ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم_1035

ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم


[مولده] :

ولد صلّى الله عليه وسلّم يوم الاثنين «1» حين طلع الفجر، وهو وقت البركة كما قال صلّى الله عليه وسلّم:

«بورك لأمتى في بكورها» «2» لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل على المشهور. واختلف في عام ولادته صلّى الله عليه وسلّم؛ فالأكثرون على أنه عام الفيل، وبه قال ابن عباس، وحكي الاتفاق عليه، قيل: وكل قول يخالفه وهم، والمشهور أنه بعد الفيل بخمسين يوما، وإليه ذهب السهيلى في جماعة، وقيل غير ذلك. ويوم الاثنين كانت هجرته ووفاته، وكذا الإسراء «3» به، قيل: وابتداء نبوته، فلهذا صارت أيامه مبتسمة الثغور ولياليه مشرقة بالنور. وكان صلّى الله عليه وسلّم معتدل الخلق والخلق كما هو مشهور، وكانت ولادته في زمن الملك العادل كسرى أنوشروان، وهو لقب لكل من ملك الفرس. وموضوعيّة* حديث «أنا ولدت في زمن الملك العادل كسرى أنوشروان» لا تمنع من وصف كسرى بالعدل، فقد ذكر الغزالى رحمه الله تعالى في كتاب «السير والسلوك إلى مالك الملوك» أن الخالق جلت قدرته أرسل نبيه في أسعد وقت وأوان، فيه خير الملوك؛ فكان الملك في ذلك الزمان كسرى أنوشروان، وأنه فاق جميع الملوك بعدله وسياسته، وذلك كله

__________

(1) وقال الخوارزمى: «ولد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الاثنين 8 من ربيع الأوّل عام 1 من الفيل- وبعث صلّى الله عليه وسلّم يوم الاثنين 8 من ربيع الأوّل عام 40 من الفيل- من مولده إلى مبعثه أربعون عاما ويوم واحد- من مبعثه إلى أوّل المحرم من السنة التى هاجر فيها 12 عاما وتسعة أشهر وعشرون يوما (وثلاث وخمسون سنة تامة من أوّل عام الفيل) - خرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين 8 من ربيع الأوّل عام 54 من الفيل- انتقل إلى الرفيق الأعلى يوم الإثنين أوّل ربيع الأوّل سنة 10 هجرية» اهـ. ما قاله الخوارزمى ملخصا. انظر الاستيعاب لابن عبد البر- وعن ابن عباس: «ولد نبيكم صلّى الله عليه وسلّم يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وكانت وقعة بدر يوم الاثنين» هذا ما روى عن ابن عباس، والمعروف المشهور أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة والله أعلم.

(2) رواه الطبراني في الأوسط عن أبى هريرة، وعبد الغنى في الإيضاح عن ابن عمر.

(3) أسرى به صلّى الله عليه وسلّم يوم الإثنين، وقال الزهري: كانت الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة بن الزبير، وقال السدي: بستة عشر شهرا.

* أى كونه حديثا موضوعا.

ببركة قدوم سيد الكائنات وأشرف الموجودات؛ فوصف كسرى بالعدل، وإطلاق العدل عليه لتعريفه بالاسم الذى كان يدعى به في زمنه، لا لوصفه بالعدل والشهادة له بذلك؛ فإنه كان يحكم بغير حكم الله، أو وصفه بذلك بناء على اعتقاد الفرس فيه أنه كان عادلا كما قال تعالى: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ [هود: 101] أى ما كان عندهم الهة، ولا يجوز أن يسمّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من يحكم بغير حكم الله عادلا، وهذا على فرض صحة الحديث، والحق أنه كذب لا أصل له كما نقله الحفّاظ من المتقدمين والمتأخرين.

وكان مولده صلّى الله عليه وسلّم بالشّعب؛ وهو شعب بنى هاشم (مكان معروف عند أهل مكة يخرجون إليه في كل عام يحتفلون بذلك أكثر من احتفالهم يوم العيد إلى يومنا هذا، فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج) «1» .

[أسماؤه صلّى الله عليه وسلّم] :

وهو صلّى الله عليه وسلّم دعوة إبراهيم عليه السلام حين بنى الكعبة دعا لأهل مكة فقال:

رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: 129] ، وبشرى عيسى عليه السلام في قوله تعالى: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6] وأخرج من حديث عمرو بن مرة قال: خمسة تسموا قبل أن يكونوا: محمد بقوله:

وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6] ، ويحيى بقوله: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مريم: 6] ، وعيسى بقوله: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ال عمران: 39] وإسحاق ويعقوب بقوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: 71] . وإنما سمى في بشارة عيسى باسم أحمد مع أن اسمه الذى سماه به جده عبد المطلب محمد؛ رجاء أن يحمد في السموات والأرض، وقد حقق الله رجاءه كما سبق في علمه؛ لأن أحمد في الحقيقة أبلغ من محمد، كما

__________

(1) ذكر محب الدين الطبرى المكى في كتابه «القرى لقاصد أم القري، فى ص 664 قال: «كان عقيل بن أبى طالب قد استولى على بيت النبى صلّى الله عليه وسلّم زمن الهجرة، فلم يزل بيده ويد ولده حتي باعوه لمحمد بن يوسف (أخى الحجاج الثقفي) فأدخله في داره التي يقال لها البيضاء، ثم تعرفت بدار ابن يوسف، ولم يزل ذلك كذلك حتّى حجت الخيزران (جارية المهدي) فجعلته مسجدا يصلّى فيه، وأخرجته من الدار إلى الزقاق الذي يقال له «زقاق المولد» . اهـ ... وهو الان مكتبة عامة.

أن أحمر وأصفر أبلغ من محمّر ومصفر، قال صلّى الله عليه وسلّم: «لى خمسة أسماء؛ أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس علي قدمي، وأنا العاقب الذى ليس بعدي نبي» «1» وقد سمّاه الله رؤفا رحيما «2» .

وقد ذكر الحافظ ابن سيد الناس اليعمرى فيما وافق من أسماء الله الحسنى لأسماء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قصيدة له فقال:

وحلّاه من حسني أساميه جملة ... أتي ذكرها في الذكر: ليس يبيد

وفي كتب الله المقدس ذكرها ... وفي سنّة تأتي بها وتفيد

رؤف رحيم فاتح ومقدّس ... أمين قوي: عالم وشهيد

وليّ شكور صادق في مقاله ... عفو كريم بالنّوال يعود

ونور وجبار وهاد من اهتدي ... ومولي عزيز ليس عنه محيد

بشير نذير، مؤمن ومهيمن ... خبير عظيم: بالعظيم يجود

وحقّ مبين اخر أوّل سما ... إلى ذروة العلياء وهو وليد

فاخر أعني اخر الرسل بعثة ... وأوّل من ينشقّ عنه صعيد

أسام يلذ السمع إذ هي عدّدت ... نعوت ثناء والثناء عديد

ومن أسمائه صلّى الله عليه وسلّم: طه، يس، والمزّمل، والمدثر «3» وعبد الله، فى قوله تعالى:

وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [الجن: 19] ، ونبى التوبة ونبى الرحمة «4» ، ومذكّر في

__________

(1) وللحديث ألفاظ وروايات مختلفة ذكرها السيوطى في جامعه ص 331 ج 1 مخطوط، ومن رواتها البغوى في الجعديات، والباوردى والحاكم والطبراني عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، والترمذى في الشمائل، وابن سعد عن مجاهد مرسلا: كلّ بروايته وسنده. وكثرة الروايات دليل صحة الحديث، والحمد لله رب العالمين.

(2) في اخر سورة التوبة: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.

(3) فى قوله تعالى: طه (1) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى - يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ- يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ- يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.

(4) من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبى التوبة، ونبى الرحمة، رواه الإمام أحمد والإمام مسلم عن أبى موسى الأشعري، زاد الطبراني: «ونبى الملحمة» .

قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية: 21] ، إلى غير ذلك من الأسماء.

روى الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم ينتظرون خروجه، قال: فخرج حتّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبا، إن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه خليلا: اتخذ إبراهيم خليلا، وقال اخر: ماذا بأعجب من كلام موسي: كلّمه تكليما، وقال اخر: ماذا بأعجب من جعله عيسى كلمة الله وروحه، وقال اخر:

ماذا بأعجب من ادم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، فسلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه، وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم؛ إن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وإن موسى نجيّ الله، وإن عيسى روح الله وكلمته، وإن ادم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا سيد الأوّلين والاخرين ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر، «1» انتهي، فقوله صلّى الله عليه وسلّم «ألا وأنا حبيب الله» أراد صلّى الله عليه وسلّم المحبة العامة التى منها توحيد المحبة، وهى الخلّة الخاصة؛ فهو صلّى الله عليه وسلّم حبيب وخليل، حيث تخللت المحبة الموجدة في جميع أجزاء روحه صلّى الله عليه وسلّم كما قيل:

قد تخلّلت موضع الرّوح منّي ... وبذا سمّي الخليل خليلا

لا سيما وأنه قد صحّ أن الله اتخذ نبينا خليلا، فحصل له من الإنعام الحبّ العام على الخاص والعام، كما قيل:

خللت بهذا خلّة بعد خلّة ... بذلك طاب الواديان كلاهما

فلا نظر لزعم من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل؛ محتجّا بأن محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وقد علمت ما يفيد خلاف ذلك، لما صحّ عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» وفي الحديث

__________

(1) وقد ذكره السيوطى في جامعه ص 603 ج 1 من رواية الترمذى عن ابن عباس.

«لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا» «1» فلم يتخذ أبا بكر إلا حبيبا، على أن المحبة في ذاتها أفضل من الخلة كما هو التحقيق؛ لما أن الحبيب من يحب بلا امتحان، والخليل من يمتحن ليحب، ولأنه صلّى الله عليه وسلّم يوصف بالحبيب وإن كان خليلا، وإبراهيم عليه السلام يوصف بالخلة وهو حبيب، لصدق تعريف الحبيب عليه. ولأهل الإشارة* مشرب اخر حسن في مغايرة المحبة والخلة وتفضيل الأولى على الثانية، حيث قالوا: إنما اتصل الخليل بواسطة: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: 75] ، والحبيب بدونها: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [النجم: 9] وقد علمت أنه لا حاجة إلى ذلك لعموم المحبة ودخوله فيها، وأن هذه الإشارة الصوفية مطمح النظر فيها سيدنا محمد وسيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

وقد خص الله تعالى كلّ واحد من أنبيائه بكرامة؛ فأكرم ادم عليه السلام بسجود الملائكة له وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: 34] ، ونوحا عليه السلام بإجابة الدعوة: لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً

[نوح: 26] ، وموسى عليه السلام بالكلام: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: 164] ، وإبراهيم عليه السلام بالخلة وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125] ، ونبيّنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم بالصلاة عليه بالاية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: 56] .

وقوله: «أنا سيد الأولين والاخرين» إخبار عمّا أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدّث بنعمة الله تعالى عليه، وإعلام لأمته، ليكون إيمانهم به على حسب موجبه، ولذا أتبعه بقوله: «ولا فخر» والمعنى: هذه الفضيلة التى نلتها كرامة من الله لم أنلها من قبل نفسى ولا بلغتها بقوّتي، فليس لى أن أفتخر بها،

__________

(1) ولفظ الحديث بتمامه: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، فمنزلي ومنزل إبراهيم فى الجنة يوم القيامة تجاهين، والعباس بيننا؛ مؤمن بين خليلين، رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو. وروى الطبراني: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإن خليلى أبو بكر» ، قال المناوى في شرح هذا الحديث في «فيض القدير» : وأما خبر: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، فقاله قبل العلم. اهـ. وبهذا يكون هذا الحديث ناسخا لما قبله، والله أعلم.

* المتصوفون.

ولا يعارض هذا ما في الحديث «أنه جاءه رجل فقال له: أنت سيد قريش، فقال:

السيد الله» «1» أى هو الله الذى يحق له السيادة، إذ هو محمول على أنه كره أن يحمد في وجهه، وأحبّ التواضع، وكذلك ما روي عنه عليه الصلاة والسلام «لا تفضّلونى على يونس بن متّى» «2» أى تفضيلا يؤدى إلى تنقيصه، وإلا فهو صلّى الله عليه وسلّم سيد ولد ادم على الإطلاق، وقد روى عن على رضى الله عنه قال: «سمعت حبيبى رسول الله» يقول: هبط عليّ جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا؛ فسيد البشر ادم، وسيد ولد ادم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر، وسيد المشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القران، وسيد القران سورة البقرة» «3» .



كلمات دليلية: