نقض صحيفة المقاطعة_13979

نقض صحيفة المقاطعة


صحيفة المقاطعة

:

في أول يوم من شهر الله المحرم سنة سبع من البعثة (1)، رأت قريشٌ؛ أنّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قد عزّوا بإِسلام حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب، فساءها ذلك، وأجمعوا على أن يتعاقدوا علي بني هاشم وبني المطلب؛ ابني عبد مناف، ألَّا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم؛ حتى يُسْلِموا إِليهم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكتبوا بذلك صحيفة، وعلقوها في سقف الكعبة.

وانحاز إِلى الشعب بنو هاشم، وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم، إِلا أبا لهب، فإِنه ظاهر قريشًا، وبقوا علي تلك الحال لا يدخل عليهم أحد نحوًا من ثلاث سنين؛ حتى جهدوا، ولم يصل إِليهم شيءٌ إِلَّا سرًّا، مستخفيًا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد معه غلامٌ يحمل قمحًا، يريد به عمَّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إِلى بني هاشم؟! والله، لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك في مكة. فجاءه أبو البختري بن هشام، فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم. فقال له أبو البختري: طعام كان لعمّته عنده، بعثت إِليه، أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟! خلِّ سبيل الرجل. قال: فأبى أبو جهل، حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لحى بعير، فضربه به فشجّه، ووطئه وطئًا شديدًا (2).

وكانت قريشٌ في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقض تلك الصحيفة من كان كارهًا لها، وكان القائم في أمر ذلك هشام بن عمرو بن ربيعة، مشى في ذلك إِلى مطعم بن عدي وجماعة من قريش، فأجابوه إلى ذلك.

__________

(1) انظر: فتح الباري (7/ 192).

(2) انظر: سيرة ابن هشام (1/ 353، 354).

ثم أطلع اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - على أمر صحيفتهم، وأنّه أرسل عليها اللأرَضَة فأكلتْ جميع مما فيها من جَوْر وقطيعة وظلم، إِلَّا ذكرُ الله عَزَّ وجَلَّ، فأخبر بذلك عمَّه، فخرج إِلى قريش وأخبرهم أنّ ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإِن كان كاذبًا خلَّينا بينكم وبيته، وإِن كان صادقًا رجعتُم عن قطيعتنا وظُلْمنا، قالوا: قد أنصفتَ

فأنزلوا الصحيفة، فلمّا رأوا الأمرَ كما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ازدادوا كُفرًا إِلى كفرهم، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومَن معه من الشِّعب (1).

لقد بقي المسلمون ثلاث سنوات داخل الشعب، ومع ذلك الحصار الشديد أكلوا فيه أوراق الشجر، ترتفع فيه أصوات أبنائهم بالبكاء جوعًا وعطشًا، بل إِنّ سعد بن أبي وقاص بال ذات ليلة فسمع قعقعة تحته، فإِذا هي قطعة من جلد بعير، فأخذها وغسلها ثم حرقها تم سحقها؛ ثم استفّها، وشرب عليها الماء، فتقوّى بها ثلاثة أيّام (2)، وقد ضربوا بذلك أروع الأمثلة في الثبات على الحق، والصبر على الأذى، والاعتصام بالله تعالى في الشدة،

وإِن وقوف طائفة من المشركين مع المسلمين لدليل على أن المسلمين كانوا في نظر هذه الطائفة أهلًا للمعروف ومحلًا للكرامة، لجميل أخلاقهم وصدق تعاملهم، كما أن أولئك المشركين لديهم من سلامة الفطرة واحترام أواصر القربى ما دفعهم لذلك الموقف.

ثم خرج بنو هاشم وبنو المطلب من شعبهم؛ وكان ذلك في السنة العاشرة من البعثة (3)، وحصل الصلح برغمٍ من أبي جهل عمرو بن هشام، واتصل الخبر بالذين هم بالحبشة أنّ قريشًا أسلموا، فقدم مكةَ منهم جماعةٌ فوجدوا البلاء والشدة كما كانا،

__________

(1) سيرة ابن هشام (1/ 350)، الفصول لابن كثير (ص 102، 103).

(2) ابن إسحاق، المغازي والسير 194، وانظر حلية الأولياء3/ 93.

(3) انظر: طبقات ابن سعد 1/ 201، وفتح الباري 7/ 192.

فاستمروا بمكة إِلى أن هاجروا إِلى المدينة، إِلا السكران بن عمرو زوج سودة بنت زمعة، فإِنّه مات بعد مقدمه من الحبشة بمكة قبل الهجرة إِلى المدينة، وإِلا سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، فإِنهما احتبسا مستضعفين، وإِلا عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى، فإِنه حُبِس، فلما كان يوم بدر هرب من المشركين إِلى المسلمين (1).

ومن جملة الأخبار التي حملت بعض المهاجرين في أرض الحبشة إِلى العودة إِلى مكة ظنًّا منهم بأن أهلها قد أسلموا أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تلا على قريش يومًا سورة: {وَالنَّجْمِ} فأخذتهم روعة التنزيل، وقوة البيان، حتى إِذا بلغ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} (2)؛ سجد، فسجد المشركون مأخوذين بروعة القرآن وقوة تأثيره، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: قرأ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - النجم بمكة، فسجد فيها، وسجد من معه، غير شيخ أخذ كفًّا من حصًى أو تراب، فرفعه إِلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. فرأيتُه بعدُ قُتِل كافرًا (3).

فظنّ الناقل لمّا رأى المشركين قد سجدوا متابعةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنهم أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع بينهم، فطار الخبر بذلك، وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها، فظنوا صحة ذلك، فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة، وكلاهما محسن مصيبٌ فيما فعل.

وكان العائدون قرابة ثلاثة وثلاثين رجلًا، منهم: أبو سلمة وزوجه رضي الله عنهما (4).

__________

(1) الفصول لابن كثير ص 104.

(2) سورة النجم، آية 62.

(3) أخرجه البخاري في الجمعة، باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها ح (1067)، ومسلم في المساجد ح (576).

(4) انظر: البداية والنهاية (4/ 224، 225).

موت أبي طالب عمّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم):

ثم هلك أبو طالب قبل الهجرة النبوية بثلاث سنين، وهي السنة نفسها التي توفيت فيها خديجة بنت خويلد زوج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - (1)، ولمّا حضرت أبا طالب الوفاةُ، دخل عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله ابن أبي أميّة بن المغيرة، مؤكدين بهذا الحضور تفانيهم في الدفاع عن باطلهم، واغتنامهم الفرص للهجوم على المعتقدات التي يرون أنها تهدد باطلهم. فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: يا عمّ، قل: لا إِله إِلَّا الله، أحاجُّ لك بها عند الله. فقالا: أيْ أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب! قال: فكان آخر كلمة أن قال: على ملة عبد المطلب. وقد حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - حزنًا شديدًا، إِذ كان حريصًا على إسلام عمّه، حتى إِنه قال بعد أن حال الموت بين عمّه وبين كلمة التوحيد: "لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك"، فجاء النهي عن الاستغفار لأبي طالب والعتب على الحزن الشديد على فوات من لم يرد الله هدايته لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (2) ونزلت: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (3).

وآية التوبة لم تنزل في حق أبي طالب خاصة لأنها مدنية، وإِنما المراد أنها عامة في حق أبي طالب وغيره، أما الآية الثانية فقد نزلت في حق أبي طالب، وهذه الآية وسبب نزولها يؤكدان أن أبا طالب لم يمت على الإِسلام، ويشيران إِلى ضعف رواية ابن إِسحاق: أن

__________

(1) سيرة ابن إِسحاق (ص 243).

(2) سورة التوبة، آية 113.

(3) أخرجه البخاري في المناقب، باب قصة أبي طالب ح (3884) من حديث المسيب بن حزن. والآية 56 من سورة القصص.

العباس نظر إِلى أبي طالب فرآه يحرك شفتيه فأصغى إِليه، فقال: (يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها) (1).

وكان أبو طالب شقيق عبد الله والد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته فكفله إِلى أن كبُر، وكان يذبُّ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويردُّ عنه كل من يؤذيه، وهو مقيم على دين قومه، وأخباره في حياطة النبي والذب عنه معروفة مشهورة، وممّا اشتهر من شعره في ذلك قوله:

والله لن يصلوا إِليك بجمعهم ... حتى أوسّدَ في التراب دفينا (2)

وقوله:

كذبتم وبيتِ اللهِ نُبْزى محمدًا ... ولمَّا نقاتل حولَه ونناضلُ (3)

ولم تكن قريش تنال من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ما تريد حتى مات أبو طالب (4).

موت خديجة بنت خويلد زوج النبيّ (صلى الله عليه وسلم):

وماتت بعد أبي طالب، خديجة - رضي الله عنها - التي كانت وزير صدق على الإِسلام، وكان - صلى الله عليه وسلم - يسكن إِليها، وهي أول من أسلم.

وتوفيت - رضي الله عنها - بمكة، ودفنت بالحجون، وعاشت خمسًا وستين سنة، قضت منها أربعًا وعشرين سنة مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - (5).

قالت عائشة - رضي الله عنها -: (ما غِرتُ على امرأة ما غرت على خديجة، ممّا كنتُ أسمع من ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها، وما تزوّجني إِلا بعد موتها بثلاث سنين (6).

__________

(1) انظر: فتح الباري 7/ 194.

(2) ابن كثير، السيرة النبوية 1/ 464.

(3) المصدر نفسه 1/ 488 ومعنى: نبزى: نُسلب ونُغلب

(4) السيرة النبوية للذهبي 1/ 193.

(5) المصدر نفسه.

(6) أخرجه البخاري في المناقب، باب توزيج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - خديجة ح (3817)، ومسلم في فضائل الصحابة ح (2435).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إِناءٌ فيه إِدام -أو طعام، أو شراب- فإِذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي، وبشِّرْها ببيتٍ في الجنّة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب" (1).

قال السهيلي: وإِنّما بشّرها ببيت في الجنّة من قصب، أي: لؤلؤ؛ لأنّها حازت قصب السَّبْق إِلى الإِيمان. لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها لم ترفع صوتها على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم تُتْعبه يومًا من الدهر، فلم تصخب عليه يومًا، ولا آذته أبدًا (2).

وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على بعد عهده بها، لا يزال يذكر صوتها، قالت عائشة - رضي الله عنها -: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك (3)، فقال: "اللهم هالة بنت خويلد". فغرتُ، فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرًا منها (4).

فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما أبدلني الله خيرًا منها، قد آمنتْ بي إِذ كفر بي الناس، وصدَّقتني إِذ كذبني الناس، وواستني بمالها إِذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إِذ حرمني أولاد النساء" (5).

وقال البيهقيّ: (بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيّام، ذكره أبو عبد الله بن منده في كتاب المعرفة، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ) (6).

__________

(1) أخرجه البخاري في المناقب، باب تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - خديجة ح (3821).

(2) الروض الأنف 2/ 425، 426.

(3) قال النووى: (أي: هَشّ لمجيئها، وسُرّ بها لتذكره بها خديجة وأيامها. وفي هذا كله: دليل لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب).

(4) أخرجه مسلم في مناقب الصحابة ح (2437)، وعلَّقه البخاري في المناقب؛ باب تزويج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - خديجة.

(5) أخرجه أحمد في مسنده (6/ 117، 118)، قال الهيثمي (الجمع 9/ 224): (إِسناده حسن)، وصحح الأرنؤوط إِسناده في تحقيقه للمسند (41/ 356).

(6) دلائل النبوة (2/ 352، 353).

ومع فقده - صلى الله عليه وسلم - لهذين الحاميين، إِلَّا أنّه لم يضعف وقريش تكشر له عن أنيابها، ولم يتراجع عن دعوته، بل امتدت دعوته إِلى خارج مكة، وشرع يبحث عن أرض أخرى تقبل دعوته، وتنصر دين الله تعالى.



كلمات دليلية: