صحابة رسول الله.. نجوم الهداية في السماء

مكانة وفضل صحابة رسول الله

تظل حياة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وصحابته، شعلة الإيمان التي تحيي القلوب؛ فقد استطاعوا إيقاظ الضمير الإنساني بحقيقة التوحيد، وكانوا أسوة في الفضائل والتضحية لأجل غاية أسمى تسمو على الحياة الزائلة.

إنها تاريخ رجال جاءتهم دعوة الإسلام فآمنوا بها، وصدقتها قلوبهم، وما كان قولهم إذا دعوا إلى الله ورسوله إلا أن قالوا:(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا) [آل عمران: ١٩٣].

وضع الصحابة أيديهم في يد الرسول، وهانت عليهم نفوسهم، وأموالهم، وعشيرتهم، طابت لهم المكاره في سبيل الدعوة إلى الله، وصدرت عنهم عجائب الإيمان بالغيب، والحب لله والرسول، والرحمة على المؤمنين والشدة على الكافرين، وإيثار الآخرة على الدنيا، وإخراج خلق الله من جور الأديان إلى عدل الإسلام، والشوق إلى لقاء الله والحنين إلى الجنة [أبوالحسن الندوي: تقديم كتاب الصحابة للكاندهولي]

من هو الصحابي؟

من بين أكثر التعريفات شيوعًا وشمولًا للصحابة ما قدمه العلامة ابن حجر بقوله: «من لقي النبي مؤمنًا به ومات على الإسلام، ويدخل في هؤلاء من طالت مجالسته له، أو قصرت، ومن روى عنه، أو لم يرو، ومن غزا معه، أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى» [الإصابة في تمييز الصحابة]

وقال البخاري: «من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه»[كتاب فضائل الصحابة]

‏والصحبة في اللغة هي الملازمة والمرافقة‏ والمعاشرة. [المعجم الغني]

فضل الصحابة في القرآن

وردت الكثير من الآيات في فضل الصحابة الكرام، ومنها قوله تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )[التوبة:١٠٠]

 

وقال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) [الفتح:١٨]

 

وقول الله عزَّ وجل:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[ سورة الفتح:٢٩]

 

محبة محمد لأصحابه

وردت العديد من الأحاديث في فضل صحابة النبي، ومن ذلك ما رواه أبوهريرة عن النبي :«لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحدَكُم أنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا؛ ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهِم ولا نَصِيْفَهُ»(رواه البخاري)

 

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي :«إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(رواه مسلم)

وعن أبو بردة رضي الله عنه، عن النبي : «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»(رواه مسلم)

 

الصحابة خير أمة

 

‏اتفق أهل السنة ‏على أن جميع الصحابة عدول‏ (يتمتعون بالتقوى والمروءة)، فلا يجوز تجريحهم والطعن في نزاهتهم، وأنهم خير ممن يأتي بعدهم من الخلق أجمعين.

واتفق العلماء أنه حتى وإن وقع بعض الصحابة في الفتنة، فإنه يُحسِن الظن بهم، وذلك لاقتران ذكرهم بالثناء دومًا في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)[آل عمران:١١٠][الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر]

 

وقول الله عزَّ وجلَّ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)[البقرة:١٤٣]

 

والوسط: الخيار والعدول، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونيّاتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرّسل على أممهم يوم القيامة، واللَّه تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نوّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم، لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلّي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم، والشّاهد المقبول عند اللَّه هو الّذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندًا إلى علمه به [ابن حجر، الإصابة]

 

وقد أخبر الله تعالى عن اجتبائه للصحابة ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ..)[الحج:٧٨]

وقد أجمع أهل السّنّة على أن أفضل الصّحابة بعد النّبي صلّى اللَّه عليه وسلم على الإطلاق أبو بكر ثم عمر [البيهقي نقلا عن الإمام الشافعي]، وقد سُئل رسول الله : «يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قَالَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا» (سنن الترمذي).

 

وتقديمه في الصّلاة يؤكد ذلك، وصحّ من حديث ابن عمر قال: «كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لاَ نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ»(رواه البخاري)

 

لقد كانت لله حكمة عَلِيَّة في اختيار الصحابة لحمل شريعته الختامية، وبالتالي فإن معرفة آثار هؤلاء الرجال يعتبر دفاعًا عن الكتاب والسّنّة، وأصول الإسلام من ناحية، ويعتبر إنصافًا أدبيًّا لمن يستحقونه من ناحية ثانية، ويعتبر تقديرًا لحكمة اللَّه البالغة في اختيارهم لهذه المهمّة العظمى من ناحية ثالثة.[الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر]

 

رجال حول الرسول

 

معان عديدة تثور حين نتصفح سير الصحابة الكرام، ممن التفوا حول رسول الله :

ما الذي جعل سادة قومه (أبو بكر وسعد بن أبي وقاص وعثمان مثلًا) يسارعون إلى كلمات محمد متخلين عن كل مجد، مستقبلين حياة مليئة بالأعباء؟!

ما الذي جعل ضعفاء قومه يلوذون بحماه وهم يبصرونه أعزل من المال والسلاح..

 

ما الذي جعل جبار الجاهلية- عمر بن الخطاب رضي الله عنه- وقد ذهب ليقطف رأسه العظيم بسيفه، يعود ليقطف بنفس السيف الذي زاده الإيمان مضاء، رؤوس أعدائه ومضطهديه؟!

 

ما الذي جعل صفوة رجال المدينة ووجهائها يغدون إليه ليبايعوه على أن يخوضوا معه البحر، وهم يعلمون أن المعركة بينه وبين قريش ستكون أكبر من الهول.

 

ما الذي جعل المؤمنين به يزيدون ويصدقون أن الدنيا ستفتح عليهم أقطارها، وأن هذا القرآن الذي يتلونه في استخفاء ستردده الآفاق عالي الصدح قوي الرنين

 

إنه محمد بن عبدالله ، الذي شاهدوا تميزه منذ صباه وتقواه وورعه وصدقه وأمانته ، ورسالته المحكمة المتمثلة في القرآن الكريم تلك المعجزة الخالدة بين أيديهم، كما رأوا تحمله المشاق معهم، وبعد أن دانت له الجزيرة العربية وما حولها رأوا عفوه عمن أساء إليه، وتقواه التي تجعله يقف فوق المنبر يناشد من ظلمه بالقصاص منه، وورعه حين يبكي متبتلًا يدعو ربه ويناجيه جهرًا وسرًا، صباحا ومساء، إنه محمد الذي ترك الدنيا وزهد فيها وكان هو وأهله أول من يجوع وآخر من يشبع، حتى لقي ربه وهو نائم فوق حصير تترك عيدانه آثارها في جسده الشريف .. صلى الله عليه وسلم. [رجال حول الرسول لخالد محمد، بتصرف]