسول الله، فهبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وخرج، فإذا هو أخفّ في مشيته منه حين دخل،

وسمع البكاء، فقال: «ما هذا؟» فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة، فقال: «رضي الله عنكنّ وعن أولادكنّ» ، وأمر أن تردّ النّساء إلى منازلهنّ.

وذكر ابن هشام أنه صلى الله عليه وسلم خرج عليهنّ، وهنّ على باب المسجد يبكين على حمزة فقال: «ارجعن رحمكنّ الله، ولقد واسيتنّ، رحم الله الأنصار، فإن المواساة فيهم ما علمت قديمة» ،

فرجعن بليل مع رجالهنّ.

وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن ابن عمر، وعن أنس، والإمام أحمد، وابن ماجة بسند صحيح، عن ابن عمر، والطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رجع من أحد سمع نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فبلغ النساء، ذلك، فجئن فبكين على حمزة، فانتبه من الليل فسمعهنّ وهن يبكين، فقال:

ويحهنّ ما زلن يبكين منذ الليلة. مروهنّ ليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم» [ (1) ] .

وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم رجع إلى بيته وقد صفّ له الرّجال ما بين بيته إلى مصلّاه يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه في المسجد يحرسونه، فرقا من قريش أن تكرّ.



كلمات دليلية: