نزول جبريل بالوحي أول مرة_1076

نزول جبريل بالوحي أول مرة


[كيفية نزول القران] :

وأنزل الله القران كله إلى السماء الدنيا جملة، ثم فرّقه في ثلاث وعشرين سنة مدة الوحى، بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، فكان جبريل ينزل بالسورة أو الاية لأمر يحدث، ويخبر النبى صلّى الله عليه وسلّم بموضعها من القران، وعلى هذا الترتيب كان صلّى الله عليه وسلّم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التى توفى فيها مرتين. وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو الذى وقع عليه ترتيب المصحف العثماني، وأمّا ما وقع في غيره من مصاحف بعض الصحابة كمصحف ابن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب من الترتيب والقراات، وزيادة بعض السور مما هو مخالف للمصحف العثماني، فقد وقع ذلك أوّلا بتوقيف، ثم نسخ ذلك بما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة وكتب في المصحف العثماني، ولم يبلّغ النسخ من ذكر من الصحابة، ولا ما استقرّ عليه الأمر، فأبقوا مصاحفهم على ما كان عندهم.

فإن قيل: نزوله جملة إلى السماء هل كان قبل نبوته صلّى الله عليه وسلّم أو بعدها؟ أجيب بأنه جوّز أبو شامة الأمرين، واستظهر هو الأوّل، والجلال السيوطى الثانى، قال:

والاثار صريح سياقها فيه، وربما فهم من كلام بعض المتأخرين اختيار المعية، فإن قيل: فما السر في نزوله منجّما؟ وهلّا نزل كسائر الكتب جملة؟ أجيب: هذا سؤال تولّى الله جوابه، فقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: 32] يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله كَذلِكَ أي أنزلناه مفرقا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان: 32] أى لنقوى به قلبك؛ فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كل أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من

الرسالة من ذلك الجناب الرفيع العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان صلّى الله عليه وسلّم أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل عليه السلام، وقيل: معنى «لنثبت به فؤادك» لنحفظه، ففرّق عليه ليثبت عنده حفظه.

وقد اختلف: هل في القراءة شيء أفضل من شيء؟ فقيل: لا، وعليه الأشعرى والقاضى وأبو بكر الباقلانى؛ لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلامه تعالى حقيقة واحدة لا نقص فيه، وقيل: نعم، لظواهر الأخبار، كخبر: «ألا أعلّمك بأعظم سورة في القران؟» «1» ، وخبر «إنّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القران» «2» والتفضيل يرجع إلى عظم الأجر والثواب، وإلى اللفظ لا إلى الصفة؛ لأن ما تضمنته نحو اية الكرسى وسورة الإخلاص ليس موجودا في نحو تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ والتحقيق: أنه لا خلاف في المعنى، بل الأوّل محمول علي ذات القران وحقيقته، والثانى على غيرها كما علمت، قاله شيخ الإسلام.

وسميت السورة سورة لقطعها من السورة الاخرى، إذ السور: القطع، فلما قرن بعض السور ببعض سمّي المجموع قرانا، كما يسمّى بعضه قرانا لذلك أيضا، قاله شيخ الإسلام في شرحه على البخارى.

وقد روى أنّ الله تعالى أنزل القران دفعة إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، فحفظته الحفظة، وكتبته الكتبة، ثم نزل منها بلسان جبريل إلى النبى صلّى الله عليه وسلّم شيئا فشيئا بحسب المصالح.

فإن قيل: ما قدر المنزّل؟ أجيب بأنه كان على حسب المصالح قلة وكثرة، فربما نزل العشر من الايات، كما صح في قصة الإفك، وأوّل سورة المؤمنين، ونزول الخمس منها، ونزول بعض اية كما صحّ في نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «3» واحدها، وهى بعض اية.

__________

(1) رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائى وابن ماجه، ومالك في موطئه، وهو حديث فيه طول: بخصوص سورة الفاتحة، وانظر ابن كثير في التفسير.

(2) رواه الإمام أحمد، والنسائى في اليوم والليلة، وغيرهما من الرواة كثير.

(3) النساء: من الاية 95.

وكان جبريل يخبر النبى صلّى الله عليه وسلّم بموضعها من القران. فالقران في اللوح المحفوظ على النحو الذى في مصاحفنا الان.

فإن قيل، فما معنى الإنزال؟ أجيب أن لهم فيه اختلافا، فمنهم من قال: إنه عبارة عن إظهار القراءة، ومنهم من قال: إن الله ألهم كلامه جبريل وهو في السماء، وعلّمه قراءته، ثم أدّاه جبريل في الأرض.

فإن قيل: فما كيفية التأدية؟ أجيب بأنهم ذكروا فيها طريقتين:

إحداهما: أن النبى صلّى الله عليه وسلّم انخلع من صورة البشرية إلي صورة الملكية، وأخذه من جبريل.

وثانيتهما: أن الملك انخلع إلي البشرية حتّى يأخذه الرسول منه، والأوّل أصعب الحالين.

والمراد بالانخلاع الظهور بتلك الصورة، لا مفارقة الطبع بالمرة كما هو ظاهر، فإن قيل: فما كيفية تلقّى جبريل له؟ أجيب بما قاله الطيبي: لعله تلقّفه من الله تلقّفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلي الرسول ويلقيه عليه، وفسر بعض المحققين التلقف الروحانى بالإلهام.

فإن قيل: فما النازل علي النبى صلّى الله عليه وسلّم؟ أجيب بأن فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القران من اللوح المحفوظ، ونزل به.

والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعانى خاصة، وأنه صلّى الله عليه وسلّم علّم تلك المعانى وعبّر عنها بلغة العرب، وتمسك قائله بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ «1» .

والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرؤنه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك.

__________

(1) (الشعراء: 192، 193) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، أنه لم ينزل وحى إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبى لقومه، بدليل قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (4) [إبراهيم: 4] . والمراد بقومه أهل بلده، أى حيّه الذى هو قريش: فهم قومه، وهم غير أهل دعوته «1» ؛ إذ دعوته عامة لجميع الناس، بدليل قوله تعالى:

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (158) [الأعراف: 158] .

وقال بعضهم:

كتاب الله أفضل كلّ قيل ... رواه المصطفى عن جبرئيل

عن اللوح المحيط بكل شيء ... عن القلم الرفيع عن الجليل

وقد اختلف العلماء في ترتيب السور: هل هو توقيفى من النبى صلّى الله عليه وسلّم؟ أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الايات توقيفي، والقطع بذلك.

فذهب جماعة من العلماء إلى أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، منهم الإمام مالك، والقاضى أبو بكر، في أحد قوليه، وجزم به ابن فارس، وبما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور «2» .

وذهب جماعة اخرون إلى أنه توقيفى، منهم القاضى أبو بكر في أحد قوليه، وخلائق، قال بعضهم: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ، علي هذا الترتيب.

وقد أثبت الصوفية عالم المثال، وجعلوه عالما متوسطا بين عالم الأجساد والأرواح، وقالوا هو ألطف من عالم الأجسام، وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا

__________

(1) يعني: وغير عشيرته كذلك هو مرسل إليهم، لأنه صلّى الله عليه وسلّم مرسل للخلق كافة، وأما غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلم يرسل أحدهم إلا إلى قومه وعشيرته وأهل بلده خاصة.

(2) قال ابن كثير في فضائل القران: «وقد حكى القرطبيّ عن أبى بكر بن الأنبارى في كتاب (الرد) أنه قال: «فمن أخّر سورة مقدّمة أو قدّم أخرى مؤخّرة كمن أفسد نظم الايات وغيّر الحروف والايات، وكان مستنده اتباع مصحف عثمان رضي الله عنه؛ فإنه مرتب علي هذه النحو المشهور» . أهـ. والحقّ أن هذا هو الذي لا يحلّ غيره؛ لأن الصحابة أجمعوا علي شيء أخذوه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأصبح ملزما بالاتباع.

علي ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم من المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا

(17) [مريم: 17] . فتكون الروح الواحدة كروح جبريل في وقت واحد مدبّرة لشبحه الأعلي، وهذا الشبح المثالى الذى تمثل لمريم. وينحل بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة، أنه سأله بعض الأكابر عن جسم جبريل عليه السلام، فقال: أين كان يذهب بجسمه الأوّل الذى سد الأفق بأجنحته كما تراءى للنبى صلّى الله عليه وسلّم في صورته الأصلية عند إتيانه إليه في صورة دحية؟ وقد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال:

كان يندمج بعضه في بعض، إلي أن يصغر حجمه، فيصير بقدر صورة دحية، ثم يعود ينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى، على قاعدة جواز التخلخل والتكاثف في الأجسام. وما ذكره الصوفية أحسن، وهو أن يكون جسمه الأوّل بحاله، لم يتغير، وقد أقام الله تعالى له شبحا اخر، وروحه تتصرف فيهما جميعا إلى وقت واحد، قال الصوفية: وعلى هذا الأصل تتخرج مسائل كثيرة، وتنحلّ بها إشكالات غير يسيرة.

ومن أمهات معجزاته عليه الصلاة والسلام: انشقاق القمر، وقد أجمع المفسرون وأهل السنة علي وقوعه لأجله صلّى الله عليه وسلّم؛ فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدّقوه طلبوا منه اية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله تعالى هذه الاية العظيمة، التى لا قدرة لبشر على ايجادها، دلالة علي صدقه عليه الصلاة والسلام في دعواه الواحدانية لله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الالهة التى يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضرّ، وأنّ العبادة لا تكون إلا لله واحده لا شريك له.

قال ابن عبد البر: «قد روى هذا الحديث- يعنى حديث انشقاق القمر- عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير، إلى أن انتهى إلينا وتأيّد بالاية الكريمة» أ. هـ.

وفي الترمذى من حديث ابن عمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) [القمر: 1] ، قال: قد كان ذلك علي عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ انشق فلقتين، فلقة دون الجبل وفلقة خلف الجبل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اشهدوا.

ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشق مرتين بالإجماع.

قال الحافظ ابن حجر: «وأظن قوله «بالإجماع» متعلق بانشق لا بمرتين؛ فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه صلّى الله عليه وسلّم» أ. هـ.

وما أحقّه صلّى الله عليه وسلّم بقول أبى الطيب:

متى ما يشر نحو السماء بطرفه ... تخرّ له الشّعري، وينكسف البدر

* وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، وأقبل حتّى قام على رؤسهم، فقبض قبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه، وحصبهم، فما أصاب رجلا منهم من تلك الحصباء شئ إلا قتل يوم بدر.

ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى.

ونسج العنكبوت، وتعشيش الحمامتين الوحشيتين عليه في الغار، ونبات الشجر هناك تجاهه سترا له وحفظا من الكفار.

ونصره بريح الصبا «الشرقية» ، وبالرعب للعدو يسير بين يديه مسيرة شهر، وتأييده بالملائكة، وعصمته في السر والجهر. وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بعث خلفه في الهجرة فساخت قوائم فرسه في الأرض الجلمد. ومسح على ظهر عناق لم ينز عليها الفحل فدرّت، وشاة أم معبد، ودعوته لعمر بن الخطاب أن يعزّ الله به الإسلام، ودعوته لعليّ رضى الله عنه أن يذهب عنه الحرّ والبرد، وتفله في عينيه وهو أرمد فعوفى من ساعته ولم يرمد بعد ذلك.

وردّه عين قتادة بعد أن سالت على خده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما.

ودعاؤه لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما بالتأويل والتفقه في الدين، وكان يسمّى الحبر والبحر لعلمه.

ودعاؤه لجمل جابر فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا.

ودعاؤه لأنس «1» بن مالك رضى الله عنه بطول العمر وكثرة المال والولد

__________

(1) هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الصحابي خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: دعا له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له في ما اتيته» توفي سنة 93 هـ من (شجرة النور الزكية في طبقات المالكية) .

فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولدا ذكرا لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين.

ودعاؤه في تمر جابر بالبركة، فأوفى غرماءه وفضل ثلاثة عشر وسقا.

ومن معجزاته نزول الغيث المغيث باستسقائه عليه الصلاة والسلام، مرة للمشركين بمكة، ومرة للمسلمين بالمدينة يستمر فيها أسبوعا.

وإذا النوائب أظلمات أحداثها ... لبست بوجهك أحسن الإشراق

ودعاؤه علي عتبة بن أبى لهب بقوله: «اللهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد بالزرقاء من الشام.

وشهادة الشجر له بالرسالة في خبر الأعرابى الذى دعاه إلي الإسلام فقال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ فقال: نعم، هذه الشجرة، ثم دعاها فأقبلت، فاستشهدها فشهدت أنه كما قال ثلاثا ثم رجعت إلي منبتها.

وأمر إنسانا أن ينطلق إلي نخلات فيقول لهن: «أمركنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تجتمعن، فاجتمعن» ، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أماكنهن فعدن «1» .

وقوله: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «2» .

وحنين الجذع لمّا فارقه للمنبر حتّى سمع منه صوت كصوت الإبل، فضمّه إليه فسكن، فقال عليه الصلاة والسلام: «والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» .

وكان الحسن البصرى رضي الله عنه إذا حدّث بهذا الحديث بكى وقال: «يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شوقا إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» أ. هـ.

__________

(1) وذلك لستره صلّى الله عليه وسلّم أثناء قضاء حاجته، ومثل هذه الأشياء معروفة لا ينكرها إلا منكوس القلب.

(2) رواه مسلم، والإمام أحمد، والترمذي.

وتسبيح الحصى في كفه: قال أنس بن مالك رضى الله عنه: كنا جلوسا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخذ سبع حصيات (كما في رواية أبى ذر) ، حتى سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في يد أبى بكر فسبّحن، ثم في يد عمر فسبّحن، ثم في يد عثمان فسبّحن، ثم صبّهن في أيدينا فما سبحان. وكذلك الطعام بحضرته. وإعلام الشاة له بسمّها، وشكوى البعير إليه كثرة العمل وقلة العلف، وسؤال الظبية له أن يخلّصها من الحبل لترضع ولديها وتعود، فخلّصها. وليس من المعجزات «1» أن الثعبان كلّمه.

وأخبر صلّى الله عليه وسلّم عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه.

وإخباره أن طائفة من أمته يغزون في البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كذلك.

وقال لعثمان رضي الله عنه: «تصيبه بلوى شديدة» فكانت، وقتل.

وقوله للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة» (أى تعبا وشدة) فكانت زمن معاوية، وقوله في الحسن رضى الله عنه: «إن ابنى هذا سيد، وإنّ الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فكان في زمن معاوية. وإخباره بقتل العنسى الكذّاب، وهو بصنعاء ليلة قتله وبمن قتله.

وقال لثابت بن قيس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا» فقتل يوم اليمامة.

وارتدّ رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين فبلغه أنه مات، فقال: إنّ الأرض لا تقبله، فكان كذلك.

وقال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال له: لا استطعت، فلم يطق أن يرفعها إلي فيه بعد «2» .

ودخل مكة عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلّقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» وهى تتساقط.

وقصة مازن بن الغضونة الطائى وسواد بن قارب؛ فإنهما تكلما في نبوته

__________

(1) أى لم يثبت في الصحيح.

(2) إنما دعى عليه النبى صلّى الله عليه وسلّم، لأنه كان كذابا، وكان يستطيع، فمنعه الكبر.

صلّى الله عليه وسلّم، فخافاها، وأسلما. ومن نظم سواد بن قارب:

فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب «1»

وشهادة الضب بنبوته.

وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق فشبعوا والطعام أكثر مما كان، وأطعمهم من تمر يسير، وجمع فضل الأزواد على نطع ودعا لها بالبركة ثم قسمها في العسكر، فقامت بهم.

وأتاه أبو هريرة بتمرات قد سفّهن في يده، وقال: ادع لى فيهن بالبركة، فدعا له، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا فى سبيل الله، وكنا نأكل منه ونطعم حتّى انقطع في زمن عثمان رضي الله عنه.

ودعاؤّه أهل الصفة لقصعة ثريد، قال أبو هريرة رضى الله عنه: فجعلت أتطاول ليدعونى حتّى قام القوم وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها، فجمعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فصار لقمة ووضعها علي أصابعه، وقال: كل بسم الله، فو الذى نفسى بيده ما زلت اكل منها حتّى شبعت أ. هـ.

وأهل الصفّة فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، ينامون في المسجد ويظلّون فيه، وصفّة المسجد (أى الموضع المظلّل منه) مثواهم، فنسبوا إليها، ويقال لهم:

ضيوف الإسلام، فكان صلّى الله عليه وسلّم يعشّى معه بعضهم، ويفرّق بعضهم علي الصحابة يعشّونهم، ومن مشاهيرهم أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وأبو ذر رضي الله عنهم.

ومن معجزاته أنه أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يزوّد أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير «2» ، فزوّدهم كلهم منه، وبقى تحسبه كما كان.

__________

(1) ولإسلام سواد بن قارب قصة جميلة فارجع إليها في المطولات من كتب السير.

(2) يعنى كان مقدرا يسيرا.

ونبع الماء من بين أصابعه الكريمة كأمثال العيون في الانسجام، حتى شرب القوم وتوضأوا وهم ألف وأربعمائة.

قال ابن العربى في «قبسه» : وذلك خصيصية له، لم تكن لأحد قبله.

وأتى بقدح فيه ماء فوضع أصابعه في القدح فلم تسع، فوضع أربعة منها، وقال: «هلمّوا» ، فتوضأوا أجمعين وهم من السبعين إلي الثمانين.

وورد في غزوة تبوك علي ماء لا يروى واحدا والقوم عطاش، فشكوا إليه، فأخذ سهما من كنانته فغرسه فيه، ففار الماء وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفا.

وشكا إليه قوم ملوحة في مائهم، فجاء في نفر من أصحابه حتي وقف على بئرهم، فتفل فيه، فتفجّر بالماء العذب.

وأتته امرأة بصبي لها أقرع، فمسح علي رأسه فاستوى شعره وذهب داؤه.

وانكسر سيف عكاشة يوم بدر فأعطاه جزلا من حطب، فصار في يده سيفا ولم يزل بعد ذلك عنده.

وعزّت كدية «1» بالخندق عن أن يأخذها المعول، فضربها فصارت كثيبا أهيل «2» .

ومسح علي رجل أبى رافع وقد انكسرت فكأنه لم يشكها قط.

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتى ما زوى لي منها» «3» .

قال الصلاح الصفدي: وقد صدّق الله قوله بأنّ ملك أمّته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال.

وقال لرجل يدّعى الإسلام وهو معه في القتال: «إنه من أهل النار» فصدّق الله قوله بأن ذلك الرجل نحر نفسه، وهذا لا يعرف ألبتة بشيء من النجوم ولا بالنظر في الكتب.

__________

(1) صخرة.

(2) مجتمع الرمل يتساقط باندفاع.

(3) في حديث طويل رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود، والترمذى وابن ماجه.

وأبطل الله تعالى ببعثته الكهانة، فانقطعت، وكانت ظاهرة موجودة.

وأخبر بأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، فكان مع على- رضي الله عنه- وقتله جماعة معاوية.

وأنذر بموت النجاشي، وخرج هو وأصحابه إلي البقيع فصلّوا عليه، فورد الخبر بموته- بعد ذلك- في ذلك اليوم.

وخرج على نفر من أصحابه مجتمعين، فقال: «أحدكم في النار ضرسه مثل أحد» فماتوا كلهم علي الإسلام، وارتدّ منهم واحد، وهو الدجال الحنفي، فقتل مرتدّا مع مسيلمة الكذاب.

وقال لاخرين منهم: «اخركم موتا في النار» فسقط اخرهم موتا في نار، فمات، وهو سمرة بن جندب.

وأخبر بأنه يقتل أمية بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا، فكانت منيّته منه.

وأخبر فاطمة ابنته رضى الله عنها أنها أوّل أهله لحوقا به: فكان، وبأن أطول نسائه يدا أسرعهن لحوقا به، فكانت زينب بنت جحش الأسدية؛ لطول يدها بالصدقة.

وأخبر بمقتل الحسين ومصرعه وأهله، فكان كذلك.

وخطب أمامة بنت الحارث بن أبي عوف، وكان أبوها أعرابيا جافيا فقال: إنّ بها برصا، ولم يكن بها، فقال: «فلتكن كذلك» ، فبرصت من وقتها، فتزوّجها ابن عمها يزيد، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد، وهو المعروف بابن البرصاء.

وحكي «1» الحكم بن أبى العاص مشيته صلّى الله عليه وسلّم، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتكفّأ في مشيته، فالتفت يوما فراه «2» وهو يتخلّج في مشيته، فقال: «كن كذلك» ، فلم يزل يرتعش في مشيته من يومئذ إلى أن مات في خلافة عثمان. وقد ثبت أن النبى صلّى الله عليه وسلّم نفاه

__________

(1) أى حاكى وقلّد سخرية منه صلّى الله عليه وسلّم.

(2) بل كان عليه الصلاة والسلام يري من خلفه كما يرى من أمامه كما هو ثابت في الحديث الصحيح.

من المدينة إلي الطائف، فلذلك كان طريد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد اختلف في السبب الموجب لنفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إياه، فقيل: كان يتسمّع سرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويطّلع عليه من باب بيته، وأنه الذى أراد النبى صلّى الله عليه وسلّم أن يفقا عينه بمدري «1» في يده، لما اطّلع عليه من الباب. وقيل سببه: أنه كان يحكيه في مشيته وبعض حركاته.

وقد ذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في هجائه لمروان بن الحكم فقال:

إنّ اللعين أبوك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلّجا مجنونا

يمشي خميص البطن من عمل التّقي ... ويظلّ من عمل الخبيث بطينا

ومعنى قول عبد الرحمن: «إنّ اللعين» إلى اخره: ما روي عن عائشة رضى الله عنها من طرق ذكرهاابن أبي خيثمة أنها قالت لمروان بن الحكم، حين قال لأخيها عبد الرحمن بن أبى بكر لما امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد، ما قال، والقصة مشهورة: «أما أنت يا مروان، فأشهد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعن أباك وأنت في صلبه» «2» .

وقد روى في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة، ولا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبى صلّى الله عليه وسلّم مع حلمه وإغضائه علي ما يكره ما فعل به ذلك إلا لأمر عظيم، ولم يزل منفيا حياة النبى صلّى الله عليه وسلّم، فلما ولي أبو بكر الخلافة قيل له في الحكم ليردّه إلى المدينة فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك عمر، فلما ولى عثمان رضى الله عنه الخلافة ردّه، وقال: «كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوعدنى بردّه» «3» . وتوفى في خلافة عثمان رضي الله عنه.

إلي غير ذلك مما لا يحصي، ويكفى أن منها «4» كرامات الأولياء التى لا تستقصى «5» .

وما يذكره بعض القصّاص من أن القمر دخل في جيب النبى صلّى الله عليه وسلّم، وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشى عن العماد بن كثير، وكذلك لم يخلق الورد من عرقه ولا من غيره كما يتخيله بعض العوام أنه من

__________

(1) حديدة أو خشبة مدببة الطرف.

(2) وبقية كلامها له: «فأنت فظاظة من لعنة الله» .

(3) وهذه أيضا رد علي الذين يزعمون أن عثمان كان يوالى أقرباءه. ألا لعنة الله علي الكذبة.

(4) أى من معجزاته صلّى الله عليه وسلّم: كل كرامة أكرم بها ولى من الأولياء، فإن سببها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ إذ لولاه ما كان وليّا.

(5) أى من معجزاته صلّى الله عليه وسلّم: كل كرامة أكرم بها ولى من الأولياء، فإن سببها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ إذ لولاه ما كان وليّا.

عرقه أو البراق أو جبريل، بل خلقه الله كسائر الأزهار، ولم يكن وطؤه صلّى الله عليه وسلّم يؤثّر في الصخر دون الرمل، كما توارد عليه كثيرون «1» ، بل كان كغيره من الناس، أي في عدم تأثير وطء قدميه الكريمتين في الحجر وتأثيرهما في الرمل.

وقال بعضهم معدّدا لاياته صلّى الله عليه وسلّم:

ومن تلكم الايات وحي أتي به ... قريب الماتي مستجمّ العجائب

تقاصرت الأفكار عنه فلم يطع ... بليغا ولم يخطر علي قلب خاطب

حوي كلّ علم، فاحتوي كلّ حكمة ... وفات مرام المستمر الموارب

أتانا به لا عن رواية «2» مرتئي ... ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب

يواتيه طورا في استجابة سائل ... وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب

وإثبات برهان وفرض شرائع ... وقصّ أحاديث ونص مارب

وتصريف أمثال وتثبيت حجّة ... وتعريف ذى جحد وتوقيف كاذب

وفي مجمع النادي وفي حومة الوغي ... وعند حدوث المعضلات الغرائب

يصدّق منه البعض بعضا كأنما ... يلاحظ معناه لغير المراقب

فيأتي علي ما شئت من طرقاته ... قويم المعاني مستدرّ الضرائب

وعجز الوري عن أن يجيبوا بمثل ما ... وصفناه معلوم بطول التجارب

وذكر الإمام فخر الدين أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقلّ، قال السبكي: إلا هذه الأمة؛ فإن معجزات نبيها أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم. وقد ألّف العلماء الحفّاظ والثقات الأيقاظ في سيرته ومعجزاته كتبا كثيرة ومجلدات كبيرة، وما أتوا بعشر معشار فضائله، ولا بقطرة من بحار فواضله (وكان أكثر مما قيل ما تركوا) كما قال بعضهم:

لو أنّ بحرا مداد الكاتبين وما ... في الأرض من شجر أقلام مستطر

لم يحصروا بعض فضل المصطفى أبدا ... وكيف يحصر شئ غير منحصر

__________

(1) كونه صلّى الله عليه وسلّم إذا مشى في الصخر أثر، وإذا مشي علي الرمل لا يؤثر: اشتهر ذلك عن بعض العلماء، ولم يرد في الصحاح. والله أعلم.

(2) فى الأصل المطبوع (رؤية) وبها ينكسر الوزن، وقد رأينا أن كلمة (رواية) تجبر كسر الوزن وتؤدى المعنى.

الفصل الرابع فى ذكر أزواجه صلّى الله عليه وسلّم وقرابته ومواليه

قد سلف تزوّجه صلّى الله عليه وسلّم من خديجة وعائشة وغيرهما، وموضوع هذا الفصل ذكر أزواجه أمّهات المؤمنين بالبيان، وعدّتهم خمس عشرة، دخل بإحدى عشر منهنّ، ولم يدخل بأربع، وتوفيت في حياته اثنتان، وقبض- عليه الصلاة والسلام- عن تسع.

1- وتزوّج النبى صلّى الله عليه وسلّم السيدة خديجة بنت خويلد ولها أربعون سنة، وكانت مسمّاة لورقة بن نوفل، فاثر الله عزّ وجلّ بها نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وأقامت معه صلّى الله عليه وسلّم بعد الزواج أربعا وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية أيام؛ خمس عشرة سنة قبل الوحى والباقية بعده، ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قبرها، ولم تكن سنّت الصلاة على الجنائز يومئذ، وغسلتها أمّ أيمن وأم الفضل، ودفنت بالحجون، عن نحو خمس وستين سنة. وهي سيدة النساء وأسبقهنّ نكاحا وإسلاما، ولا خلاف في أن أوّل أزواجه صلّى الله عليه وسلّم خديجة، وكان تزوّجها وهو ابن خمس وعشرين سنة.

قال في المواهب: وخرّج الإمام أحمد عن ابن عباس أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، واسية امرأة فرعون» «1» .

وصحّح ابن العماد تفضيل خديجة لما ثبت أنه صلّى الله عليه وسلّم قال لعائشة حين قالت له:

«قد رزقك الله خيرا منها» : «لا والله ما رزقنى خيرا منها؛ امنت بى حين كذّبنى الناس، وأعطتنى مالها حين حرمنى الناس، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها» .

وسئل ابن داود: أيتهما أفضل؟ فقال: عائشة أقرأها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل من ربها السلام علي لسان محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ فهى

__________

(1) رواه الطبراني والحاكم، وهو حديث متواتر.

أفضل. قيل له: فمن أفضل: خديجة أم فاطمة؟ قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:

«فاطمة بضعة مني» ، فلا أعدل ببضعته أحدا» »

ويشهد له قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة؟!» «2» .

واحتجّ من فضّل عائشة بأنها في الآخرة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الدرجة، وفاطمة مع عليّ فيها.

وقال شيخ الإسلام في شرح البهجة: «الذى أختاره أنّ الأفضلية محمولة علي أحوال؛ فعائشة أفضل من حيث العلم، وخديجة من حيث تقدمها، وإعانتها له صلّى الله عليه وسلّم في المهمات، وفاطمة من حيث البضعة والقرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوتها، وذكرها في القران مع الأنبياء، واسية من حيث الاختلاف في نبوتها، وإن لم تذكر مع الأنبياء أ. هـ.

وسئل السبكى عن ذلك، قال: الذى نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم أمها خديجة، ثم عائشة، وأما خبر الطبراني «3» «خير نساء العالمين مريم ابنة عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم اسية امرأة فرعون» ، فأجاب عنه ابن العماد بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة، لا باعتبار السيادة، واختار السبكى أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر، وللاختلاف في نبوتها.

ووقع الاختلاف في نبوّة أربع نسوة: مريم، واسية، وسارة، وهاجر، وزاد العلّامّة المتقن السراج بن الملقن في شرحه لعمدة الأحكام: حوّاء، وأم موسى عليهما السلام. وسيأتى ما يرد علي التفضيل بالحيثيات.

ومما يناسب ذكره هنا أنه وجد في بعض الرسائل ما نصّه: فى ليلة السابع

__________

(1) وقد قال أحد العلماء: «إن خديجة أفضل من ناحية أنها أم لها، أفضل من بنتها قطعا، وفاطمة أفضل من ناحية أنها بضعة منه صلّى الله عليه وسلّم» ، وعلى كل حال فمسألة التفضيل أمرها إلي الله، وليس لنا أن نخوض في ذلك.

(2) انظر مناقب السيدة فاطمة في كتب الحديث والسير.

(3) والإمام أحمد.

والعشرين من شهر رجب الفرد من سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة، قرأ شيخ الإسلام قطب الأنام، من خضعت له رقاب الفضلاء، وارتضع من ثدى معارفه النبلاء، العارف بالله تعالى الشيخ محمد الصدّيقي: المعراج الشريف، وأبدع فيما قرأ، وقدّم للحاضرين أحسن قرا، ووقع أن سأله إنسان: هل الأفضل إبراهيم ابن نبينا وأخته، أو أبو بكر الصدّيق؟ فأجاب بأنّ أبا بكر أفضل، وجرى بينه وبين السائل كلام لا ينبغى ذكره، فكتب بعض الأفاضل سؤالا ورفعه إلي العلماء من أهل العصر، فكتب شيخ الإسلام أحمد بن قاسم الجواب عنه. وصورة السؤال:

«الحمد لله» : ما تقول ساداتنا وموالينا الأئمة الأعلام، علماء السنّة وعقائد الإسلام، من أعقم الله عن الإتيان بمثلهم الليالى والأيام، حفظهم الله على كافة الأنام، ونصر بهم شريعة نبيه، وأخمد بهم عقائد أهل الشيع والبدع إلى يوم السلام، بجاه سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام، امين.

هل أحد من أولاد أبينا ادم صلّى الله عليه وسلّم غير النبيين والمرسلين من أهل البيت، ومن أولاد النبى صلّى الله عليه وسلّم أو من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، أفضل من سيدنا عبد الله أبي بكر الصديق رضي الله عنه أو لا؟ وإذا قلتم لا، فهل قول الحافظ جلال الدين السيوطى فى «خصائصه الصغري» : «وذكر الإمام علم الدين العراقى أن فاطمة وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة باتفاق صحيح بجواز اعتقاد والإفتاء به أو لا؟

وإذا قلتم لا، فهل إفتاء بعض الموجودين بأنه لا يجوز أن يقال: إن أبا بكر الصديق رضى الله عنه أفضل من سيدنا إبراهيم، وأخته فاطمة، ولدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مصيب فيه أو لا؟ وما هو مذهب أهل السنة؟ ابسطوا لنا الجواب، أحسن الله لكم الثواب؛ فإن غالب الناس خصوصا بعض العوام اعتقدوا أن ما أفتى به هذا البعض هو الصحيح، وأنتم العلماء الراسخون ذووا الترجيح فلا تكلونا إلي التلويح.

وصورة الجواب:

الحمد لله الهادى للصواب، وصلّى الله على سيدنا محمد واله وصحبه أجمعين امين.

الحقّ- إن شاء الله تعالى-، وهو الذى دّلت عليه نصوص الشرع، ونصوص أئمة الشرع، أنّ مولانا الصدّيق أفضل من عدا الأنبياء من الناس من غير استثناء أحد بعد ذلك مطلقا، وهذا هو الذى نعتقده وندين الله به، ولم نعلم أحدا من العلماء الذين أخذنا عنهم حكى خلاف ذلك، ولولا خوف الإطالة التي لا يحتملها المقام نقلنا نصوص الشرع ونصوص أئمته، وبيّناها بما يندفع به توهّم القاصرين واغترار المغرورين.

وأما ما ذكر عن الجلال السيوطى نقلا عن العلم العراقي فلا يجوز التعويل عليه، ولا العمل به عند من ألهم رشده، وكان له إلمام بكلام الأئمة وتصرفاتهم، فإنه مجرّد دعوى مخالفة لنصوص الشرع وأئمته من غير سند يعتدّ به، وليست دعوى الاتفاق بالأمر الهيّن، ولا كل من ادّعاه يقبل منه ذلك، وكم دعاوى للاتفاق، بل وللإجماع مردودة لا يلتفت إليها كما لا يخفى علي ممارس العلوم، ويكفي في رد هذه الدعوى أنهم حكوا في التفضيل بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما ثلاثة أقوال: تفضيل عائشة، تفضيل فاطمة، التوقف. وممن حكى هذا الخلاف العلامة الإمام عز الدين بن جماعة، فقال: اختلف في التفضيل بين عائشة وفاطمة علي مذاهب ثالثها- وهو الأسلم- التوقف أ. هـ.

ومعلوم انحطاط رتبة عائشة عن الصدّيق رضى الله عنهما؛ فإذا جرى قول بتفضيل عائشة على فاطمة رضي الله عنهما، وقول اخر بالتوقف بينهما، فكيف يصح دعوى الاتفاق على تفضيل فاطمة رضي الله عنها على الخلفاء الأربعة الذين منهم وأفضلهم الصديق رضي الله عنه؟! ودعوى الخلاف مقدّمة علي دعوى الاتفاق؛ لأن الأوّل من قبيل الإثبات، والثانى من قبيل النفي، والإثبات مقدّم علي النفى لأن معه زيادة علم كما تقرّر ذلك في الأصول، وبهذا ثبت ردّ دعوى الاتفاق بالنسبة لفاطمة رضي الله عنها، فليثبت في ردّه بالنسبة للباقي، إذ لا قائل منّا ومن هذا المدّعى لذلك الاتفاق بالفضل، بل مجرد النظر إلى ردّه بالنسبة لفاطمة رضي الله عنها قرينة قوية تقرب من الصريح إن لم تكن منه، علي اختلال تلك الدعوى وعدم تحرّى صاحبها وعدم احتياطه في نقله.

ومما يعارضها أشد المعارضة إن لم يكن مصرّحا بردّها قول العلّامة محمد

ابن أبى بكر الرازي في شرح «يقول العبد» : واعلم أنه تعالى قد فضّل محمدا علي جميع الأنبياء، ثم بعده أفضل هذه الأمة وأرجحهم من جميع الصحابة والال: أبو بكر الصديق رضى الله عنه.

ثم قال: ومن قال إن أحدا أفضل من أبى بكر كان معتزليا ورافضيا، ثم قال أيضا: واعلم أنّ بعد أبى بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد في أمة محمد ولا في أصحابه وأهل بيته أفضل من عليّ رضي الله عنه أ. هـ.

فتأمل قوله «فى أمة محمد ولا في أصحابه وأهل بيته» فإنه بمنزلة الصريح إن لم يكن صريحا في تفضيل علي رضى الله عنه علي جميع من عدا الثلاثة من أهل البيت وغيرهم من غير استثناء أحد منهم، وإذا كان هذا في عليّ رضى الله عنه، فكيف بمن هو أفضل منه كالصدّيق رضي الله عنه، ولما استدل الكمال بن الهمام علي تقديم علي رضي الله عنه بعد الثلاثة بقوله ما نصه:

«ولما أجمعوا (أى الصحابة) علي تقديم عليّ بعدهم، دلّ على أنه كان أفضل من بحضرته؛ فكان منهم الزبير وطلحة، فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة» .

بحث معه في هذا الاستدلال تلميذه العلّامة الكمال بن أبى شريف، فقال: لا يلزم من كونه أفضل الخلق بعد الثلاثة ممن بحضرته، ومن غاب عنه أو تقدمت وفاته علي الإجماع المذكور كأبى عبيدة بن الجراح، وحمزة والعباس، وفاطمة، نعم إذا ضم إلى ذلك الإجماع علي أنه أفضل ممن عدا الثلاثة من الخلق ثبت ذلك، وثبتت أفضليته عليهم بأدلة السمع أ. هـ.

فانظر قول هذا العلامة المتأخر الواسع الاطلاع «نعم إذا ضمّ إلى ذلك الإجماع إلى اخره» مع التمثيل قبله بفاطمة رضي الله عنها تجده جازما بتفضيل علي- رضى الله عنه- على فاطمة رضي الله عنها، فكيف بمن هو أفضل من عليّ بمراتب، وهو الصديق رضى الله عنه؟! وهذا مما يردّ دعوى الاتفاق بالنسبة لفاطمة رضي الله عنها، ويقتضى ردّه مطلقا بالطريق الذى قدّمناه.

وأما إفتاء بعض الموجودين المشار إليه، فقد علم حاله وحالنا فيه، مما قررنا.

والرأي: الضرب عنه صفحا؛ فإنه لا أثر له، لا سيما ولم نعلم أن أحدا من

أهل الإفتاء أفتى بخلاف ما قلناه، ومنصب الإفتاء قد انحطت رتبته وتسوّره كل من أراد، بل تجرأ عوام الطلبة عى التكلم فيما شاؤا بما شاؤا «1» وعلى إساءة الأدب في حق علماء الدين وسادات العارفين، لتغافل العلماء من أولى الأمر عن أحوالهم وتشاغلهم عن البحث عن أوصافهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

وأما قول السائل: فإن غالب الناس- خصوصا العوام- إلي اخره فهو عجيب، فإنه يدل على أن غير العوام اعتقد ذلك أيضا، مع أنه لا يعتقد ذلك من عنده أدنى معرفة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والله تعالى أعلم.

(قال ذلك وكتبه الفقير أحمد بن قاسم العبّادي، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه، وفعل ذلك بوالديه ومشايخه امين، وصلواته على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين) .

قال العزيزى في شرح الجامع الصغير في حديث: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، واسية بنت مزاحم امرأة فرعون» ما نصه: قال العلمي: «وأفضلهن فاطمة، بل هى وأخوها إبراهيم أفضل من سائر الصحابة، حتى الخلفاء الأربعة» أ. هـ.

وقال الرمليّ: «أفضل نساء العالم مريم بنت عمران، ثم فاطمة بنت النبى صلي الله عليه وسلّم، ثم خديجة، ثم عائشة» . رواه الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس. ا. هـ

وقد تقدّم في جواب البكرى وابن قاسم العبادى ما يخالف ذلك، وأنّ الصدّيق أفضل الناس بعد الأنبياء، على أن العزيزى قال في حديث: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإنّ خليلى أبو بكر» هو أفضل الناس عى الإطلاق بعد الأنبياء أ. هـ.

__________

(1) هذا في وقته هو، فكيف به في وقتنا الذى انطلقت فيه الألسنة بدعوى الاجتهاد، وأوقعوا المسلمين في الحرج.

وقول ابن قاسم فيما تقدم: «ويكفى في رد هذه الدعوي» إلى اخره، قال شيخ الإسلام في شرح البهجة: «الذى أختاره أنّ الأفضلية محمولة على أحوال؛ فعائشة أفضل من حيث العلم، وخديجة أفضل من حيث تقدمها، وإعانتها له صلّى الله عليه وسلّم فى المهمات، وفاطمة من حيث البضعة والقرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوّتها، وذكرها في القران مع الأنبياء، واسية من حيث الاختلاف في نبوتها، وإن لم تذكر مع الأنبياء أ. هـ.

وأقول: إن صحّ التفضيل بالحيثية رجع الخلاف لفظيا ودفع التعارض في الأقوال، إلا أنه لا يمكن أخذه بالقبول على عمومه في جميع الحيثيات؛ لأنه فتح باب يعيي سدّه، فلو سلم قبوله في حق السيدة فاطمة وأخيها، فلا يقبل في حق الإمام على كرم الله وجهه بالنسبة إلى أبى بكر رضى الله عنه، نظرا إلي حيثية القرابة القريبة أو الصهارة، على أنه يلزم من ذلك اعتبار الحيثية في حق السيدة رقية وأم كلثوم، زوجتي عثمان بن عفان رضى الله عنه، كما يلزم أن الشخص الواحد يكون فاضلا من جهة ومفضولا من أخرى، فيرجع إلى التساوي، مع أنّ مطمح النظر الأفضلية واعتقادها. وأما المحبة لمثل على رضي الله عنه لحيثية النسب من ذريته، على اختلاف طبقاتهم، فشىء اخر إذا كان معها حب أبى بكر رضي الله تعالى عنه وبقية الصحابة، ولذلك قال على كرم الله وجهه «لا يجتمع حبّى وبغض أبى بكر وعمر» لأنهما ضدّان، وهما لا يجتمعان؛ فالمحبة المعتبرة الممدوحة هى ما كانت مع اتباع سنّة المحبوب؛ إذ محبته من غير اتباع سنته- كما عليه الشيعة والرافضة من محبتهم مع مجانبتهم للسنّة-، لا تفيد مدّعيها شيئا من الخير؛ لأنها ليست محبة حقيقية، بل هى خالية عن التأدب باداب المحبوب، فأتباع عليّ الحقيقيون هم أهل السنة، لا الشيعة، وعليه الحديث الذى أخرجه الدار قطنى مرفوعا: «يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك (أى حزبك المولعون بحبك أكثر من غيرك) في الجنة، وإن قوما يزعمون أنهم يحبونهم يصغّرون الإسلام ويلفظونه ويمرقون منه كما يمرق السهم من الرميّة، لهم نبز يقال لها الرافضة، فإذا أدركتهم فقاتلهم؛ فإنهم مشركون» قال الدارقطني: ولهذا الحديث عندنا طرق كثيرة.

2- ثم تزوج صلّى الله عليه وسلّم بعد موت خديجة سودة بنت زمعة بنت قيس بن عبد شمس بن عبدودّ بمكة قبل الهجرة، وكبرت عند النبى صلّى الله عليه وسلّم، فأراد فراقها، فوهبت نوبتها من النبى عائشة، وقالت: لا رغبة لي في الرجال، وإنما أريد أن أحشر مع أزواجك، فأمسكها. وكان يقسم لبقية أزواجه ويقسم نوبتها لعائشة، وتوفيت بعده في شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة.

والقسم في حقه صلّى الله عليه وسلّم غير واجب، وإنما هو من باب العدل والإنصاف.

3- ثم تزوج صلّى الله عليه وسلّم عائشة بنت أبى بكر الصديق رضي الله عنه بمكة، قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث، وهى بنت ست أو سبع، وقالت: تزوجنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإنى لألعب مع الجوارى والبنات، فما شعرت بذلك حتّى حبستنى أمى عن الخروج، فوقع في نفسى أنى قد زوّجت، وما سألتها حتي أخبرتنى ابتداء. وبنى بها صلّى الله عليه وسلّم في المدينة، وهى بنت تسع، ومات عنها وهى بنت ثمانى عشرة. وتوفيت سنة ثمان وخمسين، وقيل غير ذلك، وصلّى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع، ونزل في حفرتها عبد الله بن الزبير، وهو ابن أخت



كلمات دليلية: