نزول جبريل بالوحي أول مرة سنة 1 من البعثة

نزول جبريل بالوحي أول مرة سنة 1 من البعثة

ظلَّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يتردد على جبل النور، مختليًا بنفسه، منعزلًا عن الناس، متأملًا في ملكوت السماء والأرض، شاخصًا ببصره إلى السماء، وقد تجردت نفسه عن مشاغل الدنيا، وصَفَت رُوحه بعد طول تأمل ومناجاة، يرجو أن يجد إجابة عما يدور في نفسه من تساؤلات لما يجده ويشعر به، لعلها تشفي حيرة نفسه وتهدئ ثورة روحه، إلى أن أصبحت نفسه الكريمة مهيّأة تمامًا لتلقّي السرّ الإلهي (النبوة).

فلما أتمَّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم عامه الأربعين -وهو عُمْر يبلغ فيه العقل تمام نضجه، ذلك النضج الذي يساعد صاحبه على فهم الأمور فهمًا صحيحًا- شرَّفه الله -عز وجل- بنور النبوة؛ وابتعثه هدايةً للناس ونورًا ورحمةً للعالمين، قال سبحانه: (يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦) [المائدة: 15-16]، وقال -جلَّ شأنه-: (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧)[الأنبياء: 107]

وامتازت بعثتُه صلى الله عليه وسلم عن غيرها من بعثة الأنبياء السابقين، بأنها موجهة للناس كافَّة؛ قال تعالى: (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨) [سبأ: 28]. وكيف لا وهي خاتمة رسالات السماء إلى الأرض، وهو النبي الخاتم الذي ليس بعده نبي؟!

وقد كانت بعثته -صلوات ربي وسلامه عليه- يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان، الموافق لشهر أغسطس عام 610 م، وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتئذٍ أربعين سنة قمرية، وستة أشهر واثنا عشر يومًا [زاد المعاد، رحمة للعالمين، الرحيق المختوم]

وعن يوم المبعث تروي لنا السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن ذلك النبأ العظيم، وتلك الواقعة المهيبة والأهم في تاريخ الأرض بكاملها، لحظة التقاء الوحي بالبشر، والتي كانت نقطة بداية النبوة التي غيَّرت -فيما .بعد- مجرى الحياة

فقد أَذِنَ الله -جلَّ شأنه- لأمين وحي السماء أن ينزل على أمين أهل الأرض، في خير بقاع الأرض؛ ليتلو عليه بضع آيات من كتاب الله كبداية، معلنًا بها تتويجه بالنبوة وتشريفه بمقام الرسالة.

وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما قصة نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم «فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: أَقْرَأْ، فَقُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5]) ، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي [ أي: غطوني]»، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي» وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي».

فما كان من زوجته خديجة -رضي الله عنها- وهي السيدة العاقلة الرصينة، إلا أن هدأته وطمأنته على نفسه، قائلة: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ [أي: تنفق على الضعيف واليتيم]وذي الحاجة وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ [أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد] ومكارم الأخلاق-، وَتَقْرِي الضَّيْفَ [أي: تهيىء له القرى وهو ما يقدم للضيف من طعام وشراب]، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ [ النوائب: جمع نائبة، وهي ما ينزل بالإنسان من المهمات، وأضيفت إلى الحق لأنها تكون في الحق والباطل] »(متفق عليه)

قال العلماء:معنى كلام خديجة- رضي الله عنها- إنك لا يصيبك مكروه لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وكرم الشمائل. ( شرح النووي على مسلم)..

« فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَآهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا-أي: شابًا-، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا،ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ (أي: يلبث) وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم » [ متفق عليه].

«فكان بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ونزول صدر سورة «اقرأ» نقطة تحول في تاريخ البشرية، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور، طريق الله المستقيم المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة؛ حيث استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض وتبينت خطوطه ومعالمه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . لا غموض ولا إبهام. إنما هو الضلال عن علم، والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد. إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة. الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد. والذي كان فرقانا في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل. والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به، وسجله الضمير الإنساني. وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها وأن يذكر دائما أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان»( بتصرف من روضة النعيم)